الدرس : 07 - سورة الشورى - تفسير الآية 20 ، معرفة حقيقة الدنيا جزء من عقيدة المسلم - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 07 - سورة الشورى - تفسير الآية 20 ، معرفة حقيقة الدنيا جزء من عقيدة المسلم


1994-03-18

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الأخوة الكرام، مع الدرس السابع من سورة الشورى.

أساس الحياة الدنيا الكسب و السعي و المجاهدة:

 مع الآية العشرين وهي قوله تعالى:

﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ(20)﴾

(سورة الشورى)

 أيها الأخوة المؤمنون، الإنسان في الأصل مخلوق للدار الآخرة، لأن الدار الآخرة أبدية، فالله سبحانه وتعالى خلق الخلق ليرحمهم في دارٍ لا موت فيها، ولا نَصَب، ولا تعب، ولا هم، ولا حزن، ولا شيء مما يُنَغِّص الحياة فيها، مخلوقٌ للآخرة، وما الحياة الدنيا إلا إعدادٌ لها، سمَّاها الله الحياة الدنيا لأنها إعدادٌ لحياةٍ عليا، فالحياة الدنيا أساسها الكسب، والسعي، وبذل الجهد، والمكابدة، والكدح، قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾

( سورة الانشقاق )

﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾

( سورة البلد )

الحكمة من جعل الدنيا دار التواء لا دار استواء:

 أساس الحياة الدنيا بذلٌ الجهدِ، واكتساب العمل الصالح، وأساس الحياة الآخرة الطلب..

﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾

( سورة ق )

 لمجرد أن تطلب شيئاً فهو بين يديك، ولمجرَّد أن يخطر على بالك شيء فهو في متناولك، إنها حياةٌ أبديةٌ سرمدية، لا مرض، ولا قلق، و لا خوف، ولا سيطرة، ولا حسد، ولا نقص، ولا تراجع، وكل منغِّصات الدنيا منتفيةٌ في الآخرة، بل إن الله سبحانه وتعالى شاءت حكمته أن يجعل الدنيا دار التواء، لماذا ؟ كي ننصرف إلى الآخرة، ولو أن الدنيا جاءت كما نشتهي لكرهنا لقاء الله عز وجل، وليس من الحكمة أن تأتينا الدنيا كما نريد، إذاً نركن إليها، ونكره لقاء الله عزَّ وجل.

المؤمن إن لم ينقل اهتماماته إلى الآخرة فعذابه شديد فيها:

 لو دققت في حياة الناس، لوجدت كل إنسان له مشكلةٌ تجعله ينفر من الدنيا ؛ إما فقرٌ، أو قلقٌ، أو حياةٌ زوجية ليست سعيدة كما يتمنى، أو أولاد ليسوا أبراراً، أو أولاد أبرار والزوجة ليست وفيَّة، أو الزوجة وفية والأولاد أبرار والدخل أقل مما ينبغي له، الدخل جيد، والزوجة جيدة، لكن في الإنسان مرضاً، فطبيعة الحياة الدنيا مؤقَّتة، فكل من تعلق بها:
 " أوحى ربك إلى الدنيا أنه من خدمك فاستخدميه، ومن خدمني فاخدميه ".
 الإنسان إذا عرف حقيقة الحياة الدنيا دار إعداد، فغرفة الصف لا ينبغي أن يكون المقعد فيها وثيراً، فلو أن المقعد وثيرٌ لاستغرق الطالب في نومٍ عميق، فلا بد من مقعدٍ خشن، ولا بد من جوٍ بين البرودة والحرارة، فلو كان الجو لطيفًا دافئًا جداً والمقعد وثيراً جداً، وكل أنواع المقبِّلات، والموالح، و الساندويش في غرفة الدرس لنسي الطالب المحاضرة، فطبيعة الحياة الدنيا من أجل أن تكون منطلقاً فيها إلى الله عز وجل.
 والحقيقة الإنسان إذا عرف حقيقتها لا يتألم مما فيها، أما إذا ظنها دار استقرار، ودار نعيم، ومتعة، ونشد فيها الراحة المُطلقة، والنعيم المقيم، والعِز، والمال، والجاه، فهذا الذي ينشده في الدنيا مستحيل أن يصل إليه، لأنها مركَّبة على النقص، وإذا علمت أنها مُركبة على النقص فترضى بها، وتنطلق منها إلى الله عزَّ وجل، وتجعل الهدف الكبير هو الآخرة، لا تعوِّل عليها كثيراً، بل عوِّل على ما عند الله كثيراً، ولذلك فالمؤمن ما لم ينقل اهتماماته الأساسية إلى الدار الآخرة، فإنه معذبٌ فيها أشد العذاب، بل إن طبيعة الإنسان إذا تقدَّمت به السن ضعفت قواه، وضعفت ملكاته.

العاقل من أعدّ العدة لآخرته لا لدنياه:

 ربنا عز وجل (وهنا نقطة مهمة جداً) كتب علينا أن ننتقل من الدنيا إلى الآخرة، فلو أن كل واحد منا جاءته الدنيا كما يشتهي تماماً، وحقق كل أهدافه فيها، لكان أصعب يومٍ عليه ساعة الفراق، فهو شيء صعب جداً لكن ربنا من رحمته بنا يكرِّهنا بالدنيا من خلال بعض المشكلات، حتى إذا جاء لقاء الله عزَّ وجل اشتاق المؤمن إلى هذا اللقاء.
 وعلى كلٍ جزء من عقيدة المسلم الأساسية أن يعرف حقيقة الحياة الدنيا: " إنها دار التواء، لا دار استواء، ومنزل ترحٍ لا منزل فرح، من عرفها لم يفرح لرخاء (مؤقَّت ) ولم يحزن لشقاء (مؤقت) قد جعلها الله دار بلوى، وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سببا، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضا، فيأخذ ليعطي ويبتلي ليجزي ".
 إنسان يسكن في بيت مستأجر، والنظام القائم أن مالك البيت بإمكانه أن يُخرج المستأجر من دون سبب، ومن دون إنذار، ومن دون مبرِّر، فهل يعقل أن يأتي هذا المستأجر وينفق كل دخله في تزيين هذا البيت المستأجر ؟ لهذا المستأجر بيت في البادية، بيت متداعٍ، أليس من العقل أن يرمم ذلك البيت، وأن يؤسسه، وأن يزيِّنه، وهذا البيت البعيد فيه المُستقر، وفيه الإقامة الدائمة، وهو الآن خَرِبٌ متداعٍ، فهل ينفق دخله في البيت المستأجر، أم في البيت الذي سيستقر فيه دائماً ؟ العقل أن تسعى للدار الآخرة، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

(( إن أكيسكم أكثركم للموت ذكراً وأحزمكم أشدكم استعداداً له، ألا وإن من علامات العقل التجافي عن دار الغرور والتزوِّد لسكنى القبور والتأهب ليوم النشور))

[ضعيف ملاحظة: الألباني المشكاة ([ 74 ]/ 5228 )قال فيه الذهبي: عدي ساقط ]

 ففي حياتنا دنيا وآخرة، ومهما اعتنيت بالدنيا لابد من أن تخرج منها، فإذا خرجت منها باختيارك أكرمك الله بها وبالجنة، وإذا أردتها مصراً خسرتها وخسرت الآخرة.

الدنيا ليست مطلوبة لذاتها ولكنها مطلوبة لغيرها:

 لذلك فمن الممكن أن ألخص لكم هذا الكلام كله بكلمتين، واللهِ الذي لا إله إلا هو هاتان الكلمتان لو عقلهما الإنسان لسعد في الدنيا والآخرة: " من آثر دنياه على آخرته خسرهما معاً، ومن آثر آخرته على دنياه ربحهما معاً ". اطلب الآخرة تطلبك الدنيا، واطلب الدنيا تطلبك الآخرة بالموت فتخسر الدنيا والآخرة، إن طلبت الآخرة آتاك الله الآخرة وطلبتك الدنيا بالرزق والإكرام، وإن طلبت الدنيا وآثرتها على الآخرة، طلبتك الآخرة بالموت وخسرت الآخرة والدنيا.
 فالقضية قضية عقل وتفكُّر، وميزان رابح، الدنيا دار الغرور، وهي جيفة طُلاَّبها كلابها، ودار من لا دار له، ولها يسعى من لا عقل له، وهي مطية الآخرة، فالذي يدرس في الدنيا من أجل أن تكون شهادته معواناً له على الآخرة، والذي يجمع المال في الدنيا من أجل أن ينفقه ليرقى في الآخرة، والذي يطلب العلم في الدنيا من أجل أن يعلِّمه ليرقى في الآخرة، فالدنيا ليست مطلوبة لذاتها ولكنها مطلوبة لغيرها، من طلبها لذاتها خسر، ومن طلبها لغيرها ربح.

الآخرة تحتاج إلى عمل و تفوق:

 بالطبع الآخرة تحتاج إلى عمل، والعمل يحتاج إلى تفوّق ؛ تفوق إما في علمك، أو في مالك، أو في قوتك. فالقوة أنواع ثلاثة، قوة المال، وقوة العلم، وقوة السلطان، فإن كنت على شيءٍ من الدنيا ووظَّفت هذا الشيء من أجل الآخرة ربحت الدنيا، ولذلك يوم القيامة:

﴿ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنْ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾

( سورة الزمر: من آية " 74 " )

 فلولا الدنيا لما كانت الآخرة، ولولا أن الله عزَّ وجل جاء بك إلى الدنيا من أجل أن تتعرف إلى الله فيها، وأن تعمل عملاً صالحاً يصلح للعرض عليه يوم القيامة. فنحن إذا ذممنا الدنيا، ذممنا الدنيا المقصودة لذاتها، أما إذا مدحنا الدنيا مدرسةً فلا تصل إلى الآخرة إلا بالدنيا.

الدنيا مزرعة الآخرة و تمهيد لها:

 لو أن طبيباً أخذ أعلى شهادة وحقق حياة مستقرة ودخلاً مريحاً، ألا يذكر أيام الجامعة بخير؟ لولا هذه الأيام ودراسته والشهادات العليا التي أخذها، لما استطاع أن يجلس في العيادة ويأتيه الناس أفواجاً وزُرافاتٍ يدفعون له ما يريد، إذاً ما ينعم به من بحبوحة، ومن مكانة اجتماعية، ومن استقرار نفسي وأسري، هذه الميزات التي هو فيها الآن بسبب سنوات الجامعة التي أمضاها جاداً دؤوباً.
 فنحن إذا ذممنا الدنيا نذم من يطلبها لذاتها، أما إذا مدحنا الدنيا فلأنها مدرسة، ولأنها مزرعة الآخرة، وتمهيدٌ لها، سمَّاها الله الحياة الدنيا لأنها تمهيدٌ لحياةٍ عُليا، ولذلك لا تسبّوا الدنيا فنعم مطية المؤمن الدنيا، والآن أحاديث أخرى:

(( ليس بخيركم من ترك دنياه لآخرته، ولا آخرته لدنياه، حتى يصيب منهما جميعاً))

[ الجامع الصغير: عن " أنس " ]

 فإن الأولى مطيةٌ للثانية.

على الإنسان أن ينظر بمنظار الإيجابية إلى الدنيا:

 الجنة تحتاج إلى عمل، والعمل يحتاج إلى مال، فإذا كانت لك حرفةٌ، أو اختصاصٌ، أو مهنةٌ وكسبت من خلالها المال، فبالمال تنفق على أهلك فترقى، وتنفق على الفقراء فترقى، إذاً نعم مطية المؤمن الدنيا.
 إن كان لك في الحياة الدنيا علم وأنفقته في سبيل الله، ارتقيت في الآخرة.
 وإن كنت قوياً وجعلت قوتك حمايةً للضعفاء وعوناً للمظلومين، ارتقيت بقوتك إلى الله عزَّ وجل، فهذه النظرة الإيجابية للدنيا.
 النظرة السلبية: من كانت الدنيا أكبر همه ومبلغ علمه فقد ضل سواء السبيل، ولكن من جعلها في يديه وكان قلبه متعلقاً بالله عزَّ وجل كانت قوةً له على آخرته.

من كان متفوقاً في عمله انتزع إعجاب الناس به و بدينه:

 إذاً أنا أتمنى على كل إخواننا الكرام، وعلى كل المؤمنين أن يتفوَّقوا في الدنيا، وأن يتفوقوا في العلم، والعمل، فالمؤمن الصادق في عمله قمةٌ، والطالب الصادق في دراسته قمةٌ، والمؤمن الصادق في عمله أو منصبه قمةٌ في الإخلاص واليقظة، لأنك بالدنيا تصل إلى الآخرة، وأقول لكم هذا الكلام الدقيق الآن: عامة الناس، أو الطرف الآخر غير المؤمن، لا يُقبلون على الدين إلا إذا كان المؤمنون متفوقين ؛ في عملهم مَهَرَة، وفي دراستهم أوائل، لأن الذي يرمق المؤمن في تفوقه في الدنيا يحترم دينه، و صلاته، ومبادئه، ولا يمكن أن يحترم الناس مبادئك، ولا اتجاهك الديني، ولا انتماءك إلا إذا رأوك علماً في الحياة، ولذلك فإتقان العمل ضروري، والتفوق في الدراسة ضروري، إن كانت لك حرفة يجب أن تكون فيها الأول، وإن كنت مدرساً، أو محامياً، أو طبيباً، أو مهندساً، أو تاجراً، أو موظفاً فيجب أن تكون متفوقاً في عملك حتى تنتزع إعجاب الناس بك، فإذا انتزعت من الناس إعجابهم بك، احترموا دينك، وصلاتك وانتماءك الديني.
 فالحقيقة أنّ الإنسان إذا انسحب من الحياة وقال: مالي وللدنيا. خسر الدنيا والآخرة، فأنا حينما أُقَرِّع من أحبّ الدنيا أقرّع من أحبها لذاتها، لكن أنت محتاج إلى زواج، والزواج يحتاج إلى دخل، والدخل يحتاج إلى حرفة، ولا بد لك من حرفةٍ تتقنها وتخلص بها، إما أن تكون لك حرفة أو اختصاص، أو شهادة عليا، أو طريقة من طرق كسب الرزق حتى تؤسس بيتًا، وحتى تتزوج امرأة مؤمنة، وتنجب أولاداً طاهرين، وحتى يكون بيتك قدوة للمسلم ؛ فأنت وزوجتك وأولادك وعملك قدوة لهم.

من كان بحاجة إلى عدوه فلن يتمكن من اتخاذ القرار السليم:

 الدعوة إلى الله قضية معقدة جداً، وأبرز معالم الدعوة أن يرى الناس إنسانًا كاملاً، ومخلصاً، وصادقاً، وذا مبدأ، يضع رضا الله فوق كل شيء، وفوق كل اعتبار، وإنساناً يضحي بمصالحه من أجل مبادئه، ويضحي بحاجاته الأساسية من أجل مُثُلِهِ العليا، فهو إنسان منضبط بالقيَم، والقيم فوق كل شيء، فإذا لا يوجد إنسان متمثل بهذه المبادئ كيف يتسع الحق وينتشر ؟ لا ينتشر.
 وأكبر أخطاء المسلمين أن ليس هناك مجتمع مسلم يطبق هذا الدين تطبيقاً حقيقياً حتى ينتزع إعجاب العالم، فلو نظر العالم إلى المسلمين فماذا يرون ؟ يرون تخلفاً، وفقراً، ويرون أن المسلمين عالة على أعدائهم، فكل المصنوعات من إنتاج أعدائهم، وقطع الغيار والأشياء الأساسية في الحياة من إنتاج أعدائهم، فهم عالة على أعدائهم، فكيف يعجب الناس بالإسلام إن رأوا المسلمين متخلفين ؟ وأنّ مصيرهم بيد خصومهم ؟ فلم يكتفوا ذاتياً، بل هم في كل حاجاتهم عالةٌ على من سواهم.
 وسيدنا عمر أيها الأخوة دخل إلى بلدةٍ متفقداً أحوالها، فهاله وأدهشه أن كل أصحاب الصناعات فيها من الأقباط، أي من غير المسلمين، فتألم أشد الألم، وعَنَّفَ أصحاب هذه البلدة أشد التعنيف، فما كان منهم إلا أن قالوا المقولة الساذجة: "الله سخرهم لنا ". فقال قولةً تنمُّ عن عمق تفكيره وعن دقة إدراكه، قال لهؤلاء أصحاب البلدة المقصِّرين في الأعمال: "كيف بكم إذا أصبحتم عبيداً عندهم ".
 أي ما دمت بحاجة إلى عدوك، إذاً لا تملك القرار السليم، فأنت ضعيف أمامه، يتحكم بكل شيء، فما دام طعامك وحاجاتك من عنده، فويلٌ لأمةٍ تأكل ما لا تزرع، وتلبس ما لا تنسُج.

معرفة حقيقة الدنيا جزء من عقيدة المسلم:

 أنا حينما أتحدَّث عن الدنيا مُقَبِّحَاً شأنها إذا أردتها لذاتها، وإذا أردت الاستمتاع بها، وإذا رأيتها دار نعيم مقيم وهي دار قلق وممر وليست مقراً، أما إذا تحدثت عن الدنيا من زاويةٍ ثانيةٍ إيجابيةٍ: فالدنيا مطية الآخرة وممر لها، ففي الدنيا تعمل وفي الآخرة تجازى على عملك، الدنيا دار تكليف والآخرة دار تشريف، والدنيا دار للعمل الصالح، والآخرة دار للنعيم المقيم.
 فيا أخي الكريم ؛ جزءٌ من عقيدتك الإسلامية أن تعرف حقيقة الدنيا، كما قلت قبل قليل: ولا يمكن أن تنتزع إعجاب الناس باتجاهك الديني إلا إذا كنت متفوقاً في الدنيا، فيجب أن يكون المحامِي المؤمن أول محامِ، والطبيب المؤمن والمهندس المؤمن والمدرس المؤمن هم الأوائل أيضاً، وأصحاب الصَنعات المؤمنون أصحاب الصنعات المتقنة المحكمة، فكيف تنتزع إعجاب الآخرين ؟
 فأنت الآن لا تدري إن رأيت جهاز حاسوب، تساءلت في نفسك: من الذي اخترعه ؟ ما أعظمه ‍‍‍! تجد نفسك وأنت لا تشعر تعظِّم أصحاب هذه الاختراعات، فكيف تريد من أهل الدنيا أن يحترموا دينك إن كنت عالةً عليهم، مستهلكاً لبضاعتهم، لا تقوى على فعل شيء، وكل شيء بيد خصومك، فهذه دعوةٌ.

على المؤمن أن يكون متميِّزاً عن بقية الناس:

 نحن في أول الدرس ذممنا الدنيا، إذا جعلتها هدفاً بذاتها، أما إذا جعلتها مطيةً فالدنيا نعم مطية المؤمن إلى الجنة.
فيا أخي الكريم ؛ في الدنيا تتزوَّج، وحينما تتزوج فتاةً مؤمنةً وتأخذ بيدها إلى الله ترقى إلى الجنة، وحينما تنجب أولاداً أطهاراً، و تربِّيهم على حبّ الله وحبّ رسوله تأخذ بيدهم إلى الجنة، وحينما تظهر أمام الناس مسلماً صادقاً ورعاً عفيفاً أميناً متقنًا أيضاً تقدِّم للناس قدوة خَيْر، إذاً تأخذ طريقك إلى الجنة، فالدنيا مطيةٌ للآخرة وممرٌ للجنة، فحينما نفهم الدنيا فهماً معكوساً، ماذا قال عليه الصلاة ولسلام ؟

(( إِنِّي لأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي))

[ صحيح البخاري: " أنس بن مالك " ]

 يجب أن تقدم للمجتمع قدوة كاملة، زواجاً إسلامياً، بيتًا وعملاً إسلامياً، وتجارة إسلامية، وتعاملاً إسلامياً، ونُزهة إسلامية في مكان بعيد عن الاختلاط، بعيد عن الموبقات، بعيد عن الغناء، فيمكن أن تتنزه نزهةٌ إسلامية، وأن تسهر سهرةً إسلامية مع إخوان طيبين تتذاكرون كتاب الله وسُنَّة رسوله، فالمؤمن متميِّز في سهراته، وفي لقاءاته، وفي ندواته، وحتى في سفره، وإقامته، ومعمله، ومكتبه، ودراسته، وعطائه و أخذه، والمؤمن له هوية، فالمؤمن يجب أن يبدو واضحاً جداً متميِّزاً عن بقية الناس.

من آثر آخرته على دنياه ربحهما معاً:

 إذاً:

﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ (20) ﴾

(سورة الشورى)

 وكلمة:

﴿ حرث ﴾

 تفيد أنك ألقيت شيئاً وأخذت أشياء، فهذا الحرث، ألقيت حبةً وأخذت أضعافاً مضاعفة، فالآخرة تقدِّم لها العمل الصالح وتسعد فيها إلى أبد الآبدين، إذاً هي حرث.

 

﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ (20) ﴾

 

(سورة الشورى)

 أي نؤتيه الدنيا والآخرة، وهذا المعنى، لمن آثر آخرته على دنياه فربحهما معاً.

أشد الناس خسارة يوم القيامة من طلب الدنيا و نسي الآخرة:

﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا (20)﴾

(سورة الشورى)

 إذا طلب الإنسان الدنيا بصدق، فالله يعطيه إياها، ولكن..

 

﴿ وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ(20) ﴾

 

(سورة الشورى)

 هي نصيبه من الله، لذلك أشد الناس خسارةً:

﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾

( سورة الكهف )

 الدنيا مهما عَلَت، ومهما كبرت منقطعة بالموت.

من أحبه الله منحه العلم و الحكمة:

﴿ فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِي﴾

(سورة الفجر )

 هذا كلامه، فالله قال له:

﴿ كَلَّا ﴾

( سورة الفجر ).

 ليس عطائي إكراماً ولا منعي حرماناً، بل عطائي ابتلاء وحرماني دواء، هذه الدنيا لو أنها تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء، وهي أهون على الله من أن يجعلها مكافأةً لعباده، فأعطى المال لمن لا يحب، أعطاه لقارون، وأعطى القوة لمن لا يحب أعطاها لفرعون، لكن الذين يحبهم أعطاهم العلم والحكمة..

 

﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾

 

( سورة يوسف: من آية " 22 " )

من كانت دنياه وفق منهج الله تعالى فمرحباً بها:

 إذاً أيها الأخ الكريم ابحث عن العطاء الذي يليق بك وأنت مؤمن، إن جاءتك الدنيا أهلاً بها ومرحباً، ولكن وفق منهج الله، فسيدنا عبد الرحمن بن عوف كان من أغنياء الصحابة، سمع أن أم المؤمنين عائشة قالت:
 " أخشى أن يدخل عبد الرحمن الجنة حبواً " فقال: " والله لأدخلنها خبباً، وما عليَّ إذا كنت أنفق مئة في الصباح فيؤتيني الله ألفاً في المساء ".
 نعم مطية المؤمن المال، كان يقول:" حبَّذا المال أصون به عرضي وأتقرب به إلى ربي ".
 قال له سعد بن الربيع: " دونك نصف مالي ". فأجابه عبد الرحمن بن عوف: " بارك الله لك بمالك ولكن دلني على السوق".
 فاليد العليا خير من اليد السفلى، فأنت كن معطياً ولا تكن آخذاً، فلا تتناقض الدنيا مع الدين أبداً، ولكن تتناقض المعصية مع الدين.

في الإسلام لا يوجد دنيا و آخرة فالإنسان كله لله:

 والآن هناك سؤال سوف أجيب عنه: هل هناك من ضابط علمي للتفريق بين حبّ الدنيا واتِّخاذها وسيلةً للآخرة ؟ الضابط لهذا الموضوع أن الدنيا إذا شغلتك عن فريضةٍ إسلامية: عن صلاةٍ، أو صيامٍ، أو حجٍ، أو زكاةٍ، أو طلب علمٍ، أو عملٍ صالح، إذا شغلتك الدنيا عن هذه المطالب الرفيعة فهذا حب مرضيٌ للدنيا، أما إذا لم تشغلك عن الآخرة وكنت فيه متفوقاً فقد جعلتها مطيةً لك.
 إخواننا الكرام أقول لكم دائماً: عملك وحرفتك وتجارتك وصناعتك ووظيفتك وزراعتك، فأنت طبيب، أو مهندس، أو مدرس، أو محامِ، فحرفتك إذا كانت في الأصل مشروعةً، ومارستها بطريقةٍ مشروعة، وابتغيت بها كفاية أهلك وأولادك ومن يلوذ بك، وابتغيت بها خدمة المسلمين، ولم تشغلك عن فريضةٍ ولا عن واجبٍ ولا عن طلب علمٍ انقلبت حرفتك إلى عبادة، ففي الإسلام لا يوجد دنيا وآخرة، ولا يوجد ساعة لك وساعة لربك، فأنت كلك لله ؛ حياتك وحرفتك ودراستك ونشاطك، وكل حركاتك لوجه الله عزَّ وجل، فالمؤمن الصادق يعرف حقيقة الحياة الدنيا، أما الذي يريد الدنيا للدنيا فالويل له، وقد يخسرها في ثانية واحدة إذا توقَّف القلب.

الموت مصير كل إنسان:

 في أمريكا ألف ومئتا إنسان في وقت قصير (أذكر أنه أسبوع أو أقل) يصابون بسكتة دماغية، وسكتة قلبية، واضطراب بكهرباء القلب إذْ يتوقف القلب فجأةً، فكل هذه الدنيا التي بين أيديهم يخسرونها في ثانيةٍ واحدة، فإذا وضع الإنسان كل أمله فيها قال عليه الصلاة ولسلام:

(( بادروا بالأعمال الصالحة فماذا ينتظر أحدكم من الدنيا))

[ أخرجه الترمذي والحاكم في المستدرك ]

 فهذا الحديث مخيف جدًّاً، فإنسان أصر على الدنيا وأراد الدنيا فقط، أرادها ومالها، ومتعها، ومباهجها، وشهواتها، فماذا أمامه ؟ قال:

 

(( بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سَبْعًا هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلَّا فَقْرًا مُنْسِيًا أَوْ غِنًى مُطْغِيًا أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا أَوْ الدَّجَّالَ فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ أَوْ السَّاعَةَ فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ))

 

[ أخرجه الترمذي والحاكم في المستدرك عَنْ "أَبِي هُرَيْرَةَ "]

  الدنيا، لا بد من أحد هذه السبعة، وإلا كيف تنتهي حياة الإنسان ؟ لما يأتي الأجل إما من الكليتين، أو من الكبد، أو من القلب، أو بحادث، فبالطبع لا بد من الرحيل والرحيل محقق، لكن المؤمن الكيس قال:

 

(( الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ- ضبطها بالشرع - وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ))

 

[سنن الترمذي: عن " شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ " ]

الدين مبعث تفوق للإنسان لا مبعث تخوّف:

 أنا ما أردت أبداً أن أصرفكم عن طلب الرزق، ولا عن طلب العلم، ولا عن التفوّق في الدنيا، فما أجمل الإنسان إذا تفوَّق فيها وفق منهج الله، فهل من الدنيا ألاّ تتزوج ؟ لا واللهِ، هل من الدنيا ألاّ تنجب أولاداً ؟ لا، أنجب أولاداً وربِّهم تربيةً إسلامية ليكونوا عناصر طيِّبة في المجتمع، أليس لك عمل ؟ أتقن عملك فإتقانه من الدين، وأخلص في عملك فإخلاص عملك من الدين، فالدين مبعث تفوق لا مبعث تخوّف.
 فأعداء المسلمين أكبر وهم يتوهموه أن الدين سبب التخلف، واللهِ إنّ الدين سبب التقدم وسبب التفوق، لكن الدين الذي أراده الله عزَّ وجل، ليس الذي ترونه بين الجهلة من سلوك لا معنى له، وتمتمات، ومواقف متناقضة، ليس هذا هو الدين، فالمؤمن شخصية فذَّة.

المؤمن أسعد الناس لأنه موصول بالله:

 أولاً: المؤمن عالم، فما اتخذ الله ولياً جاهلاً، ولو اتخذه لعلّمه، والمؤمن يعلم الحقيقة العظمى في الكون، فيقرأ القرآن، فهو منهج، وكتاب تاريخ، وتربية، وتشريع، وأحوال شخصية، وفلسفة، والمؤمن له صفةٌ علمية، وله صفةٌ أخلاقية، وهو رجل قِيَم ومبادئ، ومصالحه تحت قدمه، ومبادئه في عينه، إنه جمالي، فأذواق المؤمن عالية جداً، إذْ له أذواق في حياته الخاصة، وأذواقه في الاتصال بالله عزَّ وجل، وفي تلاوة كتاب الله، كنت أقول مرةً: واللهِ لو اجتمع ذواقو الغناء في العالم لا يستمتعون بأغانيهم المفضلة كما يستمتع أقل مؤمن بكتاب الله حينما يتلوه.
 فإنسان يتلو كتاب الله، أو يستمع إليه، أو يمدح النبي عليه الصلاة والسلام، أو يستمع إلى أذان من صوتِ شَجٍ يذوب قلبه وجداً وطرباً، فليس منا من لم يتغنَّ بالقرآن، فالمؤمن له أذواق رائعة جداً، وله أشواق، وله أحوال، " لو يعلم الملوك ما نحن عليه لقاتلونا عليها بالسيوف ". فالمؤمن سعيد جداً، إذا لم يقل لك: أنا أسعد الناس فهو غير مؤمن، ما دام مؤمنًا فهو أسعد الناس، لأنه موصول بالله، أو موصول بمصدر السعادة، فمعنوياته عالية جداً، واللهُ يدافع عنه..

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا﴾

( سورة الحج: من آية " 38 " )

الإسلام انتماء حقيقي و ليس انتماء تاريخياً:

 المؤمن حكيم جداً، لأنه مسدد من الله عزَّ وجل، فهو يتحرك وفق منهج الصانع، ولو أنك اشتريت آلة معقدة، وفتحت التعليمات، ونفذتها، فإنّك تضمن سلامتها ومردودها العالي.
 فكلمة مؤمن كلمة كبيرة جدًّاً، ولكن مع تخلُّف المؤمنين والمسلمين، قد يقول أحدهم: هذا الشيخ. يقولها استهزاءً، فهل تعلم من هو المؤمن ؟ إنه شخصية من الشخصيَّات النادرة، لا يسخر من القيَم، ولا يُسَخِّرُهَا بل يحتكم إليها، فله وعيٌ عميق، وإدراكٌ دقيق، إنه يرى ما لا يراه الآخرون، ويسمع ما لا يسمعون، فأحاسيسه مرهفة جداً، إنه سعيد في بيته، وسعيد في عمله، فهو شخصية نادرة جداً.
 ولكن مع ضياع الناس، ومع تقصيرهم، والمعاصي والمخالفات التي يقترفونها فقد ضيَّعوا ثمرة إيمانهم، ولذلك ترى المسلم شخصاً عادياً كهؤلاء لم يلتزم بدينه، ولم يطبق، وعندما لم يطبق صار له انتماء تاريخياً فقط، فهذا مولود مسلم، من أبٍ وأمٍ مسلمَين، هذا الانتماء التاريخي لا يعدُّ إسلاماً، فالإسلام هو انتماء حقيقي، وهو إدراك، وعقل، ومبدأ، واتجاه.

المؤمن كل شيء مدخر له بعد الموت لأنه عرف حقيقة الحياة الدنيا عكس الكافر:

 دخلنا بموضوع:

﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ(20)﴾

(سورة الشورى)

 أيها الأخوة الكرام، الإنسان يرتقي في الدنيا درجة درجة، فتصور إنسانًا طالعاً درجاً خمسين درجة، ثم سقط من علٍ إلى الحضيض، فالقضية خطيرة جداً، فالإنسان يبدأ متواضعاً، ودخله قليل محدود، و لا يوجد عنده بيت، ثم ينمو شيئاً فشيئاً، فهل من المعقول عندما تبلغ قمَّة النجاح، وقمَّة الفوز، جمعت المال الوفير، وارتفعت مكانتك وأنت في سماء الشهرة، وأنت في أوج نجاحك يأتي الموت فيأخذ منك كل شيء ؟!! والله مشكلة، مشكلة كبيرة جداً، فالناس في غفلة، والذي تجمعه في عمرٍ مديد يأخذه منك الموت في ثانيةٍ واحدة، لا تستطيع أن تأخذ شيئاً معك، هذا الموت.
 إلا المؤمن، فكل شيء مدخر له بعد الموت، لأنه عرف حقيقة الحياة الدنيا، فتحرَّك فيها وفق منهج الله عزَّ وجل، وكسب أعمالاً تنفعه بعد الموت.

العاقل من أعدّ لساعة الفراق عدّتها:

 من باب التمثيل: لو أنّ إنساناً باع أرضه وأرسل ثمنها لبلد آخر، وباع دكانه وأرسل ثمنه لبلد آخر، وكل شيءٍ يملكه باعه وحوَّل المبلغ إلى بلدٍ آخر، فما بقي عليه إلا أن يلتحق بماله، فإذا أخذ جواز السفر، وركب الطائرة شعر بسعادةٍ كبرى، لماذا ؟ لأنه قدَّم ماله أمامه فسرَّه اللحاق به.
 أما لو أن إنسانًا كان في أعلى درجات النجاح وقيل له: عليك أن تغادر خلال ساعتين ودع كل شيءٍ في بلدك، فهذه مصيبة كبيرة جداً ؛ ترك بيته، وأرضه، وسيارته، وكل شيء يملكه، فالمؤمن يشبه إنسانًا قدّم ماله أمامه فسرَّه اللحاق به، وغير المؤمن إنسان أُمِر أن يغادر فجأةً من دون أي تأخير، إذًا هكذا هو المؤمن.
 فيا إخواني إذا عزَّى أحدُنا بعضَ المتوفين ولاحظ الفرق الكبير بين بيته الذي كان يسكنه وبين مقبرة باب الصغير، يقول لك: بيت ثمنه خمسة وعشرون مليونًا، أو ثلاثون أو أربعون مليونًا، ثلاثمئة متر، رخام إيطالي وجص، وثريات، و سجاد، لكن أين صاحبه ؟ في القبر، صار بمتر ونصف، وبعرض ستين سنتيمتر، تحت أطباق الثرى، فحادث الموت خطير جداً، فالناس نيام، وهم في غفلة، والإنسان يجب أن يزور القبور، ولو لم يكن له أقرباء فيتبع الجنائز، ويلاحظ اللحظة الحرجة حينما يفتح النعش ويحمل الميت في كفنه ويوضع في القبر، وتوضع هذه الحجارة، ويأتي الحَفَّار فيردم التراب، ويقف أولاد المتوفَّى يقبلون التعازي، قال له: " عبدي رجعوا وتركوك، وفي التراب دفنوك، ولو بقوا معك ما نفعوك، ولم يبق لك إلا أنا ".
 والله أيها الأخوة ما رأيت إنسانًا أعقل من الذي يعدُّ لهذه الساعة عدَّتها ؛ أعد لها استقامةً، ودخلاً شرعياً حلالاً، وبيتاً مسلماً، من زوجة و بنات وأولاد، وأعدّ لها عملاً صالحاً، فعمله المِهَنِي مشروع، فيه صدق وأمانة، فهو بعيد عن الكذب والغش والاحتيال، فالإنسان أعدّ لهذه الساعة بيتاً إسلامياً، وعملاً إسلامياً، واستقامةً على أمر الله، وعملاً صالحاً، إذا جاء الموت فهو في أسعد لحظات حياته.

اليأس و الإحباط يصيب أهل الدنيا عند مفارقتها:

 اقرؤوا سيرة الصحابة ماذا تجدون ؟ تجدون أن كل أصحاب رسول الله رضوان الله عليهم، كانوا في أسعد لحظات حياتهم عند مفارقة الدنيا، والآن اسأل طبيباً مشرفًا يعاين حالات الوفاة (أطباء القلب يعرفون ذلك) انظر إلى فزع الإنسان عند الموت، إذا أيقن أنه سيغادر هذه الدنيا يختل توازنه، ويصبح كالطفل، يصيح ويبكِي، ويندب حظه، وقل للطبيب: صف لي حالة بعض المرضى ؟ انهيار عصبي كامل حينما يوقن أنه انتهى.
 لي قريب زار صديقًا له وهو على وشك الموت، وكان قد أعدَّ بيتًا فخماً جداً، فرآه متألماً حاقداً ناقماً، وقال له: غداً أموت، وزوجتي هذه تتزوج ويأتي زوجٌ غيري يأخذ البيت، فما هذا الشعور ؟ إنه شعور مدَمِّر، حتى تمَّ بناء هذا البيت مات ألف موتة، وبعد أن نضج لم يستمتع به، صار معه مرض خطير، سوف يغادر، ورأى زوجته غير وفية، وسوف تأتي بزوج حسب مزاجها يستمتع بهذا البيت الذي تعب هو فيه، فهذه مشاعر الدنيا.
 الدنيا تغر وتضر وتمر، وشعور أهل الدنيا حين المفارقة شعور لا يصدَّق، شعور اليأس والإحباط، أما المؤمن: "واكربتاه يا أبتِ ". قال: "لا كرب على أبيك بعد الموت، غداً نلقى الأحبة محمداً وصحبه ".
 تصور طالباً يدرس على حسابه في بلد أجنبي يسكن غرفة قميئة، يعمل ليلاً نهاراً حتى أخذ الدكتوراه، وهو موعود في بلده بمنصب رفيع جداً، وبأجمل بيت وأجمل زوجة، فهو عندما أخذ الدكتوراه وصدقها، وركب الطائرة هذه أسعد لحظات حياته وهو يعود إلى بلده.
 وأحد العلماء سئل كيف القدوم على الله ؟ قال: كالغائب ردّ إلى أهله.
 ولو غاب إنسان عن أهله ثماني سنوات، ثم حضر يتفننون له في الطعام الذي يحبه، يطبخون له ست أو سبع طبخات، فأجمل الأكلات يحبها يعملونها له، وغرفة خاصة، وسرير فخم، وملاءات نظيفة، واحتفالات، وزيارات، وسهرات، فهذا للغائب الذي حضر، وهكذا المؤمن.

على كل إنسان أن تكون دنياه مطية للآخرة لا هدفاً لذاتها:

 لذلك نحن نريد أن نضع آمالنا بالآخرة، أما الدنيا فنعمل فيها، ونتفوق ولكن بنية عالية، وبين أيدينا لا في قلوبنا، وعلامة الدنيا التي لا ضير من أن تعمل فيها أن لا تشغلك عن طاعة، فإذا كانت صلواتك، وصيامك، وزكاتك، و حجك، وانضباط بيتك، وعملك وفق الشرع إذاً عملك في الدنيا وليس من الدنيا للآخرة، أما إذا كان الأمر: عندنا موسم فتركنا الدروس، ولم نصلِّ الظهر والعصر، بل نجمعهما مساءً. هذا حب الدنيا، فإذا ضيّع الإنسان صلواته، وضيَّع مجالس علمه، وضيَّع طلبه للعلم وهو منهمك في دنياه فهذا من حبّ الدنيا، أما إذا كان عندك حرص شديد على طاعة الله، فالدنيا عندئذٍ بين يديك، ولا بد من عمل تكسب منه رزقك، والعمل مشروع، والعلم مشروع، والحرفة مشروعة.
 فالذي أريد من هذا الدرس إذْ ذممت الدنيا في أول الدرس، فأنا أذم من طلبها لذاتها، ومن جعلها كل همه ومبلغ علمه، ومن جعل الدنيا ديدنه، ومن أراد أن يستمتع بها، ويرتاح إليها، ويقتنص الشهوات فيها، فأنا ذممتها من هذه الزاوية، أما حينما أجعلها مطيةً للآخرة فلابد من أن تكون مثقفاً، أو صاحب حرفةٍ، أو صاحب مالٍ، أو منصبٍ من أجل أن تبذل هذا المال، وهذه الوجاهة، وهذه الحرفة في طاعة الله.

الإتقان و الإخلاص في العمل أساس طاعة الله:

 الذين ينفقون أموالهم ليلاً ونهاراً هؤلاء ألا يغبطون على ذلك ؟ هكذا قال عليه الصلاة والسلام:

(( لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَهُوَ يُنْفِقُهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ))

[ أخرجه مسلم عن " عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ"]

 فالتفوق التفوق في الدنيا، ولكن على أن تكون مطيةً لا على أن تكون هدفاً لذاتها. وسيدنا النبي اللهم صلِّ عليه أمسك يد عبد الله بن مسعود فرآها خشنة، فرفعها هكذا أمام أصحابه وقال:

 

((إن هذه اليد يحبها الله ورسوله ))

 فالذي له مصلحة، أو حرفة، يعمل فيها بإخلاص، ويتقنها، ويخدم المسلمين بها ويكسب رزقاً حلالاً ينفقه على أهله هذا والله وليّ..

 

﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ(62)﴾

( سورة يونس )

 وامرأةٌ تحسن تربية أولادها، وترعى زوجها، وتربيهم، وتعتني بهم، ولا تؤذي خلق الله بسفورها، فهذه المرأة وليَّةٌ عند الله عزَّ وجل، إنها متزوجة ولها زوج، ولها أولاد تعتني بهم، وتطبخ لهم، وتنظف البيت، وتعتني بنظامهم ودارستهم، ومستقبلهم وأخلاقهم، فهذه ولية.

المسلم لا يرقى عند الله إلا بالعمل الصالح:

 وإنسان يعمل في مصلحة بإتقان وإخلاص وصدق، يربح ولكن سعره معتدل، ولسانه طيب، وعمله متقن، فهذا وليّ، فلا تظن أن الإيمان انسحاب من الحياة وتقعد في الجبل، من قال لك ذلك ؟ الإيمان أن تعمل، والنبي قال لرجل يجلس في المسجد نهاراً:
 " من يطعمك ؟ ". قال له: " أخي ". قال:

(( أخوك أعبد منك ))

 أنا أدعوكم إلى العمل، ولإتقان العمل، وللإخلاص بالعمل، ولاختيار عملٍ يرضي الله، فإيَّاك أن تختار عملاً يؤذي الناس، لأن ألصق شيء بحياتك عملك وزوجتك، ابحث عن زوجةٍ مؤمنة تسعدك وتسعد بها، وابحث عن عملٍ يرضي الله، فيه عطاء للناس وخدمة، فيه حلّ مشكلاتهم، ما أكثر الأعمال التي تفسد أخلاق الناس، فما أكثر الأعمال التي لا ترضي الله، وأخطر شيء في حياتك عملك الذي تعيش وتقتات منه.
 هناك عمل أساسه إيقاع الأذى بالناس، وعمل أساسه سلب أموال الناس، وعمل أساسه سلب مشاعر الناس الطيِّبة، وعمل أساسه الإيقاع بين الناس، فإياك أن تختار عملاً يؤذي المجتمع، ولا تنسَ هذه المقولة: " إذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيما استعملك ". وابحث عن عمل فيه عطاء للناس، وكله خير، وأنا أدعو للعمل، ولإتقان العمل، وللإخلاص في العمل، والمسلم لا يرقى عند الله إلا بالعمل، والعمل يحتاج إلى عمل، والعمل الصالح يحتاج إلى عمل تكسب منه رزقك، فأن ينسحب المؤمن ويعيش على هامش الحياة، ويعيش عالة على الآخرين، مهملاً حياته الخاصة، وشؤونه، وعمله غير متقن، فهذا ليس مؤمناً، والمؤمن إنسان متفوق ذو شخصية فذة المؤمن.

على كل إنسان أن يكون عمله الذي يرتزق منه زاده في الآخرة وسبباً لدخول الجنة:

 فلذلك أيها الأخوة يجب أن يرفع الناس رؤوسهم، رجل كان يمشي أمام سيدنا عمر مطأطئ الرأس فعلاه بالدُرَّة قال له: "لا تمت علينا ديننا أماتك الله ؟ " ارفع رأسك، الإنسان إذا أتقن عمله يكسب العزَّة، والذي يُهمل عمله يكسب الذِلَّة، قال:

﴿ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾

(سورة المعارج: من آية " 44 " )

 فقانون العِز والذل، إتقان العمل يرفع رأسك، وإهمال العمل يخفض رأسك، فالعمل أساسي، وكل واحد يعتبر (أقول لكم هذا الكلام الدقيق): يمكن أن يكون عملك الذي ترتزق منه زادك في الدار الآخرة وسبباً لدخول الجنة ؛ فالطبيب والمحامِ والمهندس المدرس المخلصون، والتاجر الأمين الصدوق مع النبيين والصديقين يوم القيامة.
 هذا الحديث أوقعني في حيرةٍ كبيرة، يا رُبَّ تاجر وباع واشترى وربح، فلماذا صار مع النبيين، ماذا فعل ؟ لأنه كان داعية إلى الله وهو لا يشعر باع بضاعة جيدة بسعر معتدل، ولم يغش الناس ولم يكذب عليهم، وكان سموحاً معهم، فكان داعيةً وهو لا يشعر، فهذا داعية صامت.

لابدّ لكل إنسان من حرفة لتكون يده هي العليا:

 أكبر دولة إسلامية اليوم أند ونسيا ويبلغ عدد سكانها مئة وخمسون مليونًا وحدها، والعرب كلهم مئة مليون، هذه فتحت لا عن طريق السيف بل عن طريق التجارة، فأنت أيها التاجر قد تكون داعية وأنت لا تشعر.
 والطبيب الذي لا يبتز أموال الناس، ولا يكذب عليهم، ولا يكبِّر حجم المشكلة، هذا الطبيب المؤمن داعٍ وهو لا يشعر.  والمحامِي كذلك، والمدرس، والمهندس، والموظف الذي يستقبل المواطن ويلبي حاجته بتواضع من دون أن يكبِّر عليه المشكلة، هذا مؤمن، وهذا داعية، فإذا ذممنا الدنيا فنحن نذمها من أحبها لذاتها، ومن جعلها حجاباً بينه وبين الله، ومن أراد الاستمتاع بها، ولكن من جعلها مطية نقول له: مرحباً بك، أنت على الحق وأنت في الطريق الصحيح.
 الإنسان لابدَّ له من حرفة، أو عمل، ولا بد له من أن تكون يده عليا، أما أن يقول: اتركها لسيدك، ويمد يده للناس. أهذا الذي يمد يده للناس مؤمن ؟ يجب أن نعاون بعضنا، ولكن الأصل أن تأخذ حاجتك عند الضرورة وأن تسأل ربك من فضله.

على كل إنسان أن يكون له عمل وفق منهج الله و حدوده:

 لذلك أيها الأخوة أكثر الدعاة إلى الله والخطباء يذمّون الدنيا وأنا معهم لأنه حق، ولكن الدنيا التي تقصد لذاتها، أما الدنيا التي يبتغى بها وجه الله، فالإنسان عندما يتزوج، وعندما يختار عملاً تعليمياً، وعملاً مهنياً، أو حرفياً، بإخلاص وإتقان يرقى عند الله، والمسلمون الآن بحاجة ماسة إلى التفوق في أعمالهم، وإلى أن يكتفوا عن استيراد حوائجهم من الغرب، فإذا أنشأ إنسان معملاً صغيراً وأغنانا عن استيراد بضاعة أجنبية، ونقل العملة الأجنبية إلى الغرب فهذا عمل طيب، ولكن على أن يبقى في منهج الله، ووفق حدود الله، فنحن لا ننجح إلا إذا طبقنا منهج الله عزَّ وجل، ولذلك فمعرفة أحكام الله الشرعية فرض عين على كل مسلم، لئلا يقع في حرج كبير.
 أحياناً تستورد مادة غذائية أولية فيها شحم خنزير وأنت لا تشعر، عملت معملاً ولكنه يصنِّع مادة مشكلة، فأحياناً هناك بعض المواد الغذائية فيها مواد مخدرة، حتى يصير إدمان عليها، فالمؤمن يعمل عملاً تاماً وفق الشرع، وقد اكتشفوا بعض الحلويات المستوردة فيها مواد تسبب عقماً لأطفالنا، وهذا عولج مرةً في مجلس الشعب، فيجب أن نصنع غذاءنا بأنفسنا، وأن نصنع ثيابنا بأنفسنا، وهذا الشيء مفخرة للمسلمين، فكلما رأيت مسلماً له عمل طيب وينفع فيه المسلمين، والعمل وفق المنهج الإلهي فهذا إنسان عظيم، لأنه أولاً خدم أمته، وخدم بلده، وخدم المسلمين وحصنهم من كل انحرافٍ وأذى.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018