الدرس : 04 - سورة الشورى - تفسير الآيات 12-15، على كل داعية أن يدعو إلى الله بلسانه وسلوكه - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 04 - سورة الشورى - تفسير الآيات 12-15، على كل داعية أن يدعو إلى الله بلسانه وسلوكه


1994-02-18

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

مفاتيح كل شيءٍ في السماوات والأرض بيد الله عز وجل:

 أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس الرابع من سورة الشورى، ومع الآية الثانية عشرة وهي قوله تعالى:

﴿ لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ(12) ﴾

(سورة الشورى)

 كلمة:

﴿ لَهُ﴾

 هذه في رأي علماء النحو لام الاختصاص، أي له وحده، قد تملك شيئاً وبإمكان آخر أن يملكه، وقد تقتني سيارةً وبإمكان آخر أن يقتني السيارة، لكن لام الاختصاص تعني أن هذا الشيء له وحده.

 

﴿ المَقَالِيدُ ﴾

 بمعنى المفاتيح، أي مفاتيح كل شيءٍ في السماوات والأرض بيد الله، فالمطر بيد الله، والرياح سرعتها بيد الله، فإن زادت عن حدٍّ معقول دمرت كل شيء،

 

﴿ لَهُ﴾

 كل شيء تراه عينك أو لا تراه عينك هو بيد الله، فالإنسان أحياناً بحكم طبيعته النفسية يتَّجه للقوي، وللعظيم.

 

المؤمن لا يليق به أن يُحسب على أحد غير الله:

 

 لو كنتم في مجلس وفيه أشخاص عديدون، فالأقوى أو الأعلم أو الأكثر طلاقة في حديثه تتجه الأنظار إليه، فهو مَعْقِدُ عيون الحاضرين، فطبيعة النفس تتجه نحو الأقوى، أو نحو الذي بيده الأمر، يقول لك: فلان الرجل القوي في هذا المكان. فالأنظار كلها إليه و تهمل ما سواه، فربنا عزَّ وجل من أجل أن تلتفت إليه ومن أجل أن تعتمد عليه، وتثق به، وتجعله وكيلك في كل شيء، وتتوكل عليه قال لك:

﴿ لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ (12) ﴾

(سورة الشورى)

 والإنسان يشعر أحياناً بالضعف، فيحتاج إلى ركن يركن إليه، فالناس من جهلهم ومن شركهم يلجؤون إلى بعضهم بعضاً، ويركنون إلى الأقوياء منهم، فيطمئنون إذا أعطاهم الأقوياء إشارة طُمأنينة، وإذا أعطوهم وعداً، أو أعطوهم عهداً، فالإنسان يطمئن ويقول لك: فلان صديقي، وقد سهرت معه البارحة ومعي رقم هاتفه، وأي قضية أتصل به، فيشعر بطمأنينة مع أنها مزيفة، ولكن الناس لجهلهم ولشركهم إحساساً منهم بضعفهم يلجؤون لبعضهم، ويعتمدون على بعضهم، وهم يقعون في هذا بشتى أنواع الشرك، لكن أنت أيها الإنسان لا يليق بك أن تُحسب على أحد، وأن تمنح ثقتك لغير الله، وأن تعتمد على غير الله، وأن تطمئن لغير تصميم الله لك.

 

الله عز وجل خلق الإنسان ضعيفاً ليسعد بافتقاره:

 

 لذلك فالله عزَّ وجل يبين في هذه الآية،

﴿ له﴾

 هنا لام الاختصاص له وحده..

 

﴿ لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ (12) ﴾

 

(سورة الشورى)

 أي أن الأمطار بيد لله، فلو اجتمع أهل الأرض على أن يتخذوا قراراً بإنزال الأمطار لا يستطيعون، وهذه الأوبئة التي تسري في الناس بشكلٍ مخيف وبسلسلة هندسية فهذه بيد الله، وما دام الناس مقيمين على المعاصي والفواحش والآثام، فهذه الأوبئة تسري فيهم سريان النار في الهَشيم، فالإنسان ضعيف وهذه حقيقة، وخلق الإنسان ضعيفاً، وما خُلق ضعيفاً إلا ليفتقر في ضعفه، كي يسعد بافتقاره، ولو خلقه الله قوياً لاستغنى بقوته فشقي باستغنائه، فالإنسان ضعيف يحتاج إلى قوي يلجأ إليه، وربنا عزَّ وجل طمأنك فقال لك: بيدي مقاليد السماوات والأرض.

 

الصحة بيد الله عز وجل على الإنسان أن يشكره عليها:

 

 الواحد منا بدءاً من جسمه، فالكليتان من الذي يضمن له أن تعملا حتى نهاية عمره ؟ والفشل الكلوي حتى الآن أسبابه مجهولة فجأةً تجده، وأوبئة الكبد، إذا تلف كبد الإنسان يعيش فقط ثلاث ساعات، والناس يخافون من القلب مع أن الكبد أخطر، فالكبد والكلية أخطر من القلب، فهذه الأجهزة الحساسة المصيرية التي إذا توقفت انتهت، الحياة بيد من ؟ بيد الله، والإنسان لو يقرأ بعض التفاصيل في عمل الأجهزة، يرى أن المعجزة أن يستيقظ الإنسان سليماً.
 فالدم له تحاليل، فالغدة النخامية تفرز عشرة هرمونات، وزنها نصف غرام، فلو اختل إفراز هرمون واحد لأصبحت حياة الإنسان جحيماً.
 البنكرياس فيه مليون جزيرة وزنها غرام تفرز الأنسولين، فلو تعطلت صار معه مرض السكر، وله مضاعفات على العينين، والأطراف، وأكثر مرض الموات من السكر، فإذا كانت هذه المليون جزيرة لم تفرز الأنسولين الكافي فتحدث مشكلة، وهي بيد من ؟ فهذه الجزر بيد من ؟ والدرقية بيد من ؟ والنخامية بيد من ؟ والكظر بيد من ؟
 ومعامل نقي العظام لكريات الدم، أحياناً تتوقف فجأة، فالمرض خطير جداً واسمه فقر الدم اللامُصَنِّع، فهذا نقي العظام الذي يصنع في كل ثانية اثنين ونصف مليون كرية، هذا بيد من ؟ من الذي يجعله يقف عن العمل ؟ والإنسان يصاب بمرض خطير.

كل إنسان تحت ألطاف الله عز وجل:

 معنى ذلك أن الإنسان بدءاً من دماغه هناك شرايين دقيقة جداً والدم يسيل فيها، فلو تجمدت نقطة كرأس الدبوس في أحد شرايين الدماغ، أو في محل ما من الشرايين التي في الدماغ فيفقد ذاكرته، وبمحل آخر يفقد حركته فينشل، وبمحل آخر يفقد توازنه، وبمحل ينسى أصدقاءه، وبمحل يفقد بصره، هي نقطة دم كرأس الدبوس إذا تجمَّدت في أحد شرايين الدماغ يصاب الإنسان بأمراض مدمرة، فهذه الشرايين بيد من ؟ فهناك تصلب بشرايين الدماغ، فمرونتها بيد من ؟ والدم سيولته بيد من ؟ فلو صار لزجاً مشكلة، والقلب بيد من ؟ الدسَّام بيد من ؟ والشريان التاجي الذي يغذي القلب بيد من ؟ والمعدة، والأمعاء، الكليتان، والكبد، والعمود الفقري، وتراكم هذه الفقرات وهذه الطبقة الغضروفية بينهما، حينما تنقرص بعض الفقرات يقول لك: الحياة لا تطاق، فآلام لا تطاق، فالإنسان تحت ألطاف الله عزَّ وجل، قال لك: بيده.

﴿ لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ (12) ﴾

(سورة الشورى)

 فزوجتك بيده، وأولادك، وتجارتك، وهذه الرياح بيده، تكون رياحاً لطيفة ثم تصبح مدمرة، بأمريكا تحدث أعاصير لا تبقي شيئاً في طريقها، وسرعتها ثلاثمئة كيلو، والخسائر ثلاثون مليار دولار إنه إعصار واحد استمر ليلتين. وبيد من ؟ الحرارة، الآن موجات الصقيع بأمريكا خمس وستون تحت الصفر فكل شيء تعطَّل، والرياح، والزلازل بشرقي آسيا.
بيت استغرقت الدراسات الهندسية سنتين، ونفذ بعشر سنوات و انهدم بخمس ثوانٍ، وشدة الزلزال ست رختر فانتهى البيت، فقد كان هنا بيت، بيد من ؟ قال:

 

﴿ لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ (12) ﴾

 

(سورة الشورى)

من كان قلبه معلق بغير الله فهذا عين النفاق و من التفت إلى الله فهذا هو التوحيد:

 نحن إذا آمنا بالله انتهت مشكلتنا، لأننا إذا آمنا بالله اتجهنا له، والإنسان يبحث عن القوي، ويتمتم: من القوي ؟ هذه طبيعة الإنسان، يود القوي زيادة، ويحترمه زيادة، فإذا عطس: يرحمكم الله. وعلى أدنى حركة تجده يقدم واجباته تجاهه، لأنه قوي، فليس معه أي مزح، وأنت اعرف من هو القوي الحقيقي ؟ هو الله عزَّ وجل، فإذا عرفت أن الله بيده كل شيء فعلاقتك مع جهة، خلصت من النفاق وانتهى إلى غير رجعة، فإذا عرفت أن الأمر بيد غير الله فهذه مشكلة كبيرة جداً، ولو صليت، وصمت، وزعمت أنك مسلم، فأنت في شرك، وقلبك معلق بغير الله، ويرجو غيره، ويخاف من غيره، وآمالك معلقة على غيره، فهذا هو الشرك، وهذا معنى قوله تعالى:

﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ(106) ﴾

( سورة يوسف )

 فهو طقوسه لله، أما قلبه فلغير الله، والله يريد قلبك، ولا يريد حركاتك، فإن الله لا ينظر إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم، يريد قلبك، هذا القلب إلى أين هو ملتفت ؟ إلى زيد أو عُبيد، فلان أو علان ؟ فهذا شرك، أما إذا التفت إلى الله عزَّ وجل فهذا هو التوحيد.

 

على الإنسان أن يرضي الله عز وجل و لا يعبأ بغيره:

 

 لذلك فالقرآن قد تعجب أن كل آياته على التوحيد، لأن الآيات كلها بالنهاية من أجل أن تلتفت إليه، وأن لا ترى غيره، وأما إذا تشعبت بك المذاهب فحياة الشك صعبة جداً.

﴿ فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنْ الْمُعَذَّبِينَ(213 ) ﴾

( سورة الشعراء )

 إرضاء الناس غايةٌ لا تدرك، ومن استطاع أن يرضي الناس جميعاً فهو منافق، أو ذكي جداً ولكن ذكاءه شيطاني، وأنت عليك أن ترضي الله ولا تعبأ بغيره..

 

فليتك تحلو والحيـــاة مريرةٌ  وليتك ترضى والأنام غضـاب
وليـت الذي بيني وبينك عامـرٌ  وبيني وبين العالمين خـراب
وليـت شرابي من ودادك سائغٌ  وشربي من ماء الفرات سراب
أقول لعزَّالي مدى الدهر اقصروا  فكل الذي يهوى سواه يعـاب
* * *

 أي أنَّك أيها الإنسان لا يليق بك أن تحب غير الله، ولا يليق بك أن تحسب على غير الله، فقد يقول: هذا محسوب علينا.  فمن أنت ؟ فلست أهلاً أن يحسب عليك إنسان، كن محسوباً على الله، سألوا عالماً في مرض: لماذا هذه المكانة العالية ؟ قال: لأنني محسوب على الله، ولست محسوباً على جهة أرضية، فهذه الكلمة فيها أدب، ولم يقل: أنا أهل. بل قال: أنا محسوب عليه.

 

السعي والتدبير شرط لازمٌ غير كافٍ يحتاج إلى توفيق إلهي:

﴿ لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ (12) ﴾

(سورة الشورى)

 هذه الآية وحدها تكفي، والأعرابي قال لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: " كُفيت " إذ قرأ له آية واحدة ولم يقرأ القرآن كله، ونحن لدينا القرآن ستمئة صفحة، ومصاحف، وتفاسير، وأشرطة، وخطب، ومكتبات ومع ذلك فهناك شرك خفي. فأعرابي آية واحدة قال له: "كفيت ". فقال رسول الله صلى الله عليه وسلَّم:

(( فقه الرجل ))

﴿ لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ (12) ﴾

(سورة الشورى)

 فالرزق بيده، تجد شخصاً كتلة من الذكاء ولكن رزقه قليل، وشخص آخر على دروشته تجد ماله وفيراً، ولكن يوجد حكمة، فالقضية ليست بالذكاء ولا بالسعي، مع أن السعي ضروري، والتدبير ضروري، ولكن لا يكفي وحده، فالسعي والتدبير شرط لازمٌ غير كافٍ يحتاج إلى توفيق إلهي لأنه هو الرزاق.

من قوانين اتساع الرزق:

1 ـ الاستقامة:

 ربنا عزَّ جل بيده الرزق ولكن يوَسِّعه في المستقيم على أمره وهذا أول قانون:

﴿ وَأَلَّوْ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا(16) ﴾

( سورة الجن )

﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ﴾

( سورة المائدة: من آية " 66 " )

﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ ﴾

(سورة الأعراف: من آية " 96 " )

 وأول قانون لاتساع الرزق الاستقامة، صدق، وأمانة، وورع تام، فما دمت بهذه الاستقامة، وهذا الورع والأمانة فالله عزَّ وجل يقدر لك رزقاً وفيراً.

 

2 ـ صلة الرحم:

 والآن صلة الرحم تزيد الرزق، فإنسان له أخوات، وأولاد أخوات، وله أقارب، يتفقَّدهم من حين لآخر وهم بحاجة لمساعدته، فإذا وصلت هؤلاء الأرحام زيارةً ومعونةً ودلالةً، فالصلة لها ثلاثة معان ؛ وأقل شيء الزيارة تأنس بها، وثانياً المعونة لا أن تذهب ملوحاً بيديك، ثالثاً الدلالة ؛ أعطهم شريطاً، وأسمعهم درساً، أو أعطهم درساً من عندك، فزيارة ومعونة ودلالة، هذه الصلة تزيد في الرزق وهذا هو الشرط الثاني.

 

 

3 ـ الأمانة:

 والشرط الثالث: النبي الكريم قال:

 

((الأمانة غنىً ))

 والأمين غني لأنه موثوق.

 

4 ـ الاستغفار:

 الشرط الرابع: الاستغفار، فإذا غلط الإنسان واستغفر..

 

﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا(10)يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا(11)وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا(12)﴾

( سورة نوح )

5 ـ إتقان العمل:

 فالاستغفار، وصلة الرحم، والأمانة، والاستقامة، وبقي إتقان العمل، فإذا أتقن الإنسان عمله لا يقف، لأنه عندما يدرس الناس من الذي يعمل مستمراً ؟ إذاً هو المتقن، فكل الناس تتحول له، أما عندما يكون السوق قوياً جداً فالكل يعمل، وأما إذا برد السوق فيبقى المتقن يعمل ولا يقف.

الدعاء طريق لحل مشكلات الإنسان بشرط أن يكون حقيقياً:

 الإتقان، والاستقامة، وصلة الرحم، والأمانة، وبر الوالدين فهذه كلها من عوامل زيادة الرزق، والرزق بيد الله عزَّ وجل، والإنسان يكون عزيز النفس ويضع حاجته عند الله عزَّ وجل، وهذا الحديث القدسي الذي لا ينبغي لنا أن ننساه أبداً:

(( فَإِذَا مَضَى ثُلُثُ اللَّيْلِ أَوْ نِصْفُ اللَّيْلِ نَزَلَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا جَلَّ وَعَزَّ فَقَالَ هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَأُعْطِيَهُ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَهُ هَلْ مِنْ تَائِبٍ فَأَتُوبَ عَلَيْهِ هَلْ مِنْ دَاعٍ فَأُجِيبَهُ، حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ))

( مسند أحمد: عن " أبي هريرة " )

 فالله يقول لك: اسألني، استيقظ بالوقت المناسب وصل ركعتين واسألني، لأنه لم يأمرك أن تدعوه إلا ليستجيب لك، ولم يقل ادعوني فهو إله ما أمرك أن تدعوه إلا ليستجيب..

﴿ وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾

( سورة غافر: من آية " 60 " )

 فأنت بالدعاء أقوى إنسان، بالدعاء تحل كل مشكلاتك، لكن على أن يكون دعاء حقيقياً، وبشروط الدعاء..

﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ(186)﴾

( سورة البقرة )

الدعاء يحتاج إلى إيمان بالله واستقامة على أمره و أن يكون من القلب:

 بالمناسبة إذا كان إيمان الإنسان بالله ضعيفاً، وإيمانه بالناس قوياً أي أنه مشرك، فإيمانه بزيد قوي وبالله ضعيف، واستجابته ضعيفة لا يطبِّق أوامر الله، فتجده لا يستطيع أن يدعو الله، بل يستحي، إذ يوجد حجاب بينه وبين الله، عوامل بعد الإنسان عن الدعاء تلبسه بالمعاصي والشرك، فالشرك والمعاصي لا تعينان الإنسان على أن يدعو الله دعاءً صادقاً (وهذه نقطة مهمة جداً) أما إذا كان الإنسان مستجيباً لله، ومؤمناً به إيماناً حقيقياً واستجاب له، وأمتع ساعاته حينما يدعو الله عزَّ وجل، عندئذ ٍ:

﴿ وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾

(سورة غافر)

وجدناك مضطراً فقلنا لك ادعنا  نجبك فهل قد كنت حقاً دعوتنا
دعوناك للخيرات أعرضت نائياً  فهل لك من يحسن لمثلك مثلنا؟
* * *

 فالإنسان بالدعاء قوي جداً، أما الدعاء فيحتاج إلى إيمان بالله وإلى استقامة على أمره، ثم إلى دعاء حقيقي من قلبك، والنتائج مضمونة.

جميع الرسالات السماوية تهدف إلى الإيمان بالله و عبادته:

 إذاً:

﴿ لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ(12)﴾

(سورة الشورى)

 هو يعلم، يعلم كل شيء..

 

﴿ شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ(13) ﴾

 

(سورة الشورى)

 في أول السورة قال ربنا عزَّ وجل:

 

﴿ كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (3) ﴾

 

(سورة الشورى)

 أي يجب عليك أن تشعر أن هذه الرسالات السماوية واحدة، فكلها من عند الله، وكلُّها تهدف إلى هدفٍ واحد أن تؤمن به وأن تعبده.

﴿ أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ﴾

( سورة المؤمنون: من آية " 32 " )

 هذه الآية ذكرها كل الأنبياء.

الدين هو إيمان بالله و استقامة على أمره:

 هناك آية أدق من ذلك:

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِي(25)﴾

( سورة الأنبياء )

 فالدين كله له منطلق فكري وله سلوك عملي، فالمنطلق الفكري، أن تؤمن به واحداً كاملاً موجوداً، وأن تؤمن به خالقاً مربياً مسيراً، واحداً في ذاته وفي أسمائه وأفعاله وصفاته، وموجوداً أي أن تؤمن به وأن تستقيم على أمره، هذا الدين كله.

النبي الكريم جاء في الترتيب قبل سيدنا إبراهيم وموسى وعيسى لبيان أنه سيِّد الأنبياء:

 في أول السورة:

﴿ كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (3) ﴾

(سورة الشورى)

 هذه السورة مجملة، تفصيلها:

﴿ شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا (13) ﴾

(سورة الشورى)

 وبالطبع أول رسول جاء للبشرية سيدنا نوح..

 

﴿ وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى (13) ﴾

 

(سورة الشورى)

 فسيدنا نوح، وسيدنا إبراهيم، وسيدنا موسى، وسيدنا عيسى، وسيدنا محمد هؤلاء في نظر علماء التوحيد أولو العزم من الرسل، لكن النبي عليه الصلاة والسلام أولاً جاء في الترتيب قبل سيدنا إبراهيم وسيدنا موسى وسيدنا عيسى، قال: قُدِّمَ لبيان أنه سيِّد الأنبياء والمرسلين، ووصف شرعه بأنه وحيٌ من الله وليس وصيةً، فالوصية تعدَّل وتبدل وتزوَّر، ولكن الوحي قد حفظه الله سبحانه وتعالى إلى قيام الساعة، ولذلك جاءت الآية كما يلي:

 

﴿ شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ(13)﴾

 

(سورة الشورى)

دين الله عز وجل في الأرض واحد و الأنبياء دعوتهم واحدة:

 مراد الله عزَّ وجل أن يكون دين الله في الأرض واحداً، وأن يكون أتباع الأنبياء مؤتلفين لا متفرِّقين، ولا متعادين، ولا متحاربين، فهذا هو الذي بين أتباع الديانات الثلاث لا يرضاه الله عزَّ وجل، بل بالعكس هذا مما يُغضب الله، فأن أقيموا الدين أي أن هذا الشرع طبِّقوه، واجعلوه قائماً بينكم، في بيوتكم وفي أعمالكم وفي كل نشاطاتكم.

﴿ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ(13) ﴾

(سورة الشورى)

 وهذه الخلافات بين أتباع الديانات خلافاتٌ شيطانية ما أنزل الله بها من سلطان، فتقريباً تاريخ البشرية (وهذا الشيء مؤسف جداً) فسلسلة حروب حدثت بينهم أساسها أحقاد دينية قديمة، وهذا الشيء لا يرضي الله عزَّ وجل فالأنبياء إخوة..

﴿ آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾

( سورة البقرة: من آية " 285 " )

 فالأنبياء دعوتهم واحدة، أما الأتباع فمختلفون.

المشركون كَبُرَ عليهم أن يتنزَّل الوحي على محمدٍ صلى الله عليه وسلم:

﴿ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ(13) ﴾

(سورة الشورى)

 المشركون كانوا يتمنون أن تنزَّل النبوَّةُ والوحي على رجل من القريتين عظيم، فسيد قبيلته أو غني أو رجل كبير، هكذا، فنزل هذا الوحي على إنسانٍ ذي نسبٍ عظيم، وأمانةٍ كبيرة، وصدقٍ عجيب، وقد سأل النجاشي سيدنا جعفر عن دعوة النبي فقال: " يا أيها الملك كنا قوماً أهل جاهلية ؛ نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف (هذه الجاهلية، الجاهلية الأولى غير الثانية )، الجاهلية الأولى: يا أيها الملك كنا قوماً أهل جاهلية ؛ نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، حتى بعث الله فينا رجلاً نعرف نسبه (من أوسط بيتٍ في قريش ومن أعرقها) وأمانته وعفافه وصدقه، فدعانا إلى الله لنعبده ونوحده ".
 فالنبي كان فقيراً ولكن له نسب عريق، وله استقامة ظاهرة فكان في الجاهلية اسمه الأمين، وعندما هاجر إلى المدينة كان يضع في بيته الأمانات للكفار، فقد كانوا يثقون به أيما ثقة لأمانته وصدقه، وقد عرف بالأمين. والمشركون كَبُرَ عليهم أن يتنزَّل الوحي على محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وكانوا يتمنون أن ينزل الوحي على الرجل من القريتين عظيم، فربنا عزَّ وجل قال:

 

﴿ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ(13) ﴾

 

(سورة الشورى)

 لكن اختيار الأنبياء هذا من الله وحده..

 

﴿ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ(13) ﴾

 

(سورة الشورى)

من لم يطلب الهدى لا ينتفع بأي شيء إطلاقاً:

 هناك نقطة مهمة جداً وردت في سورة البقرة أيضاً:

﴿ الم(1)ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ(2)الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ(3) ﴾

( سورة البقرة )

﴿ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ(2) ﴾

( سورة البقرة )

 كأنه يوجد قرار سابق يتخذه الإنسان من ذاته بطلب الهدى وعندئذٍ ينتفع بالقرآن، والآيات الكونية، والأفعال الإلهية، و اعلم أنك لا تنتفع بكل وسائل الهدى إلا إذا أردت الهدى.
 فلو أن إنساناً يبحث عن جهاز ضغط ليقيس ضغطه تجده مهموماً، دخل إلى مكتبة لا يعنيه منها شيء، ولو قيل له: هذا كتاب جديد، وهذا طبعة حديثة. ولكنه يسأل البائع: هل عندك جهاز ضغط ؟ طلبه جهاز ضغط. أما لو وجد طالب علم، وعنده قائمة كتب، فيدخل إلى المكتبة وعينه على الكتب كتاباً كتاباً.
 فالإنسان إذا لم يطلب الهدى فإنه لا ينتفع لا بالقرآن، ولا بالعظماء، ولا بالدعاء، ولا بخطب المساجد، ولا بالأحداث، ولا بأي شيء إطلاقاً.

الهدى قرار داخلي على الإنسان أن يسرع باتخاذه:

 لو أن إنساناً ليس لديه بيت، وكان عنده بيت وعليه دعوى إخلاء، فأخلوه، فأصبحت زوجته عند أهلها وهو عند أهله وأولاده بين الجهتين وهو معذب عذاباً لا يحتمل، ويمشي في الطريق هائماً على وجهه يبحث عن غرفة يأوي إليها، فقال واحد: أتريد بيتاً ؟ فيمكن أن يقبّل رجله، وأن يختل توازنه، فإذا كنت طالباً الشيء فعندئذٍ تستفيد من كل شيء، وإذا لم تطلب الشيء، كأن يكون لديه بيت كبير، وبيت ثان مغلق، وبيت ثالث يريد أن يبيعه، وسأله سائل: هل تريد أن تشتري بيتاً ؟  تجده لا يجيبه إطلاقاً ويعرض عنه، وقد لاحظت ملاحظة في كتاب الله كله، كثير من الآيات:

﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ(37) ﴾

( سورة ق )

﴿ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ(2) ﴾

(سورة البقرة )

﴿ إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمْ اللَّهُ ﴾

( سورة النحل: من آية " 104 " )

 فأنت لك قرار سابق إذا لم تتخذه بطلب الهدى لا ينفعك الهدى إطلاقاً، ولا تستفيد.

من لم يطلب الحق لا ينتفع به ولو كان بين يديه:

 أوضح مثل على ذلك: لديك آلة تصوير وهي أغلى آلة لكن ليس فيها فيلماً، فمهما تفننت بالتقاط المناظر، فمعنى ذلك أنك لست طالباً، وإذا لم يطلب الإنسان الهدى فلا ينتفع به إطلاقاً، و القرآن بين يديه، وكله كامل، ومطبوع أفخر طبعة، ومسجَّل بأحدث القراءات، ومفسر، ودروس علم، وخطب، ولكن ليس هذا طلبه، بل طلبه الدنيا.
 فالإنسان إذا لم يطلب الحق فلا ينتفع به ولو كان بين يديه، وطالب الحق ينتفع ببصيصٍ من نور، أو بورقة من كتاب، أو بنصيحة من عالم، نصيحة واحدة، يقول لك: لا أنساها، فعليك أن تجهد لتتخذ هذا القرار، وأن تتخذ قراراً بطلب الهدى لكي تنتفع بالقرآن، وبالخطب، والدروس، تنتفع بالأحداث التي تجري في العالم، والآيات الكونية.

من اتخذ قراراً بالهدى الله عز وجل يهديه و يستعمله صالحاً:

 إذاً هذا معنى قول الله عزَّ وجل:

﴿ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ(13) ﴾

(سورة الشورى)

 فإذا رجع الإنسان لنفسه، وتأمَّل ذاته، في سر وجوده، في نهاية وجوده، وفي نهايته، وفي حقيقة الدنيا، وفي خالقه، اتخذ قراراً بالهدى، فالآن الله يهديه. فتصور أباً رأى ابنه شارداً فتجده يسأله: خير يا بني ماذا تريد ؟ فقال له: أريد أن أدرس.  فيقول له: تكرم. الأب مقتدر فهيَّأ له مدرسة، وأقساطاً، وأساتذة خاصين، وغرفة خاصة، ودخلاً يكفي، وأعفاه من كل أعباء البيت. فلما يطلب الإنسان فالله يعطيه، وأنت اطلب فقط..

﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ﴾

( سورة العنكبوت: من آية " 69 " )

 أما إذا طلبت فالقضية أصبحت سهلة جداً..

 

﴿ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ(13) ﴾

 

(سورة الشورى)

 فالإنسان يطلب من الله أن يهديه وأن يهدي به، وأن يرزقه طيباً وأن يستعمله صالحاً، ويطلب موجبات رحمة الله وعزائم مغفرة الله عزَّ وجل.

البغي سبب من أسباب التفرقة بين الناس:

﴿ وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ (14) ﴾

(سورة الشورى)

 التفرق الآن بين المسلمين أقرب شيء لنا، نراه بغياً بينهم أي حسداً، كطلبهم للرئاسة، رئاسة المجالس، فهذا العالم الفلاني، وهذا الداعي الفلاني، طلبهم للزعامة، وللدنيا، وللتجمُّعات الكبيرة، وهذه تجعلهم يطعنون ببعضهم بعضاً، فالتفرقة أسبابها البغي، قال الله تعالى:

 

﴿ وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ (14) ﴾

 

(سورة الشورى)

 أي تفرقوا بغياً بينهم وبعدما جاءهم العلم، وهذه بغياً متعلقة بتفرقوا، عاملها تفرَّقوا.

 

﴿ وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ (14) ﴾

 

(سورة الشورى)

علامة إخلاص المؤمن أن ينتمي إلى مجموع المؤمنين و يحس بهم:

 فيا أيها الأخوة الكرام علامة الإخلاص أنك تنتمي إلى مجموع المؤمنين، وترحب بكل المسلمين، وتقدر كل العلماء المخلصين، والدعاة الصادقين، والمستقيمين على أمر الله.
 أما علامة البغي فترفع نفسك على حساب الآخرين، وترتفع وتطعن بهم، فهذا الطعن وتقاذف التهم، وتفتيت المسلمين، وشرذمتهم، وجعلهم جماعات جماعات وفرقاً فرقاً وطوائف طوائف، وكتلاً كتلاً، هذه بغياً بينهم، أي عداوةً وعدواناً وحسداً وتطلُّعاً إلى المكاسب الدنيوية الرخيصة.

﴿ وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ (14) ﴾

(سورة الشورى)

 الكتاب بين أيدينا، والكتب السماوية واضحة جداً، والأدلة قاطعة، والأمور ميسَّرة، وليس لنا حجة، فالحجة عليهم لا لهم، ولكن البغي الذي في نفوسهم جعلهم يتفرقون هذا قانون، فأنت عندما يكون عندك مبيع ولك جار بالحرفة نفسها، وأنت غير مؤمن بالله عزَّ وجل، ويهمك أن تطعن ببضاعته وتمدح ببضاعتك، فمعنى هذا كله للزبون، وهو قد أخذ منك الزبون، فتعمل له مشكلة، فهذا سلوك الناس.
 فعندما يكون التفكير تفكيراً تجارياً، وتفكير زُبن، وترويج بضاعة ودعاية، وطعناً بالبضاعة الأخرى، فإذا كانت هذه الأمور التجارية انسحبت على الدعاة فهذه مشكلة كبيرة جداً، صارت عداوة صنعة، أما الدعاة إلى الله كلهم على منهج واحد، وعلى قلبٍ، وهدف واحد.

كل إنسان عليه أن يتعاون مع إخوته تعاوناً قوياً:

 المفروض في الإنسان أن يكون متعاوناً مع إخوانه تعاوناً قوياً، لأن ربنا عزَّ وجل قال:

﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾

( سورة المائدة: من آية " 2 " )

 تقولها مرة ثانية وثالثة وخامسة: وكل إنسان يتوهم أن الله فقط له والجنة له فقط، وهو على الحق وحده، والناس كلهم ليس فيهم خير، قال: " من قال هلك الناس فهو أهلكهم ". وهذا الإنسان متقوقع، وأفقه ضيِّق، محدود، أما الإنسان المؤمن فيتعاون مع كل إخوانه المؤمنين بروح متسامحة، وبإنكار للذات، وتمتين لأواصر المحبة والود بين المؤمنين:

 

(( مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى ))

 

( من مسند أحمد: عن " النعمان بن البشير " )

 هكذا:

 

(( فإن يد الله مع الجماعة))

 

( الجامع الصغير: عن " عرفجة ")

(( ويد الله على الجماعة ))

( الجامع الصغير: عن " ابن عمر ")

(( ومن شذ شذ إلى النار ))

( الجامع الصغير: عن " عرفجة ")

(( عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة، فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد ))

( الجامع الصغير: عن " عمر ")

(( فعليكم بالجماعة فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية ))

( أخرجه أبو داود عن " أبي الدرداء" )

الإخلاص يرسخ الانتماء بمجموع المؤمنين:

 إذاً التفرق سببه البغي، والبغي يعني الحسد، والعداوة، وطلب الوجاهة، والمكاسب الدنيوية، فإذا انسحبت العقلية التجاريَّة على الدعوة إلى الله رأيت الفرقة، والتشرذم، والعصبية العمياء، والانتماء لجماعات صغيرة جداً، وتفتيت المسلمين، والآية واضحة كوضوح الشمس:

﴿ وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ(14) ﴾

(سورة الشورى)

 وكنت أقول كلمة دقيقة: كلما انخفض مستوى الإخلاص ترسخ الانتماء لجماعتك وتطعن بالآخرين، وكلما ارتفع مستوى الإخلاص ترسخ الانتماء بمجموع المؤمنين (وهذه نقطة مهمة جداً) والإخلاص هو المحرِّك، فأنت تنفذُ قوله تعالى:

﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾

( سورة الحجرات: من آية " 10 " )

 أما إذا كان الإخلاص ضعفاً فيهمك كيانك الذاتي، والمكاسب المادية، والوجاهة الاجتماعية وعندئذٍ تضطر لتطعن بالآخرين، لكي تروج بضاعتك وتصرف الزبائن لعندك، وبالطبع هذا منطق التجَّار، أما الدعاة إلى الله فلهم منطقٌ آخر، منطقهم الآخر إذا عزَّ أخوك فَهُنْ أنت، وإذا كانت الدعوة ماشية فأنت كن بخدمته، فأخ لك أطلقه الله بالدعوة عاونه، بدلاً من أن تنافسه.

على كل مؤمن أن يساعد الداعية إلى الله إن كان على حق:

 أقول هذه الكلمة: لك أخ وانطلق في الدعوة إلى الله، فأنت أمامك أحد أمرين إذا كان على خطأ فانصحه، وإذا كان على حق فعاونه، فهل هناك أكثر من ذلك ؟ أما إن كان على حق وتعمل له مشكلة فمعنى هذا أنه حسد، وكل إنسان يؤلمه تفوّق أخ، أو انطلاق أخ فقد وضع نفسه بخندق المنافقين وهو لا يدري..

﴿ إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ ﴾

( سورة التوبة: من آية " 50 " )

 لك أخ من سِنَّك والله أطلقه بالدعوة، وصار له دعوة واسعة، فإذا كان على باطل فانصحه، وإذا كان على حق فادعمه وعاونه، وإذا عزّه الله فسيعزَّك معه كذلك، أما هذه النفسية التي تريد كلما انطلق الإنسان فتكبِّله وتقيِّده وتطعن فيه وتشك بإخلاصه، فهذا تمزيق للمسلمين، وهذا لا يرضي الله أبداً.

الله عزَّ وجل أعطى كل إنسان اختياره وأعطاه أجلاً يتناسب مع اختياره:

 إذاً:

﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ(14)﴾

(سورة الشورى)

 وهذه الآية دقيقة جداً أمضيت درساً في شرحها من قبل أسبوعين أو ثلاثة، أي إن ربنا عزَّ وجل أعطى الإنسان اختياره، وأعطاه أجلاً يتناسب مع اختياره، فلو أخطأ ضمن هذا الأجل لا يحسمه، بل يؤخره إلى الوقت الذي أعطاه إيَّاه.
 والمعنى الأعمق إن ربنا عزَّ وجل لو أنه حاسب الناس على أخطائهم لقضى عليهم وأهلكهم، لكنه يعطيهم مهلة لعلهم يتوبون، ويعودون، ويتفكرون، ويتذكرون، ومثال على إعطاء الأجل:
 لو فرضنا أننا أجرينا للطالب مذاكرة أول سنة فأخذ صفراً، فهل نرسبه رأساً ؟ أم أن عنده فصلاً ثانياً وفصلاً ثالثاً وفحصاً أخير، وهناك فحص شفهي وتحريري ووظائف ونشاط، فليس من المعقول من أول مذاكرة أن ترسِّبه، فمن أعطيناه مهلة تسعة أشهر، فيها فصلان دراسيان وفيها مذاكرات وفيها شفهي وكتابي، وفحص نصفي، وفحص أخير، وجَمع للعلامات ومتوسِّطات، فهل من المعقول من أول مذاكرة أن نرسبه، هذا لا يعقل.
 وعندما يقول ربنا إلى أجل، أي أنت يا عبدي انتبه، فإن رسبت اليوم، فهناك فصل ثان وثالث ومذاكرات، وفحوص، فالإنسان لمّا يرسب فليس معنى ذلك أن هلك، ولكن لو بقي على هذا الوضع فقد هلك، وأما أنه يستطيع أن يغيِّر، ويبدِّل، فربنا من رحمته، يعطينا هذه المُهَل..

الخلافات بين الدعاة تبعد الآخرين عن الدين و تطعن به:

﴿ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ (14) ﴾

(سورة الشورى)

 أي أهل مكة، فعندما يجد الإنسان خلافات بين الدعاة هذا الطرف يطعن بالطرف الآخر يقول: أهكذا المسلمون !! وأحياناً تجد في بعض البلاد البعيدة يتقاتلون، بعدما انتصروا على العدو المُلحد يتقاتلون الآن وهل هذا الشيء معقول ؟ والله سقطوا كلهم، حرب مدمرة فقط لاستلام زمام الأمور ! بعدما كان هذا الجهاد في أعلى مستوى فقد هبط الآن، فالمشكلة مشكلة وعي (فأهل مكة عندما رأوا هذه الخصومات بين أهل الكتاب وبين المؤمنين) وقد جاءت الآية دقيقة جداً، فقال:

 

﴿ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ(14) ﴾

 

(سورة الشورى)

 فلو كان معك حق ساطع والذين يتعاملون بالحق مختلفون بين بعضهم، فأنت تشك فيهم كلِّهم، فما هذه القصة ؟ ولسان معظم الناس، لو وجدوا بين الدعاة خصومات، وطعناً، ولمزاً، وغمزاً، يقول لك: ما هذا ؟ هكذا الدعوة إلى الله عزَّ وجل ؟  أهذا دين هؤلاء كلهم ضد بعضهم ؟ والطرف الحيادي قد سقطت كل هذه الدعوة من عينه، فعندما يعمل الإنسان الخصومات مع الآخرين فقد سماه الله كفراً.

من فرّق بين المؤمنين و مزقهم ارتكب الكفر و هو لا يدري:

 في آيات ثانية:

﴿ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ ﴾

( سورة آل عمران: من آية " 101 " )

 لما اختلفت الصحابة بين بعضهم الأوس والخزرج لأن بعض اليهود كَبُرَ عليهم هذا الوفاق وهذا الود وهذه المحبة، فدسوا شاباً ذكَّرهم بأشعار في الجاهلية يطعن ببعضهم بعضاً، فظهر بعض ضعاف العقول فاستل أحدهم سيفه والثاني استل سيفه فستصير مشكلة، فخرج النبي إليهم وقال:

(( أتفعلون هذا وأنا بين أظهركم ))

 ونزل قوله تعالى:

﴿ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ ﴾

( سورة آل عمران: من آية " 101 " )

 فهذا الذي يفرق بين المؤمنين ويعمل الإسلام جماعات وفئات وأحزاباً وطوائف وهذه ضد هذه، فهذا يرتكب الكفر وهو لا يدري، فقد مزَّق المسلمين، فينظر غيرهم إليهم وكل هذا الإسلام يسقط من عينه، مع أن الإسلام على حق، والقرآن نَيِّر بين أيدينا (وهذه نقطة دقيقة جداً ) فمكانة المسلمين الكلية تسقط لو اختلفوا بين بعضهم، ولو طعنوا ببعضهم، فنحن المؤمنون نحترم كل الدعاة، والمساجد، والدعوات المخلصة، و هكذا المؤمن، فالدعاة إلى الله هم مدرسون لمنهج واحد، والمنهج هو الكتاب والسنة، وكلنا نقوم بتدريسه، فالكتاب واحد والسنة واحدة، ولا توجد تفرقة، فهذا الذي يرفع من قيمة الدعوة إلى الله في نظر الناس.

لا قيمة للدعوة إلى الله إطلاقاً من دون استقامة على أمره:

 هؤلاء أهل مكة لما رأوا هذه الخصومات بين أهل الكتاب وبين المسلمين، قال:

﴿ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ(14)فَلِذَلِكَ (15) ﴾

(سورة الشورى)

 يا محمَّد..

 

﴿ فَادْعُ ﴾

 

(سورة الشورى)

 إلى الله..

 

﴿ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمْ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ(15) ﴾

 

(سورة الشورى)

 فما دام هذا الواقع، خصومات، نفور، فأنت يا محمد ادع إلى الله واستقم كما أمرت، ولا قيمة للدعوة إطلاقاً من دون أن تستقيم على أمر الله.

 

على كل داعية أن يدعو إلى الله بلسانه و سلوكه:

 

 هناك معنى آخر للآية: استقم على الدعوة أي اثبت عليها. والمعنى الثاني ادع إلى الله وكن قدوةً لهم، ادع إلى الله بلسانك وسلوكك.

﴿ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ (15) ﴾

(سورة الشورى)

 هذه الخصومات، والعنعنات، والتبجُّح، والطعن.

 

﴿ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ (15) ﴾

 

(سورة الشورى)

 فالدعوات كلها واحدة، من كتاب نكرة تنكير شمول.

 

﴿ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمْ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ(15)﴾

 

(سورة الشورى)

 الحجة لله علينا، الحُجَج الداخلية الفردية لا قيمة لها، والكتاب هو الحجة.

 

﴿ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ(15) ﴾

 

(سورة الشورى)

 وفي درسٍ آخر نتابع هذه الآيات.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018