الدرس : 73 - سورة الأنعام - تفسير الآيتان 164- 165، ابتغاء الله وحده ـ امتحان الله لنا - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 73 - سورة الأنعام - تفسير الآيتان 164- 165، ابتغاء الله وحده ـ امتحان الله لنا


2006-07-28

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .
 أيها الإخوة الكرام ، مع الدرس الثالث والسبعين ، ولعله الدرس الأخير من سورة الأنعام ، ومع الآية الرابعة والستين بعد المئة ، وهي قوله تعالى :

﴿ قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾

قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا

1 ـ معنى الربّ ولوازمه :

 أيها الإخوة ،

﴿ قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا ﴾

 الرب هو المربي ، ولعل أقرب اسم من أسماء الله الحسنى إلى الإنسان اسم الرب ، لأنه يربيه ، لأنه يمده بما يحتاج ، لأنه يربي نفسه ، لأنه يربي إيمانه ، لأنه يعالجه ، لأنه يسوق له من الشدائد أحياناً ما يحمله على التوبة ، ويسوق له من الخيرات ما يحمله على الشكر ، ويلقي في قلبه السكينة ليشعر أنه بإيمانه أسعد الناس ، ويلقي في قلبه الرضا .
 لذلك الخيرات التي تتأتى من رب الأرض والسماوات ، لا يعلمها إلا الله ، لذلك في كل صلاة الحمد لله رب العالمين ، هو الذي أوجدك من عدم ، هو الذي أوجد محبتك في قلب أمك وأبيك ، هو الذي خلقك على نحو يقربك إليه ، هو الذي يسرك لما خلقت له من معرفته .

 

2 ـ معنى : قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا

 الآن السؤال الصيغة استفهام إنكاري

 

﴿ قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا ﴾

 ؟! هل من المعقول أن تتجه لمخلوق تتلمس أن يربيك ؟ أو أن تتجه لمخلوق تعتمد عليه أو أن تتجه لمخلوق تعلق الآمال عليك ؟ أو أن تتجه لمخلوق تخاف منه ؟ ترجو ما عنده ؟ تخشى بطشه ؟ وتنسى ربك ؟
 متى يكون الاستفهام إنكارياً ؟ لأنه ولا واحد بالمليار يمكن أن تصدق أن يكون مخلوق حادث لئيم ضعيف الإمكانات أن تتخذه رباً ،

﴿ قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا ﴾

  هل هذا معقول ؟ أي مخلوق له مسحة من عقل ، أي إنسان فيه ذرة عقل لا يمكن أن يوازن بين خالق السماوات والأرض ، صاحب الأسماء والصافة الفضلى ، وبين مخلق ضعيف ، أيعقل أن يوازن مخلوق بخالق ؟ تعتمد على مخلوق يموت ، تعتمد مخلوق ضعيف ، تعتمد على مخلق لا يملك لك :

 

﴿ ضَرّاً وَلَا نَفْعاً وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُوراً ﴾

( سورة الفرقان )

﴿ قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ﴾

 كل شيء في الكون الله ربه ، ولو كان جماداً ، لأن الذي يمد الجماد للحركة بحركة الذرات ، فتكون هذه المادة حديدية ، وهذه نحاس ، وهذه صخرة ، وهذا ماء ، وهذا نبات ، الذي يمد كل المخلوقات بالحياة هو الله واهب الحياة لكل المخلوقات .

 

﴿ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾

( سورة التغابن )

 وأمره كن فيكون .

 

﴿ لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

( سورة الزمر الآية : 63 )

﴿ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً ﴾

( سورة الكهف )

﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ ﴾

( سورة هود الآية : 123 )

 أتتخذ إلهاً آخر غيره ؟

﴿ قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ﴾

  هل يمكن أن يوازن عندك خالق مع مخلوق ، فتدع الخالق وتعبد المخلوق ؟ الذي يشرك هو لا يقول : أنا أعبد فلاناً لأنه إله ، لا ، هو يقول : أنا أطيع فلاناً ، لكنه يعامله كما يعامل الإله ، يعصي الله ، ويطيعه ، إنه يتوهم أن إرضاء هذا القوي أعظم من إرضاء الله ، لذلك يؤثر رضاه على سخط الله ، من هنا يقول عليه الصلاة والسلام :

(( من أرضى الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس ، ومن أسخط الناس برضا الله كفاه الله مؤونة الناس ))

[ أخرجه الترمذي وأبو نعيم في الحلية عن عائشة ]

﴿ قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ﴾

 الرب الممد ، يمد المخلوق بما يحتاج ، بعض الحيوانات تحتاج إلى وبر ، بعضها إلى صوف ، بعضها إلى ريش ، بعضها إلى زعانف في البحر ، بعضها إلى أرجل ، بعضها إلى أجنحة ، بعضها إلى أجهزة خاصة ، بعضها إلى بعض الأعضاء التي يستعين بها كالكنغر ، فكل مخلوق أمده الله بأجهزة وخصائص تناسبه ، وتحقق مصالحه في الدنيا ، والله عز وجل كن فيكون ، زل فيزول .

﴿ قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ﴾

معنى : أَبْغِي

 أيها الإخوة ،

﴿ أَبْغِي ﴾

 أي أطلب ، والإنسان في عنده طلب داخلي ، أيام يعلق الأمل على مخلوق ، وكأن لسانه حاله يقول : أعطني .
 أحيانا يخاف من مخلوق ، وكأن لسان حاله يقول : نجني ، لكن المؤمن لا يخاف إلا الله ، ولا يرجو غير الله ، ولا يتكل إلا على الله ، ولا يعطي قلبه إلا لله ، ولا يكون محسوباً على جهة أرضية ، المؤمن محسوب على الله ، ولا يليق بالمؤمن أن يكون لغير الله ، هو إن كان لغير الله يحتقر نفسه .

 

﴿ وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ ﴾

( سورة البقرة الآية : 130 )

 أيها الإخوة ، الآية تقول :

﴿ قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا ﴾

  هذا استفهام إنكاري ، يعني أيعقل أن تتخذ من دون الله رباً ؟ أيقبل عقلك أن تخاف من مخلوق ، وألا تخاف من الخالق ؟ أيقبل عقلك أن ترضي مخلوقاً وتعصي خالقاً ؟

وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ

﴿ قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ﴾

 معنى كل شيء ، هذا الذي تعامله كإله هو في قبضة الله ، والله ربه قد يلهمه أن يسيء لك ، من هنا قال عليه الصلاة والسلام :

(( لو كنت متخذا من أمتي خليلا دون ربي لاتخذت أبا بكر خليلا ، ولكن أخي وصاحبي ))

[ أخرجه أحمد و البخاري ومسلم عن ابن عباس ]

 لا يوازن خالق مع مخلوق ، لا يوازن رب السماوات والأرض مع سيد في عملك .
 الآن :

﴿ قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ﴾

 رب هذه الطاولة ، هذا خشب فيه ذرات ، هناك الكترونات ، ونواة ، وحركة دائمة ، كل شيء يتحرك .

 

﴿ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴾

( سورة يس )

 يتجلى على هذه المادة فتكون خشباً ، يتجلى على هذه المادة فتكون حجراً ، يتجلى على الماء فهو ماء ، الهواء هواء ، كل المخلوقات من خصصها بخصائصها ؟ الله جل جلاله ، ثم هو يمدها ، النبات ينمو ، والحيوان ينمو ويتحرك ، والإنسان ينمو ويتحرك ، ويفكر الجماد ذراته تدور حول بعضها .

 

معنى : وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا

 

 أما معنى قوله تعالى :

﴿ وَلَا تَكْسِبُ ﴾

 في القرآن أيها الإخوة ، كسب واكتسب ، كسب فعل ثلاثي يدل على الخير .

 

﴿ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ﴾

( سورة البقرة )

 العمل الشرير هو من اكتساب الإنسان ، من اكتسابه ، والعمل الخير من كسبه ، أنت تريد ، أنت تختار ، والله عز وجل يحقق اختيارك ، الخير أو الشرير ، لكن الاختيار الخير يقال له : كسب .
 أنت جالس ، وأذن المؤذن ، فقلت : يا رب ، فوقفت لأصلي ، فأمدك الله بقوة فتحقق اختيارك الخير ، ولما يصرّ إنسان على فعل معصية ، أو على كسب مال حرام ، أو على ابتزاز إنسان ، أو على اعتداء على عرض ، حينما يصر الله عز وجل لأنه جعله مخيراً يسمح له أن يفعل هذا ، لكن الشيء الخير يعبر عنه بفعل الثلاثي ، أما الشيء غير الخير الشرير يعبر عنه بالفعل الرباعي ، كسب ، اكتسب الخماسي ، والزيادة في المبنى تدل على الزيادة في المعنى ، فإذا كسب الإنسان الخير يسجل له فوراً ، أما الشر اكتسب خمس أحرف ، إن فعل الشر فملَك الشمال يُمنع أن يكتب عليه هذا الشر ، لعله يندم ، لعله يتوب ، لعله يصلح ، فإذا فعل الشر ولم يندم ، ولم تتب ، وأصر عليه ، وتباهى به ، وافتخر به يقول له : اكتب ، اكتسب في مراحل عديدة ، أما أيّ فعل خير يسجَّل لك ، أما فعل الشر فينتظرك الله عز وجل ، هل تتوب ، هل تندم ، هل تصلح ما أفسدت ، هل تعتذر ، هل تستغفر ، هل تدفع صدقة ، فإذا فعلت الشر ـ لا سمح الله ـ ولم تندم ، ولم تتب ، وأصررت عليه ، بل وافتخرت به يقول لملَك الشمال : اكتب ،

﴿ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ﴾

 أنت تحاسب على كسبك ، بل إنك لا تملك إلا كسبك ، والكسب هو الانبعاث ، أنا قمت لأصلي ، أعانني الله على أن أصلي ، أنا نهضت لأعاون هذا المسكين أعانني الله على معاونته ، هذه كسب ، أما اكتسب قام ليزني ، قام ليسرق ، قام ليوقع بين اثنين ، قام ليرفع دعوى كيدية على إنسان ، الآن اكتسب .
 الآية هنا تحير :

﴿ قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا ﴾

 هنا كسب عليها ، وهي هنا جاءت للشر ، قال بعض المفسرين : من كثرةِ ما ألِف هذا الشر صار فعله سهلاً عليه ، وكأنه خير .
 هناك أشخاص يبنون رزقهم على إيذاء الناس ، وعلى ابتزازهم ، وعلى إلقاء الرعب فيهم ، يبدو أنه بعد حين تنطمس فطرته ، فيفعل هذه الشرور دون أن يحاسب نفسه ، وكأنه يفعل الخير ، هذا معنى جديد ، إذا أبدلنا فعل كسب باكتسب ، تركنا اكتسب واستعملنا كسب ، وأتينا بحرف جر بمعنى عليه ، أي هو عمل شرير ، فالمعنى أن هذا الإنسان من كثرة ما فعل الشر ألِفه ، وأصبح فعله عليه هيناً وكأنه فعل خير ،

﴿ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا ﴾

وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى

﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾

 الحقيقة أن الوزر هو الحمل الشاق ، لا يسمى حمل هذه الورقة وزراً ، الحمل الشاق مئة كيلو ، ينوء بحمله الإنسان .
 أحيانا يقترف الإنسان جرائم ، وهو قوي ، ولا أحد يحاسبه ، لكن هو يحمّل نفسه يوم القيامة ما لا يحتمل ، لذلك قال الله عز وجل :

 

﴿ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ ﴾

( سورة البقرة )

 هؤلاء الذين يقصفون ، يبيدون البشر ، يدمرون كل شيء ، بل يدمرون كل المنشآت ، يقتلون الأطفال ، النساء ، الضعاف ، يستخدمون آلة من أعتى الآلات لقتل طفل بريء ، وكأنها بطولة ، لو جاء ملاكم من الطراز الأول فأمسك طفلاً صغيراً ، هل تصفق له ؟ يكون الذي صفق له أحمق ؟ لأن هذا ملاكم ، هذا يصفق له إذا انتصر على ملاكم آخر ، جيش وطيران ، وأسلحة ، وأسلحة حارقة خارقة ، وقنابل عنقودية ، وذكية ، على طفل ، على امرأة ، على بيت للسكن ، لا على قلعة ، ولا على الطرف الثاني الذي معه سلاح ، ولا وتسمى هذا بطولة ، هذا الشيء من مفارقات الحياة .

﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾

 الوازرة الحاملة ، تزر تحمل ، الوازرة الحاملة لا تحمل نفس حمولة نفس أخرى ، أبداً .

 

﴿ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ﴾

( سورة الطور )

 حتى لو جاء الابن من الزنا فلا علاقة له بسبب مجيئه إطلاقاً ، لذلك من أصعب العادات الجاهلية هي الأخذ بالثأر ، قتيل قُتل في قرية يجب أن يُقتل إنسان من قبيلة القاتل ، هذا الذي قتل اختفى ، أقرباء القاتل ما ذنبهم ؟ .

 

﴿ وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ﴾

( سورة التكوير )

لا يجوز تحميل البريء أثر جناية المتهم :

 والله أيها الإخوة ، لو أن هذه الآية :

﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾

 طُبقت ما كان في مشكلة في العالم ، الآن يأخذون رهائن ، الإنسان لا علاقة له ، أحيانا يحاسب الأب عن ابنه ، وتحاسب الزوجة عن زوجها ، وأعداؤنا يأخذون الرهائن أحياناً ، والمطلوب يأخذون رهينة مكانه .

﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾

 والله اتصل بي أخ من محافظة ، قال لي : هناك جريمة قتل حصلت ، وأهل القاتل تعاونوا معنا تعاونا مذهلا ، تعاونوا للإمساك بالقاتل ، والقتل ظُلم ، وبدأ بسرقة ، وانتهى بجريمة قتل ، فقال لي : كل أهل القاتل اختفوا من القرية خوفاً من الانتقام ، والذي سألني من وجهاء القرية ، قلت له : ينبغي أن ترجعهم إلى بيوتهم ، وأن تطمئنهم ، وأن تشكرهم على تعاونهم معك ، هم لا علاقة لهم بالجريمة إطلاقاً ، هذا هو الإسلام .

﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾

 أنجبت امرأة فتاة ، يطلقها ! كون الجنين ذكرا أم انثنى ليس من المرأة ، من الذكر .

 

﴿ وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * مِنْ نُطْفَةٍ ﴾

( سورة النجم )

 أي حمّلها ما لا تحمل ، ملايين التصرفات ، إنسان بريء يعاقب ، لذلك : يوم يذوب قلب المؤمن في جوفه مما يرى ، ولا يستطيع أن يغير ، إن سكت استباحوه ، وإن تكلم قتلوه .
 أيها الإخوة ،

﴿ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾

 لكن الوازرة ؛ الحاملة ، والوزر الحمل الثقيل ، ومنه الوزير ، يحمل أعباء كبيرة جداً ، فالذي يرى أن الوزارة مغانم فهو جاهل .
 أحيانا الإنسان يقول لك : أنا مسؤول كبير ، لو عرف معنى مسؤول لسقط مغشياً عليه ، سوف يحاسب عن كل كلمة ، وعن كل إشارة .

﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾

 قال تعالى :

 

﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾

( سورة الشرح )

 كان الوحي صعباً على النبي الكريم ، لأن صفة ملائكية في سيدنا جبريل تريد أن تلتقي بصفة بشرية ، ومن السهل أن تلتقي مع إنسان من بني البشر ، لوجود قواسم مشتركة كبيرة جداً ، لكن تصور مخلوقا ملائكيا يملأ الأفق كله سوف ينزل على النبي الكريم ، فكان أول الوحي يشعر بضغط شديد ، لو أن رِِجلَ النبي عليه الصلاة والسلام فوق رِجلَ أحد أصحابه لكادت هذه الرجل تنسحق ، لو أنه ركب دابة تئن الدابة .

 

﴿ إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً ﴾

( سورة المزمل )

 إن صفة ملائكية تلتقي مع صفة بشرية ، فلابد من تفاعل هاتين الصفتين ، لكن بعد حين ألِف النبي الوحي ، فإن انقطع عنه الوحي تألم ألماً شديداً .

﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾

﴿ وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾

( سورة الضحى )

 أيها الإخوة ، الإنسان في الدنيا يحمل مسؤولية كبيرة ، يحمل أمانة التكليف ، أن الله جعل نفسه أمانة بين يديه ، محاسب عن كل حركة وسكنة ، محاسب عن اتصاله وانقطاعه ، وعطائه ومنعه ، وابتسامته ، أحيانا تسأل عن امرأة يقال لك : لا نعرف ، ما تكلم ولا كلمة ، لكن هذه :

(( إن قذف المحصنة ليهدم عمل مائة سنة ))

[ أخرجه البزار الطبراني في الكبير والحاكم في المستدرك عن حذيفة ]

متى يحمل الإنسان وزر غيره ؟

 تحاسب على هذه العملية ، لا يتكلم ، لكن عبر عن كل شيء يحاسب عليه ، لكن متى تزر الوازرة وزر أخرى ؟ قال عزوجل :

﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾

 لكن متى تحمل هذه النفس ذنوب الآخرين ؟ إذا دلتهم على الشر ، إذا أغوتهم به ، لذلك يقول الله عز وجل :

 

﴿ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ ﴾

( سورة يس الآية : 12)

 أنا أحمل وزر الآخرين إذا أسهمت في إضلالهم ، إذا عميت عنهم الحقيقة ، إذا غششتهم ، علمت موظفا عندك على الغش ، ثم تركك ، وصار أكبر غشاش ، كل أعماله السيئة حتى الموت في صحيفة من دله على الغش ، دللته على معصية ، زينت له المعصية ، زينت له أكل المال الحرام ، أقنعته أن هذه الدنيا هي كل شيء ، تمتع بها إلى أقصى درجة ، ولا تعبأ بشيء ، كله معاصيه في صحيفة الأول .
 إذاً في الأصل :

﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾

  لكن لو أن الأخرى ضلت بسبب الأولى فكل ذنوب الأخرى في صحيفة الأول .

متى يكسب الإنسان أجر غيره ؟

 الآن في معنى معاكس :

﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾

( سورة الطور الآية : 21 )

 كل أعمالهم ذريتهم الطيبة ألحقت بالوالدين ، لأنهما ربيا أولادهما على الخير ، لذلك أكبر تجارة في الدنيا ابنك .
 في الدنيا تجارات ، شركات ضخمة عملاقة ، مبيعاتها اليومية خمسة ملايين ، هناك شركة بأوربا فائضها النقدي 100 مليار ، لا تجد له استثماراً ، هناك أشخاص يملكون 100 مليار دولار ، هناك تجارات رابحة ، لكن والله إن أعظم تجارة أن تربي ابناً لك صالحاً ، وأن يكون من بعدك استمراراً لك ، فكل أعماله ، وأولاد أولاده إلى يوم القيامة في صحيفتك .
 اسمعوا الآية :

﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ ﴾

 إذاً الأصل :

﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾

  لكن أنت إذا كنت السبب في إضلال إنسان فإنك تزر نفسك أوزار الآخرين ، وفي المعنى المعاكس : أنت إذا عملت أعمالاً صالحة ، وربيت من حولك على العمل الصالح كل أعمالهم الصالحة في صحيفتك .
 ثم يقول الله عز وجل :

 

﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

( سورة الأنعام )

معنى الخلافة في الأرض :

 الخلافة إخواننا الكرام ، فلان خليفة فلان ، يعني أتى بعده ، أو هذه خليفة زمان ، يرى المحل شغله إنسان ، كبر في السن ، أو توفي ، له ورثة باعوا المحل ، شغله إنسان آخر ، جاء بعده إنسان آخر ، قف أمام سوق مشهور ، كسوق الحمدية تأكد أن كل خمسين سنة هناك طقم جديد لأصحاب المحلات ، هكذا سنة الله في خلقه ، يموت الأب فيبيع الورثة البيت ، والمحل ، والسيارة ، يأتي إنسان ويشتري البيت فيحسنه ، هناك خلائف .

معنى : وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ

المعنى الزماني :

 بمعنى أن بعضكم يخلف بعضاً في البيوت والسيارات ، والمكاتب التجارية ، والشركات ، كل فترة في طقم جديد ، هذا معنى ، هذا المعنى الزماني .

 

المعنى المكاني :

 إنسان يحتل منصبا معينا ، ثم يُعزل ، ويحل محله آخر ، هذا استخلاف مكاني ، الأول زماني ، وهذا مكاني ، عُزل فحل محله فلان .

 

المعنى الدقيق للآية :

 لكن يبدو أن هذه الآية لا تعني أن يخلف إنسان إنساناً ، بل تعني شيئا آخر ، تعني أن يخلف الإنسان ما أوكله الله به ، تخلف الله في عباده ، أمرَك أن تكون عادلاً ، وجعلك حاكما ، جعلك قاضيا ، جعلك وزيرا ، يجب أن تكون خليفة الله في أرضه ، بمعنى أن تحكم بالعدل ، ينبغي أن تخلف الله بأن ترحم خلقه .

(( إن كنتم ترجون رحمتي فارحموا خلقي ))

[ رواه الشيخ والديلمي عن أبي بكر ]

 هذا المعنى دقيق جداً ، لا أن تخلف أخاك بالإنسانية ، خلافة زمانية أو مكانية لا ، أن تخلف الله في خلقه ، الله عز وجل قال :

 

﴿ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ﴾

( سورة هود الآية : 61 )

 يعني أمركم أن تستعمروا ، أي أن تجعلوها معمرة ، لذلك الإنسان خليفة الله في الأرض .

 

﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ﴾

( سورة البقرة الآية : 30 )

 الله عدل ، فإذا كان العبد الفقير عدلا فقد خلف الله في الأرض ، الله رحيم ، فإذا كان العبد رحيما فقد خلف الله في خلقه .

وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ

 إخواننا الكرام ، الآن في معنى دقيق جداً في قوله تعالى :

﴿ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ ﴾

 أولاً : الكون كله عدا الإنسان والجن منفعل بأمر الله ، الكون كله جماد ونبات ، وحيوان ، من دون استثناء منفعل كله بأمر الله ، كن فيكون ، زل فيزول ، أي كن مسيراً ، المخلوقات كلها مسيرة إلا الإنسان :

 

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ ﴾

( سورة الأحزاب الآية : 72 )

 الإنسان مخير ، تكريماً له جعل الله عز وجل بعض الأشياء تنفعل له ، أنا أرفع يدي ، أمرتها فأتمرت ، شربت الماء فارتويت ، أكلت الطعام فشبعت ، حركت رجلي فانتقلت من مكان إلى مكان ، فالله عز وجل كرم الإنسان أن أبعاضه جعلها بإمرته ، لكن قلبك ليس بأمرك ، التنفس ليس يأمرك ، القلب والرئتين ، وعمل الكبد ، والبنكرياس ، والهضم ، هذا بأمره ، لكن بأمرك الأوامر الإرادية ، تتحرك ، ترفع يدك ، تتكلم ، تمشي ، تنام تستيقظ ، تكسر ، تضرب ، تدفع ، تقدم صدقة ، تسلب مالا ، كله باختيارك ، فالله عز وجل سمح لك أن تفعل أشياء كثيرة كما تريد ، هذه أول ميزة للإنسان .
 الله عز وجل قال :

﴿ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ ﴾

  الآن أعطاك مواهب أنت لا تقدر أن تفتح صدرا بالمنشار ، وتزيل الأغشية عن القلب ، وتفتح البطين ، وتضع دساما جديدا ، وعملية معقدة ي سبع ساعات ، هذا فعلُ جراح القلب ، والمساء عادي جداً ، فتح بطنين أو ثلاثة وهو مرتاح ، وتأتي قابليته على الأكل ، كيف يأكل ؟ وكله دم ، والإنسان مثل الميت أمامه ، بعد هذا يعمل صعقة للقلب ، إما أن يتحرك ، أو عظّم الله أجركم ، أنت ما عندك إمكانية أن تكون جراح قلب ، أنت عندك إمكانية أن تصلح سيارة ، لا سمح الله ولا قدر تشعر في قلبك بشيء غير طبيعي ، تأتي إلى الطبيب بكل أدب ، ويقول لك : يلزمك عملية ، تعالج معالجة عادية ؟ يجب دخول المستشفى ؟ لا تعرف ، أنت بدرجة عالية جداً من الأدب ، الآن أنت أمام الطبيب ، الله رفعه عنك بموهبته ، مكنه من علم جراحة القلب ، فهو الآن أعلم منك ، هذا الطبيب عنده سيارة لها صوت بالمحرك غريب ، يأتي مصلّح السيارات للمعالجة ، فيقول : يجب أن نغيره ؟ الآن بالعكس ، الطبيب الجراح يقف أمام خبير بشؤون المركبة بكل أدب ، وينتظر منه كلمة ، المحرك سليم ، أم عُطب ؟ كم يكلف ؟ أنت ليس لك مثلاً أن تصنع ثيابا ، أما الخياط فالثياب سهلة عليه جداً ، كل واحد سمح الله له أن يتفوق في شيء .
 فنحن في تبادل ، أنت أحياناً تحتاج إلى طبيب ، والطبيب يحتاج أن تعطي ابنه دروس رياضيات ، فلما يكون ابنه ضعيفا بالرياضيات هو بحاجة إلى دروس ، لما تشعر بقضية في قلبك فأنت بحاجة إليه ،

﴿ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ ﴾

الإنسان مرة فاضل ومرة مفضول :

 كل إنسان مفضل ومفضول ، بكل قضية ، مرة يكون مفضلا ، ومرة يكون مفضولا ، هناك عدالة ، لكن العلماء يقولون : المجموع ثابت ، أنت ما جعلك صاحب شركة ، جعل محاسب بشركة ، معاشك محدود ، صاحب الشركة أعلى منك في الدخل ، لكن أنت أكثر راحة في البال منه إذا حدثت مشكلة في الشركة ، أنت لا علاقة لك ، إذا كان في بضاعة إشكال ، وضرائب ، أنت لا علاقة لك ، احترق المستودع ، أنت مرتاح ، لا تشعر ، فالمحاسب دخله قليل ، ودخل صاحب الشركة أكثر ، لكن في الأزمات الصعبة نعكس الآية .
 الله أعطى كل مئة درجة موزعين ، عنده زوجة ممتازة ، أخذ من العشرة ثماني درجات على الزوجة ، عنده ولد سيء أخذ واحدا عليه ، والثاني عنده زوجة سيئة جداً علامتها واحد ، عنده أولاد نجباء ثمانية ، فوزع الدخل مع الصحة ، مع راحة البال ، مع النشاط ، مع السمعة ، مع الذكاء ، يخرج كل واحد بعشر درجات من الله ، أو مئة درجة ، هذا يسمونه المجموع ثابت .

﴿ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ ﴾

  فأنت مرة مفضل ومرة مفضول .
 عندك مجاري مسدودة ، تبحث عن رجل عمله في المجاري لتُصلح ، تقول : هل نكسر البلاط ؟ طمئني ، هو مرح بهذا الموضوع ، يقول لك : أنا مهندس المجاري ، هو يقول لك : الأمر يحتاج إلى تكسير البلاط ، أو لا يحتاج ، إذا سدت المجاري تأتي إليه ، وإذا سدت شرايينك تأتي إلى الطبيب ، كله سُد .

﴿ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ ﴾

 المعنى الدقيق جداً : أنت دائماً مفضل ومفضول .

كل إنسان ممتَحن فيما فضله الله به :

﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ﴾

  الطبيب موثوق ، ومُصدق ، وأنت لا تستطيع أن تناقشه .
 أقسم لي بالله طبيب ، قال لي : أستطيع أن أُبيع بيت الرجل وهو لا يشعر ، لكن يخاف من الله فلا يفعلها ، هل يمكن للمحامي أن يقول : إن الدعوى رابحة ، وأنت عندك يقين بالمئة مليون أنها لن تربح ، لكن أين ثماني سنوات ؟ بعد هذا تبلغه الخبر السيئ مرة واحدة ، تكون أخذت منه 500 ألف ليرة ، أنت باعتبار أن الله فضلك عليه بالخبرة صار عندك إمكان للامتحان ، إما أن تكون صادقا ، أو كاذبا .
 هل يحتاج المريض إلى إيكو أو لا يحتاج ؟ الله يعلم ، أنت كلفت مريضا بصورة شعاعية غالية جداً ، والجهاز عندك بالعيادة ، امتحنك الله عز وجل .
 تأتي بسؤال صعب جداً ، يأخذ معظم الطلاب أصفارا ، يجب أخذ الدروس الخصوصية عندك ، الأصل أن يكون السؤال معتدلا ، أما أنت فقد افتعلت سؤالا صعبا ؟ حتى يحتاج كل الآباء منك درسا خصوصيا ، رفعك الله فتستغل هذه الخبرة ، وتبتز أموال الناس ، أم أن تكون صادقاً معهم ؟ هذا معنى دقيق جداً .

﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ﴾

 كل واحد منا ممتحن فيما أتاه الله ، إن جعله ذكيا فهو ممتحَن بذكائه ، هل يستخدم ذكاءه في الإيقاع بين الناس أو ابتزاز أموالهم ، وإن جعله محدودا ، هل تكون هذه المحدودية يرافقها استقامة على أمر الله عز وجل ، وإن جعله قويا هل تأخذه العزة بالإثم فيسحق من يعارضه ، أم يكون وقافاً عند كتاب الله ؟ .
 سأل سيدنا عمر رجلا : أتحبني ؟ قال له : لا أحبك ، قال له : وهل يمنعك بغضي لي من أن تعطيني حقي ؟ قال له : لا والله ، محبتي أو عدم محبتي لا علاقة لها بإعطائك حقك .
 أيها الإخوة ، هذه الآية مهمة جداً ، أنك ممتحن فيما آتاك الله ، جعلك قويا فأنت ممتحن ، هناك أقوياء بالأرض ، لهم حساب دقيق جداً ، أعطاك مالا ، امتحنك بالمال ، أعطاك صحة ، امتحنك بالصحة ، أعطاك طلاقة لسان تقنع الناس بالحق أم بالباطل ؟ هناك أدباء معهم أدب رفيع جداً يستخدمونه لإضلال الناس ، لإثارة شهواتهم ، امتحنك بالأدب ، وامتحنك بالرسم ، هل ترسم صور نساء عاريات ، أم صورا طبيعية ، يسبح الإنسان ربه إذا رآها ، أعطاك مثلاً شكلا جميلا ، هل تغري بهذا الشكل الفتيات ، أو كلما رأيت نفسك في المرأة تقول : الحمد لله كما حسنت خلقي فحسن خُلقي يا رب ، امتحنك بشكل ، امتحنك بذكاء ، بطلاقة لسان ، امتحنك بالمال ، امتحنك بالقوة ، امتحنك بزوجة صالحة طيبة ، هل تتفنن في إذلالها ، هذه امرأة مقطوعة ، أم تخاف الله فيها ، امتحنك ببيت مطل على مدرسة ، مدرسة بنات ، تجلس طوال النهار ، وتطّلع عليهم من فوق ، أم تغض بصرك ، وتضع البلور مثلاً ، امتحنك بكل شيء ، أنت ممتحن بكل دقيقة فيما آتاك ، بماذا ميزك ؟ امتحنك فيما آتاك ، بدءاً من شكل وسيم ، كيف تستخدم هذا الجمال الذي وهبك الله إياه ؟ امتحنك بطلاقة لسانك ، امتحنك بمالك ، امتحنك بمنصب رفيع .
 بهذه الطريقة الله عز وجل قهرنا أن نكون مع بعضنا ، تصور رغيف الخبز كم يحتاج من إنسان ؟ أرض ، وحراسة ، وزراعة ، وبزار ، وتسميد ، وسقي ، وحصاد ودراسة ، وطحين ، وخبز ، وتأخذ الخبز جاهزا ، لا تعلم كيف يصنع الخبز ، لكن مكنك من التعليم ، تعلم أولادا ، لكن ما عندك إمكانية أن تصنع الخبز ، فامتحنك الله عز وجل ، منحك ميزة جعلك دائماً مفضلاً أو مفضولاً عليه ، امتحنك حينما جعلك مفضلاً ، وامتحنك حينما كنت مفضولاً على غيرك .
 أيها الإخوة ، يبدو أن هذا هو الدرس الأخير من دروس سورة الأنعام .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018