الدرس : 72 - سورة الأنعام - تفسير الآيات 159- 163 ، التفرق شرخ صفوف الأمة - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 72 - سورة الأنعام - تفسير الآيات 159- 163 ، التفرق شرخ صفوف الأمة


2006-07-21

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .
 أيها الإخوة الكرام ، مع الدرس الثاني والسبعين من دروس سورة الأنعام ، ومع الآية التاسعة والخمسين بعد المئة ، وهي قوله تعالى :

﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ﴾

الإسلام دين التوحيد ونبذ التفرقة :

 الحقيقة أن هذا الدين العظيم إنما أنزله الله على نبيه الكريم ليوحدنا ، لا ليفرقنا ، ليؤلف قلوبنا لا ليوقع بيننا العداوة والبغضاء ، فأيّ إنسان يحقق حقيقة هذا الدين بأن يجمع الناس دون أن يفرقهم ، أن يقرب بينهم دون أن يباعد بينهم ، هذا الإنسان يتحرك وفق منهج الله ، والذي يريد أن يجعل هذا الدين طوائف ، وشيعاً ، وأحزاباً ، وفئات ، وتيارات ، واتجاهات ، بحيث تغدو وحدة الأمة ممزقة ، بحيث يكون الشرخ كبيرا بين شرائحها ، كل إنسان يفرق ، ولا يجمع ، يوقع بين الناس العداوة والبغضاء ، يُحزب ، ويتعصب ، وينحاز انحياز أعمى ، هذا الإنسان يتحرك بخلاف منهج الله ،

﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ ﴾

 دين الله واحد .

الصراط واحد :

 أيها الإخوة ، يقول الله عز وجل :

﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ ﴾

( سورة الأنعام الآية : 153 )

 صراط واحد ، الحق واحد ، الخط بين نقطتين واحد ، لو رسمنا خطاً آخر يأتي فوقه تماماً ، يجب أن نؤمن أن هذا الدين الأصل فيه أن يكون واحداً ، أن يكون جامعاً ، أن يكون أصلاً ، فأيّ إنسان جعله دينين ، أو طائفتين ، أو اتجاهين ، أوقع شرخاً في صفوف الأمة ، قال :

﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ ﴾

 صارت أديانا .
 بالمناسبة أيها الإخوة ، لمجرد أن نضيف على الدين صار أدياناً ، هذا أضاف على الدين في العبادات ، هذا أضاف في المعلومات ، هذا أحل الربا ، هذا أحل الاختلاط ، هذا أحل ترك الصلوات ، فكل إنسان يعطي رأيا بخلاف ما في الكتاب والسنة فيجعل من هذا الدين أدياناً ، واتجاهات ، وشيعاً ، وأحزاباً ، وطوائف ، هذا ليس على منهج رسول الله .

إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا

معنى الشيع :

 ما معنى شيعاً ؟ أو ما معنى تشيع ؟ بالمعنى اللغوي ؛ أن يجتمع أناس على فكرة ما ، خيرة أو شريرة .

﴿ وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ ﴾

( سورة الصافات )

 على الخير ، فهو اجتماع الناس على شيء ، حقا كان أو باطلا ، خيرا كان أو شرا ، يقال : هذه شيعة فلان ، فالدين ينبغي أن يكون شيعة واحدة ، ولاء واحداً ، اتجاهاً واحداً .
 أيها الإخوة ، هكذا أصل الدين ، وهكذا جاء به النبي الكريم ، وهكذا أراده رب العالمين ، ولكن حينما نجعل من الدين أداة تفرقة فقد خالفنا مقاصده .
 جاءني سؤال قال صاحبه : إنني شافعية ، امرأة متقدمة في السن ، بالثمانين ، إنني شافعية ، وزوجي حنفي ، هل يجوز ذلك ؟ يا لطيف ! صار المذهب دينا ، إن لمس يدي هل تصح صلاتي ؟ قلت لها : يجب أن يطلقكِ فوراً !.

﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا ﴾

 بقدر ما تستطيع اجمع ولا تفرق ، ابحث عن القواسم المشتركة ، ابحث عن الذي يجمعنا ، لا الذي يفرقنا ، هذا يرضي الله عنا ، أما أن تجد الشيع ، والأحزاب ، والاتجاهات ، وجماعة فلان ، وجماعة فلان ، وفلان على حق ، وفلان على الباطل ، وفلان ضئيع ، وفلان متقدم ، أينما جلست سمعت المماحكات ، وتبادل التهم ، والتقييم الشيطاني ، هذا الذي فرق الأمة ، هذا الذي جعل وحدتها مجزأة ، هذا الذي جعل شملها ممزقاً .
 أيها الإخوة ، آية دقيقة جداً يجب أن لا تغيب عن أذهاننا إطلاقاً

﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا ﴾

نظرية : << فرِّق تَسُدْ >> :

 ماذا فعل فرعون ؟ :

﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً ﴾

( سورة القصص الآية : 4 )

 فرق تسد ، ماذا يفعل الأعداء بنا ؟ أينما حلوا ، يفرقوننا إلى شيع ، في العراق ، في أيّ مكان ، سنة ، وشيعة ، وعرب ، وأكراد ، ألا ترون ذلك ؟ مصلحة العدو أن يفرقنا ، ونحن قوتنا في وحدتنا ، قوتنا في تضامنا ، قوتنا في اجتماعنا .

لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ

 هؤلاء ليسوا على منهجك يا محمد ، ليسوا على دعوتك ، ليسوا على ما تتمنى ، ليسوا على ما ترضي الله ، تفرقة الأمة أكبر جريمة ، هل تصدقون أن الأوس والخزرج في مناسبة محدودة لم تُعَدْ مرة ثانية ؛ أن بعضهم ذكّرهم بالخلاف فيما بينهم قبل مجيء رسول الله ، فكادت تنشب بينهم مواجهة ، فبلغ ذلك النبي ، فقال : أتفعلون هكذا وأنا بين أظهركم ؟ ثم نزل قوله تعالى يبيّن أن هؤلاء كفروا :

( سورة آل عمران الآية : 101 )

إنها مرحلة التماسك والتضامن :

 بماذا وصف الله عز وجل التفرقة في القرآن الكريم ؟ بأنها كفر ، لذلك أيها الإخوة ، ما من مرحلة في حياة المسلمين هم في أمس الحاجة إلى وحدتهم ، وتضامنهم وتماسكهم ، وإزالة الفرقة بينهم كهذه المرحلة ، وأقول دائماً : إن أعدائنا وضعونا في سلة واحدة ، فينبغي أن نقف جميعاً في خندق واحد .

﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ﴾

 أي لست منهم وليسوا منك .

الدعوة إلى العصبية والتفرقة من الكبائر :

 بالمناسبة حينما يقول النبي عليه الصلاة والسلام :

(( ليس منا من دعا إلى عصبية ))

[ أخرجه أبو داود عن جبير بن مطعم وحسنه السيوطي ]

(( من فرق فليس منا ))

[ أخرجه الطبراني عن معقل بن يسار وحسنه السيوطي ]

 أحاديث كثيرة تبدأ بـ : ليس منا ، عدّ علماء الحديث أن هذه العبارة تعني أن الذي يفعل ما ذكر النبي في مقدمة فعله أنه ليس منا أنها من أكبر الكبائر ، إذا قال عليه الصلاة والسلام :

(( ليس منا من دعا إلى عصبية ))

 فالدعوة إلى العصبية من أكبر الكبائر ، لذلك أيها الإخوة ، أقول دائماً : لا يجوز أن يضاف على كلمة مؤمن ولا كلمة ، أية كلمة تضاف على كلمة مؤمن دعوة إلى العصبية ، أحياناً كزلة لسان يقول لك : طالب علم أجنبي ، إن كان من بلد آخر يوصف بأنه طالب علم أجنبي ، المؤمن صفة جامعة شاملة .

﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ﴾

الحق لا يتعدد :

 الآن :

﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ﴾

 معنى ذلك أن هناك نقطتين وبينهما خط ، ولا يمكن أن يمر خط آخر بينهما ، هذا هو الحق ، أما الباطل فخط منحنٍ ، وباطل آخر خط أشد انحناء ، باطل ثالث أشد انحناء ... يمكن أن يمر بين الخطيين مليون خط منحنٍ ، ومليون خط منكسر ، وكل هذه الخطوط باطلة ، والحق لا يتعدد .
 هناك معنى آخر :

 

﴿ يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ﴾

( سورة البقرة الآية : 257 )

 النور مفرد ، والظلمات جمع .

 

﴿ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ ﴾

( سورة البقرة الآية : 257 )

 فهناك الشيطان ، أو دعوة النبي ،

﴿ يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ﴾

 الحق واحد وموحّد ، وأصل جامع ، إذاً : هذا الدين جاء ليجمع لا ليفرق ، جاء ليوحد المصدر التشريعي مصدر الأمر والنهي في الأفعال الأساسية ، جاء هذا الدين ليوحد القلوب .

 

﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾

( سورة الحجرات الآية : 10 )

 ما لم تشعر بأخوتك للمؤمن فلست مؤمناً ، وما لم يكن انتماءك لمجموع المؤمنين فلست مؤمناً ، أن تنتمي إلى فقاعة صغيرة ، إلى جماعة صغيرة ، وترى أنها وحدها على حق ، وما سواها على باطل ، هذا هو التعصب ، هذا هو الأفق الضيق ، هذا الذي لا يرى أحداً مثله .

 

﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ ﴾

( سورة النساء الآية : 49 )

 هذا الذي يزكي نفسه ، ولا يرى أحداً مثله ، ويزدري كل من حوله ، ويعلو وحده ، ويبني مجده على أنقاض الآخرين ، هذا ليس من الدين في شيء ، ما أخر المسلمين إلا تفرقهم ، ولا جعل أعداءهم يطمعون فيهم إلا مِن فرقتهم ، وليس مع سلاحهم من عدو أمضى من إثارة الفرقة بينهم ، ومع العدو ورقة وحيدة رابحة إثارة الفتن الطائفية .
 يقول بعض زعماء العالم الغربي بالحرف الواحد : " أنا لا يعنيني أن يكون العالم 200 دولة ، أتمناه 5000 دولة ، والله يتمنون في كل يلد إسلامي كل محافظة دولة ، كل محافظة يتمنونها دولة مستقلة ، وهذا ما يفعلونه في العراق ، قد تنتهي هذه الحرب الأهلية بتقسيم العراق ، وهذا من خططهم ، وهذه ورقة رابحة وحيدة .
 بالمناسبة أيها الإخوة ، إذا كانت فئة من المسلمين حققت نصراً رائعاً فينبغي أن تعتز بهذا النصر إن كنت مؤمناً ، ولو لم يكن قد جرى على مَن هم على شاكلتك ، لأن الله عز وجل يقول :

 

﴿ غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ ﴾

( سورة الروم )

 أثبت الله للصحابة الكرام فرحهم بنصر الروم ، بين المسلمين وبين الروم الذين هم أهل الكتاب ، والقواسم مشتركة كثيرة جداً ، أليس كذلك ؟ أنا أُذكّر بالقرآن .

التفرقة في الدين مخالفة لمنهج الله :

 أيها الإخوة ، الذي يفرق في الدين يتناقض مع منهج الله ، ومع وحي السماء ، والتفرقة تأتي من اتباع الهوى .

﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ﴾

( سورة القصص الآية : 50 )

 الهوى يفرق ، والدين يجمع ، الآخرة تجمع ، والدنيا تفرق ، لا تفرقة بين المؤمنين إلا بسبب الأهواء أو الدنيا ، يتنافسون على الدنيا فيتفرقون ، أو يتنافسون بالبدع التي أضافوها على الدين فيتفرقون .

﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ﴾

الدين كالماء أصلاً وأهمية :

 ما هو العنصر الأساسي في حياة الكائنات الحية ؟ العنصر الأساسي في حياة الكائنات الحية الماء .

﴿ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ﴾

( سورة الأنبياء الآية : 30 )

 لماذا جلت حكمته جعل الماء لا لون له ، ولا رائحة له ، ولا طعم له ؟ هذه صفات الماء ، الماء كعنصر أساسي هو قاسم مشترك لكل الكائنات الحية ، فإذا كان للماء لون خرج عن صفته ، أو للماء طعم ، أو له رائحة ، لم يعد ماء ، لذلك لأن الدين لنا كالماء ، لأن الدين لنا كالهواء ، ينبغي أن يكون الماء صافياً حتى يسمى ماء .

 

هذا هو واقع المسلمين للأسف :

 أما في الدين كذا ، وفي الدين كذا ، وأكثر المسلمين حتى في بلاد المهجر هذا المسجد للجماعة الفلانية ، وهذا المسجد لجماعة فلان ، وهذا المسجد لمن يأتي من شرق آسيا ، ولا يقبلون واحدا يأتي من الشرق الأوسط ، وهذا مسجد لمن يأتي من بلاد الحرمين ، وهذا المسجد لمن يأتي من بلاد الشام ، أرأيتم إلى التفرق في الشرق الأوسط ؟ لو ذهبت إلى أقصى البلاد وجدت التفرقة على أشدها هناك ، وقد يصل الأمر إلى الاقتتال في المسجد على وقت الإفطار وعلى جهة القبلة ، وعلى بدء الصوم ، هؤلاء مسلمون ؟ الأقليات في كل أنحاء العالم يتعاونون ، لأنهم أقلية ، إلا الأقليات الإسلامية ، أينما ذهبت وجدت الفرقة والتعصب يمزقهم .
 أنا متألم جداً أيها الإخوة ، متألم من واقع المسلمين ، فُرّقنا ، شُتتنا ، كل جماعة تتهم الجماعة الأخرى ، إلى متى هذه الفرقة ؟

إلامَ الــخلفُ بينكم إلامَ  وهذه الضجة الكبرى علامَ
وفيم يكيد بعضكم لبعض  فــــــيم وإلى متى
***

 أيها الإخوة ، الماء لا لون له ، ولا طعم له ، ولا رائحة ، وهو القاسم المشترك بين كل الكائنات الحية ، ولأن الدين حاجتنا إليه كحاجتنا إلى الماء ، يجب أن يكون صافياً لا لون له ، ولا طعم له ، ولا رائحة .
 سألني مرة واحد : ما تقول في التصوف ؟ قلت له : التصوف إن كان وفق الكتاب والسنة فعلى العين والرأس ، لكن إذا كان كذلك هو الإسلام فلماذا نحدث مصطلحًا جديدًا ؟ إذا كان كلنا بالتصوف كما في الكتاب والسنة ، توحيدا ، وتزكية ، واستقامة ، وبذلا ، وتضحية ، والتزاما ، إذا كان التصوف مطابقًا للكتاب والسنة فهو إذاً الإسلام ، فعلامَ نحدث مصطلحاً جديداً يثير الفرقة بين المسلمين ؟ الأصل عندنا الكتاب والسنة .

(( تركت فيكم شيئي ما إن تمسكتم لهما فلن تضلوا بعدي أبدا : كتاب الله وسنة رسوله ))

[ أحمد ]

﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ﴾

 إطلاقاً ، ما فيه ذرة إيمان ، ما فيه ذرة من منهج رسول الله ، ما فيه ذرة من غيرته على المسلمين ، ما فيه ذرة من إخلاص .

من خصائص الدعوة الخالصة :

1 – الاتباع لا الابتداع :

 أنا مضطر أن أقول : هناك دعوة إلى الله خالصة ، من خصائصها الاتباع لا الابتداع ، اتبع لا تبتدع .

2 – التعاون لا التنافس :

 ومن خصائص الدعوة إلى الله الخالصة التعاون .

 

﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ﴾

( سورة المائدة الآية : 2 )

 لا التنافس .

3 – الاعتراف بفضل الآخرين :

 ومن خصائص الدعوة إلى الله الخالصة الاعتراف بفضل الآخرين ، وقد كان بعض الشيوخ في هذه البلدة الطيبة قبل خمسين عاما ، كل شيخ يأخذ نخبة من إخوانه إلى بقية الشيوخ ليعرفهم عليهم ، نحن من أسرة واحدة ، دعوتنا واحدة ، وما لم نكن كذلك فلا يرضى الله عنا ، أنت لك أم ، ليس معنى ذلك أن أيّ أم أخرى فاسدة ، لك أم تنتمي إليها ، هذا لا يمنع أن تكون معظم الأمهات أمهات ملتزمات ، حريصات على أولادهم ، وأحياناً يبرمج الإنسان أنه غير هذه الجماعة ، هذا لا يجوز ، وما سوى ذلك ضلال بضلال ، يحصل عندهم كبر واستعلاء ، ورغبة بأن يبحث عن أخطاء الآخرين ، يصبح همه الأول القنص ، وكلما عثر على غلطة تمسك بها ، وكبرها ، وأشاعها بين الناس .

إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ

 قال :

﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ﴾

 هؤلاء جاؤوا ليفرقوا لا ليجمعوا ، ليشقوا الصفوف لا ليرصوا الصفوف ، يجعلوا الأمة مشرذمة لا موحدة .

﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ﴾

 هذا تهديد كبير ، هذا الذي يشق صفوف المسلمين ، يفرق ولا يوحد ، يتهم من دون دليل ، يسيء الظن بأخيه المؤمن ، من ساء الظن بأخيه فكأنما أساء الظن بربه .
 والله سافرت إلى بلد يعيد شرقاً ، هالني أن في هذه المدينة التي يعد فيها المسلمون أكثر من 700 ألف ، كل طرف يتهم الطرف الآخر بالفسق والفجور تهديد والاختلاس ، معقول ؟! أنا لا أتكلم من فراغ أيها الإخوة ، أنا أتكلم من واقع مرير ، والعدو يتمنى هذا الواقع ، ويكرس هذا الواقع ، ويعمق هذا الواقع ، كيف ؟ يستطيع أن يسيطر على كل هؤلاء المتفرقين .

﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ﴾

ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُون

﴿ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ﴾

 يريهم نتائج أعمالهم ، ثم يقول الله عز وجل :

 

﴿ مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾

( سورة الأنعام )

مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا

 الحسنة لعلكم تتوهمون أنها مؤنث حسن ، هنا لا ، تقول عالم وعلامة ، علامة مؤنث ؟ فهامة مؤنث ؟ بحاثة مؤنث ؟ هذه تاء المبالغة

﴿ مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ ﴾

 العظيمة

﴿ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ﴾

 المِثل مذكر ، بحسب قواعد اللغة فله عشرة أمثالها ، لكن في القرآن :

﴿ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ﴾

 إذًا : ارتبطت العشر بالحسنة لا بالمثل ، فمِن العمل العظيم أن تقدم شيئاً للأمة ، أن تقدم علماً ، أن تقدم إحساناً ، أن تؤلف القلوي ، أن تلبي حاجات الآخرين :

 

﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً ﴾

( سورة البقرة الآية : 245 )

﴿ مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ﴾

وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا

 أيها الإخوة ،

﴿ وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا ﴾

 الآن مع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَى عَنْ رَبِّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( إِنَّ رَبَّكُمْ تَبَارَكَ وَتَعَالَى رَحِيمٌ ، مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً ، فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشَرَةً إِلَى سَبْعِ مِائَةٍ ، إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ ، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ وَاحِدَةً ، أَوْ يَمْحُوهَا اللَّهُ ، وَلَا يَهْلِكُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى إِلَّا هَالِكٌ ))

[ أحمد]

 قال شُراح الحديث : يرتفع ثواب الحسنة من عشرة أمثال إلى سَبْعِمِائَةٍ مثل إلى مليون مثل ، بحسب نية صاحبها .

(( نية المؤمن خير من عمله ))

[ أخرجه البيهقي في شعب الإيمان عن أنس ]

 ونية الكافر شر من عمله ، كل شيء فعله يتمنى أكثر من ذلك ، كل شيء فعله الكافر يتمنى أكثر من ذلك ، لا بد من أن نكفر بالكفر ، أرأيت إلى الكفر ماذا فعل ؟

 

﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ﴾

( سورة الماعون )

الكفر بالكفر قبل الإيمان بالله :

 هذا الذي يهدم ، لا يدع شيئاً صالحاً للحياة ، بلا سبب ، والذين يُنكل بهم لا علاقة لهم بالموضوع إطلاقاً ، ألا ترون كل يوم ؟ لذلك هذا هو الكفر ، ما لم نكفر بالكفر لم نؤمن بالله .

﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى ﴾

( سورة البقرة الآية : 256 )

 لن يكون الإيمان صحيحاً إلا إذا كفرنا بادئ ذي بدء بالطاغوت .

(( فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشَرَةً إِلَى سَبْعِ مِائَةٍ ، إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ ))

(( وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً ))

تنبيه مهم :

 لكن هناك تحفظ ،

(( وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا ))

 لأنه لم يستطع ، تبقى سيئة أما

(( فَلَمْ يَعْمَلْهَا ))

 غلب عليه خوف الله كتبت له حسنة ، وقد يهم الإنسان بسيئة فلا يستطيع أن يعملها ، ما له أجر ، بل عليه وزر ، لأن نية الكافر شر من عمله ، قال :

(( فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ وَاحِدَةً ، أَوْ يَمْحُوهَا اللَّهُ ـ إن تاب منها ، أو ندم عليها ـ))

 وَلَا يَهْلِكُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى إِلَّا هَالِكٌ ))

 

والله عز وجل يقول آية لو تأملناها لاقشعرت جلودنا :

﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ﴾

 فأيّ إنسان طرق بابك ، أيّ إنسان طلب منك حاجة ، أيّ كائن حي ، هذه المرأة البغي التي رأت كلباً كاد أن يلهث من العطش ، فسقته فشكر الله لها فغفر لها ، لك أجر في البهائم ، في الكلاب ، في القطط ، في أي كائن حي يمكن أن تعينه ، أو أن تعالجه إن كان مريضاً ، أو أن تطعمه إن كان جائعاً .
 هناك أناس أيها الإخوة يسعدون أيما سعادة إذا أطعموا البهائم ، يطعمون الطيور أحياناً ، هو في قمة السعادة ، والآية التي تؤكد هذا المعنى :

 

﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾

( سورة البقرة )

 والله مرة أمسكت مجموعة سنابل نبتت من حبة قمح واحدة ، عددتها فإذا هي 35 سنبلة ، عددت حبات سنبلة واحدة فإذا هي خمسون حبة ، ضربت خمسة بـ17 1350 حبة من حبة واحدة ،

﴿ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾

 أيها الإخوة ،

 

﴿ قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾

( سورة الأنعام )

لا تقوم الحياة إلا بالدين :

 هذا الدين تقوم به الحياة ، ومستحيل أن تصلح الحياة بنظام الردع ، من يكون مع هذا العامل في الساعة الثانية ليلاً وهو يعجن العجين ، إن لم ينظف يديه ؟ من يكون مع هذا البائع إن رأى في الزيت فأرة فأخرجها ، وباع الزيت للناس ؟ من يكون معه ؟ .
 قال عبد الله بن عمر لأحد الرعاة ممتحنا : << بعني هذه الشاة ، وخذ ثمنها ، فقال : ليست لي ، قال : قل لصاحبها : ماتت ؤأو أكلها الذئب ، قال : والله إنني لفي أشد الحاجة إلى ثمنها ، ولو قلت لصاحبها : ماتت أو أكلها الذئب لصدقني ، فإني عنده صادق أمين ، ولكن أين الله ؟ >> .
 لا تستقيم الحياة إلا بالإيمان ، إلا بهذا الدين ، الدين يردع ، ويخلق في الإنسان وازعا .
 أوضح مثل لذلك : رمضان في أيام الصيف ، تدخل إلى البيت الساعة الثانية ظهراً ، تكاد تموت من العطش ، وأنت في البيت وحدك ، والنوافذ مغلقة ، وفي الثلاجة ماء بارد ، لا تستطيع أن تضع في فمك قطرة واحدة ، هذا الدين ، لذلك ما من أداة قمع أو ردع أو انضباط كالدين .

قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ

 يعني إلى طريق يصل إلى الله ، الله عز وجل عنده الأمن ، عنده السلامة ، عنده السعادة ، عنده الجنة ، عنده كل شيء ، عنده التوفيق ، عنده الحفظ ، عنده التأييد ، عنده النصر .

﴿ قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾

 هذا الصراط المستقيم دين فيه عقائد ، أعطاك تفسيراً عميقاً جداً للكون ، والحياة ، والإنسان ، وللدنيا ، وللآخرة ، هذا الدين أعطاك فوق العقائد عبادات ، أدوات اتصال بالله عز وجل ، من صلاة وصوم وحج وزكاة ، هذا الدين أعطاك منهجا في المعاملات ، والبيع ، والشراء ، والزواج ، والطلاق ، وما إلى ذلك ، هذا الدين أعطاك آدابا ، هذا الدين أعطاك مُثلا عليا ، النبي وأصحابه ، أعطاك عقائد أعطاك عبادات ، أعطاك معاملات ، أعطاك آدابا ، أعطاك مثلا عليا .

﴿ قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا ﴾

 هذا الدين قيم .

معنى : قِيَمًا

المعنى الأول :

 فيه قيم عالية جداً .

(( أَيُّهَا الْمَلِكُ ، كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ ـ والآن هناك جاهلية أشد ـ نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ ، وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ ، وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ ، وَنَقْطَعُ الْأَرْحَامَ ، وَنُسِيءُ الْجِوَارَ ، يَأْكُلُ الْقَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ ، فَكُنَّا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْنَا رَسُولًا مِنَّا نَعْرِفُ نَسَبَهُ وَصِدْقَهُ ، وَأَمَانَتَهُ وَعَفَافَهُ ، فَدَعَانَا إِلَى اللَّهِ لِنُوَحِّدَهُ ، وَنَعْبُدَهُ ، وَنَخْلَعَ مَا كُنَّا نَعْبُدُ نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ الْحِجَارَةِ وَالْأَوْثَانِ ، وَأَمَرَنَا بِصِدْقِ الْحَدِيثِ ، وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ ، وَحُسْنِ الْجِوَارِ ، وَالْكَفِّ عَنْ الْمَحَارِمِ وَالدِّمَاءِ ))

[ أحمد عن أم سلمة ]

 فيه قيم عالية جداً ، والإيمان هو الخلق ، فمن واد عليك في الخلق زاد عليك بالإيمان .

المعنى الثاني :

 يعني ديناً فيه قوام حياتنا ، وفيه قيم رفيعة ، وهذا الدين من القوام أن يقوم فيصلح حياة الناس ، من هو القائم على هذه الأسرة ؟ الأب ، يعنيه صلاحها ، يعنيه تأمين حاجاتها ، يعنيه تربية أولاده ، القيام ، ومن القيمة ، ومن القوام ،

﴿ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ﴾

مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ

 لأن إبراهيم نبي عظيم وهو أبو الأنبياء ، وهو كبير عند اليهود والنصارى وقريش ، هم من نسبه ، قريش من نسب سيدنا إبراهيم ، وهو قاسم مشترك بين قريش واليهود والنصارى .

﴿ قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ﴾

 لذلك اليهود قالت : إبراهيم يهودي ، والنصارى قالت : إبراهيم نصراني ، فالله عز وجل أجابهم ، وقال :

 

﴿ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلَا نَصْرَانِيّاً وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً ﴾

( سورة آل عمران الآية : 67 )

 بالمناسبة : كلمة إسلام بالمفهوم الواسع تعني الاستسلام لمنهج الله ، لذلك ما من نبي ذُكِر في القرآن الكريم من دون استثناء إلا وصف بأنه مسلم ، فالإسلام بالمفهوم الواسع هو أن تستسلم لمنهج الله ، أن تخضع له ، والإنسان عند الموت لا بد من أن يكون مسلماً ، والدليل أكفر كفار الأرض حينما أدركه الغرق قال :

 

﴿ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

( سورة يونس )

 لذلك :

﴿ قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ﴾

 يعني مال عن كل انحراف ، وفساد ، ومجون ، وانحلال ، وسقوط ، وزنا ، وخمور ، وملاهٍ ، ونفاق ، وكذب ، ومؤامرات ، هذا البحر من الانحلال والانحراف كان هذا النبي الكريم بعيداً عنه ، مال عنه ، وابتعد عنه .
 كان موحداً ، ثم يقول الله عز وجل : قل يا محمد :

 

﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾

( سورة الأنعام )

أهمية الصلاة في الإسلام ومنزلتها فيه :

(( الصلاة عماد الدين ، من أقامها فقد أقام الدين ومن تركها فقد هدم الدين ))

[ رواه البيهقي عن ابن عمر والديلمي عن علي ]

 الصلاة غرة الطاعات ، ومعراج المؤمن إلى رب الأرض والسماوات ، الصلاة الفرض الوحيد الذي لا يسقط بحال ، الشهادة تنطق بها مرة ، والصيام يسقط عن المريض أو المسافر ، والحج يسقط عن الفقير والمريض ، والزكاة تسقط عن الفقير ، ماذا بقي ؟ الفرض الوحيد المتكرر الشهادة مرة واحدة ، الذي لا يسقط بحال هو الصلاة ، لذلك أول ما يسأل المرء يوم القيامة عن دينه الصلاة ، فإن صحت صح عمله .

وجوب الإخلاص في العبادات والنسك :

﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي ﴾

 كل عباداتي ، حجه ، وصومه ، وكل عباداته .

﴿ وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾

 لذلك اختصر النبي الدين كله بكلمتين أو بحرفين ، قال :

(( اللهم أنا بك وإليك ))

[ ورد في الأثر ]

 قائم بك ، وقصدي أنت ، إلهي أنت مقصودي ، ورضاك مطلوبي .

وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين

 هذا هو الرباني ، الرباني الذي يأتمر بما أمر رب العالمين ، وينتهي عما عنه رب العالمين ، الرباني هو الذي تلمح في حياته إقبالاً واتصالاً ، واستسلاماً ، وتوكلاً ، ومحبة ، وتضحية ، وفداء ، وإنفاقاً .

﴿ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ﴾

( سورة الأنعام )

صورة المسلمين في أعين أعدائهم وسببُ ذلك :

 أيها الإخوة ، هذا منهج الله عز وجل ، والله الذي لا إله إلا هو لشدة ما أرى من تباين بين حقيقة هذا الدين ، الواحد ، الموحد ، الذي يجمع ولا يفرق ، الذي يؤلف ولا يباعد الذي هو قوام حياتنا ، وقوام استقامتنا ، وقوام سلامتنا ، وقوام سعادتنا ، هذا الذي ترونه الآن مما يجري على ساحة بلاد المسلمين بسبب تركنا لهذا الدين ، وإن البغاث بأرضكم يستنسر ، كل كلامهم أننا متخلفون ، أننا إرهابيون ، أننا قتلة ، أننا فقراء ، أننا جهلاء ، لأننا تركنا هذا الدين .

كيف الطريق إلى النصر ؟

 الحل الأمثل في الدين كما لو أن مدينة تشرب ماء ملوثا ، فشت فيها الأمراض والأوبئة ، والقائمون على هذه المدينة أناس فهموا أنه لا بد من إنشاء مستشفيات ، واستخدام أطباء ، وشراء أدوية ، كل هذا العمل لا يجدي ، أوقف الماء الملوث قبل كل شيء ، والآن مهما سعينا ، ومهما تحركنا كي نرد قوة الأقوياء فلن نستطيع ، لكن نستطيع إذا اصطلحنا مع الله أولاً ، واستسلمنا لمنهجه ، وأقمنا الدين في بيوتنا ، وفي أعمالنا ، وبعدئذٍ نعد لأعدائنا القوة المتاحة ، فالنصر عندئذٍ حتمي هذه سنة الله في خلقه
 آيتان :

﴿ وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

( سورة الروم )

 الشرط الأول ، الشرط الثاني :

 

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ ﴾

( سورة الأنفال الآية : 60 )

 أنصركم إذا آمنتم بي الإيمان الذي يحملكم على طاعتي ، ثم أعدتم العدة المتاحة فقط ، والباقي عليّ ، ولا في سبيل آخر ، ولا سبيل آخر ، هذه والله ما أعتقد به ، وألقى الله به ، ما من سبيل آخر ، أما على ما نحن عليه من تفلت ، نساء كاسيات عاريات ، بنوك ، ربا ملاهٍ ، نواد ليلية ، اختلاط ، مناسبات ، عرس مختلط ، تصوير ، كل المعاصي والآثام ، ويا رب انصرنا ، ويا رب بدد جمعهم ، يا رب ، اجعل تدميرهم في تدبيرهم ، ادع ما شئت ، فعند الله قوانين ، وسنن ، ولما غزو العراق كل جامع في العالم الإسلامي صلى ، ودعا بالقنوت ، فهل وجدنا ثمرة ؟ لا والله ، لذلك الحل الوحيد ، الصلح مع الله أولاً ، ثم أن تعد لهؤلاء ما تستطيع ، يا طالب ادرس ، يا صانع عمق خبرتك ، حسن بضاعتك ، اجعلها في متناول الجميع ، يا أستاذ جامعي تابع دراستك ، علم طلابك ، يمكن أن تفعل مليون شيء في هذه الظروف الصعبة لتقوية الأمة ، وحينما نأخذ بالجهاد ، والجهاد كما ترون حجّم أكبر قوة بالشرق الأوسط ، ألم يحجمها ؟ بإمكانات متواضعة جداً حجمها ، بالإخلاص .
 لذلك أيها الإخوة ، الطريق سالك إلى النصر ، والكرة في ملعبنا ، والنصر بأيدينا إن عرفنا سنة الله عز وجل ، كل واحد يطبق الإسلام في بيته ، ابحث في أهله في خطأ ؟ في خروج لا يليق بمؤمنة ، في كسب مال حرام ، في علاقة مشبوهة ، في شيء لا يرضي الله في احتفال في فسق وفجور ، ليبحث كل منا .
 سيدنا صلاح الدين واجه 27 دولة أوربية ، وانتصر عليها ، نصراً عزيزاً لأنه طبق منهج الله ، بدأ بالتعليم ، هذا حيّ المدارس كله من نتائج صلاح الدين الأيوبي ، بدأ بتعليم جيل مؤمن ، أزال كل المنكرات ، وأعد العدة المناسبة ، وانتصر ، هذا الذي أمامنا ، ولا سبيل آخر إلا إليه .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018