الدرس : 64 - سورة الأنعام - تفسير الآيات 147 ـ 149 ، الدعوة البيانية – القضاء والقدر - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 64 - سورة الأنعام - تفسير الآيات 147 ـ 149 ، الدعوة البيانية – القضاء والقدر


2006-05-26

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
 أيها الإخوة الكرام ، مع الدرس الرابع والستين من دروس سورة الأنعام ، ومع الآية السابعة والأربعين بعد المئة ، وهي قوله تعالى :

﴿ فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ﴾

معنى الآية :

 في هذه الآية عدة معانٍ :
 أن رحمة الله تقتضي ألا يرد بأسه عن القوم المجرمين ، فإذا الإنسان تخلى عن تدينه ، وتخلى عن معرفة ربه ، ورفض الانصياع لأمر ربه ، هذا حكمه حكم المجرم ، كعظمة لم يبقَ عليها لحم إطلاقاً ، لم يبقَ عنده خير يلقى الله عليه ، فهو كالمجرم ، جُرم لحمه عن عظمه ، أو جُرد من كل خير ، هذا الإنسان الشارد التائه ، الغارق في شهوته ، المتعلق بالدنيا ، الذي لا يبالي أكان ماله حراماً أو حلالاً ، ولا يبالي أكانت علاقته مشروعة أو غير مشروعة ، هذا الإنسان تقتضي رحمة الله أن يعالجه ، ويسوق له من الشدائد ما يعود بها إلى الله .

﴿ فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنْ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ﴾

أنواع دعوة الله للعباد وأكمل المواقف لكل دعوة :

1 - الدعوة البيانية :

 بالمناسبة ، أيها الإخوة الله عزوجل لطيف يسلك في هداية خلقه مراحل ، أول مرحلة ؛ لطيفة ، وسهلة ، وواضحة ، وسليمة ، وأنت في صحتك ، وأنت في قوتك ، وأنت في شبابك ، وأنت في غناك ، ما عندك مشكلة ، فيك تقصير ، وشرود ، وغفلة عن الله ، الله عزوجل يدعوك إليه دعوة بيانية بالكلام ، كهذا الدرس دعوة بيانية ، هذه الدعوة البيانية تحفظ لك كرامتك ، واستقرارك ، وراحتك النفسية ، وأنت صحيح ، وقوي وغني ، وعندك زوجة ، وأولاد ، ولك عمل ، ولك دخل ، تأتيك دعوة لطيفة جداً بلسان عربي مبين ، بآية ، بحديث ، بقصة ، بحكم فقهي ، بموعظة ... إلخ ، الأَولى أن تستجيب لله في هذه الدعوة .

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾

( سورة الأنفال الآية : 24 )

 أكمل موقف تقفه من دعوة الله البيانية أن تستجيب ، وأنت في صحتك ، وفي قوتك ، وفي أوج نشاطك ، وفي مكانتك ، وفي كرامتك ، اسمها دعوة بيانية ، يعني محاضرة ، كتاب ، خطبة ، درس ، ندوة .

﴿ فَإِنْ كَذَّبُوكَ ﴾

 أي لم يستجيبوا لك طبعاً ،

﴿ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ ﴾

2 – المعالجة : المصائب والشدائد

 الآن يخضعك إلى معالجة أقسى .
 قال طبيب لمريض معه قرحة : هناك طريقان ، إما أن تسلك حمية قاسية جداً وتشفى ، أو لا بد من عملية جراحية يجب أن تستأصل قسم مصاب من المعدة ، فأنت بالخيار ، هناك معالجة سلمية لطيفة تعتمد على الحمية ، وهناك معالجة جراحية .
 فالذي لا يستجيب لدعوة الله البيانية يخضعه الله لمعالجة من نوع آخر .

 

﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾

( سورة السجدة )

(( عجب ربنا من قوم يقادون إلى الجنة بالسلاسل ))

[ رواه أحمد والبخاري وأبو داود عن أبي هريرة ]

 الآن تأتي المصائب والشدائد من أجل أن تلجئ الإنسان الشارد الغافل إلى باب الله تعالى .
 مرة أخ من باب المداعبة قال لي : ما ملخص هذه الدعوة التي أمضيت فيها ثلاثين عاماً ؟ قلت له : كلمتان ، لا ثالث لهما ، بالتعبير الدارج : إما أن تأتيه طائعاً ، أو أن يأتي بك قسراً ، إمّا أن تأتيه ركضًا ، وإمّا أن يأتي بك ركضًا .
 أحد إخوة المسجد عنده مؤسسة صناعية ناجحة جداً ، وفي السبعينات كان رواج مذهل ، جمع أرباحًا طائلة ، قال لي بالحرف الواحد : هيأت مبلغ نصف مليون ليرة ، يعني كان الدولار بثلاث ليرات ، وأردت أن أذهب إلى أمريكا لأستمتع بالحياة من دون زوجتي ، فهمكم كفاية ، وذهب إلى هناك ، شاب ، ونجاحه بالعمل كبير جداً ، دخله فلكي ، شعر بالآم في ظهره ، ذهب إلى طبيب قال له : سرطان بالنخاع الشوكي ، قطع رحلته ، وعاد إلى الشام من جامع إلى جامع .
 فإما أن تأتيه طائعاً ، أو أن يأتي بك قسراً ، فالتكذيب :

﴿ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ ﴾

 لكن هناك طريق سلمي بالدعوة البيانية ، وهناك طريق قسري ، على كلٍ الذي يستجيب لله عقب مصيبة إنسان موفق جداً ، إلا أن الذي يأتيه قبل المصيبة إنسان راقٍ جداً ، إنسان بأعلى درجة من الكرامة ، عرف حق الله عليه فأتاه طائعاً .
 لذلك هناك فرق بين عبيد وعباد ، العبيد جمع عبد ، والعباد جمع عبد ، لكن العبيد جمع عبد القهر ، بينما العباد جمع عبد الشكر ، بين أن تأتي المصيبة القاسية ، مرض عضال لا تنام الليل ، قيام لليل ، دعاء ، وبين أن تكون صحيحاً ، قوياً ، معافىً ، وأن تبحث عن الله ، وأن تطلب رضاه ، وأنت قوي ، غني ، معافى .
 فأول دعوةٍ دعوةٌ بيانية فقط ، خطبة ، شريط ، محاضرة ، ندوة ، أي شيء دعوة بيانية ، أو أن يخضع الإنسان للتأديب التربوي .
 قال رجل : يا رسول الله ، عظني ، ولا تطل ، قال :

(( قُلْ آمَنْتُ باللَّهِ ، ثُمَّ اسْتَقِمْ ))

[ رواه مسلم عن سفيان بن عبد الله ]

 قال له أريد أخف من ذلك ، قال له : إذاً فاستعد للبلاء .
 إن لم تقبل أن تتبع حمية قاسية فاستعد للعملية الجراحية .
 فأول دعوةٍ دعوةٌ بيانية ، أكمل موقف فيها الاستجابة :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾

 أما مع انتفاء الاستجابة :

﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾

 الموقف الثاني أكمل ، موقف التوبة ، وإذا ما تاب فهناك إجراء ثالث ، هو خطير ، لكنه سهل .

 

3 – الإكرام الاستدراجي :

 الإكرام الاستدراجي : صحة ، ومال ، ودخل ، ومعاصٍ ، هذا شيء مشاهد ، ضغطه 8 ـ 12 ـ نبضه ـ 80 ـ كل التحاليل جيدة ، وعنده كل يوم معصيتان أو ثلاث ، ماذا حصل ؟ أريد أن أستمتع بشبابي ، هذا الثالث إكرام استدراجي .

 

 

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾

( سورة الأنعام الآية : 44 )

 أكمل موقف في المرحلة الثالثة الإكرام الاستدراجي أن تشكر ، وأن تعود إلى الله وأنت خجل من هذا الإكرام ، فإن لم تعد ، ولم تخجل .

 

4 – القصم :

 بقي القصم

 

﴿ فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنْ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ﴾

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴾

( سورة الأنعام)

﴿ فَإِنْ كَذَّبُوكَ ﴾

 أحياناً تطلب الأم من ابنها أن يدرس فيرفض ، يقول لها الأب : دعيه لي ، أنا أدبره ، وهذه الآية واضحة ، قال له يا محمد :

 

﴿ ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَمْدُوداً * وَبَنِينَ شُهُوداً * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآَيَاتِنَا عَنِيداً * سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً ﴾

( سورة المدثر )

 إخواننا الكرام ، أغبى إنسان على وجه الأرض الذي لا يدخل الله في حساباته ، الله يرخي الحبل ، لدرجة أنك تتوهم أن كل شيء تمام .
 ركب أحدهم سيارته ، وزوجته إلى جانبه ، فأصيب بأزمة قلبية حادة ، من كرم الله عزوجل أن صديقه وراءه صدفة ، حمله ، وأخذه إلى المستشفى على العناية المشددة ، حينما شعر أنه على وشك الموت قال : أعطوني المسجلة ، وشريط كاسيت ، المحل الفلاني أخذه اغتصابًا من حق أخيه الصغير ، المحل الفلاني ، البيت الفلاني ، كل شيء اغتصبه من إخوته ذكره في هذا الشريط ، يبدو أن الجلطة خرج منها بسلام ، قال : أين الشريط ؟ كسره ، بعد ثمانية أشهر جاءت القاضية ، وكانت نهايته بها .
 أول صحوة صحاها رئيس وزراء العدو من خثرة في الدماغ قال : تابعوا اغتيال قادة المنظمات الفلسطينية ، أو كلمة قالها بعد الصحوة ، بعد يومين كانت القاضية .
 الله أحيانا يحدِث إنذارًا مبكرًا ، فهل تستفيد ؟
 أول معالجة إلهية الدعوة البيانية ، وأنت صحيح ، قوي ، ما عندك مشكلة ، الأجهزة تعمل بانتظام ، وبيتك منتظم ، بيتك ، زوجتك أولادك .
 ثاني معالجة تأديب تربوي ، بالأولى استجابة ، بالثانية توبة .
 الثالثة شكر .
 الرابعة : قصم .
 إذاً :

المعالجة رحمة من الله تعالى :

﴿ فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنْ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ﴾

 الآن سأضرب مثلا : أب طبيب ؟ طبيب عالم ، وأب رحيم شعر أن عند ابنه التهاب زائدة ، وهذه إن لم يسارع إلى استئصالها قد تنتهي بالموت ، فتقتضي رحمة هذا الأب العالم أن يضع ابنه على منصة العمليات ، وأن يخدره ، وأن يفتح بطنه ، والدم يسيل ، وأن يستأصل الزائدة ، وأن يخيط الجرح ، وبعد أن ينتهي مفعول المخدر تبدأ آلام الطفل ، لكن هذا قمة الرحمة والعلم .
 يقول لي أحدهم : المسلمون وضعهم صعب جداً ، ومهما دعوا فلا يستجاب لهم ، مرة كان جوابي : هم في عملية جراحية ، ولم تنتهِ بعد ، فلو أن البطن مفتوح ، والأحشاء خارج البطن ، والعملية معقدة جداً ، وقال ابن هذا المريض : ارحموا ، كيف أرحمه مما أنا فيه أرحمه ، هذه العملية هي رحمة الطب .

﴿ فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنْ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ﴾

 أحياناً تدخل اليد الإلهية بمصيبة هي سبب نجاة الإنسان في الدنيا .

 

شعور الإنسان في أثناء المعالجة :

 والله هناك أخ له أخ أكبر منه شارد عن الله شرودًا كبيرًا ، غارق في كل المعاصي والآثام ، وغني ، وله شبكة علاقات ، أصيب بأزمة قلبية ، أخذوه إلى المستشفى في العناية المشددة ، يقول لي : أنا أناجي ربي ، يا رب ، أنا تحب أن ألقاك عارياً ، أعطني مهلة أن أرتدي ثوباً ألقاك به ، يقصد أنه لو أن الله عزوجل أمهله يتوب ، الله عزوجل أمهله ، فأصبح يزورني كل يوم تقريباً ، قال لي : البارحة ناجيت ربي قلت له : يا رب ، كل هذه السعادة من الرجوع إليك لمَ لمْ تأتنِي هذه الأزمة قبل عشر سنوات ؟
 الإنسان في أثناء المصيبة يشعر بحالة قرب من الله كبيرة جداً ، فلما يدخلك الله عزوجل في عنايته فافرح ، لأنك ضمن عنايته ، والذي عنده ابن منغولي تركه ، الذي عنده ابن ذكي ، ولكنه مقصر يعاقبه كل يوم ، المعاقبة دليل وجود الأمل .
 هناك رجل معه التهاب معدة ، أقام الطبيب عليه النكير ، أعطاه أكلتين فقط ، الحليب والتفاح ، وأي شيء آخر يتفاقم مرضك ، وعنّفه ، ورفع صوته عليه ، جاءه بعد دقائق مريض معه سرطان من الدرجة الخامسة ، قال له : ماذا آكل ؟ قال له : كل ما شئت ، أنت ليس عليك مشكلة ، كلْ ، لأنه ميئوس منك ، فحينما يكون الإنسان في عناية مشددة ، في متابعة إلهية ، هذا من فضل الله علينا جميعاً . لذلك أكبر إنجاز لك في الدنيا أن نصل إلى القبر ونحن سالمون .

﴿ فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنْ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ﴾

 والله أيها الإخوة ، إن لم يذب الإنسان يوم القيامة محبة لله على ما ساقه له من شدائد .
 لي قريب أظنه صالحاً ، ولا أزكي على الله أحداً ، عاش حياته كلها بالأمراض في جهازه الهضمي ، مرة في ساعة مناجاة بكى ، قال : يا رب ، أنا ما ارتحت يومًا ، قال : وقع في قلبه ، أن يا عبدي ، لولاها لما كنت في هذا المقام ، لولا هذه الشدائد التي سقتها إليك والتي طهرتك من ذنوبك ، ومن عيوبك لما كنت في هذا الحال معي .
 لذلك المؤمن دائماً راضٍ عن الله ، راضٍ عن كل شيء ساقه الله له ، لأنه يعلم علم اليقين أنه محض فضل ، ومحض علم ، ومحض حكمة .
 الآن ننتقل إلى آية أخرى ، لكن في موضوع القضاء والقدر :

 

﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (148)قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾

( سورة الأنعام )

القضاء والقدر :

هذه الآية أصل في القضاء والقدر :

 إخواننا الكرام ، هذه آية أصل في نفي الجبر ، وحينما نعتقد عقيدة الجبر يلغى الدين ، ويلغى الثواب والعقاب ، وتلغى الجنة والنار ، ويلغى التكليف ، ويلغى حمل الأمانة ، وتصبح الحياة تمثيلية سمجة ، أنت هل ترضى أن تُجرى مسابقة تقدم لها آلاف الناس والناجح معروف قبل إعلان المسابقة ، والراسب معروف سلفاً ؟ تقول : هذه تمثيلية ، إذاً : أيعقل أن يُخلق الإنسان في الأصل كافراً ؟ وأن يأتي إلى الدنيا ليحقق مشيئة الله بالكفر ، ثم يعاقبه الله إلى أبد الآبدين بالنار ، هل ترضى ؟ .

 

أثر عقيدة الجبر السيئ في المسلمين :

 لذلك أيها الإخوة ، ما شلّ المسلمين ولا أخّرهم إلا عقيدة الجبر ، يكون الإنسان غارقًا في المعاصي ، ترتيب سيدك يقول ، ترتيب سيديك ، الله ما هداه ، مَن أطلعك على الغيب ؟ من ؟ لمَ لا تصلي يا أخي ؟ الله ما هداني بعد ، حتى الله يهديني ، يا رب إن سيئاتنا من قضائك ، بالدعاء ، إن سيئاتنا من قضائك ، ما لنا ذنب أبداً ، أنت قدرت علينا هذه السيئات ، ماذا نفعل ؟
 هناك عقائد جبرية شلت هذه الأمة شللا كاملا ، لذلك هذه العقيدة فاسدة أن تعتقد أن الله أجبرك على المعاصي ، وأنه ألقاك في اليم مكتوفاً مقيدًا ، هو ألقاك ، وقال : إيّاك إياكَ أن تبتلّ ، ما هذا الكلام ، لذلك قال الله عزوجل :

 

 

﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾

( سورة الكهف الآية : 29 )

 قال :

 

﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾

( سورة الإنسان )

﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ﴾

 الإنسان :

﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ﴾

( سورة البقرة الآية : 148 )

 لكن الأصل في موضوع الاختيار هذه الآية :

﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ ﴾

 هذا القول كذب ، والدليل :

﴿ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾

 هذا قول كذب ، كذب على الله .

﴿ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ ﴾

الأصل في الإنسان الاختيار :

 أيها الإخوة ، الله خيرنا فيما كلفنا ، كلفك أن تصلي وأنت مخير ، كلفك أن تصوم وأنت مخير ، أليس هناك أناس يصومون ، وأناس لا يصومون ، يصلون أو لا يصلون يصدقون أو يكذبون ، يتقنون أو لا يتقنون ، يخلصون أو يخونون ، يرحمون أو لا يرحمون ، لقد خيرك الله عزوجل فيما كلّفك ، والأدلة كثيرة جداً .
 يقول الإمام الحسن : " لو أن الله أجبر عباده على الطاعة لبطل الثواب ، ولو أجبرهم على المعصية لبطل العقاب ، ولو تركهم هملاً لكان عجز في القدرة " .
 سيدنا علي سُئل : << أكان مسيرنا إلى الشام بقضاء من الله وقدر ؟ قال الإمام علي : << ويحك يل هذا ، لو كان قضاء لازما و قدراً حاسماً ، إذاً لبطل الوعد والوعيد ، ولانتفى الثواب والعقاب ، إن الله أمر عباده تخييراً ، ونهاهم تحذيراً ، و كلف يسيراً ، ولم يكلف عسيراً ، وأعطى على القليل كثيراً >> .

جوانب من تسيير الإنسان :

 في الثانية التي تتوهم فيها أنك مسير في كل شيء ، طبعاً أنت مسير في أشياء كثيرة ، أنت مسير فيما كنت ذكراً أو أنثى ، أحد استشارك ؟ ماذا تحب ذكر أم أنثى ؟ ما أحد استشارك ، وأنت مسير في أمك وأبيك .
 قال لي أحدهم : أمي تغلبني كثيرا ، قلت له : طلقها ، قال : أطلقها !!! أمك قدرك ، الله سيرك في كونك ذكراً أو أنثى ، وسيرك في أمك وأبيك ، سيرك في المولد ، لو أتيت قبل مئتي سنة هناك ترتيب ثانٍ .
 لو أنّ إنسانا أنهضناه من قبره ، وقلنا له : هناك قرص فيه 7700 كتاب ، أنا عندي قرص مدمج فيه 7700 كتاب ، تبحث في هذه الكتب في 13 ثانية ، كل كتب التفسير ، كل كتب الحديث ، كل كتب الفقه ، كل كتب السيرة ، كل كتب المعاجم واللغة والتاريخ 7700 كتاب ، أربع جدران للسقف ، لو أنهضت إنسانا من قبره ، وقلت له : عندنا قرص فيه كل هذه الكتب ، ومضبوطة بالشكل ، تختار الحرف ، تكبره ، تصغره ، وفيه200 حرف ، تختار الألوان ، كله باختيارك ، شيء لا يصدق ، فكل إنسان ولد في عصر ، لذلك مثلاً هناك نص قبل خمسين سنة لأحد الأدباء ، قال :

يا ليت آباءنا استغنوا عن التــجارة  وعن ذل البيع والشـــراء
وعن ترويج السعلة بالأقسام والأيمان  فما العيش إلا عيش الموظف
***

 قبل خمسين سنة كان الموظف أغنى إنسان ، والتجارة كلها ذل وهوان ، الآن هناك فتوى ببلد عربي أنه تجوز الزكاة على كل الموظفين عدا الوزراء فقط ، اختلف الوضع اختلافا كليا ، تصور أن رسالة من الشام إلى البصرة ، أو من المدينة إلى البصرة تحتاج شهرا ، الآن تخاطب العالم كله بأقل من ثانية في تطور غريب ، وكل عصر له سلبياته وإيجابياته .
 إذاً أنت مسير في كونك ذكراً أو أنثى ، مسير في أمك وأبيك ، مسير في عصرك واحد ، أنت ولدت في الشام حيث :

(( سلّ عمود الإسلام من تحت رأسي فأوحشني ، ثم رميت ببصري فإذا هو قد غرز في وسط الشام ))

[ رواه ابن عساكر عن عائشة رضي الله عنها ]

 وغيرك ولد في بلد غارق في الانحلال والإباحية ، فرق كبير جداً .
 أنت مسير في قدراتك العامة ، هناك إنسان وسيم ، وإنسان غير وسيم ، إنسان عنده اتقاد ذهني كبير جداً ، وإنسان أقل اتقادًا .
 مرة حدثنا داعية توفي ـ رحمه الله ـ يلقي درس بالجامع ، ألقى درسًا ، وصلى العشاء ، قال : إن هناك فسادا عريضا في البلد ، تأتي البنت الساعة الواحدة ليلا ، أين كانت ؟ عند الحبيب ، الكل صلى على الحبيب ، قاموا ليصلوا قرأ آية كريمة :

 

﴿ قَالَ فَعَلْتُهَا إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ ﴾

( سورة الشعراء )

 قالوا : آمين بعدها .

الجوانب المسير فيها الإنسان هي أكملُ شيء :

 فلذلك قضية أنت مسير في كونك ذكراً أو أنثى ، مسير في أمك وأبيك ، مسير في مدينتك ، وفي زمن ولادتك ، مسير في قدراتك العامة ، لكن يجب أن تعلموا علم اليقين أن هذا الذي سيرك الله به ليس في إمكانك أبدع مما أعطاك ، هو أكمل شيء لك ، وسره ادخر ليوم القيامة ، يكشف الله لك عن سره يجب أن تذوب محبة له ، يجب أن تذوب محبة له على أنه أقامك بهذا الوضع ، بهذا الشكل ، بهذه القدرات ، بهذه الوسامة ، بهؤلاء الأهل ، بهذه المدينة ، إنسان يأتي من أب فقير جداً يشتهي أن يأكل .
 مرة في أحد الأحياء الفقيرة شاهدت طفلا أتى بعلبة سردين ، وثقبها ، وربطها بخيط ، وملأها ترابا ، وجعلها سيارة ، طفل آخر

( ريموت كنترول )

 وألعاب ، وكمبيوترات ، وغرفة خاصة له ، هذا غير هذا ، لكن لأن الدنيا موقتة ، والآخرة دار جزاء .
 فالبطولة أن تقف الموقف الكامل من أي شيء اختاره الله لك ، لو أن اثنين ، أحدهم يتمنى أن يأكل لقمة لحم في الشهر ، والثاني تخم من اللحم ، وماتا ، لو أن الفقير نجح بامتحان الفقر ، فكان أديباً وصابراً ، وعفيفاً ، ومتجملاً ، وعزيز النفس ، مع أن دخله قليل جداً ، والغني كبر ، وغطرسة ، واستعلاء ، وارتكاب للمعاصي والآثام ، لو أن اثنين عاشوا ستين سنة ، أو ثمانين سنة ، وماتوا ، الآن هم في أبد إلى ما لا نهاية ، تقول : مليار مليار ، مليار ، مليار ليوم القيامة ، الأبد أطول ، فإذا خسر الثمانين سنة ، وربح الأبد ألا يكون أكبر رابح ؟ والذي ربح الثمانين سنة ، وخسر الأبد يكون أكبر خاسر .

 

﴿ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾

( سورة الزمر الآية : 15 )

 أكبر خسارة أن تخسر الآخرة ، لذلك لما يسوق الله للإنسان الشدائد من أجل أن يتوب ويتوب ، ويأتيه ملك الموت ، ويرى مكانه في الجنة ، يعرق عرق الخجل من الله عزوجل .
 وبعضهم قال : يصيح صيحة ويقول : لم أرَ شراً قط ، ينسى كل الخير ، وإذا غرق الإنسان ـ والعياذ بالله ـ في نعيم الدنيا ، ثم جاءه ملك الموت كيف يكون ؟
 أحد الطغاة ببلد إسلامي بالشمال قبل يومين من وفاته يقول : حريق ، أين مدير الإطفاء ؟ ويسبه ، عاش ثلاثة أيام في جو الحريق .
 لذلك البطولة في النهاية ، والبطولة بالخاتمة ، والبطولة بالعاقبة ، والبطولة بعد الموت ، والغنى والفقر بعد العرض على الله ، والوسامة والدمامة بعد العرض على الله ، إذا كانت المرأة جميلة ، وتفلتت ، وعرضت مفاتنها على الناس ، ولم تعبأ لا بدين ، ولا بقيمة ، وامرأة جمالها دون الوسط ، لكنها مطيعة لله ، هذه تكون يوم القيامة ملكة من ملكات الجمال ، لأن ثمة تسوية حسابات .

(( إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء ، ودار ترح لا دار فرح فمن عرفها لم يفرح لرخاء ، ولم يحزن لشدة ، ألا وإن الله تعالى خلق الدنيا دار بلوى ، والآخرة دار عقبى فجعل بلوى الدنيا لثواب الآخرة ، وثواب الآخرة من بلوى الدنيا عوضا ، فيأخذ ويبتلي ليجزي ))

[ رواه الديلمي عن ابن عمر ]

 هذه الدنيا فانية : " وتغر ، تضر ، وتمر " .
 هذا المثل ضربته لكم كثيراً :
 أعرف رجلاً توفي ـ رحمه الله ـ كان يعمل موظفًا بسيطا جداً ، وهو شاب في محل بالحمدية ، وكان ذا دعابة ، فكان يكنس المحل ، يضع في علبة أنيقة القمامة يغلفها بغلاف هدايا فخم جداً ، وشريط أحمر مع عقدة ، ويضعها على الرصيف ، يأتي إنسان ساذج يظنها علبة ألماس ، يحملها ويركض ، هو لحق به ، بعد 200 متر يفتح الشريط ، 200 ثانية يفتح الغلاف ، 200 ثالثة يفتح العلبة ، تخرج قمامة المحل ، يسب ، ويقول كلاما سيئا جداً ، هكذا الدنيا تغر ، وتضر ، وتمر .

 

﴿ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾

( سورة الفجر )

 ما من واحد ما دخل بيتاً فخماً جداً من بيوت دمشق ، وصاحبه توفاه الله ، أنت وازن هذا الجبصين ، والرخام الأونكس ، والثريات ، وصاحبه بباب صغير ، هو مات ، هو نقى هذه الأشياء كلها ، ؟ الدنيا تغر ، وتضر ، وتمر .
لذلك :

﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ ﴾

 والخرص أشد أنواع الكذب .
 إخواننا الكرام ، أوضح مثل تعرفونه كثيراً ، وذكرته كثيراً :
 إن إنسانا جاء سيدنا عمر ، وهو شارب خمر ، قال : أقيموا عليه الحد ، قال له : والله يا أمير المؤمنين إن الله قدر عليّ ذلك ، الله قدر عليه ؟! الآن العوام يقولون : طاسات معدودة ، بأماكن محدودة ، هذه آية لما حديث ؟ كلام لا معنى له إطلاقاً ، فقال سيدنا عمر : أقيموا عليه الحد مرتين ، مرة لأنه شرب الخمر ، ومرة لأنه افترى على الله ، قال له : ويحك يا هذا إن قضاء الله لم يخرجك من الاختيار إلى الاضطرار .

بين الآيات المحكمات والمتشابهات :

 إخواننا الكرام ، هناك قضية أصولية دقيقة ، الآيات المحكمات ، وهذه محكمة ما معنى محكمة ؟ يعني لها معنى واحد ، لا يختلف على معناها اثنان ، لا تحتاج إلى تفسير ولا إلى زمخشري ، ولا إلى قرطبي ، ولا تحتاج إلى خلاف بين العلماء ، ولا بين الفقهاء قضية محكمة ، يعني لها معنى واحد ، لا يختلف عليه اثنان ، الآية المتشابهة :

﴿ لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً ﴾

( سورة آل عمران الآية : 130 )

 التحريم على الأضعاف المضاعفة أم على النسب القليلة ؟ هذه آية متشابهة ، هناك آيات متشابهة كثيرة ، العلماء قالوا : الآيات المتشابهة مهما كثرت تحمل على الآيات المحكمة مهما قلّت ، كيف ؟ لو أن هناك مئة آية من نوع :

 

﴿ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾

( سورة فاطر الآية : 8 )

 آية يُشتبه عليك معناها ، لعل الله أضله ؟ يشاء الإنسان أن يضل يضله الله ؟ تحتمل هكذا وهكذا ، الآيات المتشابهات مهما كثرت تحمل على الآيات المحكمات مهما قلّت .
 مثلا : القمح مادة خطيرة في حياة الإنسان ، افتح المعجم " خطيرة " ، تعني قنبلة ؟ لغما ؟ ولكن تعني أنها مادة أساسية في حياتنا ، كلمة متشابهة ، خطيرة كلمة متشابهة ، بعد قليل قلت : القمح مادة أساسية ، ما معنى خطيرة إذاً ؟ أساسية .
 فلو عندنا مئة آية متشابهة وآية واحدة محكمة ، الآيات المتشابهات مهما كثرت تحمل على الآيات المحكمات مهما قلت ، وهذه الآية محكمة في نفي الجبر :

وجه الإعجاز العلمي في الآية :

﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ ﴾

 إخواننا الكرام ، في هذه الآية إعجاز علمي ، هذه الآية ومثيلتها .
 رجل سفيه قلنا له : أنت سفيه ، وسوف تقول هذا الكلام ، بلغناه أنك سفيه ، وستقول كذا وكذا ، لو كان عنده ذرة ذكاء ماذا يفعل ؟ لا يتكلم ، ظهر أن كلامنا غير صحيح ، أليس كذلك ؟

 

﴿ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ﴾

( سورة البقرة الآية : 142 )

إن الله تعالى إذا أحب إنفاذ أمر سلب كل ذي لب لبه :

 والآية نزلت ، وقُرأت ، وعُممت ، والسفهاء الذي قاله الله في حقهم قالوه ، لو سكتوا لأبطلوا القرآن ، بعضهم قال : الله عزوجل طليق الإرادة ، أعطاك حرية الاختيار ، لكن في أية لحظة يأخذ منك حرية الاختيار ، طليق الإرادة ، لكن لو أن رجلا يتمتع بذكاء عال جداً ، وحكمة عالية جداً ، وهو يؤذي الناس ، كيف يعاقبه الله ؟ يأخذ حكمته مؤقتاً ، يأخذ ذكاءه ، ويرتكب حماقة ما بعدها حماقة .

((إن الله تعالى إذا أحب إنفاذ أمر سلب كل ذي لب لبه ))

[ أخرجه الخطيب في التاريخ عن ابن عباس ]

 مع الله ليس هناك ذكي ، أحيانا يكون الإنسان بأعلى درجة ، يرتكب حماقة لا يفعلها مجنون ، ما من إنسان مقطوع عن الله إلا يُلهم الحماقة من أجل أن أطمئنكم ، وهذه الحكمة من صفات المؤمنين .

 

﴿ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ﴾

( سورة البقرة الآية : 269 )

 تأكد أنه مستحيل أن تكون مقطوعا عن الله إلا وترتكب حماقة يترفع عنها المجنون .

 

﴿ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ ﴾

( سورة الحشر )

 دائماً حينما يعتد القوي بقوته ، وينسى ربه يكون غروره طريق إلى دماره ، والضعيف حينما يتجه إلى الله يلهمه الله الحكمة ، والموقف السليم ، بحيث يصبح قوياً بعد ذلك ، القوة فيها بذور الضعف ، والضعف فيه بذور القوة .
إذاً :

﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا ﴾

 قالوا ذلك ، معنى ذلك أن هؤلاء حمقى أولاً وأغبياء ، ولو فكروا لسكتوا ، فإذا سكتوا أبطلوا هذا القرآن الكريم .

 

﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ *﴾

( سورة المسد )

 والآية بلغت أبا لهب ، لو ذهب إلى النبي ، وقال : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأنك رسول الله نفاقاً ، أبطل السورة كلها ، إذاً الله عزوجل طليق الإرادة ، إن أعطاك حرية الاختيار في أية ثانية يأخذ منك هذه الحرية ، ومع الله لا ينفع الذكاء .

((إن الله تعالى إذا أحب إنفاذ أمر سلب كل ذي لب لبه ))

(( وَلا يَنْفَعُ ذَا الجَدّ مِنكَ الجَدُّ ))

[ أخرجه مسلم عن أبي هريرة ]

 الجد هو العقل والذكاء والحظ ، الذكي والعاقل مع الله لا يجديه عقله ، بل تجديه استقامته فقط .
 لذلك قالوا : ما كل ذكي بعاقل ، الذكي معه اختصاص نادر ، يحتاج إلى طاقات فكرية عالية جداً ، لكن لأنه لا يعرف الله ولا يصلي ، وما فكر فيما بعد الموت يعد مجنوناً ، لذلك المجنون من عصا الله .

﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا ﴾

 الآن كل واحد يقول : ترتيب سيدك ، وهو تارك الصلاة ، منحرف ، عنده ملهى ، هكذا الله قدر عليه ، هكذا الله قدر عليه ، يفتح ملهى وهو لا علاقة له ! الله أجبره ! طاسات معدودة بأماكن محدودة ، هذا كلام العوام كله ، هذا كلام كفر .

﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا ﴾

 لا تعترض فتطرد .

﴿ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ ﴾

 قال : هذا كلام كذب ، لكن دائماً الكافر يعزو أخطاءه إلى الله سابقاً ولاحقاً ، وملة الكفر واحدة ، قال تعالى :

﴿ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا ﴾

 هل سمعتم بربكم أن إنسانا أخذ الأولى في الجامعة ، وقال : هكذا الله قدر علي ، أنا ما درست أبداً ، لكن هكذا قدر الله علي ، لا أحد يقول هذا الكلام أبداً ، كل شيء إيجابي يعزى إلى ذات الإنسان ، أما السلبيات ، أخطاءه ومعاصيه ، آثامه ، طلق زوجته تعسفاً ، ليس هناك نصيب ، أنت مجرم بطلاقها ، يأتي مريض إلى الإسعاف ، طبيب قاعد مع ممرضة يتسلى ، لا يريد أن يقوم على الإسعاف ، يموت ، سبحان الله ! مات بأجله ، هذا كله كلام دجل ، يحاسب هذا الطبيب كقاتل ، نحن دائماً نعزو أخطاءنا إلى الله ، وإيجابياتنا نعزوها إلى أنفسنا ، هذا الكافر ، لا يناقش الكافر .

﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ ﴾

 هذا قانون ، ملة الكفر واحدة :

كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا

 الآن هناك شيء ، يقول لك : أنا لست قانعا بالدين ، لأنه هو مرجع ، هو مشرع ، لست قانعا بالحجاب ، هذا ما كان سابقاً ، هذا من عهد العثمانيين فقط ، لست قانعا بهذه ، قال :

يقولون هذا عندنا ليس جائز  فمن أنتمُ حتى يكون لكم عندُ ؟
***

 أنت مشرع ؟ أنت إنسان ، أنت مشرع ؟ أنت نبي ؟ لذلك من علامات آخر الزمان :

((إِذَا رَأَيْتَ شُحّا مُطَاعاً ، وَهَوًى مُتّبَعاً ))

 الشح المطاع المادية المقيتة ، إن أنفق المال أنفقه إسرافاً وتبذيراً ، وإن منعه منعه بخلاً وتقتيراً

((وَهَوًى مُتّبَعاً ))

 الجنس .

((وَإِعْجَابَ كُلّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ ))

 الكبر ، كل واحد هو المشرع ، غير مقتنع ، يقول لك : ما دخلت في عقلي ، وما هذا العقل ؟ هو كل شيء يقيمه ، يقبل أو يرفض .

(( إِذَا رَأَيْتَ شُحّا مُطَاعاً ، وَهَوًى مُتّبَعاً ، وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً ، وَإِعْجَابَ كُلّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ ، فالزم بيتك ، وأمسك لسانك ، وخذ ما تعرف ، ودع ما تنكر ، فَعَلَيْكَ بِخَاصّةِ نَفْسِكَ وَدَعِ الْعَوَامّ ))

 نحن في زمن صعب ، فيه أهواء ، وضلالات ، وفسق ، وفجور ، وكذب ، وضلالات كبيرة جداً .

(( إِذَا رَأَيْتَ شُحّا مُطَاعاً ، وَهَوًى مُتّبَعاً ، وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً ، وَإِعْجَابَ كُلّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ ، فالزم بيتك ، وأمسك لسانك ، وخذ ما تعرف ، ودع ما تنكر ، فَعَلَيْكَ بِخَاصّةِ نَفْسِكَ وَدَعِ الْعَوَامّ ))

قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا  تَخْرُصُون

 برامج الفضائيات والإذاعات كلها على الكواكب والتنجيم ، وحظك هذا الأسبوع ، وهذا من برج الثور ، وستأتي لك قبضة ، ولك صاحب يريد أن يعاديك ، كله كذب ، لا أساس له من الصحة .
 لآن هناك صرعة جديدة ، أنه سعادتك مربوطة بحروف اسمك ؟ الدين لا علاقة له ، استقامتك ، طهرك ، عفافك ، ورعك ، لا قيمة لها ، عندك ثلاثة حروف فيها شقاء ، وهذه خاصة بالزواج ، يرى حروف خطيبته وحروفه ، إذا ما اتفقوا لا يتزوجها ، صاحبة دين ، محجبة ، حافظة للقرآن ، ما لها قيمة ، لا سعادة معها ، حروف اسمها لا تتناسب مع حروف اسمه ، دورات ، كلام دجل بدجل بكذب بافتراء ، لا أساس له من الصحة ، عصر ضلالات .

﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ ﴾

﴿ قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾

( سورة الأنعام )

فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ

 إخوانا الكرام ، الله عزوجل بالغة ، والمؤمن معه حجة بالغة :

﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ ﴾

( سورة الأنعام الآية : 83 )

 والمؤمن له من هذه الآية نصيب معه حجة قوية .

﴿ قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾

 كيف الآية ؟ هذه آية متشابهة ، يقول لك أحدهم : الله ما شاء ، ماذا نفعل نحن ؟ هو لا يريد ، الله عزوجل جعلك المخلوق المكلف ، وحرية الاختيار ، أودع فيك الشهوات ، أعطاك العقل ، أعطاك الفطرة ، أعطاك الشهوة ، أعطاك الحرية ، أعطاك المنهج ، وقال لك : تحرك ، الكون يدلك على الله ، والحوادث تدلك على الله ، وابنك الذي من صلبك يدلك على الله ، كنت مثله صغيراً ، أنت كنت من ذرة ماء ، من ماء مهين أيضاً ، تستحي به لو كان على ثيابك ، أعطاك كل شيء ، أعطاك الأنبياء ، والرسل ، والكتب ، والدعاة ، رباك بخلقه ، رباك بأفعاله ، رباك تربية نفسية خاصة ، رباك بالدعوة إليه ، فأنت مخير ، لذلك لما يغلط الإنسان ، ويعزو خطأه إلى الله يرتكب حماقة كبيرة جداً .

معنى : فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ

 الآن : لو أن الله عزوجل أرادك أن تكون مسيراً كبقية المخلوقات ، الكون كله مسير إلا الإنس والجن ، الكون كله الجماد ، والحيوان ، والنبات ، والملك مسير ، غير مكلف ، غير معاتب ، غير محاسب ، ما عنده جنة أو نار إلا الإنس والجن ، أودع فيهم الشهوات ، أعطاهم حرية الاختيار ، أعطاهم عقلاً وفطرة ومنهجاً ، هم أخطؤوا ، يا عبادي لو أردتكم أن تؤمنوا إيماناً قسرياً لهديتكم جميعاً .
 الآن إذا أحب رئيس الجامعة أن ينجح كل الطلاب يعطي أمرا : اطبعوا على الأوراق الإجابة التامة ، وضعوا مئة على مئة بالأحمر ، واكتب اسمك ، واطبع ، ألا يستطيع رئيس الجامعة أن ينجح جميع الطلاب ، إذا أعطاهم أوراق طُبع عليها الإجابة التامة ، والعلامة مئة بالمئة ، طبعاً هذا النجاح ما علامته ؟ لا قيمة له إطلاقاً ، لا عند صاحبه ، ولا عند المجتمع ، ولا عند الجامعة .
 أيها الإخوة ، الإنسان هو المخلوق المكرم ، كرمه الله بحرية الاختيار ، والله عزوجل لا يريدنا أن نقبل عليه قسراً ، نريد أن نأتيه طائعين مختارين ، بمبادرة منا ، لذلك :

﴿ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾

 الهدى القسري لا يسعدنا .

لماذا كان الأنبياء ضعفاء ؟

 لو أن إنساناً معه مسدس ، قال لرجل : هات هذه الحاجة أو أقتلك ، يعطيه إياها ، لما قدم له هذه الحاجة هل يشعر الذي هُدد أنه قدم عملا طيبًا ؟ هو مقهور ، هل يرقى بهذا العمل ؟ إطلاقاً ، يمتلئ حقد أساساً ، أما حينما يأتي إنسان ، ويقدم لك شيئا لوجه الله يتألق عند الله ، فأنت لا ترقى إلا إذا كنت مخيراً ، لا ترقى إلا إذا جئت طائعاً ، لا ترقى إلا إذا جئت بمبادرة منك ، لا ترقى إلا إذا كنت على حب .
 مثلاً : لماذا الأنبياء ما كانوا أقوياء ؟ مثلاً ، الآن هناك أقوياء يعطون توجيهًا تجد مئة مليون نفذوا الأمر ، لماذا كان النبي ضعيفًا ؟ وقد رأى أحد أصحابه يُعذب أمامه فلم يستطيع أن يفعل له شيئاً ،

(( صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة ))

[ السيرة النبوية ]

 والنبي تخفى بغار ثور ، وهاجر خفية ، ودمه مهدور ، لماذا كان النبي ضعيفا ؟ ما عنده شيء يعطيه ، لو كان قويا هل تستطيع أن تقول عنه : مجنون وتنام في بيتك مطمئنا ، وقلت عنه : مجنون ، وكاهن ، وساحر ، هل تستطيع أن تقول عن قوي : مجنون ، وتنام في بيتك ؟ لا تستطيع ، لماذا كان النبي ضعيفا ؟ حتى يكون الإيمان به عظيما ، لا مغانم ، ولا تهديدات ، لذلك الإيمان بالنبي له أعلى قيمة ، ما عنده شيء يعطينا إياه .

(( لا أَملِكُ لَكُمْ مِنَ الله ضَرّا وَلاَ نَفْعا ))

[ الترمذي عَنْ أبي هُريرَة ]

 لا أعلم الغيب .

 

﴿ قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾

( سورة الزمر )

 هذه البطولة ، إنسان معه مبدأ ، معه حق ، ضعيف ، محارب ، مضطهد خائف .

(( لقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد ، وأخفت في الله وما يخاف أحد ، ولقد أتت علي ثلاثون من بين يوم وليلة وما لي ولبلال طعام يأكله ذو كبد إلا شيء يواريه إبط بلال ))

[ أخرجه أحمد في مسنده والترمذي وابن ماجة وابن حبان في صحيحه عن أنس ]

المطلوب الهدى الطوعي لا الهدى القسري :

 ما عنده شيء ، كان إذا أراد أن يصلي الليل لا تتسع غرفته لنوم زوجته وصلاته ، لا تكفي ، الآن لك 480 متر ، وإطلالة ، لا تتسع غرفته ، وهو سيد الخلق لصلاته ونوم زوجته ، ضعيف ، لكن الإيمان به عظيم جداً ، والآن إذا مشيت مستقيما كل الناس ليسوا معك ، معظم الناس ضدك أساساً ، نحن عند أعدائنا إرهابيون ، تحجب زوجتك إرهابي ، تصلي إرهابي ، تترك لحية إرهابي ، العالم كله يحارب الدين حربا عالمية ثالثة معلنة على الإسلام .
 الآن لا مغانم إطلاقاً ، بالعكس ، الحياة كلها تصبح مغارم ، ليست مغانم ، لكن البطولة الآن ، أنت مع الحق ، لا تعبأ بالدنيا كلها ، ترون العالم كله منحازًا للباطل ، أوضح مثل ما يجري في فلسطين ، يريدون ديمقراطية ، هذه ديمقراطية ، يريدون انتخابات مع إشراف من قبلهم ، هذه إشراف من قبلهم ، نجحت فئة تؤمن بالله ، العالم كله يحاربها ، أي بنك يحول لها يحاربونه ، الآن هناك أزمة تحويل ، العالم كله ضد الدين ، لذلك الإيمان الآن غالٍ جداً ، لا تنتظر مغنمًا ، وبالعكس عليك مغارم كثيرة ، لكن الله مع المؤمنين ، إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟ لذلك :

﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾

 الهدى القسري سهل على الله عزوجل ، الله يريدنا أن نأتيه مختارين طائعين ، يريد أن نحبه ، لا أن ننصاع قسراً له ، لذلك أعطانا حرية الاختيار ، وقال :

 

﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ﴾

( سورة البقرة الآية : 256 )

 الآن الإنسان يكفر ، ويشتم الإله أحياناً ، وجسمه تمام صحيح ، مع أن الله عزوجل قادر أن يصبح جثة هامدة بكلمة ، نحن تحت رحمة الله كلنا ، لذلك الإيمان الآن ثمين جداً ، أنت تؤمن من غير مغانم ، بل هناك مغارم ، معنى ذلك أن الإيمان يرقى بك إلى أعلى عليين .
 هذه معنى الآية :

﴿ قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾

 لكن هذه الهداية لا قيمة لها لا عنده ولا عندنا ، ولا عند أصحابها .
 واحد قُدمت له الأسئلة ، هو أمي لا يقرأ ، ولا يكتب ، قدمت له أسئلة مطبوعة ، عوض أن تكتب اسمك ابصم ، هذه دكتوراه مثلاً ، ما هذه الشهادة ؟ قيمتها في الوحل ، ما دام أميا لا يقرأ ولا يكتب ومعه دكتوراه !!! ، معنى ذلك :

﴿ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018