أسماء الله الحسنى - إصدار 2008 - الدرس : 044 ب - اسم الله المتكبر 2 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

أسماء الله الحسنى - إصدار 2008 - الدرس : 044 ب - اسم الله المتكبر 2


2007-11-17

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

من أسماء الله الحسنى: (المتكبر):

 أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في اسم "المتكبر".

أسعد إنسان في الأرض من جعل علاقته كلها مع الله :

 بادئ ذي بدء الإنسان مجبول على حبّ الجمال، وحبّ الكمال، وحبّ النوال، يحب من يعطيه، ويحب الموقف الكامل ، ويحب الشيء الجميل، هذه جبلة في الإنسان، والله عز وجل وصف ذاته العلية بأنه متكبر ، كبير في عطائه، كبير في تجلياته، كبير في توفيقه، وصف ذاته العلية بأنه متكبر من أجل أن تقبل عليه.
 الناس في الدنيا على من يقبلون ؟ على الأغنياء والأقوياء، الناس، لم أقل المؤمنين، الناس في الدنيا يقبلون على الأقوياء والأغنياء، لأنهم يتوهمون أن الأقوياء يدعمونهم، وأن الأغنياء يعطونهم، لكن الحقيقة أن الإنسان حينما يوحد ربه، حينما يرى أن الله وحده يعطي ويمنع، ويخفض ويرفع، ويعز ويذل، حينما يوحد ربه يتجه إليه، وأسعد إنسان في الأرض من جعل علاقته كلها مع الله، لذلك قال تعالى:

﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴾

( سورة الشعراء )

 

أخطر شيء في حياة المسلمينالشرك الخفي:  الشرك الخفي أخطر شيء في حياة المسلمين، النبي عليه الصلاة والسلام يحذرنا من الشرك الخفي، يقول:

(( أخوف ما أخاف على أمتي الشرك الخفي، أما إني لست أقول أنكم تعبدون صنماً ولا حجراً، ولكن شهوة خفية، وأعمال لغير الله ))

[ورد في الأثر]

  هذا شرك خفي، والشرك أخفى من دبيب النملة السمراء، على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، قال تعالى:

﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ﴾

( سورة يوسف )

 الشرك الجلي نادر الوجود في العالم الإسلامي، لا يوجد إله يعبد مع الله في العالم الإسلامي، بشرق آسيا في آلهة كثيرة، أما في عالم المسلمين شرك جلي ما في لكن في شرك خفي،

﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْركون ﴾

 حينما نتوجه لغير الله، وحينما نعقد الأمل على غير الله، وحينما نتوهم أن فلان يعطينا، وفلان يمنعنا، وأن فلان يحمينا، وأن فلان يضرنا، حينما نتوهم فعلاً من غير الله، أو عطاءً من غير الله، أو تكريماً من غير الله، حينما نتوهم هذا الوهم نقع في الشرك الخفي.

 

إقبال المؤمن على الله لأن مصيره مع الله إلى الأبد:

 لذلك الناس في الدنيا يقبلون على الأغنياء من أجل العطاء، وعلى الأقوياء من أجل الحماية، ولكن المؤمن يقبل على الله لأنه يرى أن مصيره مع الله

﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴾

 الله عز وجل وصف ذاته العلية بأنه متكبر من أجل تقبل عليه، وأن تنصرف عمن سواه.
 أيها الأخوة، الشيء الثاني: والناس في الدنيا يقبلون على كل شيء جميل يحبون بيتاً جميلاً، ومركبة فارهة، وامرأة جميلة، وطعاماً طيباً، وسياحة جميلة، فالإنسان مفطور على حبّ الجمال، وحينما يعلم الإنسان أن كل جمال في الكون مستمد من جمال الله وأن الله سبحانه وتعالى أصل الجمال، وأن المؤمن أسعد مخلوق في الكون، لأنه اتصل بأصل الجمال، وأن هذا الجمال أبدي، أي شيء تعلقت به في الدنيا، لابدّ من أن تفارقه عند الموت، ولابدّ من أن يفارقك عند موته هو، لو تعلق الإنسان بامرأته مثلاً تعلقاً يفوق حدّ الخيال، لابدّ من أن يفارقها، كما أنها لابدّ لها من أن تفارقه، إلا إذا تعلقت بالله عز وجل، فأنت معه إلى أبد الآبدين.

 

الله عز وجل أصل الجمال و قمته:

 لذلك:

﴿ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾

( سورة البقرة الآية: 165 )

  هؤلاء الذين ظلموا أنفسهم فأحبوا غير الله، وتعلقوا بغير الله، وعصوا ربهم من أجل امرأة، وعصوا ربهم من أجل دخل وفير، يهيئ لهم بيتاً جميلاً، أو مركبة فارهة ، هؤلاء الذين عصوا ربهم من أجل الجمال يكتشفون الحقيقة المرة أن الله سبحانه وتعالى هو أصل الجمال.
 أنت حينما تمشي في الطريق ترى ملهى، تجد خمسين سيارة واقفة، ماذا في داخل هذا البناء ؟ هناك امرأة ترقص، ولحم يشوى، ومغنٍّ يغني، وموسيقى تصدح، هؤلاء توهموا أن لذتهم في هذا المنظر، وهذا الطعام، وهذا الشراب، ولو عرفوا الله عز وجل لرأوا أن قمة السعادة، وقمة الجمال أن تكون مع الجميل.

 

منهج الله عز وجل منهج قويم يُقرب الإنسان من الله تعالى:

 لذلك أيها الأخوة، الله عز وجل وصف ذاته العلية بأنه متكبر، لأنه الجميل ، ولأنه الغني، ولأنه القوي، والإنسان في أصل فطرته يحب الجمال، والكمال، والنوال.
 شيء آخر: الله عز وجل متكبر، يعني حقيقة وحيدة في الكون هي الله، أي تقربٍ منه هو حق، وخير، وجمال، وأي ابتعاد عنه، هو باطل، وشر، وقبح، هناك حقيقة واحدة: أي شيء يقربك إلى الذات العلية فهو حق، وخير، وجمال، وأي شيء يبعدك عن الذات العلية هو باطل، وشر، وقبح، فمنهج الله عز وجل هو المنهج القويم، وأي ابتعاد عن منهجه هو الطريق المنحرف.

اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ: هذه الآية من تطبيقات اسم المتكبر:

 لذلك من تطبيقات اسم "المتكبر" هذه الآية، سيدنا يوسف قال لعزيز مصر:

﴿ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ﴾

( سورة يوسف )

  أي مؤمن معه خبرات عالية جداً، وأمته بأمس الحاجة إلى هذه الخبرات، وعنده حلول لمشكلات عويصة، ورأى أمته متخلفة، تعاني ما تعاني، فإذا قال أنا أملك خبرة، أنا أحلّ هذه المشكلة، هذا من علامة إيمانه، وهذا اقتباس من كمال الله عز وجل:

﴿ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ﴾

 أحياناً يكون طبيب يملك خبرات عالية جداً، ويرى مريضاً يعاني ما يعاني والأطباء في حيرة من أمرهم، يقول أنا أعالجه، أن تقول أنا، هذا ليس كبراً، هذا قمة في خدمة الخلق، أحياناً تملك خبرة عالية جداً تحلّ بها مشكلة، فإذا قلت أنا لا يعني ذلك، ما لي علاقة، لا أحب أن أقحم نفسي، من هنا سيدنا عمر قال:
  " أريد أميراً، إن كان أميراً حقيقة بدا وكأنه واحد من أصحابه، متواضع، وإن لم يكن أميراً بدا وكأنه أمير ".
 الحالة الأولى تواضعاً، الحالة الثانية غيرة، أنت معقول أن تكون في حال عصيب وإنسان يدمر، ومعك الحل، وتبقى ساكت ؟ لا تقدر،

﴿ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ﴾

اشتقاق المؤمن من كمال الله كمالاً يُمكّنه من الغيرة على مصالح المسلمين:

  شخص مرة سألني، قال لي: كيف نجمع بين هذه الآية وبين الحديث الشريف ؟

(( طالب الولاية لا يولى ))

[ورد في الأثر]

  الإنسان حينما يطلب الولاية لمنفعة معينة، لمكانة، لرفعة، لكبر، لاستعلاء، هذا الإنسان إذا طلب الولاية لا يولى، أما حينما يملك إنسان خبرة عالية، وبهذه الخبرة تحل مشكلة فيولى.
 أوضح مثل: طبيب، قريبه ما زاره، زار طبيباً آخر، لكن حالته تسوء، هو اختصاصي في هذا المرض، المؤمن الصادق يعرض نفسه عليه، عندك حلّ لمشكلة اقتصادية، لمشكلة مالية، لمشكلة صحية،

﴿ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ﴾

 كيف أن الله جل جلاله وصف ذاته العلية بأنه متكبر، لماذا ؟ كي يقبل عليه عباده، كي يطمعوا بنواله، بعطائه، بتوفيقه.
 إذاً المؤمن يشتق من كمال الله هذا الكمال، إذا معه خبرة، معه حلّ لمشكلة، لا يبقى ساكتاً، يتدخل تدخلاً إيجابياً، وأرقى سلوك في الحياة عند الأزمات التدخل الإيجابي أنا أقدم، أعرض خبرتي، أعرض إمكانياتي،

﴿ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ﴾

 هذا ليس كبراً، وليس تنطعاً، وليس طمعاً، إنما هو غيرة على مصلحة المسلمين.

 

الله عز وجل متكبر حتى يُقبل عباده عليه والعبد متواضع حتى يستحق تأييد الله له:

 أيها الأخوة، شأن الرب أنه متكبر، بمعنى أنه كبير، كبير في عطائه، كبير في توفيقه، كبير في حفظه، كبير في تأييده، كبير في نصره، قال لك أقبل عليّ، تعال إليّ ، دع الشركاء، دع ما سواي،

﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴾

  تعذب نفسك، إن اتجهت إلى غيري ليس عنده شيء فقير مثلك، جاهل مثلك، هو يحتاج إلى عناية الله عز وجل.
 أيها الأخوة، إذاً شأن الرب أنه متكبر، أي كبير، من أجل أن نطمع بما عنده، من أجل أن نربح عليه، من أجل أن نتاجر معه.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾

( سورة الصف )

  إذا آمنت بالله، وعملت صالحاً، وجاهدت نفسك وهواك أنت بهذا تتاجر مع الله بمعطيات الأرض يقول لك ربحنا ثمانية عشر بالمئة نسبة عالية جداً، معظم الشركات: 10، 12، 11، 9، 18 ! ما شاء الله ! يعني في شركة بالأرض تربح مليون بالمئة ؟ مليار بالمئة ؟ لا يوجد، لكن من وضع لقمة في فم زوجته تأليفاً لقلبها رآها يوم القيامة كجبل أحد، الله عز وجل يريدنا أن نربح عليه.
 لذلك شأن الرب أنه متكبر، حتى يقبل عباده عليه، وشأن العبد أن يكون متواضعاً مفتقراً حتى يستحق تأييد الله له.

 

شأن العبد التواضع والافتقار فمن افتقر إلى الله رفعه:

 لذلك عندنا أربع تجارب، أو تجربة، تجربة الصحابة الكرام في معركة بدر:

﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 123 )

 افتقروا إلى الله، تواضعوا له، قل قبل أن تقدم على عمل: اللهم إني تبرأت من حولي وقوتي، والتجأت إلى حولك وقوتك يا ذا القوة المتين، أعرف طبيباً بعد أن يجهز المريض لعمل جراحي، يصلي أمامه ركعتين، ويناجي ربه في السجود، يا رب أعني ، يا رب ألهمني الصواب، يا رب وفقني.
 أيها الأخوة، في أي عمل صغير أم كبير، جليل أم حقير، عمل مادي أو علمي، قبل أن تقبل عليه قل: اللهم إني تبرأت من حولي وقوتي وعلمي، والتجأت إلى حولك وقوتك وعملك يا ذا القوة المتين.
 فلذلك شأن العبد التواضع والافتقار، فالصحابة الكرام هم نخبة الخلق، ومعهم سيد الخلق، لما تواضعوا في بدر، وافتقروا إلى الله، وتذللوا أمامه، ومرغوا جباههم في أعتابه نصرهم الله عز وجل، هم هم، ومعهم سيد الخلق، في حنين، قال:

 

(( ولن يُغْلَبَ اثنا عَشَرَ ألفا مِنْ قِلَّةٍ ))

 

[أخرجه أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عباس ]

﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ﴾

( سورة التوبة )

 دققوا، في بدر افتقروا فانتصروا، هم قمة البشر، ومعهم سيد البشر.

 

من قال أنا تخلى الله عنه:

 في حنين اعتدوا بعددهم فلم ينتصروا، هذا درس بليغ لنا، نحتاجه كل يوم، بل كل ساعة، بل كل دقيقة، قل أنا يتخلى الله عنك، أنا معي شهادة عليا، أنا أملك خبرات متراكمة، أنا من أسرة عريقة، قل أنا وانظر، الله يتخلى عنك، لأن كلمة أنا شرك خفي،، هذه حالة الفناء يصفها بعضهم، قل الله يتولاك، قل أنا يتخلى عنك، يعني أنت في كل ساعة في حياتك بين التولي والتخلي، تقول الله يتولاك تقول أنا يتخلى عنك.
  في حنين نخبة البشر، قال: نحن،

(( ولن يُغْلَبَ اثنا عَشَرَ ألفا مِنْ قِلَّةٍ ))

 لذلك: لي، وعندي، وأنا، ونحن، كلمات مهلكات، إبليس قال:

﴿ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ ﴾

( سورة الأعراف الآية: 12 )

 فأهلكه الله، قوم بلقيس قالوا:

﴿ نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ ﴾

( سورة النمل الآية: 33 )

 فأهلكهم الله عز وجل، قارون قال:

﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ﴾

( سورة القصص الآية: 78 )

﴿ فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ ﴾

( سورة القصص الآية: 81 )

  فرعون قال:

﴿ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ ﴾

( سورة الزخرف الآية: 51 )

  لي، وعندي، وأنا، ونحن، كلمات مهلكات.

 

من يقع في الشرك أو المعصية يؤدبه الله عز وجل:

 لذلك أيها الأخوة، تجربة بدر الافتقار إلى الله، النتائج أن الله يتولاك، وتجربة حنين الاعتداد، إما بالعدد، أو بالقوة، أو بالشهادة، أو بالحسب، أو بالنسب، حينما تقول أنا يتخلى الله عنك، حينما تقول الله يتولاك.
 تعقيباً على هاتين التجربتين في تجربة أحد لم ينتصر المسلمون، وفي تجربة حنين أيضاً، في أحد عصوا، في حنين أشركوا، لو أنهم انتصروا في أحد لسقطت طاعة رسول الله، ولو أنهم انتصروا في حنين لسقط التوحيد، الله عز وجل لا يحابي أحداً، من أنت، حينما يقع الإنسان في الشرك يؤدبه الله عز وجل، وحينما يقع في المعصية يؤدبه الله عز وجل .

نصر الله عز وجل للمسلمين له شروط منها:

1 ـ إيمان الإنسان بالله الإيمان الذي يحمله على طاعته:

  أيها الأخوة، الآن نحن مع اسم "المتكبر" الكبير، القوي، والمسلمون ضعاف ، والمسلمون حالهم لا يرضي، فكيف نوفق بين حال المسلمين وبين أن الله متكبر ؟ الله عز وجل متكبر، يعني كبير، كبير في نصره، كبير في إمداده، كبير في عطائه، كبير في عفوه، كبير في توفيقه، لكن نصر الله له ثمن، له ثمن لا يمكن أن نناله إلا إذا دفعنا الثمن ما الثمن ؟ أول شرط:

﴿ وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

( سورة الروم )

 أي إيمان هذا ؟ الإيمان الذي يحملك على طاعة الله، هذا الإيمان يقودك إلى النصر، الإيمان الذي يحملك على طاعة الله، والإيمان الذي لا يحمل على طاعة الله إيمان إبليسي، لأنه قال:

 

﴿ فَبِعِزَّتِكَ﴾

 

( سورة ص الآية: 82 )

 وقال:

 

﴿ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ﴾

 

( سورة الأعراف )

﴿ قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾

( سورة الأعراف )

 آمن بالله رباً، وعزيزاً، وخالقاً، وآمن باليوم الآخر، ومع ذلك هو إبليس اللعين.
 إذاً الإيمان الذي لا يحملك على طاعة الله، لا قيمة له إطلاقاً، ولا وزن له إطلاقاً، ولا يقدم ولا يؤخر،

﴿ وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

2 ـ إعداد العدة المتاحة:

 هذا الشرط الأول، لكنه شرط لازم غير كافٍ، الشرط اللازم الثاني:

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ﴾

( سورة الأنفال الآية: 60 )

 لن ننتصر إلا إذا آمنا بالله إيماناً يحملنا على طاعته، وأعددنا العدة المتاحة لنا ، إيمان بلا عدة ما في نصر، عدة بلا إيمان ما في نصر، كلاهما شرط لازم غير كافٍ.

 

الله عز وجل مع المؤمن بالحفظ و التأييد و النصر إذا أقبل عليه و التزم بمنهجه:

 الآن ما دام الله هو "المتكبر" فكيف نتقوى به ؟ كيف نكون كبراء ؟ إذا أقبلنا عليه، عندنا قاعدة هذه القاعدة تقول:

﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾

( سورة الحديد الآية: 4 )

  قال علماء التفسير: هذه المعية معية عامة، يعني معكم بعلمه، الله مع الكافر بعلمه، مع الملحد، مع المشرك، مع العاصي، مع المجرم، مع الطاغية،

﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾

  لكن المعول عليه هو المعية الخاصة، المعية الخاصة لقوله تعالى:

﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾

( سورة البقرة )

﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا ﴾

( سورة النحل الآية: 128 )

 هذه المعية الخاصة تعني الحفظ، والتأييد، والنصر، والتوفيق، هذه المعية الخاصة في قوله تعالى:

 

﴿ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

 

( سورة الأنفال )

﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا ﴾

( سورة النحل الآية: 128 )

﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾

  هذه المعية الخاصة تعني الحفظ، والتأييد، والنصر، والتوفيق.

 

التقوى مع الصبر طريق الإنسان إلى النصر:

 المعية الخاصة لها ثمن، ثمنها:

﴿ وّقَالَ اللهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً ﴾

( سورة المائدة الآية: 12 )

﴿ وّقَالَ اللهُ إِنِّي مَعَكُمْ ﴾

  بشرط معية مشروطة العلاقة

﴿ وّقَالَ اللهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً ﴾

 العلاقة مع الله واضحة جداً، ومقننة بقوانين، الله مع المؤمنين، ومع المتقين، ومع الصابرين، بالنصر، والتأييد، والحفظ، والتوفيق، لكن هذه المعية مشروطة.
 الآن آية واحدة ولا أبالغ تحل بها مشكلات العالم الإسلامي بأكمله مع ما يعاني هذه الآية:

 

﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً ﴾

 

( سورة آل عمران الآية: 120 )

 التقوى مع الصبر طريق إلى النصر، والصبر مع المعصية ليس بعدها إلا القبر، معصية زائد معصية هذا ليس صبراً، هذا قهر، معصية زائد صبر، ليس بيدنا شيء ! أعداؤنا أقوياء جداً، ومقيمون على معاص لا يعلمها إلا الله، المعاصي مع الصبر طريق إلى القبر، أما الصبر مع التقوى طريق إلى النصر.

 

المعاصي مع الصبر طريق الإنسان إلى القبر:

 أيها الأخوة، يجب أن يكون في علمكم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

(( وما تواضَعَ عبد لِلهِ إِلا رَفَعَهُ اللهُ ))

[ أخرجه مسلم والترمذي ومالك عن أبي هريرة ]

(( ومن تواضع لله رفعه الله، ومن تجبر قصمه الله ))

[ أخرجه البزار عن طلحة بن عبيد الله ]

 الذي قال أنا قصمه الله .

 

(( إِنَّ الله أوحَى إِليَّ: أن تواضَعُوا حتى لا يبغي أحد على أحد، ولا يفخَر أحد على أحد ))

 

[أخرجه أبو داود عن عياض بن حمار ]

 التقوى مع الصبر طريق النصر، والصبر مع المعصية ليس إلا القبر، معصية زائد صبر هذا ليس صبراً، معصية زائد صبر ما بيدنا شيء، أعداؤنا أقوياء جداً، ومقيمون على معاصٍ لا يعلمها إلا الله، المعاصي مع الصبر طريق إلى القبر، أما الصبر مع التقوى طريق إلى النصر.

 

تواضع المؤمن من غير منقصة وتوجهه إلى الله عز وجل لأنه متكبر:

 أيها الأخوة، يجب أن يكون في علمكم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

(( وما تواضَعَ عبد لِلهِ إِلا رَفَعَهُ اللهُ ))

(( ومن تواضع رفعه الله، ومن تجبر قصمه الله ))

 يعني قال أنا قصمه

(( إِنَّ الله أوحَى إِليَّ: أن تواضَعُوا حتى لا يبغي أحد على أحد، ولا يفخَر أحد على أحد ))

(( طوبى لمن تواضع في غير منقصة ))

[أخرجه الطبراني عن ركب المصري ]

 كل إنسان عندما يخطئ يرتكب خطأ فادحاً يصغر، يعني يتواضع، هذا تواضع المنقصة، هذا ما له قيمة، البطولة أن تتواضع من غير منقصة، أنت طاهر، ومستقيم ، ويدك نظيفة، ودخلك مشروع، وأنت قدوة لغيرك، ومع ذلك متواضع، فالتواضع من شأن العبد، والتكبر من شأن الرب، لأنه رب العالمين، لأنه خلقنا ليسعدنا كان متكبراً، أي كبيراً في عطائه، تعالوا إليّ، دعوا الشركاء.

 

(( ابن آدم اطلبني تجدني فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء ))

 

[من مختصر تفسير ابن كثير]

﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾

( سورة الأحزاب الآية: 71 )

 دع الخلق واتجه إلي.

 

فلو شاهدت عيناك من حسننا الذي رأوه  لما وليت عنــــــا لغيرنا
ولو سمعت أذناك حسن خطــــابنا  خلعت عنك ثياب العجب وجئتنا
* * *

  فالمؤمن يتواضع من غير منقصة، يتواضع ويتوجه إلى الله عز وجل لأنه متكبر.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018