الدرس : 60 - سورة الأنعام - تفسير الآيات 138 – 140، عشر قواعد أصولية متعلقة بالحلال والحرام - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 60 - سورة الأنعام - تفسير الآيات 138 – 140، عشر قواعد أصولية متعلقة بالحلال والحرام


2006-04-28

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .
 أيها الإخوة الكرام ، مع الدرس الستين من دروس سورة الأنعام ، ومع الآية الثامنة والثلاثين بعد المئة ، وهي قوله تعالى :

﴿ وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ ﴾

 الحرث وهو المال :

 

﴿ وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴾

منزلة الحلال والحرام في الدين :

 أيها الإخوة الكرام ، قضية الحلال والحرام أخطر قضية في الدين ، وقبل أن نمضي في الحديث عن معاني هذه الآيات لا بد توضيح عن بعض ملابسات الحلال والحرام .
 أيها الإخوة ، الحلال والحرام هو قيام الإسلام ، ودليل الإيمان ، لو ألغيت المنهج فماذا بقي من الدين ؟ لو ألغيت افعل ولا تفعل ماذا بقي من الدين ؟ لو ألغيت الالتزام ماذا بقي الدين ؟ الحلال والحرام هو قيام الإسلام ، ودليل الإيمان ، هو ميزان الصدق عند الواحد الديان ، ميزان الصدق عند الله أن يجدك حيث أمرك ، وأن يفتقدك حيث نهاك ، فلا إيمان بلا عمل ، ولا عمل إلا بمقتضى الأمر والنهي ، حينما قال الله عزوجل :

 

﴿ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ ﴾

( سورة النمل الآية: 19 )

 العمل الذي يرضي الله إذا كان خالصاً لوجه الله ، وابتغيت به وجه الله وكان وفق السنة ، لذلك قال بعض العلماء : ما كان خالصاً وصواباً ، خالصاً ما ابتغي به وجه الله وصواباً ما وافق السنة .
 أيها الإخوة ، لا إيمان بلا عمل .

﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا ﴾

( سورة الأنفال الآية : 72 )

 أصل العبادة طاعة طوعية ، ممزوجة بمحبة قلبية ، أساسها معرفة يقينية تفضي إلى سعادة أبدية ، لذلك لا التزام بأمر آمر ، ولا انتهاء عن نهي ناهٍ ، ماذا بقي من الدين ؟ الإنسان إن لم يلتزم بأمر الله ، ولم ينتهِ عما عنه نهى ليس فيه دين إطلاقاً ، كل المظاهر التي يعبر عنها الناس من أنهم ينتمون إلى هذا الدين ، وليسوا عند الحلال والحرام ليست بشيء ، لذلك إذا رأيت الرجل يطير في الهواء ، أو يمشي على وجه الماء ولم يكن عند الأمر والنهي فلا تعبأ به ، وأدق تعريف للولي في القرآن :

 

﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾

( سورة يونس )

 هذا تعريف الولي البسيط الواضح :

﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ﴾

 أيها الإخوة ، هناك بعض الحقائق المتعلقة بالحلال والحرام :

قواعد متعلقة بالحلال والحرام :

القاعدة الأولى : التحريم والتحليل من شأن الله وحده :

 أن الحلال والحرام من شأن الله وحده ، ما في جهة مخولة أن تحرم أو أن تحلل ، التحريم والتحليل من شأن الله وحده ، هذه من خصائص الذات الإلهية هو يحرم ، وهو يحلل ، وأي تشريع أرضي تحليله وتحريمه ليس بشيء أمام تحليل الله وتحريمه ، هذه القاعدة الأولى .

القاعدة الثانية : الأصل في الأشياء الإباحة :

 أن الأصل في الأشياء الإباحة .

 

﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ﴾

( سورة البقرة الآية : 29 )

﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾

( سورة الجاثية )

 الأصل في الأشياء أنها مباحة ، ولا يحرم شيء إلا بدليل قطعي في ثبوته ، وقطعي في دلالته ، هذا الدين .

(( ابن عمر دينك دينك ، إنه لحمك ودمك ، خذ عن الذين استقاموا ))

[ عن ابن عمر ]

 أول حقيقة : التحليل والتحريم من شأن الله وحده ، لذلك كان كبار العلماء إن سُئلوا عن شيء لم يرد به نص يقولون : الأولى ألا تفعلوه ، أنا لا أرتاح له ، لا يعطون كلمة حلال أو حرام ، الآن أي إنسان مهما قلّ شأنه يقول لك : حرام ، وبلا دليل ، أو حلال ، التحليل والتحريم من شأن الله وحده .
 القاعدة الثانية : أن الأصل في الأشياء الإباحة ، ولا يُحرم شيء إلا بالدليل القطعي في ثبوته والقطعي في دلالته .

القاعدة الثالثة : تحليل الحرام وتحريم الحلال مِن أكبر الكبائر :

 عندنا قاعدة أخرى ، وهي : أن تحليل الحرام ، وتحريم الحلال من أكبر الكبائر الله عزوجل رتب ترتيباً تصاعدياً ، فذكر الفحشاء والمنكر ، والإثم والعدوان ، وذكر الشرك وذكر الكفر ، وجعل على رأس المعاصي كلها :

 

﴿ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾

( سورة الأعراف )

 مرة كان بعض الصحابة في سفر ، وقد استيقظ أحدهم وقد أصابته جنابة ، احتلم ، فسأل ؟ فأشاروا عليه أن يغتسل ، والجو بارد فمات ، فالنبي عليه الصلاة والسلام على غير عادته قال :

(( قتلوه قتلهم الله ))

(أبو داود عن جابر )

 أن تقول : حرام ، أن تقول : حلال .
 بالمناسبة أيها الإخوة ، أي إنسان يستطيع أن يحرم ، القضية سهلة جداً تكلفك كلمة ، أن تقول : حرام ، لكن البطولة أن تعطي الرخصة مع الدليل ، لأن التحريم يحسنه كل إنسان ولو كان جاهلاً .
 والشيء الثاني : أن الإنسان أحياناً يأخذ بكل الرخص ، فإذا سُئل أعطى بالعزائم ، وهذا خطأ كبير ، الإنسان إذا كان يأخذ بالرخص ينبغي أن تعطي الرخص ، لكن الأكمل أن تأخذ نفسك بالعزائم ، وإذا استفتيت أن تعطر الرخص .
 إذاً تحريم الحلال ، وتحليل الحرام من أكبر الكبائر ، لذلك أحياناً يفتي الإنسان بلا علم ، وهو محاسب عند الله أشد الحساب ، لكن الذي سوف يعاقب أشد العقاب هو الذي يفتي بخلاف ما يعلم ، الأول جاهل ، أما الثاني فمجرم ، الذي يفتي بخلاف ما يعلم ، يعلم الحكم الشرعي ، ولمصلحة راجحة ، لمصلحة شخصية ، لتثبيت مركز ، لإرضاء قوي يفتي بخلاف ما يعلم .

القاعدة الرابعة : الحلال طيب والحرام خبيث :

 الحلال طيب ، والحرام خبيث الحلال تحلو به النفوس ، والحرام يحرم الإنسان من سعادته ، وما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا وجعل لها قناة نظيفة تسري خلالها ، فلا حرمان أبداً ، لكن لما يتزوج الإنسان الناس يفرح الناس ، ويهللون ويقدمون له الهدايا ، ويباركون ، وهو يجلس مع زوجته آمناً ، مطمئناً ، لا حرج ، ولا قلق ولا خوف ، لأن هذا وفق منهج الله ، وقد يصلي قيام الليل ، وقد يبكي في الصلاة ، أما إذا ابتغى علاقة غير مشروعة فقد طرد من رحمة الله ، ولعن من قِبَل الله ، وحجب عن الله ، وكان عمله سراً ، ويخاف أن يفتضح ، وهناك من يؤاخذه ، وقد يسقط من عين الناس ، وكل الخير في الحلال ، وكل الشر في الحرام ، الله عزوجل قال :

 

﴿ أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ ﴾

( سورة البقرة الآية : 5 )

 الهدى الذين هم عليه رفع شأنهم ، وأعلى قدرهم ، وجعلهم نجوماً في المجتمع ، سُئل الحسن البصري بمَ نلت هذا المقام ؟ قال : باستغنائي عن دنيا الناس ، وحاجتهم إلى علمي .
 مرة كان الحسن البصري عند والي البصرة ليزيد ، فجاء توجيه من يزيد بن معاوية ، يبدو في هذا التوجيه إيقاع ظلم في فئة معينة ، فقلق هذا الوالي قلقاً شديداً وعنده إمام جليل هو الحسن البصري ، قال : يا إمام ماذا افعل ؟ إن لم أحقق مراد يزيد غضب ، وعزلني ، وإن حققت مراده حُجبت عن الله ، ماذا افعل ؟ وقع في حرج شديد ، فقال له كلمة يجب أن تكون لكل واحد منا شعاراً ، قال له : إن الله يمنعك من يزيد ، ولكن يزيد لا يمنعك من الله .
 إذاًً ما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا جعل لها قناة نظيفة ، لا حرمان في الإسلام ، الحلال طيب ، أنت حينما تكسب مالاً حلالاً تكون رافع الرأس ، لا تستحي أما حينما يكون الغش ، أو الاحتيال ، أو الكذب ، أو التدليس ، ويكتشف الأمر ، تصغر من عين الناس ، بل تسقط من عين الله ، الحلال تحلو به النفس ، الحلال طيب ، الحلال معه أمن ، معه طمأنينة ، معه راحة نفسية ، معه عز .
 إخواننا الكرام ، هناك قانون للعز ، وقانون للذل ، أنت حينما تستقيم على أمر الله تشعر بعزة ما بعدها عزة ، وحينما ينحرف الإنسان يشعر بصغار ما بعده صغار .

القاعدة الخامسة : في الحلال ما يغني عن الحرام :

 كل شيء أودعه الله عزوجل فيك من شهوات أعطاك قنوات نظيفة يمكن أن تأخذ هذا الشيء من هذه القنوات ، أؤكد لكم بيقين قطعي أن الإسلام دين الفطرة ، والإنسان حينما يستقيم على أمر الله يعيش حياة طيبة وعده الله بها ، قال تعالى :

 

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾

( سورة النحل الآية : 97)

 والحياة الطيبة لا يعرفها إلا من ذاقها ، ليس شرطاً أن تكون غنياً ، لكن في قلب المؤمن من الطمأنينة والثقة بالله ، والتفاؤل ، والشعور بالتألق عند الله عزوجل ما لو وزع على أهل بلد لكفاهم ، فالحلال يغني عن الحرام بكل الشهوات .
 مرة قال لي أحدُ الزملاء في العمل : أنا كنت في جاهلية ثم اهتديت إلى الله ، وتبت من كل المعاصي والآثام التي كنت أعملها ، أقسم لي بالله أن ساعة مع زوجة صالحة مؤمنة طاهرة لا تعدلها متع الأرض من الفسق والفجور والشعور بالسقوط من عين الله .
 مع المعاصي سقوط ، مع المعاصي شقاء ، مع المعاصي خجل من الله الذي يراقبك .

القاعدة السادسة : ما أدى إلى حرام فهو حرام :

 الشيء الذي يؤدي إلى حرام فهو حرام ، هذه قاعدة أصيلة ، قال تعالى :

 

﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾

( سورة المائدة الآية : 2 )

 أنت أجّرت بيتاً ، الرقم غير معقول ، الرقم يفوق أجرة غرفة في أفخر فندق ، هناك مشكلة ، أنت قدمت البيت لهذه المعصية الكبيرة ، وهذا قدم الأداة ، وهذا قدم التغطية ، لذلك ما أدى إلى حرام فهو حرام ، والأصل في هذا :

﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾

 الزنا محرم ، كل مقدمات الزنا محرمة ، الخلوة محرمة ، إطلاق البصر محرم ، صحبة الأراذل محرمة ، أي شيء يقرب من معصية فهو معصية ، ما حُرم فعله حُرم استماعه ، وحرم النظر إليه ، لذلك من شهد معصية فأنكرها كان كمن غاب عنها ، ومن غاب عن معصية فأقرها كان كمن شهدها .

القاعدة السابعة : التحايل على الحرام حرام :

 شيء آخر ، التحايل على الحرام حرام ، وبهذا يمكن أن نقيم الحيل الشرعية ، أنا لا آكل الربا ، جيد ، آتي بكيس من الأرز أضعه في محلي التجاري ، وقد يبقى في المحل عشر سنوات ، كل من جاءني ليأخذ قرضاً ربوياً أبيعه هذا الكيس ديناً ، بألف ومئتين ، ثم يبيعني إياه نقداً بألف ، أنا أعطيت ألفًا ، سجلت ألفًا ومئتين ، بيع العينة حرام ، هذا احتيال ، لذلك هؤلاء الأشخاص الذين يطبقون الحيل الشرعية كأنهم يرون أن الله ينطوي عليهم ، ولا تخفى على الله خافية ، وآلاف الحيل الشرعية من هذا الباب ، حتى إن المرابحة التي يقوم بها كل من له صلة ببنك إسلامي ، في معظم وجوهها هي قرض ربوي عن طريق بضاعة ، على كلٍ بعض أنواع المرابحة صحيح ، أما معظم الأساليب التي يستخدمها الناس يعتمدون على الحيل الشرعية ، فالتحايل على الحرام حرام .

القاعدة الثامنة : أن النية الحسنة لا تبرر الحرام :

 شيء آخر ، النية الحسنة لا تبرر الحرام .

 

﴿ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ ﴾

( سورة النمل الآية : 19 )

 متى يرضى الله عن عملك الصالح ؟ إذا كان خالصاً وصواباً ، خالصاً ما ابتغي به وجه الله ، وصواباً ما وافق السنة ، فقد يكون العمل مخالفاً للسنة ، كأن نقيم حفلاً غنائياً ، ونيتنا في هذا الحفل أن نقدم ريع هذا الحفل إلى الأيتام ، هذا أيضاً محرم ، النية حسنة ، لكن ينبغي أن يكون العمل وفق السنة .
 الآن : العمل وفق السنة ، النية ليست حسنة ، العمل مرفوض ، لا يقبل عند الله عمل إلا إذا كان خالصاً وصواباً ، خالصاً ما ابتغي به وجه الله ، وصواباً ما وافق السنة .
 من طلب الدنيا حلالاً تعففاً عن المسألة ، وسعياً على عياله ، وتعطفاً على جاره ، لقي ربه ووجه كالقمر ليلة البدر .

القاعدة التاسعة : اتقاء الشبهات أولى :

(( إنَّ الحَلالَ بَيِّنٌ وَإنَّ الحَرَامَ بَيِّنٌ ، وَبَيْنَهُما مُشْتَبِهاتٌ لا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهاتِ اسْتَبرأ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ ، وَمَنْ وَقَعَ في الشُّبُهاتِ وَقَعَ في الحَرَامِ ، كالرَّاعي يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى ، يُوشِكُ أنْ يَرْتَعَ فِيهِ ، ألاَ وإنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمىً ، ألاَ وَإنَّ حِمَى اللَّهِ تَعالى مَحَارِمُهُ ))

[ متفق عليه ]

 ثمة نهر عميق خطير له شاطئ مائل زلق ، وله شاطئ جاف مستوٍ ، فالمشي على الشاطئ المستوي الجاف آمن ، أما المشي على الشاطئ المائل الزلق فخطير ، الشبهات تشبه المشي على الشاطئ المائل الزلق ، والمحكمات تشبه المشي على الشاطئ الجاف المستوي .
 لذلك الإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس .

((لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما به بأس ))

[ أخرجه الترمذي وابن ماجة والحاكم في المستدرك عن عطية السعدي ]

 الشبهات فيها وجه شرعي ، وفيها وجه غير شرعي ، ابتعد عنها ، ونم ناعم البال ، الوَرِع يتقي الشبهات .

(( إنَّ الحَلالَ بَيِّنٌ وَإنَّ الحَرَامَ بَيِّنٌ ، وَبَيْنَهُما مُشْتَبِهاتٌ لا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهاتِ اسْتَبرأ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ ، وَمَنْ وَقَعَ في الشُّبُهاتِ وَقَعَ في الحَرَامِ ، كالرَّاعي يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى يُوشِكُ أنْ يَرْتَعَ فِيهِ ، ألاَ وإنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمىً ، ألاَ وَإنَّ حِمَى اللَّهِ تَعالى مَحَارِمُهُ ))

القاعدة العاشرة : الحرام حرام على الجميع :

 ليس في الإسلام استثناءات أبداً ، الحرام حرام ، في كل مكان ، وفي كل زمان ، ومع كل إنسان ، لأن هناك من يتوهم أن الحرام في هذا البلد حرام ، لكنه في بلد آخر حلال ، والحقيقة أن هناك خطورة كبيرة على العقيدة حينما تعتقد بنسبية الأخلاق والتعاملات ، يقول لك بعضهم : أنت الذي تراه حراماً في الشرق هو في الغرب شيء طبيعي جداً ، ولا شيء فيه ، الحرام حرام في كل مكان ، والحرام حرام في كل زمان ، والحرام حرام مع كل إنسان ، هذه حقيقة يجب أن تكون واضحة ، لذلك هناك إسلام جغرافي ، وأحياناً تكون المرأة في بلدها محجبة ، فإذا صعدت إلى سلم الطائرة خلعت الحجاب وسفرت ، وأبرزت كل مفاتنها ، الحجاب حجاب في بلدها ، وفي أي بلد آخر .

أخطر موضوعات الحلال والحرام : المرأة وكسب المال :

 أيها الإخوة ، لخطورة الحلال والحرام ، ولأن تسعة أعشار الأحكام الشرعية متعلقة بالحلال والحرام ، بل إن الحلال والحرام في مجمله لا يزيد على موضوعين كبيرين ، كسب المال والعلاقة مع النساء ، كسب المال يأخذ خمسة أعشار الأحكام الشرعية ، والعلاقة مع النساء تأخذ أربعة أعشار الأحكام الشرعية ، فمن سدّ هاتين الثغرتين ، قضية المال والنساء فقد كان في حصن حصين.
 تابع الفضائح في التاريخ الحديث ، في كل بلاد الأرض ، كل الفضائح لا تزيد على نوعين ، فضيحة مالية ، وفضيحة جنسية ، لذلك الأحكام المتعلقة بالمرأة وكسب المال تسعة أعشار الأحكام الشرعية .
 الآن : أهل الدنيا يشرعون ، ويحللون , ويحرمون ، لكن أريد أن أقدم لكم حقيقة دقيقة ذكرتها كثيراً ، لكن هنا لا بد من ذكرها مرة ثانية :

العلاقة بين الأمر ونتائجه علاقة علمية وعلاقة وضعية :

 هناك علاقة بين الأمر ونتائجه ، علاقة علمية ، وعلاقة وضعية ، أحياناً يؤمر الابن أن يخرج من هذا الباب ، البيت له بابان خارجيان ، الأب رأى أن يقفل الأول ، وأن يحصر الخروج والدخول من الباب الثاني ، فالابن عنّ له أن يخرج من الباب الأول ، وقع في مخالفة وضعها الأب ، هو الذي وضعها ، وقد يعاقب الابن على هذا السلوك ، هذا موضوع .
 لكن الإنسان حينما يضع يديه على مدفأة ، وهي مشتعلة تحترق ، نقول : العلاقة بين احتراق اليد وبين الأمر والنهي علاقة علمية .
 يجب أن تعلم علم اليقين أن العلاقة بين الأمر الإلهي ونتيجته ، وأن العلاقة بين النهي ونتيجته علاقة علمية ، وكنت أضرب مثلا للتوضيح :
 إذا كان ثمة تيار كهربائي 8000 فولت ، ووضع وزير الكهرباء لوحة كتب عليها : " ممنوع الاقتراب من التيار ، خطر الموت " ، وهناك إنسان واقف إلى جانب هذا التيار ، أراد أن يقترب ، لكنه خائف من الشرطي ، تلفت يمنة ويسرة ، الموضوع ليس موضوع شرطي ، موضوع أن هذا التيار 8000 فولت يجعل من اقترب منه قطعة فحم في ثانية ، فقضيتك ليست مع الشرطي والدولة ، قضيتك مع خصائص هذا التيار .
 فأنت حينما تفهم أن أمر الله إن طبقته ينتهي إلى السلامة والسعادة ، وأن النهي إن لم تنتهِ عنه وصلت إلى الشقاء والهلاك ، عندئذٍ تكون فقيهاً في الدين ، ودائماً وأبداً أقول : اللوحة التي كتب عليها : " ممنوع التجاوز حقل ألغام " ، هذه اللوحة ليست حداً لحريتك ، بل هي ضمان لسلامتك ، وبالتعبير الدقيق : إذا كنت مفرطاً في حب ذاتك ، إذا كنت مفرطاً في أنانيتك في حب وجودك ، في حب سلامة وجودك ، في حب كمال وجودك ، في حب استمرار وجودك فأطع الله ، لأن طاعة الله سلامة لك ، ولأن العمل الصالح رقي لك ، لذلك أزمة أهل النار في النار أزمة علم :

 

﴿ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾

( سورة الملك)

 إذاً يتضح أن الحلال والحرام من شأن الله وحده ، وأن هذه القواعد قواعد أصولية متعلقة بالحلال والحرام ، أما الناس الشاردون عن الله فهم يحللون وهم يحرمون .
 هنا ملمح دقيق : هو أن النبي عليه الصلاة والسلام صلى على الرُماة الذين عصوه في أحد ، صلى عليهم ، كيف يصلي على عاصٍ ؟ قال علماء السيرة : صلى عليهم لأنهم عصوا أمراً تنظيمياً ، ولم يعصوا أمراً تشريعياً ، الأمر الإلهي أمر تشرعي ، والحلال له نتائج خطيرة ، الحلال إذا أخذت به هناك سلامة وسعادة ، والحرام إذا أخذته هناك شقاء وهلاك .

لا حرام إلا ما حرم الله : وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ

 الآن :

﴿ وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ ﴾

 الأنعام البقر والغنم والإبل ، وما شاكل ذلك ، والشياه .

﴿ هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ ﴾

 الحرث الأموال ، وقد تكون الأراضي .

﴿ حِجْرٌ ﴾

 هذه الدابة لله ، ممنوع أن تركب ، ممنوع أن تحلب ، ممنوع أن ينتفع بها ، هكذا شرعوا .
 والله أيها الإخوة هناك من التشريعات في الأرض الشيء الذي لا يمكن أن يُقبَل ، إذا مات الرجل في بلاد الهند فلا بد من أن يحرق بعد أن يموت ، ولا بد من أن تتمدد زوجته إلى جانبه ، وتحرق معه ، طبعاً هذه من تقاليد الهند وعاداتهم ، ما هذا التشريع ؟!

 

﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾

( سورة الأنعام الآية : 164 )

 إذا انتهى أجل إنسان فما ذنب الثاني ، والعالم أحياناً كلما تحرر من تقليد غير محتمل يقع في تقليد أشد غرابة من الأول ، لأنه في ضياع ، أن منهج الله من عند الخبير .
 بالمناسبة ، عندك جهاز غالي الثمن ، عظيم النفع ، معقد التركيب ، أصابه عطب هل تعطيه لإنسان تحبه وهو جاهل ؟ لا تعطيه لإصلاحه إلا للجهة الخبيرة ، والجهة الصانعة هي الجهة الوحيدة التي ينبغي أن تتبع تعليماتها .

﴿ وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ ﴾

 حجر أي ممنوع أن تركب ، أو أن تحلب ، أو أن ينتفع بها .

لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ

﴿ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ ﴾

 لذلك لا يمكن أن يكون التشريع من البشر ، لأنه إذا كان من البشر الإنسان يحابي نفسه ، يجر المنفعة إلى نفسه ، وما مِن تشريع أرضي إلا يعطي الذي نظم هذا التشريع ميزات تفوق حد الخيال ، ويحرم الطرف الآخر كل حقوقه الأساسية ، لذلك التشريع من شأن الله وحده ، لأنه إله ، والكل عباده ، أما إذا كنت عبداً ، وبيدك التشريع تشرع لصالحك ، ولا تأبه للطرف الآخر .

تقاليد الناس لا أساس لها من الصحة :

﴿ وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴾

 ومعظم تقاليد العالم وعاداتهم ما لها أساس من الصحة ، وفي عصور الجاهلية كانت المرأة تورث كالسلعة تماماً ، يرث الزوجة ابن الأب الأكبر ، تصير زوجة أبيه ملكه ، هو الوارث لها ، وهناك تشريعات ليس للمرأة فيها شيء ، الثروة للأولاد الذكور فقط ، وهذه تشريعات ما أنزل الله بها من سلطان .
لذلك حينما التقى ربعي برستم قال له : << ... إن الله بعثنا لنخرج الناس من الظلمات إلى النور ، ومن جور الحكام إلى عدل الإسلام >> .
 بالمناسبة أيها الإخوة ، الآية التي قبلها والتي تشير إلى أن الشركاء يوحون إلى شركائهم أن يقتلوا أولادهم أيضاً في جهل كبير جداً ، وبُعدٌ كبير عن فهم حقيقة الابن ، فالابن إذا علمته ، وهذبته ، وقومته ، وحليته بالخلق الكريم ، كان الابن أكبر نعمة للأب ، فهذا الذي يقتل ابنه ما فهم على الله حكمته ، وقد يكون الأب في رحابة كسب ابنه .
 كنت في عقد قران ، أحد علماء دمشق الأجلاء توفاه الله عزوجل ، وابنه من طلاب العلم ، ألقى كلمة رائعة جداً في مناسبة عقد زواج ، وأنا أستمع لهذه الكلمة قلت : ما مات الأب ما دام قد خلف طالب علم يلقي كلاماً رصيناً ، وبعلم غزير ، فلما ألقيت كلمة قلت : خير كسب الرجل ولده .

 

﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ﴾

( سورة الطور )

 بالمناسبة والآيات التي قبل الآية التي بدأت بها تتعلق بقتل الأولاد ، وتحدثت في درس سابق على أن القتل قتلان ، إما أن تقتل جسمه كوأد البنات في الجاهلية تماماً ، أو أن تدعه من دون علم ولا أدب ، ولا تربية ، ولا تعليم ، فهو عبء عليك .

ليست الكثافة السكانية من أسباب التأخر والخسران :

 بالمناسبة أيها الإخوة ، هذا بحث اقتصادي ، كان يظن أن الكثافة السكانية مع الأوراق الخاسرة للأمة ، لذلك الصين بدأ بتحديد النسل ، وألزمت المجتمع عندها بولد واحد ، والذي حصل أن كل أسرة كانت تكتفي بولد ذكر ، فإن جاءت أنثى لا تسمح لها أن تعيش ، أما الذكر فيسمح له أن يعيش ، لأنه ولد وحيد ، فمع مضي عشرون أو ثلاثون عامًا ، وأنا أتابع هذا الموضوع من قديم نشأت أزمة زواج ، هناك خمسون مليون شاب ليس له زوجة ، فظهرت عصابات لخطف الفتيات في سن الزواج .
 لكن الآن الصين نفسها لها رأي آخر ، الكثافة السكانية أكبر مورد بشري ، لكن بشرط أن تعلم هذا الإنسان ، وأن تطلق يده ، وبالمصطلحات الاقتصادية : هناك ثروات طبيعية ، وموارد بشرية ، وتقنية عالية ، الموارد أنواع ، لكن أحد أهم هذه الموارد الموارد البشرية .
 الآن على مستوى أسرة ، لما يأتي الإنسانَ ولدٌ ، ويربيه تربية عالية هذا أكبر معوان له ، أحيانا تجد إنسان في سن متأخرة ، وأصابته بعض الأمراض ، له أولاد يحفون به بأعلى درجة من الخدمة ، فهذا الذي يقتل ابنه إما قتلاً مادياً كالوأد ، أو يقتله قتلاً من نوع آخر ، أن يهمل تربيته ، على كلٍ هذا الابن يمكن أن يكون أكبر معوان لأبيه ، إذاً :

 

﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ﴾

( سورة الأنعام الآية :151 )

﴿ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً ﴾

( سورة الإسراء )

 ثم يقول الله عزوجل :

 

﴿ وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ﴾

( سورة الأنعام )

 هناك أحكام ما أنزل الله بها من سلطان ، تموت الدابة التي لهم فيأخذون بدلاً عنها من التي لله عزوجل ، وكل أحكامهم أساسها مصلحتهم ، وأساسها رغبتهم ، ومآربهم المادية .
 إذاً نعود ونقول : التشريع يجب أن يكون لله وحده :

وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا

﴿ وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ﴾

 ادّعوا أن ما في بطون هذه الأنعام من اللبن ، ومن الأجنة إذا نزلت حية فهي للذكور منهم فقط ، ولا تأكل النساء من ذلك شيئاً ، وإن مات منها شيء أكله الرجال والنساء وهذا يدل على الظلمِ في القسمة ، إن نزل حياً للذكور فقط ، وإن نزل ميتاً للذكور والإناث معاً ، شيء غير منطقي ، وغير معقول ، الله عزوجل يقول :

جزاء مدّعي التحليل والتحريم :

﴿ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ﴾

 أي سيجزيهم على كذبهم وافتراءهم بما يليق عقاباً للكاذبين ، لأنه سبحانه وتعالى حكيم في أفعاله ، وأقواله ، وشرعه ، وقدره ، عليم بما يفعلون من خير وشر ، وإنه سيجازيهم على ما فعلوا أتم الجزاء ، وأكمله ، ثم يقول الله عزوجل :

 

﴿ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ ﴾

( سورة الأنعام )

قاتلُ الأولادِ وأدًا أو تجهيلاً خاسر :

 قد حرف تحقيق

﴿ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾

 مرة ثانية : القتل قتلان : إما أن يقتل الابن بإبقائه جاهلاً ، لأن الله عزوجل يقول :

 

﴿ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ﴾

( سورة البقرة الآية : 191 )

 أو أن يوأد البنت كما فعل الجاهليون قبل بعثة النبي عليه الصلاة والسلام .

﴿ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾

 لأنه ما فهم على الله حكمته من إنجاب الولد ، هذا الولد امتداد للذكر ، هذا الولد امتداد للعمل الصالح .
 إخواننا الكرام ، الإنسان قد يتزوج ، وقد ينجب أولاداً ، فإذا اعتنى بتربية أولاده كل أعمال أولاده ـ دققوا ـ إلى يوم القيامة في صحيفته ، كل أعمال ذريته ، والدليل :

 

﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ﴾

( سورة الطور )

 ألحقنا بهم أعمال ذريتهم ، لذلك خير كسب الرجل ولده ، الولد امتداد ، وما أقوله دائماً : هو أنه لم يبقَ في أيدي المسلمين من ورقة رابحة إلا أولادهم ، أولادهم هم المستقبل ، وقد ذكرت أن الابن إذا ترك للشاشة فإن 51 % مما يعرض على الشاشة عنف ، و37 % جنس ، والباقي سحر ، ودجل ، وكذب ، إذا تركت ابنك للشاشة صنعته الشاشة إنساناً غير سوي شهواني ، لا يعبأ بشيء من قيم الأرض ، الأبوة مسؤولية كبيرة جداً ، والذي ينجب ولداً سوف يحاسب عليه حساباً دقيقاً .

تربية الولد تحتاج إلى جهد عظيم :

 أيها الإخوة ، تربية الولد تحتاج إلى جهد ، وقبل خمسين أو مئة عام إذا كانت تربية الولد تحتاج إلى جهد قليل فهي الآن تحتاج إلى جهد كثير ، لماذا ؟ لكثرة الصوارف عن الحق ، لكثرة المغريات ، لكثرة الفتن ، لكثرة النساء الكاسيات العاريات ، لكثرة الكذب ، لكثرة التزوير ، نحن في عصر استعاذ منه النبي عليه الصلاة والسلام فقال :

((كيف أنتم إذا لم تأمروا بمعروف ، ولم تنهوا عن منكر ؟ قالوا : وكائن ذلك يا رسول الله ؟ قال : نعم والذي نفسي بيده ، وأشد منه سيكون ، قالوا : وما أشد منه ؟ قال : كيف أنتم إذا رأيتم المعروف منكرا ، والمنكر معروفا ؟ قالوا : وكائن ذلك يا رسول الله ؟ قال : نعم ، والذي نفسي بيده ، وأشد منه سيكون ، قالوا وما أشد منه ؟ قال : كيف أنتم إذا أمرتم بالمنكر ، ونهيتم عن المعروف ؟ قالوا : وكائن ذلك يا رسول الله ؟ قال : نعم ، والذي نفسي بيده ، وأشد منه سيكون ، يقول الله تعالى : بي حلفت ، لأتيحن لهم فتنة يصير الحليم فيها حيران ))

[أخرجه ابن أبي الدنيا ، ورواه أبو يعلى من حديث أبي هريرة ]

 تبدلت القيم ، وفي عصر معين يوصف من أكل المال الحرام بأنه شاطر ، وتوصف المرأة المتفلتة كلياً بأنها حضارية .
 اكتشف أحدهم بعد زواجه أن امرأته ليست عذراء فغضب ، فقالت له : أنت متخلف ، أنت لست حضارياً ، الحضارة تعني أن تكون زانية ، ألا تكون عذراء .
 فلذلك :

(( كيف بكم إذا أصبح المعروف منكراً ، والمنكر معروفاً ؟ ))

 وهذا قد حصل ، من هنا قال عليه الصلاة والسلام :

(( اشتقت لأحبابي ، قالوا : أولسنا أحبابك ؟ قال : أنتم أصحابي ، أحبابي أناس يأتون في آخر الزمان ، القابض منهم على دينه كالقابض على الجمر ، أجرهم كأجر سبعين قالوا : منا أم منهم ؟ قال : بل منكم ، لأنكم تجدون على الخير معواناً ولا يجدون ))

[ورد في الأثر]

 الآية هنا :

﴿ قَدْ خَسِرَ ﴾

 قد حرف تحقيق .

﴿ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ ﴾

 ومرة ثانية : القتل قتلان ، ولأن الله عزوجل يقول :

﴿ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنْ الْقَتْلِ ﴾

  فإذا فتن ابنك بالدنيا ، وترك الصلاة ، وعاقر الخمر ـ لا سمح الله ولا قدر ـ وكان متفلتاً إباحياً ليته مات في سن صغيرة ، ونجا من عقاب الله إلى أبد الآبدين ، فالأب الذي أهمله ، وأطلق يده ، ولم يعبأ بدينه ، ولم يسأل عن صلاته ، ولا عن عقيدته ، ولا عن أصدقائه ، هو أب محاسب عنه ، فكما أنك بالابن ترقى إلى أعلى عليين فيمكن للإنسان بابن أهمل تربيته أن يحاسب أشد الحساب .

﴿ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا ﴾

 قد يعيش في كنف ابنه آباء كثيرون ، يقول لك الإنسان ، وهو شاب : أنا عندي أربعة أولاد ، أما حينما تتقدم به السن :

 

﴿ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا ﴾

( سورة الإسراء الآية : 23 )

 والله أنا عند ابني ، كان عنده أولاده فأصبح عند ابنه ، لذلك يشتد بر الوالدين إذا كان أبوك عندك في البيت ، أما الأب البعيد فإرضاءه سهل جداً ، أحيانا يكون للأب بيت مستقل ، فأنت تزوره من حين لآخر ، وتسأل عن راحته ، وتسأل عن صحته ، وعن حاجاته ، أما إذا كان معك في البيت ، وقد تقدمت به السن ، وضعفت ذاكرته ، وأصبح عاجزًا عن كل شيء ، ويتدخل في كل شيء ، وأصبح يشكوك إلى زواره ، فقد تضجر أنت ، الآية تقول :

﴿ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا ﴾

 هو عندك في البيت ، وكبير في السن ، وفي ذاكرته ضعف ، وفيه سلوك غير مقبول ، فالبطولة أن تكون باراً به في هذه السن ، أما الأب الشاب المنضبط القوي الغني فليس بحاجة لك ، إرضاءه سهل جداً ، انظر الآية في الحالات الصعبة .

 

﴿ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً﴾

( سورة الإسراء )

﴿ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا ﴾

 أيْ جهلاً بقيمة الابن .

الابن الصالح ثروة عظيمة :

 والله أيها الإخوة ، أنا ما أُسأَل سؤالا أو فتوى عن الإجهاض ، ولو بعد أيام من انقطاع الدورة إلا وأقول للسائل : هذا هدية من الله ، قد يكون هذا الابن الذي تريد إلغاء وجوده ، قد يكون أفضل كل أولادك ، وقد يكون علماً من أعلام الأمة ، وقد يكون مصلحًا اجتماعيًّا كبيرًا ، وقد يكون عالمًا ، وقد يكون قائدًا شجاعًا ، وقد يكون إنسانًا عظيمًا ، وقد يكون غنيًا كبيرًا ، فأنت حينما تريد إنهاء حياة مخلوق ، ولو في بطن أمه ، يعدّ الإجهاض جرماً ، وتترتّب عليه أحكام شرعية ، هناك دية لمن يسقط جنيناً ، لأنه ما عرف قيمة الابن ، الابن أكبر ثروة ، وأكبر عطاء إلهي ، والابن يمتّن العلاقة بين الزوجين ، وفي قوله تعالى :

﴿ وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ﴾

( سورة الروم الآية : 21 )

 قال علماء التفسير : هو الابن .
 إذاً :

﴿ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمْ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ ﴾

 حرم نفسه الابن .
 لي قريب سافر إلى أمريكا ليزور أخاه هناك ، وهناك جار لأخيه ملاصق له ، بينهما صداقة ، قال له : تعال نزور هذا الصديق ، قال لي : أنا شاهدت ألبسة صغيرة على الشرفة قد نُشِرت ، فلما سألته عن أولاده قال لي : ما عندي أولاد ، قال له : وتلك الألبسة ؟ قال : هي للكلاب لا للأولاد ، حرم نفسه باختياره الابن الصالح ، الابن الصالح ثروة كبيرة جداً .
 فلذلك أيها الإخوة ، المؤمن له نمط من السعادة يتميز بها ، لأنه وفق منهج الله ووفق سنن الله عزوجل .
 شيء آخر ، حينما قال عليه الصلاة والسلام :

((أفضل كسب الرجل ولده ))

[ أخرجه الطبراني عن أبي برزة بن نيار ]

 أشار إلى قيمة الأولاد ، بل إن المرأة التي ربت أولادها بعد وفاة زوجها قال عنها النبي الكريم إنها تنازع النبي دخول الجنة .

(( أول من يمسك بحلق الجنة أنا ، فإذا امرأة تنازعني تريد أن تدخل الجنة قبلي قلت : من هذه يا جبريل ؟ قال : هي امرأة مات زوجها ، وترك لها أولاداً فأبت الزواج من أجلهم ))

[ ورد في الأثر ]

صورة حيّةٌ للاعتناء بالأولاد :

 إخواننا الكرام ، هل تصدقون أن امرأة في عهد النبي الكريم خطبها النبي زوجة له فاعتذرت ، هل هذا مقبول ؟ يمكن أن يتاح لامرأة أن تكون زوجة سيد الأنبياء والمرسلين ، وأن تكون زوجة سيد ولد آدم ، وأن تكون بالتعبير المعاصر السيدة الأولى ، ممكن ترفض ؟ اعتذرت ، فلما سألها النبي ، قالت : يا رسول الله ، لي خمسة أولاد ، أخاف إن قمت بحقهم أن أقصر في حقك ، فأحاسب عند الله ، وأخاف إن قمت بحقك أن أقصر بحقهم ، هكذا ربى النبي ، امرأة تعتذر عن أن تكون السيدة الأولى في المجتمع ، وتعتذر عن أن تكون زوجة رسول الله لأن الله سيسألها .
 لذلك في بعض الآثار ورد : أن البنت حينما لا يربيها أبوها تربية صالحة ، أو يعضلها عن الزواج ، لا يهتم بزواجها إطلاقاً ، وكلما جاء خاطب رده أبشع رد ، وكأنه يتمنى أن تكون له لكبره في السن ، هذه الفتاة قد تقف يوم القيامة أمام ربها إذا زلت قدمها بسبب عضل أبيها ، تقول : يا رب ، لا أدخل النار حتى أدخل أبي قبلي ، لأنه كان سبب شقائي .

الابن الصالح ذخر لأبيه في الكِبر والعجز :

 دققوا أيها الإخوة ، كلمة أقولها كثيراً : كل أب يحترم في الثقافة الإسلامية ، وفي ثقافة مجتمعنا ، لكن ما كل أب يُحب ، هذا مقياس دقيق ، هناك أولاد ينتظرون موت أبيهم بفارغ الصبر ، فإذا جاؤوا بطبيب ، وقال لهم : عرضية ، يتألمون ألما شديدا ، هم يتمنونها قاضية ، لا عرضية .
 وفي تتمة الآية :

﴿ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا ﴾

 أي جهلاًَ بقيمة الولد ، وأثر عمل الولد في صحائف أبيه ، وكيف أن الولد يسعد أباه ، ويعينه إذا تقدمت به السن وكيف أن كل أعمال الأولاد في صحيفة الآباء الصالحين .

﴿ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا ﴾

 والقتل كما قلت نوعان : إما أن تنهي وجوده كما فعل الجاهليون .

 

﴿ وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ﴾

( سورة التكوير )

 وإما أن تهمل دينه وعقيدته وأخلاقه وسلوكه ، وأهملت دنياه أيضاً .

﴿ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمْ اللَّهُ ﴾

 حرموا شيئا أساسيا في حياتهم .

﴿ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ ﴾

 لذلك العالم الغربي في إحصائية دقيقة نسبة سكان أوربا إلى سكان العالم في عام 85 ـ 15 % ، في عام 2002 ـ 10 % ، في عام 2020 ـ 5 % توقعاتهم كأنها قطعة ثلج تحت أشعة الشمس ، هم يتضاءلون ، لأنهم قتلوا أولادهم سفهاً ، وجدوا الابن عبئا على الأب .

﴿ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ ﴾

 إذا قالوا : هذا الذي اُمرنا به هذا افتراء على الله ، كذباً ، وعدواناً .

﴿ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ ﴾

 فلذلك الذي عنده بنت ـ دققوا في كلامي ـ الذي عنده بنت واحدة يمكن إذا رباها تربية صالحة أن تكون سبب دخوله الجنة إلى أبد الآبدين ، بنت واحدة صالحة ، والحديث بنتان ، فبعد أن انتهى النبي من ذكر الحديث قال له : وواحدة ؟ قال له : وواحدة ، فلا تقلّلوا من قيمة تربية الأولاد ، اعتنوا بأولادكم ، اعتنوا بدينهم ، بعقيدتهم ، بأخلاقهم ، من أصدقاءهم اعتنوا بدراستهم .
 لي قريبة لم ينجح ابنها في الشهادة الثانوية ، أصرت عليه فلم ينجح ، حملته على أن يعيد العام ، أعاده فما نجح ، حملته مرة ثالثة على أن يعيد العام ، عاد الشهادة مرة ثالثة فما نجح للمرة الرابعة ، والآن هو طبيب .
أحيانا يقول الأب لأي سبب تافه : ابني ليس أهلا للدراسة ، إياك أن تتساهل مع ابنك إذا ترك الدراسة ، العصر عصر علم ، والآن الأمي لا مكان له بالمجتمع ، فلو طلبت مستخدما فهو يحتاج إلى شهادة ، والمستخدم أقلّ مرتبة ممكنة .
 علموا أولادكم اللغات الأجنبية ، الإنسان الذي معه لغة يمكن أن يحقق مصالح كبيرة جداً ، وإهمال اللغة ، وإهمال الدراسة ، صار أو أنه صار عبئًا ، وهو بطال ، لا عنده بيت ، ولا حرفة ، ولا شهادة ، ولا مورد رزق ، بدأ يصير عبئًا على والديه ، وإذا كان منحرفا ـ والعياذ بالله ـ سبّب شقاء أبيه وأمه ، أما إذا علمته وربيته ، وهذبته ، كان دعماً لك ، وكان في ميزان الأرباح والخسائر ، فلذلك ربوا أولادكم ، وعلموهم ، وأدبوهم ، فإنهم خلقوا لزمن غير زمنهم .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018