الدرس : 57 - سورة الأنعام - تفسير الآيتان 133 ـ 134 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 57 - سورة الأنعام - تفسير الآيتان 133 ـ 134


2006-03-31

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .
 أيها الإخوة الكرام ، مع الدرس السابع والخمسين من دروس سورة الأنعام ، ومع الآية الثالثة والثلاثين بعد المئة وما بعدها بآيتين ، يقول الله عز وجل :

﴿ وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آَخَرِينَ﴾

اسم الله الأعظم

 أيها الإخوة الكرام ، يعتقد بعضهم أن كلمة( الرب )اسم الله الأعظم ، لذلك جاءت في بعض المصاحف ملونة بلون مغاير ، وبعضهم يعتقد أن اسم ( الرحمن )و ( الرحيم )هما اسم الله الأعظم الذي إذا دعوت به أُجبت ، وإذا دعي الله به استجاب ، وبعضهم يقول : لكل حالة أنت فيها هناك اسم الله الأعظم ، فإذا كنت في ضيق مادي فاسم الله الأعظم في الضيق المادي هو ( المغني )وإذا كنت ـ لا سمح الله ولا قدر ـ في مشكلة صحية فاسم الله الأعظم في هذه الحالة هو( الشافي )، وإذا كنت في وضع لك أعداء كبار وحاقدون ، ويتمنون فناءك فاسم الله الأعظم ( القدير )و ( الناصر )لذلك كل حالة أنت فيها هناك اسم من أسماء الله الحسنى يكون مع هذه الحالة اسم الله الأعظم ، وأسماء الله كلها حسنى ، وصفاته كلها فضلى ، لأنه ذات كاملة ، ولا يُقبل ولا يُعقل أن يكون كمال الله إلا كمال مطلقاً ، ولكن عقولنا قاصرة عن فهم بعض أفعاله .
 لو أن طفلاً صغيراً رأى أباً يؤدب ابنه ، يقول : إنه ظالم ، أما حينما يعلم أن هذا الابن له مكانة عند أبيه لا يعلمها إلا الله ، لكنه رأى في يد حاجة أخذها من رفيقه من دون إذن فلابد من إحداث خبرة مؤلمة عند هذا الطفل حتى يرتدع عن أخذ ما ليس له ، لا يعرف حكمة الأب في تأديب ابنه إلى الأب ، أما الطفل الصغير صديق الطفل الذي يُؤدب فيظن أن الأب ظالمٌ .
 لذلك عقولنا قاصرة عن أن نفهم حكمة الله ، وأحياناً لا نمكن أن نفهم لعقلنا حكمة الله إلا بحالة مستحيلة إلا أن يكون لنا علم كعلم الله .

طرق معرفة الله

 لذلك هناك طرق ثلاثة يمكن أن تكون سبباً في معرفة الله

الطريق الأول : الآيات التكوينية

 آياته الكونية ، وهذا الطريق أسلم طريق ، لأنك كلما زدت الآيات تفكراً ازددت معرفة بالله عز وجل ، ودائماً أقول : إن التفكر في خلق السماوات والأرض هو أقصر طريق إلى الله ، وأوسع باب ندخل منه على الله لأنه يضعك وجهاً لوجه أمام عظمة الله .
 لذلك استأذن عليه الصلاة والسلام مرة زوجته عائشة في أن يقوم الليل ، وهذا أدب رفيع ، فصلّى وبكى حتى بلّ لحبته ، ثم صلى وبكى حتى بلّ الأرض ، فجاءه بلال يؤذنه لصلاة الفجر فرآه يبكي ، فقال له : يا رسول الله ، مالك تبكي ، وقد غفر الله لك ما تقدم لك من ذنبك وما تأخر ؟ يقول عليه الصلاة والسلام لبلال : كيف لا أبكي ، وقد أنزل عليّ الليلة :

 

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ *الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾

( سورة آل عمران )

 قال عليه الصلاة والسلام :

(( الويل لمن لم يتفكر بهذه الآية ))

[ابن حبان]

 هذا أسلم طريق لمعرفة الله التفكر في خلق السماوات والأرض .

الطريق الثاني : تدبُّر القرآن

 هناك طريق آخر لا يقلّ عنه أهمية ، إنه تدبر القرآن الكريم ، لأن الكون خلقه ، والقرآن الكريم كلامه ، الطريق الثاني والآمن والرائع :

 

﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾

( سورة النساء )

 تدبر آيات القرآن الكريم .

الطريق الثالث : أفعال الله عزوجل

 هذا الطريق لا بد من أن نسلكه ، ولكن يجب أن يأتي بعد الطريق الأول والثاني ، إنه طريق أفعاله ، فأفعاله أيضاً يمكن أن تقدم لها تعريفاً بذاته العلية ، ولكن لا بد من أن تفهم حكمته بعد فهمه كلامه ، وبعد فهم كونه .
 إذا ذهبت إلى بلد غربي وجدت الغنى الذي لا يصدق ، وجدت البلاد الجميلة ، المساحات الخضراء ، القوة ، النظام ، ووجدت الفسق والفجور ، وكل الانحرافات التي تهبط بالإنسان إلى أدنى مستوى ، إذا قرأت القرآن الكريم ، وقال الله لك :

 

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴾

( سورة الأنعام)

 إذاً هؤلاء بحسب هذه الآية خارج العناية المشددة الإلهية ، أما إذا وجدت بلداً مسلماً فيه صلاة ، وصيام ، وعمل ، وأعمال صالحة ، وإنفاق ، لكن وجدت مشكلات لا تعد ولا تحصى ، لعل هؤلاء المسلمين في العناية المشددة ، ولعل الله سيرحمهم ، وتؤكد هذه المعاني آية كريمة :

 

﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ ﴾

( سورة القصص )

 إذاً إذا قرأت القرآن الكريم يمكن أن تفهم حكمة الجليل ، ليكن فهم أفعال الله بعد التفكر في آياته الكونية ، وبعد تدبر آياته القرآنية ، يأتي القرآن ليبين لك :

 

﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

( سورة البقرة)

الموازين المقلوبة في العالَم وحكمة الله في ذلك

 لا شك أنه ما من مسلم على وجه الأرض إلا ويتألم أشد الألم من الحرب العالمية الثالثة التي أُعلنت على المسلمين ، في كل بقاع الأرض ، ولا شك أن الكيل بألف مكيال ومكيال يكاد الإنسان يخرج من جلده .
 فتاة تضع على رأسها قطعة قماش في فرنسا تنفيذاًَ لأمر إلهي ودين سماوي يدين به ثلث سكان الأرض ، تقوم الدنيا ولا تقعد ، بينما فتاة أخرى في بلاد بعيدة ترتدي ثياب الشاذات ، والمدير يفصلها ووالد الفتاة يقيم دعوى على المدير ، ويحكم له القاضي بمبلغ كبير قال : لأن إدارة المدرسة اعتدت على حُريتها .
 حينما تسقط طائرة ، وتتهم جهة عربية بإسقاطها تدفع هذه الجهة مليارين و700 مليون تعويضات لـ 270 راكب ، كل راكب تعويضه 500 مليون ل.س ، عشرة ملايين دولار ، أما ممرضات في ليبيا يحقن 400 طفل بفيروس الإيدز تضع أوربا كل ثقلها لتبرئة الممرضات ومنع عقابهم .
 بلد إسلامي يريد أن يجري مفاعلاً نووياً لأهداف سلمية ، تقوم الدنيا ولا تقعد العالم كله يقوم ضدها ، بينما أعداءنا عندهم مئتا رأس نووي ، يهددون أمن المنطقة لا أحد يحاسبه ، يعني في مفارقات لا تحتمل ، لكن بعد حين ترون إن أمد الله بأعماركم ، وأمد الله أعماركم سوف ترون الحكمة البالغة من هذا الذي يجري الآن .
 إخواننا الكرام ، كان الإسلام في زاوية النسيان في العالم ، معتماً عليه ، فقفز الآن إلى بؤرة الاهتمام ، وجعل الله عز وجل هذا الدين ورقة رابحة بيد من بيده الأمور بعد أن كان ورقة خاسرة ، وهناك من يلمس النتائج الإيجابية التي كانت بعد 11 من أيلول .

الحضارة الغربية بريق وخِداع

 شيء آخر ، هو أن الحضارة الغربية في الحقبة الأخيرة خطفت أبصار أهل الأرض ، لأن الغربيين يتمتعون بذكاء وقوة ، وبلادهم جميلة ، وهم أقوياء ، وأذكياء وأغنياء ، وخطفوا أبصار أهل الأرض ، ونافسوا الدين ، وطرحوا قيماً رائعة جداً ، طرحوا قيمة الحرية ، والديمقراطية ، و حقوق الإنسان ، وتكافؤ الفرص ، والعولمة بالمفهوم الأصلي احترام جميع الأديان ، لكنهم بعد الأحداث الأخيرة سقطوا كحضارة ، وأصبحوا كقوة غاشمة ولم يبقَ من منهج يستوعب قضايا الإنسان ، ويحل مشكلات الإنسان إلا الإسلام ، لذلك الخطر الذي يتهددهم لا في الجاليات الإسلامية في بلادهم التي تتنامى ، ولكن في اتساع رقعة المسلمين بين شعوبهم الأصلية ، والإسلام اليوم أول دين ينمو في العالم ، وكلاما زدته حرباً ازداد قوة .
 وأنا أقول لكم دائماً : المؤمن يحترم قرار الله عز وجل ، كان من الممكن أن يكون الكفار في كوكب ، والمؤمنون في كوكب ، وكان من الممكن أن يكون الكفار في قارة والمؤمنون في قارة ، وكان من الممكن أن يكون الكفار في حقبة زمنية والمؤمنون في حقبة أخرى ، ولكن شاءت حكمة الله أن يجتمع المؤمنون مع غير المؤمنين في كل البلاد ، وأن تكون بينهم معركة أزلية أبدية هي معركة الحق والباطل ، ذلك أن الحق لا يقوى إلا بالتحدي ، وأن أهل الحق لا يستحقون دخول الجنة إلا بالتضحيات والبذل ، وأن أهل الباطل هم عباد الله أيضاً ، الله عز وجل أدخلهم في هدايته ، أدخلهم في عنايته ، فضيق عليهما أحياناً ، لذلك

﴿ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

 إذا قلت لكم : إن كتاباً أُلف من قبل مؤلف في شرق آسيا ، واتهم بيت النبي e أنه بيت دعارة ، هو سلمان رشدي ، بسبب هذا الكتاب أسلم 20 ألف بريطاني ، الغربيون يقرؤون ، وأنا أؤكد لكم واللهِ عقب هذه الصور التي شوهت مكانة النبي عليه الصلاة والسلام والله سيدخل في الإسلام مئات الألوف بسبب هذه الصور ، وهذا شيء يجب أن يكون واضحًا عندكم ، لأن الله عز وجل يقول :

﴿ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

  ورُبَّ ضارة نافعة .
 أيها الإخوة ، بيتان من الشعر رائعان جداً :

وإذا أراد الله نشر فضيلة طويت  أتاح لها لسان حســــــود
لولا اشتعال النار فيمـا جاورت  ما كان يعرف طيب عرف العود
***

 قد يكون الإنسان مستقيمًا ، لكن في التعتيم ، فيأتي من يتهمه بتهم باطلة ، فينهض الآخرون للدفاع عنه ، فإذا به يتألق ، لذلك أخطر شيء في حياة الأمة أن تهزم من داخلها ، من الداخل يجب أن تكون معنوياتكم عالية جداً ، الآية الكريمة :

 

﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾

( سورة آل عمران )

﴿ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ ﴾

( سورة غافر الآية: 51 )

﴿ وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

(سورة الروم )

﴿ وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ﴾

( سورة القصص )

أكثر أسماء الله لصوقًا بالمسلم اسم ( الربّ )

 إذاً يقول الله عز وجل :

﴿ وَرَبُّكَ ﴾

  ألصق اسم من أسماء الله الحسنى بالإنسان اسم الرب ، ألصق إنسان في حياة الطفل أمه ، لأنها تربيه تعتني به ، تعتني بجسمه، تعتني بطعامه ، تعتني بأخلاقه ، تعتني بنومه، تعتني بحركته ، تعتني في نزهته ، تعتني به ، لذلك كلمة أم كلمة محببة ، وكلمة رب كلمة محببة ، رب العالمين هو الذي يرعاك ، هو الذي يمدك بما تحتاج ، هو الذي يعاقبك أحياناً ، هو الذي يكرمك أحياناً ، هو الذي ينصرك أحياناً هو الذي يرزقك أحياناً ، هو رب العالمين ، مربي .
قال الله عز وجل :

﴿ وَرَبُّكَ ﴾

 أيها الإنسان ، وأكبر شرف يناله الإنسان أن ينتسب إلى الله عز وجل .

 

﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ﴾

(سورة الزمر الآية: 53 )

وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ

﴿ وَرَبُّكَ ﴾

 يا محمد ، من ربك ؟

﴿ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ ﴾

 أحياناً تجد الغني قاسياً ، ينفق مئات الألوف في اليوم الواحد ، ويحاسب من عنده في المعمل على ليرة أو ليرتين ، إنها قسوة بالغة ، لكن الله سبحانه وتعالى أسمائه كلها حسنى .
 للتوضيح : أنت أحياناً تحب إنساناً حباً لا حدود له ، لكنك لا تقدره تقديراً عالياً ، أحيانا أقرباء الرجل الذين أحسنوا إليه ، وليكن والداه يحبهم من أعماق أعماقِ قلبه ، لكنه قد حصل علماً عالياً جداً ، ويجد أن أباه ليس في المستوى الذي يتمنى أن يكون فيه ، غير متعلم أحياناً ، فالإنسان أحياناً يحب إنساناً حباً جما ، لكن لا يقدّر علمه ، وأحيانًا تقدّر علم أستاذ جامعي ، لكنك لا تحبه ، فقد تقدر ولا تحب ، وقد تحب ولا تقدر ، ولكنك مع الذات الإلهية ، ولله المثل الأعلى ، بقدر ما تحبه تعظمه .

 

﴿ تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾

( سورة الرحمن )

 بقدر ما هو عظيم ، بقدر ما هو كريم ، هنا :

﴿ وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ ﴾

 إذا اغتنى الإنسان يستغني عن الناس ويتكبر ، ويبتعد عنهم ، لكن الله عز وجل مع أنه غني عن عباده :

(( لَوْ أنَّ أوَّلَكُمْ وآخِرَكُمْ ، وَإنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كانُوا على أفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ مِنْكُمْ لَمْ يَنْقُصْ ذلكَ منْ مُلْكِي شَيْئاً ؛ يا عِبادي ، لَوْ أنَّ أوَّلَكُمْ وآخِرَكُمْ ، وَإنْسَكُمْ وَجِنَّكُـِمْ كانُوا على أتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ مِنْكُمْ لَمْ يَزِدْ ذلكَ في مُلْكي شَيْئا ؛ يا عِبادِي ، لَوْ أنَّ أوَّلَكُمْ وآخِرَكُمْ وَإنْسَكُمْ ، وَجِنَّكُمْ كانُوا في صَعيدٍ وَاحدٍ وسألُونِي فأعْطَيْتُ كُلَّ إنْسانٍ مِنْهُمْ ما سألَ لَمْ يَنْقُصْ ذلكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئاً إِلاَّ كما يَنْقُصُ البَحْرُ ، فَمَنْ وَجَدَ خَيْراً فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلا يَلُومَنَّ إِلاَّ نَفْسَهُ ))

[ رواه مسلم وغيره ، عن أبي ذرّ رضي اللّه عنه ]

 ذلك لأن عطاء الله كلام وأخْذه كلام .

﴿ وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ ﴾

 بالمناسبة ، أرحم الخلق بالخلق قاطبة هو سيد الخلق محمد عليه الصلاة والسلام ، حينما بالغ أهل الطائف في إيذائه ، وبالغوا في التنديد به وفي تكذيبه ، وفي السخرية من دعوته ، بل بالغوا في إيذائه الجسدي ، وأغروا صبيانهم أن يضربوه ، وجاءه ملك الجبال ، وقال : يا محمد ، أمرني ربي أن أكون طوع إرادتك ، لو شئت لأطبقت عليهم الجبلين ، ماذا قال ؟ مكنه الله أن ينتقم منهم ، وأن يكون انتقامه منهم إبادة كاملة ، قال : لا يا أخي ، اللهم اهدي قومي إنهم لا يعلمون ، لعل الله يخرج من أصلابهم من يوحده ، لم يتخلَ عن قومه ، واعتذر عنهم ، ودعا لهم ، وانتظر أن ينجبوا أولاداً صالحين هذا مقام النبوة .

﴿ وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ ﴾

  فسيد الخلق أرحم الخلق بالخلق ، نحن أحياناً نرحم أولادنا ، وإذا علا مقام أحدنا يرحم من حوله ، كلما علا مقامك تتسع دائرة رحمتك ، لكنك لا تحب أعداءك قولاً واحداً ، إلا أن النبي عليه الصلاة والسلام وسعت رحمته كل الخلق ، يحب كل بني البشر ، يتمنى لهم الخير ، لذلك قال الله عنه دققوا :

 

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ ﴾

(سورة آل عمران الآية : 159)

 تنكير ، رحمة .

 

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾

(سورة آل عمران الآية : 159)

 كل هذه الرحمة التي تتمتع بها إنما هي جزء يسير من رحمة الله ،

﴿ وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ ﴾

 عندك قطعة أرض محدودة ، أما الأراضي كلها فعند فلان ،

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾

﴿ وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ ﴾

( سورة الكهف الآية : 58)

 لذلك عبر النبي عن هذه الرحمة حينما رأى أماً تقبل ابنها ، وهي على طرف التنور ، كلما وضعت رغيفاً في التنور ضمته وقبلته وشمته ، فقال عليه الصلاة والسلام فيما ورد في بعض الآثار : أتلقي هذه المرأة بولدها إلى النار ؟ قالوا : معاذ الله ، قال : والذي نفس محمد بيده لله أرحم بعبده من هذه بولدها .
 ما من علاقة في الأرض تفوق رحمة الأم بابنها ، ورحمة الله تفوق رحمة الأم بابنها هذه قصة رمزية .
 القصة الرمزية الثانية : أن أحد أنبياء الله رأى امرأة على التنور ، تقبل ابنها وتضمه ، وتشمه كلما وضعت رغيفاً ، قال : يا رب ، ما هذه الرحمة ؟ قال : هي رحمتي أودعتها في قلب أمه وسأنزعها ، فلما نزع الله الرحمة من قلبه أمه ، وبكى ألقته في التنور انتهت الرحمة .
 هل في عالم الحيوان حيوانات تأكل أولادها ؟ والعياذ بالله الآن في بعض الآباء والأمهات والعياذ بالله لهم قلوب قاسية على أبنائها ، إهمال شديد ، عدم اكتراث بعمله بزواجه ، يلقيه إلى قارعة الطريق ، ويتبع شهوته وحظوظه من الدنيا .
 كلما اقتربت من الله كنت أرحماً بالخلق .
 بالمناسبة ، إذا كان للرحمة مؤشر وللإيمان مؤشر ، دققوا : مؤشرا الرحمة والإيمان يتحركان معاً ، كلما ازدادت رحمتك ، وكلما زاد إيمانك زاد رحمتك ، والويل لمن قلبه قاسٍ .

 

﴿ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ ﴾

( سورة الزمر الآية : 22 )

(( إن كنتم ترجون رحمتي فارحموا خلقي ))

[ رواه الديلمي عن أبو بكر رضي الله عنه ]

 رأت امرأة بغيّ كلباً يأكل الثرى من العطش ، نزلت بئراً وملئت خفها ماءاً وسقت الكلب فغفر الله لها .

(( إن كنتم ترجون رحمتي فارحموا خلقي ))

﴿ وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ ﴾

 وكلما اتصلت بالله تخلقت بكمالاته ، ومستحيل وألف ألف مستحيل أن تتصل بالرحيم وتكون قاسياً ، وأن تتصل بالعدل وتكون ظالماً .
 إخواننا الكرام ، الإسلام قضية مصيرية ، هل يكذب مؤمن ؟ مستحيل ، مؤمن يقسو ؟ يأخذ ما ليس له ؟ يظلم ؟ مستحيل ، لكن هناك مؤمن عصبي المزاج .

(( يطبع المؤمن على الخلال كلها إلا الخيانة والكذب ))

[ رواه أحمد وهو منقطع بين الأعمش وأبي أمامة ]

﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ﴾

(سورة العنكبوت الآية : 45 )

 مستحيل وألف ألف مستحيل أن يخون المؤمن ، أن يكذب ، أن يغش ، أن يحتال أن يتكبر ، الإيمان طهر قلبه من كل الآثام والأضغان والأحقاد ،

﴿ وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ ﴾

 بقدر ما هو غني بقدر ما هو رحيم .

 

إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ

 لا قوة مع قوة الله :

 

﴿ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ ﴾

 من أنتم ؟ هذا الذي يعاند الحق ، هذا الذي يكون في خندق معادٍ للحق ، هذا الذي يتأبى على الله أن يعبده ، هذا الذي يتحدى الإله ، هذا الذي يكذب على الناس هو بثانية واحدة يصبح خبراً بعد أن كان رجلاً ، وهذا الرجل القوي الذي ما رحم إنساناً في تاريخ حياته أليس في ثانية واحدة انتهى ؟ ولم يمت بعد ، فالإنسان في قبضة الله ، من أنت ؟ من أنت حتى تقول أنا ؟ .

 

﴿ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ ﴾

( سورة النساء الآية : 133 )

 الإنسان كله ، كل مكانته ، وكل قوته ، وكل جبروته ، وكل عظمته ثمنه خثرة من الدم لا تزيد على عشر مكرونات في أحد شرايين الدماغ ، ينتهي ، قد يكون ملكا ، انتهى الإنسان بسكتة قلبية ، بسكتة دماغية ، باحتشاء ، بتشمع كبد ، بفشل كلوي ، بفقر دم لا مصنع مات به ملك ، لأن معامل كريات الدم الحمراء كفت عن صناعة الكريات انتهى ، فقر دم لا مصنع ، الذي يقول : أنا ، هو أحمق ، من أنت ؟ أنت لا شيء ، كنت لا شيئا فأصبحت به خير شيء في الورى قد طبعك .
 إذاً أيها الإخوة ، من أنتم ؟ نحن أحياناً نرى أن جهة في الأرض قوية جداً عندها قنابل ذرية ، وطائرات ، وأقمار صناعية ، ترصد كل حركة في الأرض ، وعندها أسلحة جرثومية وأسلحة كيماوية ، وأسلحة تعطل الاتصالات ، وأسلحة تعطل الطاقات ، وعندها أسلحة تميت البشر وتبقي الحجر ، هذه موجودة ، وتتحدى العالم كله .
 إنّ قوة زلزال تسونامي تجاوزت مليون قنبلة ذرية ، مليون رقم دقيق ، وأخذ من مجمع علمي في العالم الغربي ، زلزال تسونامي قوته تساوي مليون قنبلة ذرية ، فالله عنده كن فيكون ، زل فيزول .
 كيف أن هناك رافعات كهربائية أساسها المغناطيس ، تحمل عشرين طنا ، وما من قوة تسحب قطعة منها ، أما العامل على هذه الرافعة فهو في مكان إذا ضغطه عشر الميلي متر وقطع الكهرباء عن هذه الرافعة كل شيء سقط فيها ، الله عنده هذه الكبسة .
 هذا العالم الشرقي كان يملك قنابل ذرية كافية لتدمير خمس قارات ، الله عز وجل هو القوي .

(( أنا اللّه ملك الملوك ، قلوب الملوك ونواصيهم بيدي ، فإن العباد أطاعوني حولت قلوب ملوكهم عليهم بالرأفة والرحمة ، وإن هم عصوني جعلتهم عليهم عقوبة فلا تشتغلوا بسب الملوك ، وادعوا لهم بالصلاح ، فإن صلاحهم بصلاحكم ، ولكن توبوا إليَّ أعطفهم عليكم ))

[ورد في الأثر]

 يروى أن ملكا كان ظالما جداً ، وحقد على شيخ النجارين ، وهو مثل النقابات الآن شيخ النجارين يعني أعلى نجار ، مسؤول عن هذه الحرفة فأراد أن يقتله ، يريد مبررا طلب منه مئة كيس نشارة ، وأمهله إلى للصباح ، ولا يجمع في خمس سنوات ، أيقن أنه مقتول فكتب وصية ، وأنجز كل أعماله ، وودع أولاده ، مقتول 100 % وبعد أذان الفجر طرقوا بابه ، فقبّل أولاده ، وانطلق معهم ليقتلوه ، قال له : تعال واصنع التابوت ، مات الملك .

(( أنا اللّه ملك الملوك ، قلوب الملوك ونواصيهم بيدي ، فإن العباد أطاعوني حولت قلوب ملوكهم عليهم بالرأفة والرحمة ))

 كلما ازددت تواضعا زادك الله عزاً ، كلما ازددت طاعة لله زادك الله قوة ، كيف وأن الله عز وجل أخبرك أنه يدافع عنك .

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾

( سورة الحج الآية : 38 )

 وإذا كان الله معك فمن عليك ، وإذا كان عليك فمن معك ؟ ويا ربّ ، ماذا فقد من وجدك ، ماذا وجد من فقدك ؟
 أيها الإخوة ، يقول أحد العلماء : ماذا يفعل أعدائي بي ؟ بستاني في صدري ، إن أبعدوني فإبعادي سياحة ، وإن حبسوني فحبسي خلوة ، وإن قتلوني فقتلي شهادة ، فماذا يفعل أعدائي بي ؟
 في الدنيا جنة فمن لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة .
 هناك حالات في القرآن الكريم الموت محقق بالمئة مليار ، فرعون بجبروته ، وقوته ، وحقده ، وأسلحته ، وجماعته ، يتبع شرذمة معهم سيدنا موسى .

 

﴿ فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ ﴾

( سورة الشعراء الآية: 61 )

 رأوا فرعون أمامهم ، والبحر أمامهم ، كم احتمال النجاة ؟ ولا واحد بالمليار .

 

﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾

( سورة الشعراء الآية: 61 )

 فصار البحر طريقاً يبساً ، فلما تبعهم فرعون غرق ، وعندي صورة لفرعون جاءتني بالبريد الالكتروني ، والله الذي لا إله إلا هو تقشعر منها الأبدان ، هذا الذي قال :

 

﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ﴾

( سورة النازعات )

 هذا الذي قال :

 

﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ﴾

( سورة القصص الآية : 38 )

 أين هو ؟ والآن موجود بمتحف مصر .

 

﴿ فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آَيَة ً﴾

( سورة يونس الآية : 92 )

 يده هكذا ، بذلوا كل المحاولات كي تكون مستقيمة فلم يستطيعوا ، هكذا ، في أثناء الغرق مات على هذه الحالة ، والملح في فمه .

 

البطولة أن تعرف الله في الوقت المناسب

 

 أيها الإخوة ، البطولة أن تعرف الله قبل فوت الأوان ، فكل إنسان يعيش واقعه فقط ، ولا يعبأ بالنصوص ، ولا بالوعد والوعيد يكون كالدابة ، وكل إنسان يأخذ كلام الله مأخذ الجد ، ويتفاعل معه ، ويتكيف معه يكون إنسان عاقل جداً .
 مرة سألوا في الصحيفة طالبا نال الدرجة الأولى في الشهادة الثانوية : ما أسباب نجاحك وتفوقك ؟ قال : لأن لحظة الامتحان لم تغادر مخيلتي ولا ثانية طوال العام الدراسي .
 ونحن جميعاً نتزوج ، ونتاجر ، ونؤسس معمل ، ونأخذ دكتوراه ، لكن يجب ألا تغادرك لحظة الموت ، هذه اللحظة تحاسب بها عن كل شيء .

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾

( سورة الحجر )

 فالبطولة أن تؤمن بهذا الحدث الخطير أخطر حدث بحياتنا مغادرة الدنيا ، من بيت 140 متر لقبر ، من غرفة نوم ، وملاءات ، وأناقة ، وغرفة طعام ، وضيوف ، ومركبة فجأة بباب صغير ، انظر إلى القبر هذا هو المصير .
اشترى عالم جليل من علماء دمشق قبرا قبل سنوات من وفاته ، يزور القبر كل يوم خميس ، هنا المصير ، هذا مفهوم الموت ليس معناه أن تثبط معنوياتك أبداً ، لكنه واقع ، من أجل أن تتأقلم من منهج الله ، لك أن تكون بأعلى درجة في عملك ، في اختصاصك ، في حرفتك ، في دراستك ، لكن الموت يجعلك تمشي وفق منهج الله ، والموت يسرع الخطى إلى الله .
 يقول سيدنا علي : << والله لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً >> ، لأن يقينه قبل كشف الغطاء كيقينه بعد كشف الغطاء .
 يقول سيدنا علي : << والله لو علمت أن غداً أجلي ما قدرت أن أزيد في عملي >>.
 هذه البطولة ، وأنت حي ، وأنت قوي ، وأنت صحيح ، اعمل لآخرتك ، وأصلح دنياك .

 

﴿ إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآَتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ﴾

( سورة الأنعام الآية: 134 )

إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآت

 نحن جميعاً من دون استثناء أين نحن بعد مئة عام ؟ تحت التراب ، كلنا والذين كانوا قبلنا كان لهم هموم كهمومنا ، وطموحات كطموحاتنا وماتوا ، وانتهى .
 قرأت مقالة عن رجل من أهل الفن بمصر يخاف من الموت خوفاً لا حدود له ، ما ركب طائرة في حياته ، ولا تناول طعاماً قبل أن ينام ، إلا الفواكه ، وما تناول إلا اللحم الأبيض ، السمك أو الدجاج ، و اعتنى بالرياضة وبصحته ، بعدها مات ، حسب أنه لا يموت ثم مات ،

﴿ إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ ﴾

﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾

( سورة الغاشية )

 أين تذهب ؟ .

 

﴿ فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ ﴾

( سورة التكوير )

 مصيرنا إلى الله جميعاً ، قال الله عز وجل :

﴿ إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ﴾

 معنى معجزين أي لن تستطيعوا التفلت من الحساب ، مهما كان الإنسان كبيراً دقق في هذه الآية :

 

﴿ أَيْنَمَا تَكُونُوا﴾

( سورة النساء الآية : 78 )

 في أي مكان ، وفي أي مكانة .

 

﴿ أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ ﴾

( سورة النساء )

 مرة قرأت مقالة عن إنسان حكم دولة بآسيا ، طائرته الخاصة فيها زيادات بـ 200 مليون دولار ، الزيادات فقط ، سيارته أيضاً تكتب عليها مقالات ، كل شيء في سيارته ، بأي مكان جميل في له قصر ، 86 قصر في العالم جاهزة لاستقباله كل 24 ساعة ، التدفئة ، والتكييف ، والطعام ، بعد هذا مات ،

﴿ إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ ﴾

 ما دام الموت محققاً فتأقلم معه من الآن ، تكييف معه ، وأعلى درجة بالذكاء هو التكييف ، التكييف مع الموت أعلى درجة بالذكاء .
 والله مرة شيعت جنازة ، وأنا على القبر حينما وضع الميت في القبر والله الذي لا إله إلا هو ما وجدت على سطح الأرض إنساناً أعقل ممن يعد لهذه الساعة التي لا بد منها ، هذه البطولة .

﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ﴾

وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِين

﴿ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ﴾

 أي لن تستطيعوا أن تتفلتوا من قبضة الله ، أنت في قبضة الله ، وسوف تأتي يوم القيامة فرداً ، لا هناك جماعات ، ولا هناك خمسون ألف اتصال أن هذا اتركوه ، هو من جماعتنا ، لا يوجد مثل هذا أبداً .

 

﴿ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّة ﴾

( سورة الأنعام الآية : 94 )

 وفي آية :

 

﴿ مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ ﴾

( سورة الأعراف الآية : 48 )

 هناك تجمعات بالعالم ، الآن مثلاً دولة قوية جداً تعتدي ، كل الدول تناصرها ، على الظلم تناصرها من أجل مصالحها ، أوربا تجمع ، وآسيا تجمع ، وكل العالم فيه تجمعات ، هذا التجمع ينتهي يوم القيامة ،

﴿ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾

 إذاً :

﴿ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ﴾

 لا تستطيعون التفلت من قبضة الله ، ولا من عقابه .
 مرة كنا في مؤتمر في بلاد بعيدة ، والمؤتمر من تقاليده أن آخر يوم يجلس الضيوف ، وكنا 11 ضيفاً في لوس أنجلوس ، ويلقي كل ضيف كلمة في دقيقة واحدة ، ألقينا عشر محاضرات ، أما يوم الوداع هذا فالكلمة في دقيقة واحدة ، فكان إلى جانبي مندوب دولة أعانها الله على أن تنجو من محنتها ـ العراق ـ قال : والله أصاب المسلمين في هذا البلد من القهر ، والخوف ما لم يصب به المسلمون مجتمعين في مئة عام ، وبكى ، ثم قال : ولكننا والله التقينا في سلم الإيمان ما لم نستطع أن نلتقي به ولا في 300 عام ، فقلت بعده أنا : إذاً خطة الله استوعبت خطة الأقوياء ، ووظفتها لصالح المجتمع البشري .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018