الدرس : 56 - سورة الأنعام - تفسير الآية 132 ، قيمة اليوم بعمله ـ ولكل عمل درجة - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 56 - سورة الأنعام - تفسير الآية 132 ، قيمة اليوم بعمله ـ ولكل عمل درجة


2006-03-24

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
 أيها الإخوة الكرام ، مع الدرس السادس والخمسين من دروس سورة الأنعام ، ومع الآية الثانية والثلاثين بعد المئة ، وهي قوله تعالى :

﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ﴾

درجات العمل ومراتبه

 أيها الإخوة ، الإنسان حينما يضع درجات ليقيّم أو ليقوّم الذين يعملون معه تأتي هذه الدرجات محدودة ، ففي أيّ بلد تقريباً هناك عشر مراتب للموظفين ، ولكل مرتبة ثلاث درجات ، مجموع المراتب والدرجات ثلاثون ، وهو ناتج عشرة في ثلاثة ، وهناك مليونا موظف لا بد من أن يقيّموا وفق هذه المراتب والدرجات .
 لكن الآن في الأرض ستة آلاف مليون ، لكل إنسان درجة تختلف عن الثانية ، الإله قُدرته لا محدودة ، مطلق في قدرته وفي تقوميه ، ومعرفة العمل والدوافع ، والخلفيات ، والتضحيات ، والظروف ، والضغوط ، لذلك تقييم الأشخاص من شأن الله وحده ، وأنت ـ أيها الإنسان ـ لا تستطيع تقييم الأشخاص لأن العلم محدود ، والمقاييس محدودة .
 مثلاً : أنا حينما أستخدم ميزان حرارة أستطيع أن أقول : الدرجة 20 ونصف ، وإذا كان البصر حاداً أقول لك : عشرون وثلاثة أرباع ، لكني لا أستطيع أن أفرق بين واحد على ألف من الدرجة زيادة أو نقصًا .
 بالمناسبة ، البعوضة ترى الأشياء لا بأشكالها ولا بأحجامها ولا بصورها ، بل ترى الأشياء بحرارتها ، وحساسية جهازها جهاز استقبال حراري ، واحد على ألف من الدرجة المئوية .
 إذاً : الإنسان محدود ، قد يأتي إنسان بدكتوراه في الفيزياء النووية ، ويأتي إنسان بدكتوراه في الموسيقا ، يُعيَّنون بمرتبة واحدة ، مع أن هناك بوناً شاسعاً بين الاختصاصين .

ولكل درجات مما عملوا

 إذاً رينا عز وجل يقول :

﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ﴾

 أعمالك ، حجمها ظروفها ، صعوباتها ، عوائقها ، صوارفها ، نواياها ، أهدافها يعلمها الله وحده ، لذلك أرح نفسك من تقييم الناس ، والنبي عليه الصلاة والسلام علّمنا وأدّبنا ، وصحابته تأدّبوا بهذا الأدب ، والأكمل أن تقول : أحسبه صالحاً ، ولا أزكّي على الله أحداً .
 لما ولَّى سيدنا الصديق سيدنا عمر بعده قال : يا رب ، هذا عِلمي به ، فإنْ بدّل أو غيّر فلا علم لي بالغيب .

تقييم الأشخاص ليس من اختصاص البشر

 لو أنك أعفيت نفسك من تقييم الأشخاص لأرحت واسترحت ، وكلما أُسأل عن تقييم إنسان أقول لهم : تقييم الأشخاص مِن شأن الله وحده ، نحن نرى الظاهر ، إنسان يملك ألف دنمٍ جاء من يهمس في أذنه : لو قدمت خمس دنمات لبناء مسجد فتضطر البلدية أن تنظّم هذه المساحة ، وإذا نظمتها إلى مقاسم ارتفع السعر عشرة أضعاف ، فيأتي هذا الذي لا يصلي ، ولا يتعرف إلى الدين إطلاقاً ، ويقدم خمسة دنمات فيبنى عليها مسجد ، والناس يعجبون بسخائه وبكرمه ، وأريحيته وصلاحه وتقواه ، من يعرف الحقيقة ؟ الله جل جلاله ، لذلك قالوا : يمكن أن تخدع بعض الناس لبعض الوقت ، ويمكن أن تخدع بعض الناس لكل الوقت ، أما أن تخدع كل الناس لكل الوقت فهذا مستحيل وألف ألف مستحيل ، بل إن الله سبحانه وتعالى تولى كشف الحقائق .
 إنّ العالم الغربي عالم غني قوي ذكي ، طرح قيمًا رائعة جداً ، حقيقة رائعة ، حرية ، ديمقراطية ، حقوق الإنسان ، حق المقاضاة ، العولمة ، احترام جميع الأديان ، تكافؤ الفرص ، لكن الله سبحانه وتعالى وضع الغرب في ظرف صعب فكشفهم على حقيقتهم ، فأصبحوا أكثر قسوة من الدول التي توصف بأنها قاسية ، إذاً :

 

﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ﴾

( سورة آل عمران الآية : 179 )

 مستحيل وألف ألف مستحيل ألاّ تمتحن ، سُئل الإمام الشافعي : أندعو الله بالتمكين أم بالابتلاء ؟ فقال : هذا الإمام الكبير لن تمكّن قبل أن تبتلى .
 إذاً : تستطيع أن تخدع معظم الناس لبعض الوقت ، بعض الناس لكل الوقت ، أما أن تخدعهم جميعاً لكل الوقت فهذا مستحيل ، أما المستحيل وألف ألف أَلف مستحيل أن تخدع نفسك ثانيةً واحدة .

 

﴿ بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ﴾

(سورة القيامة )

 ومستحيل أن تخدع الله .

 

﴿ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ ﴾

( سورة النساء الآية : 142 )

 إذاً أنت لك عند الله ملف ، نحن كبشر لا نرى إلا الظاهر ، نرى إنسانًا يصلي ، ونرى إنسانًا لا يصلي ، نرى إنسانًا يرتكب معصية فنقول : هذا عاصٍ ، لكن الله سبحانه وتعالى :

 

﴿ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ﴾

( سورة طه )

سَعة اطلاَّع الله على خلْقِه ، وقصور المخلوق

 يعلم ما خفي عنك ، ويعلم ما خفي عن صاحبه .
 هناك شيء معلن ، وشيء أكتمه عن غيري ، هذا سرّي ، أعلمه أنا ، لكن لم أعلِم به أحدًا ، لكن هناك شيء لا أعلمه لا أنا ولا غيري ، هو الذي خفِيَ عليّ ، لذلك فإن الله علِم ما كان ، وعلِم ما يكون ، وعلِم سيكون ، وعلِم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون .
 أيها الإخوة ، الإنسان عند الله مكشوف ، فإذا علم أن الله يعلم لعلها تتحجّم نفسه ، وتتهيب أن تعصي الله عز وجل ، وفي بعض الآيات :

 

﴿ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ﴾

( سورة المائدة الآية : 97)

 وأفضل إيمان المرء أن يعلم أن الله معه حيث كان ، اعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك .
 إذاً :

﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ﴾

 في الامتحان عندنا مئة درجة ، لكن مستحيل أن نضع السلم من مليون درجة ، نقول له : أنت نجحت ، وأخذت ستمئة وثمانية وسبعين ألف وسبعمئة واثنين وخمسين درجة ، ما عندنا إمكانية أن نقسّم الأفكار والأدلة والشواهد ، وحل المسائل إلى مليون درجة ، في كل الجامعات مئة درجة ، أما الله عز وجل :

﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ﴾

  كل واحد منا له عند الله درجة ، وفي تقييم دقيق لأعماله .

 

﴿ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً﴾

(سورة الإسراء )

الإنسان مخلوق ليعمل للجنة

 النقطة الدقيقة أنك جئت إلى الدنيا من أجل أن تعمل عملاً يؤهلك للجنة ، فأنت في الأصل مخلوق للجنة ، مخلوق لجنة أبدية عرضها السماوات والأرض ، مخلوق لنعيم مقيم ، مخلوق لدار لا نغص فيها ولا تعب ، ولا مرض ، ولا فقر ، ولا وسيم ودميم ، ولا قوي وضعيف ، ولا ظالم ومظلوم ، ولا حاكم ومحكوم ، مخلوق لجنة ، لك ما تشاء فيها ، لمجرد أن يخطر في بالك شيء تجده أمامك .

 

﴿ قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ ﴾

( سورة الحاقة )

 أيها الإخوة ، أنت حينما تؤمن أنك مخلوق للجنة ، وأن هذه الدنيا ممر ، وليست مقراً ، هي دار عمل ، وليست دار جزاء ، هي دار تكليف لا دار تشريف ، هي دار سعي لا دار عطاء .

(( إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء ، ودار ترح لا دار فرح ، فمن عرفها لم يفرح لرخاء ، ولم يحزن لشدة ، ألا وإن الله تعالى خلق الدنيا دار بلوى ، والآخرة دار عقبى فجعل بلوى الدنيا لثواب الآخرة ، وثواب الآخرة من بلوى الدنيا عوضا ، فيأخذ ويبتلي ليجزي ))

[ رواه الديلمي عن ابن عمر ]

 حينما تعلم أنك مخلوق للجنة ترى أنه يجب عليك أنْ تعمل عملاً صالحاً في الدنيا ، لذلك البشر على اختلاف مللهم ، ونحلهم ، وانتماءاتهم ، وأعراقهم ، وأنسابهم ، ودياناتهم ومذاهبهم ، واتجاهاتهم ، وآرائهم ، وتياراتهم ليسوا عند الله إلا رجلين فقط ، أو نموذجين :

 

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾

( سورة الليل )

 إنه تقسيم رائع ، بخلاف تقسيم البشر : دول الشمال ، ودول الجنوب ، والعرق الآري ، والعرق الأنجلوسكسوني ، والعرق السامي ، والدول المختلفة والمتقدمة ، والدول البحرية والداخلية ، الدول النامية ، والدول المتقدمة ، قسّم العالم إلى مليون قسم ، هم عند الله قسمان :

 

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾

 صدق أنه مخلوق للجنة ، صدق أن يعصي الله ، وبنى حياته على العطاء ، أو :

﴿ وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾

( سورة الليل )

 لم يؤمن إلا بالدنيا ، فاستغنى عن طاعة الله ، وبنى حياته على الأخذ .
 فندق خمس نجوم لا بد من أن يباع فيه الخمر ، ما من مشكلة إطلاقاً ، لأن الآخرة ما أدخلها في حساباته إطلاقاً ، بل يدخل الدنيا في حسابه بالمقاييس الأرضية من له مطعم متواضع بأطراف دمشق ، الطعام جيد ، والسعر معتدل ، والدخل محدود جداً لا يكاد يكفي حاجة صاحب المطعم ، ومطعم غلته في اليوم عشرة ملايين ليرة ، لكنه يقدم المشروبات والراقصات والمغنيين ، والدخل كبير فلكي ، ولا سيما في الصيف ، والدليل أن طريقاً محدوداً فيه تسعون ملهى ، و الأرباح طائلة .

حقيقة الموازنة الموازنة بالآخرة

 أيها الإخوة ، النقطة الدقيقة أنه يُنتظر من العاقل ألا يوازن بين شيئين ، ولا بين شخصين ، ولا بين عملين ، ولا بين تجارتين ، ولا بين وظيفتين إلا إذا ضم الآخرة إلى كلٍ منهما .
 إذاً الله عز وجل قال :

﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ﴾

  حجمك عند الله بحجم عملك الصالح ، أنت تقييم وفق عملك الصالح ، جئت إلى الدنيا من أجل العمل الصالح ، الدليل القطعي الإنسان حينما جاءه ملك الموت :

 

﴿ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً﴾

(سورة المؤمنون الآية : 99)

 لم يقل : أرجعوني لأتمم البناء ، لأتمم الصفقة ، لأتمم الدراسة ،

 

﴿ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً ﴾

 الذي تندم عليه هو أهم شيء كنت فيه .
 إذاً الآية الكريمة :

﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ﴾

 أنت جئت إلى الدنيا من أجل العمل الصالح ، ليكون العمل الصالح ثمن جنة عرضها السماوات والأرض ، فإذا كان عمل إنسان حظه قليل من الآخرة ، لكن من هو الذي خسر الخسارة العظمى ؟ الذي ليس له عمل في الدنيا ، بعض العلماء أشار إلى لفتة لطيفة جداً أنه :
 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ : إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ ))

[ أخرجه مسلم]

 فكيف الذي يموت ، وليس له عمل إطلاقاً ، كيف الذي يموت وأثقال الأعمال السيئة في عنقه ؟
 إخواننا الكرام ، يجب على الإنسان أن يفكر في مصيره ، أما الذي يعيش وقته ، ، ولا يفكر فيما سيكون فهو إنسان بعيد بُعْد الأرض عن السماء عن أن يكون فالحاً .
 الآن : أنت في الدنيا من أجل العمل الصالح ، كيف ؟ لو أن جهة رفيعة المستوى وعددتك بأن تكون رئيس جامعة ـ المثل افتراضي ـ ولك بيت بأرقى أحياء دمشق ، وتركب أفخر مركبة ، وتقترن بأجمل زوجة ، ولك في مكان جميل قصر ، بشرط أن تأتي بالدكتوراه من بلد معين ، أنت ذهبت إلى هذا البلد ، لك هدف واحد ، هو أن تنال الدكتوراه من هذا البلد ، لذلك تختار آلاف الوسائل التي تعينك على بلوغ هذا الهدف .
 أنت حينما تعرف الله ، وتؤمن بالله يجب أن تعتقد اعتقاداً جازماً أن علة وجودك في الدنيا أن تعمل عملاً صالحاً تستحق به دخول الجنة .

 

﴿ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾

(سورة النحل )

 صدقوا أيها الإخوة أنّ العمل الصالح ليس داخلاً في حياة معظم الناس ، يقول أحدهم ، أنا مشغول ، دعني في همومي ، كل حركته في الحياة لمصلحته ، لبيته ، لدخله ، لرفاه ، لنعيمه ، لاستمتاعه بالحياة ، يعتذر بلطف بالغ ، معه أموال طائلة يطلب منه قرض يقول لك ، ما عندي نقدٌ ، يطلب منه خدمة ، يطلب منه أن يتصل بإنسان وهو صديقه لتحل مشكلة إنسان مظلوم عنده ، يقول لك : لا أبذل ماء وجهي أمام أحد ، معظم الناس العمل الصالح ليس داخلاً في برنامجهم ، دخل ببرنامجه متعه ، وبيته ، ومكاسبه ، وشأنه ، ومكانته ، وتألقه ، ودخله ، واستمتاعه بالحياة ، لكن لم يدخل في حسابه أن يقدم عملاً لله عز وجل ، مع أن هذا الذي لا يعمل صالحاً كالذي يذهب إلى بلد بعيد لينال دكتوراه ، وسوف ينتظره في بلده كل شيء ، فذهب ولم يدرس .
 ذهب أحدهم إلى الحج ، ورجع محمَّلاً ببضائع تمول أكبر محل تجاري ، ما ترك أداة ما اشتراها ، بعدما وصل المطار قال : يا الله نسيت أن أحج .
 هذا وضع الذي يأتي إلى الدنيا ويغادرها ، وليس له عمل صالح ، ميت ، لا قيمة له .

 

﴿ صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ ﴾

( سورة الأنعام الآية : 124 )

﴿ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً ﴾

( سورة الكهف )

 احفظ هذه العبارة : حجمك عند الله بحجم معملك الصالح .

معنى العمل الصالح

 ما معنى العمل الصالح ؟ العمل الصالح معناه ما كان خالصاً وصواباً ، خالصاً ما ابتغي به وجه الله ، وهذا لا يعلمه أحد إلا الله ، قضية النية لا يعلمها أحد إلا الله .
 بالمناسبة أنت لك صفات ، ثلاثون بالمئة من هذه الصفات يعلمها مَن حولك ، كونك رجلا ولست أنثى ، كونك مهندسا ، ولست جاهلاً ، كونك طبيبا ، كونك طويل القامة ، لونك أسمر ، كونك ألمعيا ، هناك صفات يعلمها مَن حولك ، هذه تساوي من شخصيتك 30 % فقط ، و30 % أو 33 % أخرى يعلمها من يحتكّ بك ، زوجتك ، أولادك ، شريكك ، من يجاورك ، من تسافر معه ، من تعامله بالدرهم والدينار ، و33 % ثالثة لا يعلمها أحد إلا الله ، 33 يعلمها من حولك ، و33 يعلمها من كان على صلة متينة معك ، و 33 الثالثة لا يعلمها أحد إلا الله ، وقضية النيات من القسم الثالث ، هذا سر بينك وبين الله ، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول :

(( إنَّمَا الأعْمالُ بالنِّيَّاتِ ))

[ متفق عليه عن عمر بن الخطاب]

 يقيم العمل حرصاً بالنية .

(( ونية المؤمن خير من عمله ))

[ أخرجه البيهقي في شعب الإيمان عن أنس ]

(( ونية الفاجر شر من عمله ))

[ رواه العسكري في الأمثال عن نواس بن سمعان ]

 كل ما فعل من شرور يتمنى أن يفعل أكثر .
 بالمناسبة أيها الإخوة ، هناك حقيقة مذهلة قالها سيدنا علي : << فاعل الخير خير من الخير ، وفاعل الشر شر من الشر >>، كيف ؟
 إن الإنسان الذي ألقى قنبلة على هيروشيما من ستين سنة أو سبعين سنة ، وانتهت بها الحرب العالمية ، هؤلاء الذين ماتوا في ثلاث ثوانٍ 300 ألف ، لو استمر الزمان مضى خمس وخمسون ثانية ، كلهم ميتون ، فوقت هذا الشر الذي وقع ينتهي ، أما هذا الذي أراد أن يميت 300 ألف إنسان في ثانية هذا يعذب بهذا العمل إلى أبد الآبدين ، ففاعل الشر شر من الشر .
 إنسان أنشأ مدرسة ، أنشأ ميتما ، أنشأ مستشفى ، هذه تعمل بانتظام من ثلاث وثمانين سنة ، لكن يوم القيامة تنتهي الحياة ، وينتهي المستشفى ، وينتهي الميتم ، وينتهي التعليم ، وينتهي كل شيء ، أما هذا الذي قدم العمل لله عز وجل فهو خير من الخير ، << فاعل الشر شر من الشر ، وفاعل الخير خير من الخير >> .

شروط العمل الصالح :

1 ـ الإخـــــلاص :

 أيها الإخوة ، العمل ينبغي أن يكون خالصاً ، وابتغي به وجه الله .
 قال لي مرة أحدهم : كيف أرقى بنيتي ؟ قلت له : سؤالك تماماً كما لو سألت طبيبا وقلت له : من فضلك أريد منك معلومة واحدة ، قال لك : تفضل ، قلت له : كيف تكتب وصفة للمريض ؟ قال له : وصفة ؟! هذه الوصفة محصلة دراسة 33 سنة ، وشهادة ثانوية بتفوق ، وسبع سنوات في كلية الطب ، بعد هذا بعثة إلى بلد بعيد عشر سنوات أخر حتى حصل على بورد ، حتى قدر أنْ يكتب وصفة ، فيريد أخونا أنْ يتعلمها في خمس دقائق .
 كيف تكون نيتي عالية ؟ هذه النية العالية محصلة إيمانك ، استقامتك ، جهادك ، ضبط أعضائك ، ضبط جوارحك ، ضبط بيتك ، محصلة إيمانك وعملك ، ومعرفتك بالله عز وجل ترتقي بها ، لذلك العمل لا يقبل إلا إذا كان خالصاً وصواباً ، خالصاً ما ابتغي به وجه الله

 

2 ـ موافــقة السنــة :

 وصواباً ما وافق السنة ، إذاً ليس مقبول عند الله أن نجري ( يانصيب خيريا ) ، أو حفلة غنائية ساهرة يرصد ريعها للأيتام ، العمل لا يقبل إلا إذا كان خالصاً وصواباً ، خالصاً ما ابتغي به وجه الله ، وصواباً ما وافق السنة .

 

قيمة العمل بامتداد أمَدِه

 إخواننا الكرام ، العمل يقيم بامتداد أمده ، لك عمل أطعمت جائعًا ، خلال ربع ساعة شعر بالشبع ، الله يجزيك الخير ، أكل الساعة التاسعة ، الساعة الثانية جاع ، انتهى العمل ، يريد أن يأكل مرة ثانية ، عالجت مريضا من مرض فشفي ، جاءه مرض ثان ، فالعمل يقيم بامتداد أمده ، هناك عمل قصير ، وهناك أعمال يموت أصحابها ، ويمضي بعد موتهم السنوات ، والعقود ، والحقب ، والقرون ، وأعمالهم باقية ، فإذا كنت بطل فاعمل عملا يستمر بعد موتك .
 والله مرة افتتح مسجد في منطقة في الغرب ، سبحان الله ! الذي أنشأ هذا المسجد له وجه كالبدر من شدة فرحه ، ودعى علماء دمشق إلى حفل افتتاحه ، وألقيت كلمات واسعة ، ولما انتهى الحفل خرجت من هذا المسجد ، فإذا على الضفة المقابلة له ملهى ، كل أنواع الموبقات في هذا الملهى ، تصورت ‍‍‍كيف يقف يوم القيامة الذي أنشأ هذا المسجد بين يدي الله عز وجل ، و‍‍‍كيف يقف هذا الذي أنشأ الملهى بين يدي الله عز وجل ، الذي أنشأ الملهى بعد أسبوع من افتتاحه مات ، ولا تزال الموبقات في هذا المكان ، أعظم عمل صالح أن يستمر العمل ونحن تحت أطباق الثرى .
 أحياناً أسمع درسا لعالم جليل في إذاعات العالم العربي ، وقد توفاه الله ، والحق مستمر ، هذه الصدقة الجارية :

((إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ ))

[ أخرجه مسلم]

 مرة توفي أحد علماء دمشق الأجلاء المخلصين ، والتعزية بجامع الأموي ، بعد أن انتهت التعزية قام ابنه ، وألقى خطبة كأبيه تماماً ، فقلت : والله ما مات الأب ، هذا الابن صدقة جارية ، ولد ينفع الناس من بعده .
 لذلك العمل يقيم بامتداد أمده .

قيمة العمل باتِّساع رقعته

 لكن هناك عمل تتسع رقعته ، قد تذهب إلى أطراف الشرق ، إلى استراليا ، هناك دعوة إسلامية ، إلى أمريكة هناك دعوة إسلامية ، الإسلام انتشر في القارات الخمس ، جاء بالإسلام رجل واحد ، لكن الله عز وجل جعل هذا الإسلام تتسع رقعته ، ويمتد أمده .
 زارنا ضيف مرة من بلد بعيد في عطلة رسمية بمناسبة عيد المولد ، فمرافقه من أحد إخواننا قال له : الوضع غير طبيعي بالبلد ؟ قال له : عندنا عطلة رسمية ، قال له : ما المناسبة ؟ قال له : عندنا رجل عظيم هو نبي هذه الأمة : قال له : من أي سنة توفي ؟ قال له : من 1500 ، فكاد يصعق ، من 1500 عام ؟! وتعطلون يوم ميلاده ؟! شيء غير معقول ، إذاً العمل قيمته بامتداد أمده .
 إخواننا الكرام ، العمل يُقيم أو يُقوم كلاهما صحيح بامتداد التأثير ، بامتداد الأمد ، يستمر مئة عام ، مئتي عام ، أف عام ، ألفي عام ، هذا عمل عظيم ، وهناك أعمال جليلة قام بها أحد العلماء ، وأثرها مستمر ، وقد تستمر بعد موتهم ، وهناك أعمال تتسع رقعتها ، تشمل بلادا عديدة .
 أحياناً دعوة إلى الله تتسع لمعظم البلاد ، نقول : امتدد أمدها ، واتسعت رقعتها ، لكن هناك أعمال فيها قوة تأثير ، وأحياناً يتأثر الإنسان بطعامه ، يكون كتاب التغذية قوي جداً ، مقتنع جداً ، كل تأثير الكتاب متعلق بالغذاء فقط ، أما دعوة تغيير تفكيرك ، تصوراتك ، ومبادئك ، وقيمك ، وحركتك بالحياة ، لها علاقة بزواجك ، وبعملك ، وباختصاصك ، وبخدمتك للناس ، تتغلل بأعماقك حتى تظهر آثارها بكل نشاطاتها ، بكل أوقاتك ، وبكل أحوالك ، وبكل أعمارك هذه دعوة تأثيرها قوي جداً ، هناك تأثير أحادي ، و هناك تأثير أحادي عميق ، وتأثير عام ضعيف ، لكن هناك تأثير عميق جداً وشمولي ، هذه دعوة النبي عليه الصلاة والسلام .

شمولية الأحكام الشرعية لجميع نواحي الحياة

 تجد المؤمن بدءاً من فراش الزوجية ، وحتى العلاقات الدولية يحكمها منهج الله ، كل دقيقة عنده حكم شرعي ، إذا استفزه إنسان :

 

﴿ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ ﴾

( سورة آل عمران الآية : 134 )

 إذا بغى عليه إنسان :

 

﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ﴾

( سورة الشورى )

 في كل حركة من حركاتك ، في كل سكنة من سكناتك ، في كل لحظة من لحظاتك ، في كل أحوالك ، في كل أطوارك ، في ليلك ونهارك ، في سفرك وإقامتك ، في غناك وفقرك ، قبل الزواج وبعد الزواج ، في المرض والصحة ، في الغنى والفقر ، المنهج تأثيره متغلغل في الأعماق يصل إلى مستوى الشمول .

تنوُّع الأعمال الصالحة

 هناك أعمال صالحة أيضاً متنوعة ، هناك إنسان يؤلف القلوب ، وإنسان يؤلف الكتب ، و هناك إنسان يجمع بين تأليف القلوب وتأليف الكتب ، وإن كان تأليف الكتب تأثيره أطول أمداً ، وتأليف القلوب أعمق أثراً ، وأقلّ أمداً .
 الإمام الغزالي كما يقال : كان في مجلسه 400 عمامة ، لكن بعد أن توفاه الله انتهى الدرس ، ماذا بقي ؟ كتاب الإحياء ، الإحياء كتاب عظيم .
 إذاً قضية امتداد الأمد ، واتساع الرقعة ، وعمق التأثير ، وتنوع التأثير ، هذا شيء مطلوب للمؤمن .

العمل الصالح بين العقبات والمعوقات والصوارف

 أيها الإخوة ، أحياناً يكون هناك عمل صالح ، لكن ليس أمامه عقبات ، ولا معوقات ، العمل الخيري عمل عظيم دائماً ، أما الطرف الآخر الآن انتبه لهذا العمل ، صار عليه تدقيق كبير ، صار صاحبه متهما سلفاً ، فظهرت معوقات ، وأحياناً تكون القوة لغير المؤمنين ، وصار أداء الشعائر صعبا جداً ، وأداء العبادات صعبا جداً ، وأيّ دعوة متهمة ، وكلما كثرت المعوقات كبر الأجر .
 أحيانا هناك صوارف ، هناك مئة نشاط يصرفك عن الدين ، الحياة الآن بأبهى زينة ، فتن يقظة ، شهوات مستعرة ، كل شيء جميل ، كل شيء يدعو إلى المعصية ، كل شيء يدعو إلى المتعة ، مئة قناة للفجور ، و هناك أشياء تسلي الإنسان ، كالمسرحيات ، ودور لهو ، ومسابقات ، وألعاب ، وشاشة ، وصوارف عن الدين لا يعلمها إلا الله ، فإذا كان هناك عقبات كثيرة ، ولأن الإنسان أخذ موقفا دينيا يتّهم ، وصار أمنه في خطر .
 هناك صوارف عديدة جداً ، معنى ذلك أنّ العمل عظيم وكبير .
 إذاً : العمل يقيّم بقدر العقبات التي توضع أمامه ، وبقدر الصوارف التي تزل قدم الإنسان بها ، فينصرف عن هذا العمل ، وأحياناً العمل يزداد أجره إذا قلّ المعين عليه .

(( اشتقت لأحبابي ـ هكذا قال عليه الصلاة والسلام ـ قالوا : أو لسنا أحبابك ؟ قال : لا ، أنتم أصحابي ، أحبابي أناس يأتون في آخر الزمان القابض منهم على دينه كالقابض على الجمر ، أجرهم كأجر سبعين ، قالوا : منا أم منهم ؟ قال : بل منكم ، لأنكم تجدون على الخير معواناً ولا يجدون ))

[ورد في الأثر]

 إذا أنفق الإنسان الآن ماله ، يقولون له : مجنون ، أو عملَ عملا صالحا ، فكلما اشتدت العقبات ، و تنوعت الصوارف ، وقلّ المعين على العمل يزداد العمل الصالح ، وكلما امتد أثره ، وامتد أمده تزداد قيمته ، وكلما اتسعت رقعته تزداد قيمته ، وكلما تعمق أثره تزداد قيمته ، وكلما تنوعت آثاره تزداد قيمته ، وكلما كان شمولياً شمل الحياة كلها تزداد قيمته .
 أحيانًا يعلمك إنسان ال تجويد ، الذي علم التجويد على العين والرأس ، وفضل علينا ، لكن أتقنت لبنة ببناء مئة طابق ، أتقنت لبنة واحدة من هذا البناء ، هو عمل عظيم ، لكنه محدود ، أما أنْ يدلك إنسان على الله أحياناً ، فتنعكس مقاييسك مئة درجة ، كنت تحب الأخذ فأصبحت تحب العطاء ، كنت تحب الشهوة فأصبحت تحب الحقيقة ، كنت تأخذ فأصبحت تعطي ، كنت تغضب فأصبحت تحلم ، كنت تمضي الوقت بلا طائل فأصبح الوقت عندك ثميناً جداً ، كنت عصبي المزاج فأصبحت حليماً ، وتزداد قيمة الأعمال الصالحة عند فساد المجتمعات ، واضطراب الأحوال ، كل يوم تهديد ، وكل يوم ضغط ، وساعة ارتفع الدولار ، وساعة نزل ، وساعة حصار اقتصادي ، كل يومين تهديد وضغط ، وحينما يجور الأمراء ، وحينما يتجبر الأقوياء ، وحينما يترف الأغنياء ، وحينما يداهن العلماء ، وحينما تشيع الفاحشة ، فما بقي للزوج شيء من زوجته ، كل مفاتنها للناس ، عمومي ، وحينما يظهر المنكر ، وحينما يختفي المعروف تزداد قيمة العمل الصالح .

(( كيف أنتم إذا لم تأمروا بمعروف ، ولم تنهوا عن منكر ؟ قالوا : وكائن ذلك يا رسول الله ؟ قال : نعم والذي نفسي بيده ، وأشد منه سيكون ، قالوا : وما أشد منه ؟ قال : كيف أنتم إذا رأيتم المعروف منكرا ، والمنكر معروفا ؟ قالوا : وكائن ذلك يا رسول الله ؟ قال : نعم والذي نفسي بيده ، وأشد منه سيكون ، قالوا : وما أشد منه ؟ قال : كيف أنتم إذا أمرتم بالمنكر ، ونهيتم عن المعروف ؟ قالوا : وكائن ذلك يا رسول الله ؟ قال : نعم ، والذي نفسي بيده ، وأشد منه سيكون ، يقول الله تعالى : بي حلفت لأتيحن لهم فتنة يصير الحليم فيها حيران ))

[أخرجه ورواه أبو يعلى من حديث أبي هريرة ]

 في بلد إسلامي ، لكن هذا شيء قديم ، الآن له وضع آخر رائع جداً ، أعطي أعلى وسام لأكبر امرأة تدير بيوت الدعارة ، لأنه حققت للبلد دخلاً كبيراً جداً ،

(( كيف أنتم إذا رأيتم المعروف منكرا والمنكر معروفا ؟ ))

 فمثل هذه الأوقات : عند فساد المجتمعات ، ، واضطراب الأحوال ، وجور الأمراء ، وتجبر الأقوياء ، وترف الأغنياء ، ومداهنة العلماء ، حينما تشيع الفاحشة ، ويظهر المنكر ، ويختفي المعروف ، حينما تكون العبادة في الهرج كهجرة إلي .
 حينما يؤتمن الخائن ، ويخوّن الأمين ، يكذب الصادق ، ويصدق الكذوب ، حينما يذوب قلب المؤمن في جوفه مما يرى ، ولا يستطيع أن يغيّر ، إن سكت استباحوه ، وإن تكلم قتلوه ، في مثل هذه الأوقات الذي يقبض على دينه كالقابض على الجمر تزداد قيمة العمل الصالح .
 أيها الإخوة الكرام ، " ربّ عمر اتسعت آماده ، وقلّت أمداده ، وربّ عمر قليلة آماده ، وكثيرة أمداده ، ومن بورك له في عمره أدرك في يسير من الزمن من المنن ما لا يدخل تحت دائرة العبارة ، ولا تلحقه ومضة الإشارة " .
 بصراحة : أنت فتحت محلك التجاري ، داومت 12 ساعة ، الغلة مئة ليرة ، وهناك رجلٌ فتح ساعة الغلة فكانت مليون ليرة ، فقيمة المحل لا بالدوام بل بالغلة ، فهناك عمر قصير ، وهذا الإمام الشافعي عاش دون الخمسين ، وهذا الإمام النووي دون الخمسين ، ترك رياض الصالحين ، وما من بيت في العالم الإسلامي ليس فيه رياض الصالحين ، ترك الأذكار ، ترك كتابا في الفقه من أعلى ما يكون ، وشرح صحيح مسلم ، وكل عالم ترك آثارا علمية ينتفع منها المسلمون لألف عام قادمة .
 كنت مرة في قرية ازرع ألتقي مع الطلاب الصغار فسألتهم عن ابن القيم الذي يعد علماء المسلمين الآن عالة على كتبه ، وولد في ازرع ، و قرية نوى فيها الإمام النووي ، وهناك علماء كبار تركوا آثارا لا يعلمها إلا الله .
أيها الإخوة ، ورد في بعض الأدعية :

(( لا بورك لي في طلوع شمس يوم لم أزدد فيه من الله علما ، ولا بورك لي في طلوع شمس يوم لم أزدد فيه من الله قرباً ))

[ورد في الأثر]

الخلاصة

 أنه :
 ـ يجب أن تعلم أن حجمك عند الله بحجم عملك الصالح .
 ـ والعمل الصالح يقيم بادئ ذي بدء بنيته .
 ـ ثم يقيم بامتداد أمده .
 ـ ثم باتساع رقعته .
 ـ ثم بعقم تأثيره .
 ـ ثم بتنوع تأثيره .
 ـ ثم إذا استمر بعد الموت فهذا من أعظم الأعمال الصالحة .
 لسيدنا علي كلمة يقول : << إنه ليس شيء شر من الشر إلا العقاب ، وإنه ليس شيء خير من الخير إلا الثواب ، وكل شيء في الدنيا سماعه خير من عيانه ، وكل شيء في الآخرة عيانه أعظم من سماعه ، فليكفكم من العيان السماع ، ومن الغيب الخبر ، واعلموا أن ما نقص من الدنيا وزاد في الآخرة خير مما نقص من الآخرة وزاد في الدنيا ، فكم من منقوص رابح ، وكم من مزيد خاسر ، واعلموا أن الذي أمرتم به أوسع من الذي نهيتم عنه ، وما أحل لكم أكثر مما حرم عليكم ، ذروا ما قلّ لِما كثر ، وما ضاق لِما اتسع ، وقد تكفل لكم بالرزق ، وأُمرتم بالعمل ، فلا يكن المضمون لكم طلبه أولى بكم من المفروض عليكم ، فبادروا بالعمل ، وخافوا بغتة الأجل ، ومما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته ـ دققوا ـ علم علمه ونشره ، أو ولد صالح تركه ، أو مصحف ورثه ، أو مسجد بناه ، أو بيت لابن السبيل أو نهر أجراه ، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته >>.
 يجب أن يدخل العمل الصالح في برنامجنا اليومي ، اسأل نفسك مساء : ماذا فعلت من أعمال صالحة ؟ قيمة اليوم بعمله ، هو وعاء العمل ، وأنت مخلوق للعمل ، والعمل الصالح ثمن الجنة .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018