الدرس : 54 - سورة الأنعام - تفسير الآيات 127 ـ 129، سماع الحق بشارة من الله - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 54 - سورة الأنعام - تفسير الآيات 127 ـ 129، سماع الحق بشارة من الله


2006-03-10

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .
 أيها الإخوة الكرام ، مع الدرس الرابع والخمسين من دروس سورة الأنعام ، ومع الآية الثلاثين بعد المئة ، وهي قوله تعالى :

﴿ يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ ﴾

عرض الأمانة على المخلوقات جميعا

 أيها الإخوة ، المخلوقات جميعاً ؛ الكون بجماداته ، بكواكبه ، بمجراته بالأرض ، بالسماء ، بالنبات ، بالحيوان ، نفوس ، وقد عرضت عليها الأمانة في عالم الذر .

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ﴾

( سورة الأحزاب )

 بني الإنس وبني الجن هما النوعان من المخلوقات اللذان قبِلا حمل الأمانة ، أي أن تكون نفس الإنس الإنسان أمانة بين يديه ، فإذا عرفها بربها وحملها ، على طاعته سلم وسعد في الدنيا والآخرة ، وحقق الهدف من وجوده ، والغاية من وجوده ، أما بقية المخلوقات :

﴿ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ ﴾

 فالمخلوقات ليست مكلفة ، وليست معرضة لعذاب أو لنعيم كنعيم الإنسان ، اختارت السلامة ، لذلك ركب الحيوان من شهوة بلا عقل ، ركب الملك من عقل بلا شهوة ، كيلاهما غير مكلف ، لكن الإنسان ركب من عقل وشهوة ، فإذا سما عقله على شهوته أصبح فوق الملائكة ، وإن سمت شهوته كما ترون على عقله أصبح دون الحيوان ، والله إنّ الإنسان الكافر أحقر عند الله من أحقر حيوان تعرفونه .

 

﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ ﴾

( سورة النحل الآية : 21 )

﴿ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ ﴾

( سورة فاطر )

﴿ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً ﴾

( سورة الجمعة الآية : 5)

﴿ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ﴾

( سورة الأعراف الآية:176)

﴿ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً ﴾

( سورة الفرقان)

﴿ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ ﴾

( سورة المنافقون الآية: 4 )

الخطاب التكليفي موجَّه إلى من قَبِل الأمانة

 إذاً الخطاب التكليفي لمن قبِل حمل الأمانة ، المخلوقات كلها مسيرة من قبل الله مباشرة ، لذلك لا فساد في الكون إلا أن يأتي من الكائنات التي قبِلت حمل الأمانة ، ما معنى قبلت حمل الأمانة ؟ يعني أودعت فيها الشهوات ، أعطيت أداة التمييز ، وهي العقل ، أعطيت الفطرة ، أعطيت المنهج ، أعطيت الشهوة ، أعطيت الاختيار ، أعطيت التشريع ، فالإنس والجن الذين قبِلوا حمل الأمانة ، وهم معنيون بهذا الدرس .

يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ

﴿ يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ﴾

 كأن الله يريد أن يقول : ليس هناك عقاب إلا بعد التبليغ ، ليس هناك عقاب ، ولا مُساءلة ، ولا محاسبة إلا بعد التبليغ .

﴿ يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ ﴾

 من جنسكم ، النبي بشر ، وكل الشهوات التي أودعها الله في البشر أودعها فيه ، ولولا أن النبي بشر تجري عليه كل خصائص البشر لما كان سيد البشر ، لأنه انتصر على بشريته كان قدوة البشر .

﴿ يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ ﴾

 لو أن الرسول من الملائكة لا يصدقه أحد ، أنت ملَك ونحن بشر ، يأتي الرسول من بني البشر ، يشتهي كما نشتهي ، يتألم كما يألم ، يخاف كما نخاف .
 وفي الحديث عَنْ أَنَسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( لَقَدْ أُخِفْتُ فِي اللَّهِ ، وَمَا يُخَافُ أَحَدٌ ، وَلَقَدْ أُوذِيتُ فِي اللَّهِ ، وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ ، وَلَقَدْ أَتَتْ عَلَيَّ ثَلَاثُونَ مِنْ بَيْنِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَمَا لِي وَلِبِلَالٍ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إِلَّا شَيْءٌ يُوَارِيهِ إِبْطُ بِلَالٍ ))

[ رواه في مسنده والترمذي وابن ماجة وابن حبان في صحيحه عن أنس]

 لأنه بشر ، وجرت عليه كل خصائص البشر كان سيد البشر .

﴿ يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ ﴾

 اختلف العلماء هل للجن رسل أو ليس لهم ، الأرجح أن رسل الإنس هم رسل الجن ، فالله عز وجل يقول :

 

﴿ وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآَنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ ﴾

( سورة الأحقاف )

 العلماء على خلاف فيما بينهم في هذه المسألة ، والراجح أن الرسل اختص بهم الإنس لا الجن ، أما يبلغون دعوتهم عن طريق نفر من الجن يستمعون كلام الرسل ، كما ورد في الآية الكريمة .

﴿ يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ ﴾

 قال تعالى :

 

﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ﴾

( سورة الإسراء)

 لكن لا بد من تطمين الإخوة الكرام إلى أن الهداية تولاها الله عز وجل ، فقال :

 

﴿ إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى ﴾

( سورة الليل )

﴿ وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ﴾

( سورة النحل الآية : 9 )

 أي على الله بيان سبيل القصد ، القصد هو الجنة ، وسبيلها على الله أن يبينها للناس ، فالهداية على الله ، لذلك ودققوا في هذه الآية ، وهذه الآية تحل مشكلات كثيرة :

 

﴿ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ ﴾

( سورة الأنفال الآية : 23 )

بشارة عظيمة : من أسْمعه الله الحق كان فيه خير

 إن أيّ إنسان سمع الحق علم الله فيه خيرًا ، وهذه بشارة ، لكن هناك من يشتري بآيات الله ثمناً قليلاً .
 مرةً ضربت هذا المثل : ثمة إنسان على طاولته ورقة صغيرة بيضاء مستطيلة ، ظنها ورقة عادية ، فاضطر أن يجمع رقمين طويلين فاستخدمها كمسودة ، جمع الرقمين ، وأخذ الجواب ، ثم مزقها إرباً إِرباً ، وألقاها في المهملات ، ثم تبين له أن هذه ليست ورقة إنما هي صكٌّ بمئة مليون دولار ، هو انتفع بها ، لكن نسبة الانتفاع بها ضئيلة ، لأنه استخدمها ورقة مسودة ، أما قيمتها فمبلغ فلكي .
 إن هذا مثلُ الذي يتاجر بالدين ، هذا الذي يشتري بآيات الله ثمناً قليلاً ، هذا الذي يظهر تدينه لمآرب مادية ، لذلك قال الإمام الشافعي : " لأن أرتزق بالرقص أهون من أن أرتزق بالدين ".
 كنت أقول دائماً : ما من عمل يتذبذب بين أن يكون عملاً عظيماً يرقى إلى صنعة الأنبياء ، وبين أن يكون عملاً رخيصاً تافهاً لا يستأهل إلا ابتسامة ساخرة كالدعوة إلى الله ، يكون عملاً عظيماً يرقى إلى صنعة الأنبياء إذا بذلت من أجله الغالي والرخيص ، والنفس والنفيس ، ويكون عملاً تافهاً لا يستأهل إلا ابتسامة احتقار حينما ترتزق به .
 أيها الإخوة ،

﴿ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ ﴾

 فالله عز وجل تولى الهداية ، وصدقوا أن لو عند الإنسان واحدٌ من مليار من خير فلا بد من أن يسمعه الله الخير .
 حدثني أخ كان بأمريكا ، ودخل إلى مسجد بغرب أمريكا ، قال لي : رأيتُ شخصًا من هيأته من أعرق الأسر الأمريكية ، كان لواء في الجيش ، ينظف المسجد ، سأله صديق ضابط كبير في الجيش الأمريكي ، لكنه كان على حاملة طائرات ، ورست في بعض الموانئ العربية الإسلامية ، والتقى بإنسان مثقف ثقافة عالية فأقنعه بالإسلام ، وأسلم ، والآن هو في خدمة هذا المسجد ،

﴿ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ ﴾

 اطمئِن ، و دمت قد سمعت الحق فهذه بشارة أن الله علم فيك خيراً ، إلا إذا تاجر الإنسان بالدين ، جاء لمهمة أخرى غير التعلم ، هذه متاجرة بالدين .

أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ ءَايَاتِي

﴿ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ ﴾

 التقصي هو التتبع .

﴿ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ ءَايَاتِي ﴾

آيات الله الكونية والتكوينية والقرآنية

 الآيات أيها الإخوة العلامات الدالة على الله .
 بشكل مبسط جداً : أحياناً ترى لوحة على جانب الطريق تدل على منعطف خطر ، هذه علامة أن هناك منعطفًا خطرًا ، علامة أخرى تدل على تقاطع خطر ، علامة ثانية على اتجاه موحد ، علامة ثلاثة أن ثمة طريقًا فرعيًّا ، هذه كلها إشارات .
 الآية العلامة الدالة على شيء ، الله عز وجل آياته منوعة ، عنده آيات كونية خلقه ، وعنده آيات تكوينية ، أفعاله ، وعنده آيات قرآنية ، أوامره ، آيات تكليفية ، آيات كونية ، آيات تكوينية ، فالرسل :

﴿ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ ءَايَاتِي ﴾

﴿ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ ﴾

( سورة البقرة الآية : 129)

﴿ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ﴾

(سورة آل عمران الآية : 164 )

 فالكتاب القرآن ، والحكمة هي السنة ، والآيات الأولى الكونية :

﴿ يَتْلُو عَلَيْهِمْ ءَايَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ﴾

 الترتيب مختلف من آية وثانية ، اقتراح سيدنا إبراهيم :

 

﴿ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ﴾

( سورة البقرة الآية : 129)

 الترتيب الإلهي :

 

﴿ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ﴾

( سورة آل عمران الآية : 164 )

 التزكية تأتي بعد التفكر في خلق السماوات والأرض ، ويأتي بعدها المنهج .
 إذاً :

﴿ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ ءَايَاتِي ﴾

 بعد هذا صلى الله عليه وسلم :

(( ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ))

[رواه ابن حبان والطبراني ورجال عن تميم الداري ]

 سافرت إلى بلد في أقصى الشرق ، وفي جنوبي أقصى الشرق ، وفي أقصى مدينة في الشرق ، وفي أقرب مدينة إلى القطب ، في أستراليا فيها إذاعات للقرآن ، ودروس دين ، كأنك في الشام ،

(( ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ))

 الآن بالإنترنت تأتي رسائل من كندا ، من أستراليا ، من إفريقيا ، من جنوب إفريقيا ، خمس قارات تطلع على القرآن والسنة والتفسير ، والعالم كان خمس قارات متباعدة متقاطعة ، فأصبح قارة واحدة ، ثم أصبح بلدًا واحدًا ، ثم أصبح مدينة واحدة ، ثم أصبح بيتًا واحدًا ، ثم غرفة واحدة ، الآن العالم كله في سطح مكتب واحد ، فما يجري في أقصى الدنيا ينتقل إليك خبره مع صورته خلال ثوان ،

(( ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ))

 ولعل الحكمة في أن النبي خاتم الأنبياء لأن الله علم سيكون هناك تواصل ، اتصالات ، ثورة الاتصالات ، من كان يصدق أن تكتب رسالة على جهاز الفاكس فتصبح في أقصى مكان في العالم في ثوان كما هي ؟ هكذا .
إذاً :

﴿ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ ءَايَاتِي ﴾

 منكم ، ومن جنسكم ، لتقوم الحجة عليكم .

وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا

﴿ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ ءَايَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا ﴾

 أكبر ركنين من أركان الإيمانِ الإيمانُ بالله واليوم الآخر ، وما من ركنين تلازما في القرآن كركن الإيمان بالله واليوم الآخر ، والحقيقية كلاهما شرط لازم غير كاف .
 إنّ العالم الغربي يقول : الله ، على عملتهم ثقتنا بالله ، لكنهم لم يؤمنوا باليوم الآخر ، لذلك بنوا مجدهم على أنقاض الشعوب ، بنوا غناهم على إفقارها ، بنوا أمنهم على هدر أمنها ، والدليل أنهم يقولون : فوضى بناءة ، قتل يومي ، وإفقار يومي ، وفوضى بناءة ، لذلك هؤلاء الذين شردوا عن الله شرود البعير هم الذين لم يعبؤوا بهذه الرسالات .
 ضرت مثلا ، وأتمنى أن يكون واضحاً لديكم : لو أن إنسانين أرادا أن يشتريا سيارتين ، الأول اشترى ، والثاني تريث ، ثم سَرَتْ إشاعة في البلد أن هناك قرارًا بتخفيض الرسوم إلى النصف ، الذي اشترى يكذّب هذا الخبر دون أن يتحقق ، ودون أن يسأل ، لكن تكذيب الخبر يريحه ، والذي لم يشترِ يصدق الخبر دون أن يتحقق ، ودون أن يسأل ، لأن تصديق الخبر يريحه .
 معنى ذلك أن الإنسان أحياناً يصدق شيئاً ، ويكذب شيئاً ، ولا علاقة له بواقعية الشيء ، ومصداقية الشيء ، إلا أن هذا الخبر يريحه إذا صدقه ، وذاك يريحه إذا كذبه .
 لو تابعنا المثل بإنسان يبيع ويشتري ، ويغش المسلمين في البيع والشراء ، حضر درس علم لداعية علْمه وسط ، حدثهم عن الشفاعة بالمعنى الساذج ، أيْ : اعمل ما شئت والنبي عليه الصلاة والسلام سيشفع لنا يوم القيامة ، هذه فكرة مريحة جداً ، لكن غاب عن هذا الذي علمهم قول النبي صلى الله عليه وسلم قوله e :

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَل

وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِين

 َ قَالَ :

(( يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ، أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا ، اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ ، لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا ، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا ، يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا ، وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ، لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا ، وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي ، لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا ))

[متفق عليه]

(( وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ ))

[مسلم]

 وغاب عن هذا الذي يعلم الناس مفهوم الشفاعة الساذج أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول يوم القيامة يتبرأ من مثلهم .
 عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ :
 عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( إِنِّي فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ ، مَنْ مَرَّ عَلَيَّ شَرِبَ ، وَمَنْ شَرِبَ لَمْ يَظْمَأْ أَبَدًا ، لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ أَقْوَامٌ أَعْرِفُهُمْ ، وَيَعْرِفُونِي ، ثُمَّ يُحَالُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ ، فَأَقُولُ : إِنَّهُمْ مِنِّي ، فَيُقَالُ : إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ ، فَأَقُولُ : سُحْقًا ، سُحْقًا لِمَنْ غَيَّرَ بَعْدِي ))

[متفق عليه]

 لكن مفهوم الشفاعة الساذج مريح جداً للناس ، كان يأكل أحدُهم الربا لمّا قرأ قوله تعالى :

 

﴿ لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً ﴾

( سورة آل عمران الآية : 130)

 يستنبط استنباطًا شيطانيًّا ؛ أن التحريم لا ينطبق على النسب القليلة في الربا ، ينطبق فقط على النسب العالية ، وغاب عنه قوله تعالى :

 

﴿ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ ﴾

( سورة البقرة )

 إذاً : الإنسان يميل ليصدّق شيئًا يريحه ، يميل ليكذب شيئًا يزعجه ، أما الذي يريد أن يبني مجده على أنقاض الشعوب ، وغنى شعبه على إفقار الشعوب ، وأمنه على تخويف الشعوب ، هل يكفيه مفهوم الشفاعة الساذج ؟ هذا يحتاج إلى الإلحاد ، ومن لوازم الإلحاد أن ليس هناك إله ، وليس هناك يوم آخر ، هذه خرافات ، وهذه شعور ضعف أمام الطبيعية القاسية ...إلخ ، هذا الإلحاد يحتاج إلى إيديولوجيا ، إلى فكر ، تأتي نظرية داروين لتقدم هذه الإيديولوجيا للملحدين ، مع أن هذه النظرية سقطت لا من علماء من مسلمين ، بل من علماء أجانب ، لأنه ليس فيها فقرة واحدة أثبتها العلم ، يقول داروين نفسه : إن لم تثبت نظريتي المستحاثات فهي باطلة ، المستحاسات التي كشفت بعد 500 مليون عام آثار الحيوانات فيها كالحيوانات الحالية ، الأسماك ، والطيور ، والزاوحف نفسها ، أين الحيوان الانتقالي من مرحلة إلى مرحلة ؟ ليس موجود ، وما وجدوه أبداً ، تزرع قضية الطفرة وأثبت العلم خطأها ، تزرع بالانتخاب الطبيعي ، أثبت العلم خطأه ، هذه النظرية لا يمكن أن تقف على قدمين ، بل هي ساقطة تالفة ، وفي كل مناهج دول العالم موجودة ، لماذا ؟ لا لأنها مغلوطة ، بل لأنها مريحة ، لا إله ، ولا آخرة ، فافعل ما تشاء .
 تماماً كما لو أنبأ إنسان طالباً أن المدرس يعطي الأسئلة قبل يومين مقابل هدية ، هذه فكرة للكسول ، وهي مريحة جداً ، فترك الدراسة كلياً ، واعتمد على هذه الفكرة ، قبل يومين طرق باب المدرس فصفعه صفعتين أنسته حليب أمه ، وطرده .
 إنّ الإنسان يميل إلى تصديق إلى أشياء مريحة ، لكن البطولة أن تكون حارساً على عقله ، ألا تسمح لنظريات مرحة أن تسري إليك .
 أيها الإخوة ،

﴿ يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ ءَايَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ ﴾

وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِين

شهادة أعضاء الإنسان على أعماله يوم القيامة

 المشكلة أن الإنسان في الدنيا له أبعاض ، يده بعضه ، رجله بعضه ، جلده بعضه ، سمعه بعضه ، بصره بعضه ، الإرادة في الدنيا مسيطرة على أبعاض الإنسان ، طبعاً هناك جزء في الإنسان لا إرادي ، ضربات القلب لا إرادية ، الجملة الودية الجملة نظيرة الودية لا إرادية .
 مثلاً : لو سئل سؤالا محرجا يحمر وجهه ، ليس بإرادته أن يجعل لونه محمراً ، أحيانا يعرق عرقا باردا ، وحتى جهاز كشف الكذب مبني على التعرق ، فإذا كذب الإنسان واضطرب يتعرق ، لوجود تعرق ، ورفع نبض القلب ، ومظاهر كثيرة جداً ليس له عليها سيطرة ، فهو في الدنيا في بعض المجالات كالتنفس ، والقلب وما إلى ذلك أعمال لا إرادية ، لكن فيما سوى ذلك جعل الله عز وجل الإنسان مسيطراً على أبعاضه ، يريد أن يمشي فيمشي ، تطاوعه رجله ، يريد أن يبطش يَبطش ، تطاوعه يده ، يريد أن يكذب يكذب ، يطاوعه لسانه ، يريد أن ينظرَ ينظرَ ، تطاوعه عينه ، لكن عند الموت وبعد الموت تنتهي سيطرته على أعضائه ، فتأتي أعضاءه تشهد لله عز وجل عن كل أعماله .

﴿ وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ ﴾

( سورة فصلت الآية : 21 )

 فأنت في الدنيا سمح الله أن تكون مهيمناً على أعضائك وأبعاضك ، لكن بعد يوم القيامة هذه السلطة تسحب منك ، وكل أعضائك التي شهدت المعاصي والآثام تشهد ضدك ،

﴿ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ ءَايَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ﴾

وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا

 الشيء الذي يغر في الحقيقة يغري ، المعصية محببة ، لكن المعصية متعتها آنية ، يأتي بعدها الندم والكآبة ، كل الشهوات المحرمة بعدها في كآبة ، لأن فطرة الإنسان موافقة مع المنهج ، لو أن إنسانًا لا يعرف شيئا عن الدين ، إذا زنا يشعر بكآبة ، هذه كآبة الفطرة ، فالشهوات محببة ، والتناقض بين الطبع والشهوة ثمن الجنة ، والإنسان يميل بطبعه إلى أن ينظر ، وقد أُمِر بغض البصر ، يميل إلى أن يخوض في فضائح الناس ، وقد أُمِر بالصمت ، يميل إلى النوم ، وقد أُمِر بالاستيقاظ ، يميل إلى أخذ المال ، وقد أُمِر بإنفاق المال ، يميل إلى الراحة ، وقد أُمِر بالصلاة ، الصلاة فيها مشقة ، لذلك التناقض بين الطبع وبين التكليف ثمن الجنة ، هؤلاء غرتهم الحياة الدنيا ، ولأن الدنيا تغر ، وتضر ، وتمر .

قصة وعبرة

 مناسبة لطيفة لرواية قصة طريفة :
 لي صديق توفي ـ رحمه الله ـ كان شاباً صغيراً في محل بسوق الحمدية ، فكان يجمع قمامة المحل ويضعها في علبة فخمة ، ويلفّها بورق فخم وشريط أحمر مع وردة ، يضعها على الرصيف ، يأتي إنسان فيظن أن فيها ألماسا ، أو فيها شيء ، يأخذها ويسرع ، فيتبعه ، بعد 200 متر يفك الشريط الأحمر ، وفي 100 متر ثانية يفك الورق ، وفي 100 متر الثالثة يفتح العلبة فيجد فيها قمامة المحل ، يتلفظ بكلمات قاسية جداً .
 هكذا الدنيا تغر ، وتضر ، وتمر .
 سأقول لكم كلمة دقيقة : لو أخذنا بعض الشهوات ؛ المرأة أو المال ، المال :
 المال في أول الحياة شيء كبير ، في منتصف الحياة المال شيء ، وليس كل شيء ، أما على فراش الموت فالمال ليس بشيء ، فالبطولة أن تعرفه على حقيقته قبل الموت ، ألا تكون عبداً للمال ، بل أن يكون المال عبداً لك ، ألا تكون له ، بل أن يكون لك ، ألا يسخر منك ، بل أن تسخره أنت في سبيل النجاح والفلاح .
 لذلك أيها الإخوة ،

﴿ وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ﴾

 الدنيا تغر ، قال الله عز وجل :

 

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ﴾

( سورة فاطر )

 اشترى إنسان بيتين في أعلى طابق ، وما كان فيه مصعد ، والبيتان على المفتاح ، لم تعجبه كسوتهما ، أعادهما على الهيكل ، قلع الأبواب ، كسر البلاط ، ألغى كل شيء ، وكساهما على ذوقه سنتين أو ثلاثا ، ويومياً يصعد الطوابق الـ12 ، ويصل إلى هناك ، وبعد أن تمت الكسوة على شكل متميز جداً وافته المنية ، الدنيا تغر ، وتضر ، وتمر .
 أيها الإخوة ...

﴿ وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ﴾

 يغر بمالها ، يغر بنسائها ، يغر بمناصبها ، يغر أحياناً بحتفها .
 أعرف رجلا ما ترك تحفة ، له أسفار كثيرة ، كل تحفة ليرة ، مليون ليرة ، فلزات عالية جداً ، بيته واسع ، يشتريها ، وكان مغرماً بها ، وكل إنسان يغرم بشيء ، أما حينما يأتي ملك الموت يتخلى عنه هذا الشيء .
اعتقد أيها الأخ الكريم وأنا معكم أنّ كل شيء أحببته في الدنيا إما أن تفارقه ، وإما أن يفارقك .

 

﴿ لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾

( سورة الأنعام الآية : 127 )

 ماذا يقابل دار السلام ؟ دار التعب والشقاء ، تصور إنسانا ما عنده مشكلة ، لكن ألا يتقدم في السن ؟
 قال لي مرة أستاذ لي جزاه الله خيراً ورحمه الله ، قال لي : سبحان الله ! أنا قبل خمسين سنة أنشط من الآن ، طبعاً هل هناك إنسان يبقى على حاله ؟ هناك التهاب مفاصل ، هناك انزلاق غضروفي ، هناك ارتباك بعمل القلب ، هناك عدم ضبط النظم ، هناك شعور بالتعب ، هناك أمراض لا تعد ولا تحصى ، فالجسم في تراجع ، والإنسان يكون بمنصب رفيع ، فيتقاعد ، يُهمش ، يتمنى أولاده أن يجلسوا مع أصدقائهم من دون أبيهم ، يتهربون منه أحياناً ، هذا شيء يقع ، فالإنسان يُهمش ، وبعد أن يُهمش يصيبه خرف أحياناً ، لذلك عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سَبْعًا ، هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلَّا فَقْرًا مُنْسِيًا ؟ أَوْ غِنًى مُطْغِيًا ؟ أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا ؟ أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا ؟ أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا ؟ أَوْ الدَّجَّالَ ؟ ـ الحرية والديمقراطية ـ فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ ، أَوْ السَّاعَةَ ، فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ ))

[رَوَاهُ التَّرْمِذِيُّ عن أبي هريرة]

 هل تستطيع أن تستيقظ كل يوم كل اليوم السابق ؟ مستحيل ، في يوم فيه مفاجأة ، هذه اسمها بوابة الخروج ، وكلنا سوف نخرج من الدنيا ، هذا مصير كل إنسان .
 فلذلك أيها الإخوة ، الإنسان العاقل يعد لهذه الساعة التي لا بد منها .

﴿ وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ ﴾

﴿ وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ ﴾

 أبعاضك في الدنيا تحت إمرتك ، لكن بعد الموت تشهد ضدك ، ما من حركة ، ولا سكنة ، ولا ابتسامة إلا وأنت محاسب عليها ، وما يعفو الله أكثر ، أنت تحت المراقبة ، لو قلنا لإنسان : هاتفك مراقب ، يختار كلمات دقيقة جداً ، يبتعد عن كلمة تثير الشبهة ، لا يقول لك : روشيش رشاش ، ينتقي كلمات دقيقة جداً ، لو قلنا له : حركتك مراقبة ، إذا رأى سفارة على اليمين يمشي على اليسار ، يخاف ، فإذا كان الإنسان مراقبا من إنسان لا ينام الليل ، فكيف إذا كنت مراقبا من الواحد الديان ؟ الله عز قال :

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ﴾

( سورة النساء)

﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ﴾

( سورة الفجر )

﴿ وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ ﴾

ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ

﴿ ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ ﴾

( سورة الأنعام )

 لو كانوا يقظين لم يحتاجوا إلى رسل ، ما معنى إرسال الرسل ؟ الناس في غفلة ، فالطالب المجتهد لا يحتاج إلى أستاذ خاص أبداً .
 قال لي مرة إنسان : آية تحيرني ، أن الله عز وجل فضل بني إسرائيل على العالمين ، هم في رأيه مجرمون ، وهم كذلك ، قلت له : إذا كان أب عنده ولدان ، ولد متفوق جداً ، وولد مقصر جداً ، الله يفضل المقصر بأستاذ خاص على المجتهد ، فهل هذا التفضل بأستاذ خاص يعني أنه أفضل منه ؟ أبداً ، لتقصيره خصه بمدرس خاص ، فأحياناً التفضيل لا يقتضي الأفضلية إطلاقاً .
 أيها الإخوة ،

﴿ وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ ، ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ ﴾

 مستحيل وألف ألف مستحيل أن يأخذ الله القرى وهي غافلة ، يأخذها بعد أن ينذرها ، لذلك الآية الكريمة :

 

﴿ وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا ﴾

( سورة الإسراء الآية : 16 )

 وفي قراءة : أمّرنا مترفيها ، وفي رواية : أمَرنا مترفيها ، أمرناهم بالطاعة ، بلغناهم :

 

﴿ فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً ﴾

( سورة الإسراء الآية: 16 )

 هناك طرفة ، يبدو أن سيدنا عمر ضبط إنسانا سارقا ، أقسم بالله هذا الإنسان أنها أول مرة ، قال له : كذبت ، إن الله لا يفضح من أول مرة ، فكانت المرة الثامنة .
 إخوانا الكرام ، فكرة دقيقة جداً ، الكفر هو الغطاء ، فحينما يكفر الإنسان يعني هل مؤمن ؟ كيف ؟ مؤمن وكذب على الناس ، مؤمن بفطرته ، وغطى إيمانه بادعاء الكفر ، هذا الكلام يؤكده قوله تعالى في الكفار الذين يقولون يوم القيامة :

 

﴿ وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴾

( سورة الأنعام )

 قال تعالى :

 

﴿ انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾

( سورة الأنعام الآية : 24 )

 إن في بأعماق الإنسان إيمانًا ، وحينما يكفر الإنسان يغطي شيئا آمن به ، فالذي آمن بالشيء وأعلنه هو المؤمن ، والذي آمن بالشيء وغطاه هو الكافر ، غطى إيمانه بغطاء من الإنكار ، والدليل :

انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِم

﴿ وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ، انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ ﴾

 الدليل :
 طائرة تحمل خبراء من بلد تداعى من الداخل وانتهى ، وكان يرفع شعار لا إله ، إلحاد كامل ، ركاب الطائرة مهندسون كبار ملحدون جميعاً ، خبراء من هذا البلد ، دخلت الطائرة في سحابة مكهربة ، فكانت على وشك السقوط ، يقسم لي بالله إنسان كان طالباً من دمشق راكب في الطائرة قال لي : كل هؤلاء المهندسين الملحدين صرخوا يا الله .
 أحيانا ينتفع الإنسان بالكفر ، كيف ؟ لو أنه حمَّالٌ يستخدم حماره للحملِ ، مات الحمار انقطع دخله كلياً ، هو خبيث وشيطان ، دفنه في مكان ، وعمر أربعة جدران وقبة خضراء ، وسماه وليا ، والناس تقاطروا عليه ، وتدافعوا ، وجاءوا بالهدايا والخرفان والدجاج والسمن ، واشترى بيتا ، وعاش ببحبوحة مخيفة ، هل مِن قوة في الأرض تقنعه أن هنا حمارا مدفونا ؟ هو دفنه بيده ، هو قناعته أن المدفون حمار أشد من قناعة الذي يناقشه ، ولكنه منتفع .
أحيانا ينتفع الإنسان بالكفر ، ينتفع انتفاعا كبيرا جداً ، لكن هذا المنتفع لا يناقش ، الغبي لا يناقش ، والمنتفع لا يناقش ، والقوي لا يناقش ، وقد يجتمعون بواحد ، لذلك :

﴿ وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴾

 قال :

﴿ انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ ﴾

 فطرتك تنطق بوجود الله ، والدليل : الكآبة التي لا يحتملها الكافر .
 حدثنا أخ أوقف سيارته ثمنها 11 مليونا على جسر ، وألقى بنفسه ، نزل ميت ، ما الكآبة التي يحس بها الذي يركب مركبة بـ 11 مليون ، غني جداً ، يجب أن يكون معه 200 مليون حتى يتناسب ثمنها مع ثمن السيارة ، ألقى بنفسه من الكآبة .
 حينما تستقيم على أمر الله تبحث عن راحتك ، تبحث عن توازن ، تبحث عن أمن ، تبحث عن استقرار ، تبحث عن سكينة الله ، تبحث عن رحمة الله .

﴿ وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴾

﴿ انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ ﴾

 لذلك أيها الإخوة ، حقائق الإيمان مركوزة في أعماق أعماقنا ، والكافر يغطيها معناها الكافر يغطي إيمانه بإنكار قواعد الإيمان ، والدليل الآيتين .
 وفي درس قادم إن شاء الله نتابع هذه الآيات .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018