الدرس : 52 - سورة الأنعام - تفسير الآيتان 126 – 127 ، الصراط المستقيم ـ التولي والتخلي - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 52 - سورة الأنعام - تفسير الآيتان 126 – 127 ، الصراط المستقيم ـ التولي والتخلي


2006-02-24

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .
 أيها الإخوة الكرام ، مع الدرس الثاني والخمسين من دروس سورة الأنعام ، ومع الآية السادسة والعشرين بعد المئة ، وهي قوله تعالى :

﴿ وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ﴾

وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا

 على من تعود

﴿ هَذَا ﴾

 ؟ هذا القرآن ، هذا المنهج ، هذا الصراط المستقيم .
 الإنسان أيها الإخوة أودعت فيه الشهوات ، والشهوات تدعوه إلى الحركة ، فإذا كان هناك طريق يمشي عليه سلم ، وإن لم يكن هناك طريق شقي ، ما دام هناك حركة فلحركة تحتاج إلى طريق ، من أين جاءت الحركة ؟ من الشهوات ، يجب أن تأكل حفاظاً على الفرد ، يجب أن تتزوج دون أن تشعر حفاظاً على النوع ، يجب أن تؤكد ذاتك حفاظاً على الِذكر ، فهذه الدوافع الكثيرة في الإنسان تدفعه إلى الحركة ، الحركة تحتاج إلى طريق ، والعقل هو المقود الشهوات ، والدوافع هي المحرك ، والعقل هو المقود ، والله عز وجل رسم لهذا الإنسان الذي قَبل حمل الأمانة ، والذي قال : أنا لها يا رب ، والذي كرمه الله عز وجل بأن سخر له :

 

﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ ﴾

( سورة الجاثية الآية : 13 )

 هذا الصراط هو القرآن الكريم منهج الله عز وجل .
 أيها الإخوة ،

 

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴾

( سورة الأنعام الآية : 1 )

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ ﴾

( سورة الكهف الآية : 1 )

 الكون كله في كفة ، والقرآن في كفة ثانية ، لذلك الكون قرآن صامت ، والقرآن كون ناطق ، والنبي عليه الصلاة والسلام قرآن يمشي .
 إذاً :

﴿ وَهَذَا ﴾

 القرآن بآيات الكون الدالة على عظمة الله ، الآيات الدالة على الآمر ، بالآيات التشريعية الآيات التي هي المنهج ، بالآيات التاريخية من أجل أن تستنبط الدروس والعبر ، الآيات المستقبلية ما يكون عليها الإنسان بعد الموت ، من أجل أن تبحث ، وتحث الخطى إلى الجنة ، وأن تبتعد عن النار .
 فالقرآن بآياته الكونية ، والتشريعية ، والإخبارية ، ومشاهد يوم القيامة كلها من أجل أن تكون لك منهجاً قويماً يسير عليه .

حاجة الإنسان إلى منهج

 إخواننا الكرام ، لا معنى لوجود الإنسان من دون منتهج يسير عليه ، والمثل الذي يوضح هذه الحقيقة :
 أن آلة غالية جداً ، نفعها عظيم جداً ، آليتها معقدة جداً ، لو اشتريتها ودفعت ثمنها مبلغاً فلكياً ، ولم ترسل لك الشركة معها تعليمات التشغيل والصيانة ، ما الذي يحصل ؟ إن حركتها واستعملتها من دون تعليمات الصانع أفسدتها ، وخسرت ثمنها ، وإن خفت عليها فلم تستخدمها جمدت ثمنها ، أليست هذه التعليمات على أنها كُتيب صغير أثمن من الآلة ، وأخطر منها ، هذا المعنى أشار إليه القرآن الكريم حينما قال :

﴿ الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآَنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾

( سورة الرحمن )

 أيعقل أن يُعلم الإنسان القرآن قبل أن يخلق ؟

﴿ الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْءَانَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ ﴾

 قال العلماء : هذا الترتيب ليس زمنياً ، بل هو ترتيب رتبي ، بمعنى أن وجود الإنسان لا معنى له من دون منهج يسير عليه ، ما الذي ترونه في العالم اليوم ؟ قتل ، تمثيل نهب ، سرقة ، سيطرة ، عدوان ، تفسد أخلاقي ، انحلال ، هذه حركة بدافع الشهوات من دون منهج إلهي ، الذي ترونه وتسمعونه كل يوم ما يجري في العالم من سقوط ، من ظلم من قهر ، من تدمير ، من انحراف ، من انحلال هي حركة من دون منهج ، لذلك ما من مخلوق في الكون يوصف بالفساد إلا المخلوق الذي أودع الله فيه الشهوات ، ومنحه حرية الاختيار ، وأعطاه ميزاناً .

 

﴿ وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ﴾

( سورة الرحمن )

 وأنزل على أنبيائه كتباً ، فتحرك بدافع شهواته ، من دون منهج الله عز وجل ، لذلك قال تعالى :

 

﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ ﴾

( سورة القصص الآية : 50 )

 المعنى المخالف أن الذي يتبع هواه وفق هدى الله عز وجل لا شيء عليه .
 الإسلام دين الحياة ، الإسلام دين الفطرة ، الإسلام دين الواقع ، الإسلام من أجل أن تحيى حياة مفعمة بالسلامة والسعادة ، من أجل أن تسعد ، الإسلام منهج الخالق إلى جنته .
 لذلك هذا القرآن بما فيه من آيات كونية ، وهي 1300 آية تعرف بالله عز وجل وما فيه من آيات تشريعية ، ومن آيات تعاملية ، ومن آيات تعبدية ، ومن ذكر أخبار الأمم والشعوب السابقة ، ومن نقل مشاهد يوم القيامة ، هذا القرآن ، هذا المنهج ، بكلياته وبتفاصيله التي جاءت لها السنة المطهرة :

 

﴿ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ﴾

( سورة آل عمران الآية : 164 )

 الحكمة شرح النبي عليه الصلاة والسلام لما في القرآن ، هذا القرآن بكلياته التشريعية والتعريفية ، وتفصيلاته النبوية ، تحت كلمة :

﴿ وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا ﴾

 أيها الإخوة الكرام ، يمكن أن تعيش حياة مديدة ، حياة هانئة ، حياة سعيدة ، حياة فيها حركة هادفة ، حياة فيها سعادة ، فيها أمن ، فيها طمأنينة ، فيها استقرار ، فيها تحقيق أهداف ، فيها رفع ذكر ، يمكن أن تعيش حياة في أعلى مستوى إذا طبقت منهج الله عز وجل ، لذلك الذي يحرص على سلامته وسعادته ، الذي يحرص على مكاسب حياته يستقيم على أمر الله ، إذاً :

 

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ﴾

( سور فصلت الآية : 46 )

﴿ وَهَذَا صِرَاطُ ﴾

 أيْ طريق ، الصراط هو الطريق ، نحن في الأرض أحياناً يكون هناك في طريق لكنه غير مستقيم ، طريق جبلي ، كله منعطفات حادة ، صراط ، الطريق ممهد ، معنى ممهد أي سوي ، مسوّى ، طريق غير ممهد ، فيه صخور وعقبات ، ووهاد ، وحفر ، واختناقات ، وانجراف ، أما الطريق المسوى الممهد فقد يكون الطريق مسوى ، لكنه غير مستقيم ، وقد يكون الطريق مستقيماً ولكنه ليس مسوى ، طريق الله عز وجل يجمع بين أنه سوي ، وأنه مستقيم ، أحياناً يواجه من يشق الطريق تلة عالية جداً لا يستطيع أن تخترقها ، يدور حولها ، الطريق معبد ، لكنه غير مستقيم ، وأحياناً لا بد من أن يخرق الجبل ، لكن بغير إمكانات ، فالطريق سوي لكن في عقبة كأداء ، هي الجبل ، تحتاج إلى نفق ، والنفق له تكاليف عالية جداً ، يجب أن نفهم أن الطريق إلى الله يجمع بين أنه مسوى معبد ، وأنه مستقيم .
 ويا أيها الإخوة ، في زمن الانعطافات التاريخية كهذا الزمن الأمور واضحة جداً ، الطريق إلى الله سالكة وواضحة ، وطريق الشهوات والمصالح والمنازعات طريق آخر ، لذلك :

﴿ وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ ﴾

 ربك يا محمد ، ودائماً يجب أن نعتقد أن طاعة رسول الله هي عين طاعة الله ، وأن طاعة الله هي عين طاعة رسول الله .

 

﴿ مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ﴾

( سورة النساء الآية : 80 )

﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ ﴾

( سورة القصص الآية : 50 )

 أن تستجيب لرسول الله عين استجابتك لله ، وأن تستجيب لله بالتأكيد هي استجابة لرسول الله .

﴿ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ ﴾

( سورة التوبة الآية : 62 )

 بضمير الغائب ، يعني إرضاء رسول الله عين إرضاء الله ، وإرضاء الله عين إرضاء رسول الله .

﴿ وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ ﴾

 لقد نسب الصراط إلى رسول الله ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد عصمه الله من أن يخطئ في أقواله ، وفي أفعاله ، وفي إقراره ، لأن الله سبحانه وتعالى عصم نبيه من أن يقول غير الحق .

 

﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾

( سورة النجم )

 لذلك النبي عليه الصلاة والسلام معصوم ، لأنه معصوم أمرنا الله عز وجل أن نأخذ ما آتانا ، وأن ننتهي عما عنه نهانا . ف

 

﴿ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾

( سورة الحشر الآية : 7 )

﴿ وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ ﴾

 وكما تعلمون أيها الإخوة أن الخط المستقيم أقصر خط بين نقطتين ، وأنه بين نقطتين لا يمرر إلا خط مستقيم واحد ، ولو رسمت ألف مستقيم بين نقطتين لجأت كلها منطبقة على بعضها بعضاً ، وبين نقطتين ليس هناك إلا خط مستقيم واحد فقط ، أما الخطوط المنحية والمتعرجة فلا تعد ولا تحصى ، لذلك الباطل متعدد ، جاء الباطل جمعاً ، وجاءت الاستقامة على أمر الله مفردة ،

﴿ وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا ﴾

 خط مستقيم واحد ، أما السبل :

 

﴿ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ﴾

( سورة الأنعام الآية : 153 )

 السبل المنحنية جاءت جمعاً .

 

﴿ يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ ﴾

( سورة البقرة الآية : 257 )

 جمع .

 

﴿ إِلَى النُّورِ ﴾

( سورة البقرة الآية : 257 )

 مفرد .
 قد يقول قائل : لمَ لم يقول الله عز وجل : يخرجهم من الظلمات إلى الأنوار ، أو من الظلمة إلى النور ؟
 الحق واحد لا يتعدد ، أما الباطل فلا يعد ولا يحصى ، هناك مليار باطل ، مليار باطل اعتقادي ، مليار باطل سلوكي ، مليار باطل عدواني ، هناك على الأراضي ، و عدوان على الذات ، وعدوان على الممتلكات ، وعدوان على الثروات ، مليار باطل ، لكن الحق واحد .

 

﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ﴾

( سورة الأنعام الآية : 153 )

 بالمناسبة ، يمكن أن تستوعب الحق في عمر معتدل ، وإذا استوعبت الحق كان الحق ميزاناً لك ،

﴿ وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ﴾

 فلا أعمارنا جميعاً ، ولا أعمار أهل الأرض تتسع للباطل ، من أجل أن تطلع على المنطلقات العميقة لفرقة باطلة تحتاج إلى سنوات ، تحتاج إلى سنوات كثيرة ، وطريق أن تستوعب الباطل طريق مسدود ، وفيه مضيعة وقت ، استوعب الحق واكتفِ به ، الذي استوعبته من الحق هو المقياس .
 أنا حينما أمشي على طريق معبد تسلم مركبتي ، أما حينما أهوي بها في أعماق الوديان هناك مليون حالة لتدمير المركبة ، بحسب الصخور ، بحسب العمق ، بحسب فالتدمير منوع ، أما السلامة فواحدة ، السلامة حدية ، أما التدمير فنسبي .
 أحيانا حادث سير قد يتلف مقدمة السيارة ، قد يتلف جنبها ، جنبها الأيسر ، سقفها ، عجلاتها ، مصدها ، أما السيارة السليمة فلها حالة واحدة ، كما أخرجها المصنع ، فالسلامة حدية ، أما العطب فمنوع تنويعا كثيرا .

﴿ وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ﴾

﴿ يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ﴾

 إذاً من فضل الله علينا أن الصراط الذي هو القرآن ، وصف كما يوصف الطريق المستقيم المسوى ، طريق مستقيم ، والمستقيم هو أقصر مسافة بين نقطتين ، ومسوى يعني أنه معبد ، وسوي إلى الهدف .

﴿ وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ﴾

وهمٌ كبيرٌ في فهم الإسلام

 هناك وهم كبير يعيشه المسلمون ، أن التدين يعني أن تصلي ، وأن تصوم ، وأن تحج ، وأن تذكي ، وأن تشهد أنه لا إله إلا الله ، والحقيقة التدين 500 ألف بند ، هذه الخمسة بعضها ، ومنهج الله عز وجل يبدأ من أشد العلاقات التصاقاً بك ، العلاقات الحميمة جداً ، منهج الله عز وجل يبدأ من فراش النوم ، إلى العلاقات الدولية ، هذا هو الإسلام ، منهج ، وأن أعداء الإسلام يريدونه عبادات ليس غير ، أن تصلي ، وأن تصوم ، وان تحج ، وأن تغرق في أحكام الفقه فقط ، أما الشأن العام المنهج العام مستورد من الغرب ، ليس هذا هو التدين ، منهج الله عز وجل يشمل كل مناحي الحياة ، لذلك المنهج الإلهي للتقريب : 500 ألف يند ، والصيام والصلاة والحج والزكاة والنطق بالشهادة خمسة بنود من هذه البنود الـ500 ألف .
 فلذلك هذا الإسلام لا نقطف ثماره إلا إذا أخذناه كله ، وأخطر مذهب بالحياة المذهب الانتقائي ، أن تأخذ من الإسلام ما يعجبك ، قضية عمرة ، وركب طائرة ، وطواف سبعة أشواط ، وتسوق من محلات فخمة جداً ، القضية سهلة ، أما قضية ضبط الدخل وفق منهج الله ، ضبط الإنفاق ، ضبط العلاقات فأمر آخر .
 أيها الإخوة ، الإسلام منهج متكامل ، إن لم تأخذه كاملاً لا تقطف ثماره أبداً ، لأنه كالعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك ، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً ، هذه المشكلة ، يريدون الإسلام صلاة فقط ، وأعمال تؤدى في المساجد ، أما في البيع والشراء ففيه كذب ، وتدليس ، وغش ، وبضاعة محرم أن تبيعها ، بعلاقات اجتماعية منحرفة ، هذا شيء كله مرفوض .
 إذاً :

﴿ وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ﴾

 أيها الإخوة الكرام ، بقي آية إن شاء الله سأشرحها ، وربما توسعت في شرحها في الدرس القادم :

 

﴿ لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

( سورة الأنعام )

منهج الله ضمان لدار السلام ومخالفته وقوع في المخاوف

 هذا الذي مشى على طريق الاستقامة ، هذا الذي ضبط حركته وفق منهج الله هذا الذي أدى ما عليه ، هذا الذي ائتمر بما أمر الله ، وانتهى عما عنه الله نهى ماذا له ؟ يتصور الناس أن المسلم محروم ، بسيط ، أفقه محدود ، لم يستمتع بمباهج الحياة ، المسلم ينتظر وعد الله عز وجل لجنة عرضها السماوات والأرض .

﴿ لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾

 دار السلام ، والدنيا ليست دار سلام ، قطعاً ، في أفضل الأحوال هناك تقدم بالسن ، ومع تقدم السن ضعف بالذاكرة ، و ضعف بالبصر ، وإصلاح بالأسنان ، وخلل بالعمود الفقري ، والتهاب مفاصل ، وزوجة متعبة ، وأولاد متعبون ، وكساد ، ودخل قليل ، ومصاريف كثيرة ، وضغوط أجنبية ، وحرب أهلية ، واحتلال ، ونهب ثروات ، وقهر ، وجمال ، و دمامة بالحياة ، وذكاء وغباء ، وغنى و فقر ، وصحة و مرض ، هذه الدنيا ليست دار قرار ، إنها دار عمل .

الدنيا دار عمل وتعب

 غير معقول أن يصبح مقعد الدراسة سريرا ، الطالب تعب ، يعمل حركة يريد أن ينام ، غير معقول أن يكون أمام الطالب شاشة ، ومذياع ، ومجلات ، وموالح ، وفواكه ، وسندويش مسخن ، هذه ليست مدرسة ! المقعد بالمدرسة مقعد زاوية قائمة خشب ، أما لما يأخذ شهادة عليا يحقق أعلى المراتب ، يشتري بيتا ويخصِّص غرفة جلوس رائعة جداً ، هذه متى وقتها ؟ بعد التخرج .
 الآن الناس أرادوا أن يستبقوا الأمر ، وهو في الدنيا يريد المتعة ، يأتي الموت فجأة ينسيه كل متع الدنيا ، الموت يأتي بغتة .
 فيا أيها الإخوة ، الإنسان يحب الاستقرار ، أما إذا علم أن الدنيا دار عمل ليست دار أمل ، دار تكليف ليست دار تشريف ، دار سعي وليست دار راحة ، هذا الذي يكون فقيهاً ، هذه الدنيا دار عمل ، لذلك :

(( لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافر منها شربة ماء ))

[ رواه الترمذي عن سهل بن سعد ]

 قد تجد المنحرفين انحرافاً شديداً يتمتعون بثروات طائلة ، من يملك أكبر الثروات ؟ تجار المخدرات ، الذين يبنون هذه الثروات على أنقاض الشباب ، وأنقاض الشابات الدنيا هي أحقر من أن تكون عطاء لإنسان ، أو عقاباً لإنسان .

(( رب أشعث أغبر ذي طمرين مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره ))

[ أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة ]

 إذاً الدنيا دار عمل ، فأنت في الدنيا تحتاج إلى ما يقيم صلاحك ، مأوى ، زوجة دخل ، هذا أقصى ما في الدنيا .

(( من أصبح منكم آمنا في سربه ، معافى في جسده ، عنده قوت يومه ، فكأنما حيزت له الدنيا))

[ أخرجه البخاري في الأدب والترمذي وابن ماجة عن عبد الله بن محصن ]

 هذه الدنيا ، لذلك يتنافسون عليها ، ثم يأتي الموت بغتة ، فالذي جمعوه في عمر مديد يخسرونه في ثانية واحدة .
 توفي رجل أقام في بلد نفطي 35 عاماً لم يؤدِ فرض صلاة ، وأقام في بلد الحرمين لم يعتمر ، ولم يحج ، ولم يصلِ ، وهو في قضاء إجازة في تركيا وافته المنية في الفندق عن 55 سنة ، ترك أربعة آلاف مليون ، جمعها كل يوم بجهد ، بضبط ، خسرها في ثانية واحدة ، هذه الدنيا !

 

الموت يأتي بغتة  والقبر صندوق العمل
***

 

أهمية معرفة حقيقة الحياة الدنيا

 فيا أيها الإخوة ، من الخطورة بمكان أن تعرف حقيقة الحياة الدنيا ، يجب أن تعرف حقيقة الكون ، وحقيقة الحياة الدنيا ، وحقيقة الإنسان ، هي دار عمل ، لذلك العبرة أن تكون معافىً في جسمك ، لك مأوى تؤوي إليه ، عندك قوت يومك ، لذلك سأل ملِك وزيره / مَن الملك ؟ قال له : أنت ، قال : له لا الملك رجل لا نعرفه ، ولا يعرفنا ، له بيت يؤويه ، وزوجة ترضيه ، ورزق يكفيه ، إنه إن عرفنا جهد في استرضائنا ، وإن عرفناه جهدنا في إحراجه ، لذلك حينما تضع يدك على حقيقة الدنيا تكون أسعد الناس بها ، وقد ورد في الأثر إن أسعد الناس في الدنيا أرغبهم عنها ، وأشقاهم فيها أرغبهم فيها .
 " وعزتي وجلالي خلقت لك ما في السماوات وما في الأرض ، ولم أعَي بخلقهن أفيعيني رغيف أسوقه لك كل حين ؟ لي عليك فريضة ، ولك علي رزق فإذا خالفتني في فريضتي لم أخالفك في رزقك ، وعزتي وجلالي إن لم ترضَ بما قسمته لك فلأسلطن عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحش في البرية ، ثم لا ينالك منها إلا ما قسمته لك ولا أبالي ، وكنت عندي مذموماً ، أنت تريد ، وأنا أريد ، فإذا سلمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد ، وإن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد ، ثم لا يكون إلا ما أريد " .
 لذلك أسعد الناس في الدنيا أرغبهم عنها ، مطلوب أن تتزوج ، وأن يكون لك عمل ، وأن يكون لك دخل ، وأن يكون لك أولاد ، هذا كله مطلوب ، من دون إسراف ولا مخيلة .

﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾

( سورة الأعراف الآية : 31 )

 لك هدف كبير ، و حينما تحقق هدفك تسمو عند الله وعند الناس ، إذاً هذا الذي طبق منهج الله ، هذا الذي ائتمر بما أمر الله ، وانتهى عما عنه الله نهى وزجر ، ماذا له عند الله ؟ قال :

معنى السلامة في الدار الآخرة

﴿ لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ ﴾


 لا دمامة فيها أبداً ، ولا تقدم بالسن ، ولا ضعف بصر ، ولا ضعف سمع ، ولا خلل عقلي ، ولا التهاب مفاصل ، ولا شحوم ثلاثية مرتفعة بالدم تمنع من كل الطعام الطيب ، الدنيا هكذا ، ولا زوجة سيئة ، ولا بيتا متداعيا ، ولا فقرًا .

﴿ لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ ﴾

 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَالَ اللَّهُ :

(( أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ ، فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ :فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ ))

[ رواه والبخاري ومسلم والترمذي وابن ماجة أحمد في مسنده]

﴿ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا﴾

( سورة ق الآية : 35 )

 أي شيء تتمناه أمامك ، نحن خلقنا لهذه الجنة ، هذا هو العطاء الإلهي ، لا يليق لعطاء الله أن يكون منقطعاً ، الدنيا منقطعة بالموت ، سبحان من قهر عباده بالموت .
 يكون على رأس بلد فيه أكبر مخزون نفطي بالعالم مَلِكٌ فيموت ويدفن بالتراب ، أليست هذه موعظة ؟

﴿ لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ ﴾

 تولاهم في الدنيا ، ضيق عليهم ، شدد عليهم ، ساق لهم بعض الشدائد ، نحن في شدائد لا تعد ولا تحصى ، لكن أرجو الله أن تكون هذه الشدائد كمن كان في العناية المشددة .
 بالضبط لو أن مريضا معه ورم خبيث بالأمعاء ، وسأل الطبيب سؤال أديب : ماذا آكل ؟ يقول له : كل ما تشاء ، لأنه لا أمل له ، كل ما تشاء .

 

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾

( سورة الأنعام الآية : 44 )

 لكن مريضا معه التهاب معدة حاد يعطيه الطبيب قائمة محدودة من الطعام ، فإذا تجاوزها أقام عليه الدنيا ، ولا مادة حارة ، ولا مادة مخرشة ، لأن ثمة أملا بالشفاء .
 أسأل الله أن نكون نحن المسلمين في عناية الله المشددة ، مع كل هذه الشدة ، مع كل هذه الشدة والضغوط ، وما نعاني ما نعاني أن نكون في عناية مشددة ، لا أن نكون كالذين شردوا عن الله عز وجل فأعطاهم الله الدنيا كما يشتهون .

﴿ لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ ﴾

 

 

لذلك لما يدخل الإنسان الجنة :

 

﴿ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ ﴾

( سورة الزمر الآية : 74 )

 جئنا إلى الأرض ، وفي الأرض تعرفنا إلى الله ، في الأرض صلينا ، صمنا ، حججنا ، زكينا ، غضضنا بصرنا ، تكلمنا بلسان صادق ، أتينا إلى دروس العلم ، قرأنا القرآن ، طبقنا منهج الله ، تزوجنا ، ولم نزنِ ، عملنا ولم نسرق ، هذا الذي له مرجع ، له منهج ، له رب ، إنسان سليم وسعيد .

 

﴿ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء ﴾

( سورة الزمر الآية : 74 )

 لو أن طالب كان بجامعة ، والجامعة بدولة نامية ، بناء قديم ، ومدرسون متعبون جداً ، ومناهج صعبة ، ودراسات ، قضى سبع سنوات مات فيها مئة موتة ، ثم نال الدكتوراه ، وصار طبيباً لامعاً ، والله عز وجل أكرمه بدخل واسع ، فكل ما مر أمام الجامعة يقول : لولا هذه الجامعة لما كنت بهذا الحال ، للتقريب ، لولا هذه الجامعة ، الدوام المتعب ، 12 ساعة باليوم ، أساتذة متعبون ، طلبات غير معقولة ، وظائف صعبة ، امتحان قاسٍ ، لولا هذا البناء وهذه الجامعة التي أمضيت فيها سبع سنوات ما كنت بهذا الحال .

﴿ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ ﴾

 كنا في الدنيا ، وعرفنا ربنا في الدنيا

﴿ نَتَبَوَّأُ ﴾

 ـ الآن ـ

﴿ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ ﴾

﴿ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ﴾

( سورة الزمر )

الموت عرس المؤمن

 لذلك إذا رأى الإنسان مكانه في الجنة عندما يأتيه ملك الموت يقول : لم أرَ شراً قط .
 " واكربتاه يا أبت ، قال لا كرب على أبيك بعد اليوم غداً نلقى الأحبة محمداً وصحبه " .
 كل بطولة المؤمن أن يكون الموت عنده عرساً ، لا أن يكون أكبر مصيبة .
 إخواننا الكرام ، أهل الدنيا قبل الموت إذا كان يشكو أمرا في القلب ينهار انهيارا كليا ، كل دنياه ، وكل ماله انتهى ، أليس كذلك ؟ الذين يملكون المليارات أي شعور أنه في قلبه شيئا ، تسرعا بالنبض ، ينخلع قلبه خوفاً ، لماذا ؟ لأن هذا مؤشر المغادرة ، أما المؤمن فقال تعالى :

﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾

( سورة القصص )

 فأنت بطولتك أن تجعل من الموت عرساً لا مصيبة .
 أوضح مثل ذكرته كثيراً أن واحدا جاءه عرض ، اِئتِ بدكتوراه من البلد الفلاني ، ونجعلك في أعلى منصب ، وأجمل بيت بأرقى حي ، و لك أجمل بيت في أرقى مصيف ، وأجمل بيت في أرقى ساحل ، ودخل فلكي وزوجة جميلة ، وسيارة فارهة ، ويخت ، فقط هات بدكتوراه ، هو فقير ، ذهب إلى هناك اشتغل بالمطاعم لتنظيف الصحون ، واشتغل حارسا ، ودرس 7 سنوات ، مات باليوم مئة موتة ، وأخذ الدكتوراه ، وأخذ الشهادة ، وصدقها ، وقطع تذكرة العودة ، ودخل إلى المطار وقدم الجواز ، وأعطوه بطاقة الصعود إلى الطائرة ، وتوجه إلى الطائرة ، ووضع رجله في سلم الطائرة ، أليست هذه أعظم لحظة في حياته ؟ هذا يوم فاصل ، انقضى عهد التعب والدراسة والحراسة ، وتنظيف الصحون ، وجاء عهد المنصب الرفيع ، والبيت الفخم ، والمركبة الفارهة ، بحسب مقاييس الأرض .
 هكذا الموت ، الموت تحفة المؤمن ، الموت عرس المؤمن ، أما بالعكس أهل الدنيا المنحرفون بوادر الموت أكبر مصيبة .
 كنت مرة عند طبيب قلب فجاءه هاتف من إنسان يملك مليارات ، قال له : أي مكان بالعالم خذني إليه ، أي مبلغ أدفعه ، قال له : والله لا أمل ، ورم من الدرجة الخامسة ، انتهى .
 فأنت كن عاقلا ، وإياك أن تمشي مع الله بطريق مسدود .
 ارتكب أحدهم جريمة قتل ، وأخذ إلى السجن ، ثم حوكم بمحكمة الجنايات ، ثم صدر الحكم بإعدامه ، ثم نقض الحكم رُفع الحكم إلى محكمة النقض ، محكمة النقض صدقت النقض إلى محكمة الجنايات ، رُفع الأمر إلى القصر الجمهوري ، فوافق الرئيس على إعدامه ، وسيق إلى المشنقة ، وصل لطريق مسدود ، إنْ أراد أن يبكي فليبكِ ، سيشنق ، يريد أن يضحك فليضحك ، يحب أن يتوسل فليتوسل ، لا أمل .
 يذكر لي بعض الإخوة الكرام مما يشهدون نهاية إنسان أنواعا لكن ، كل هذه المواقف المختلفة تنتهي بالموت .
 إن الإنسان مشى إلى طريق مسدود ، فإياك أن تمشي بطريق مسدود ، انتبه ، وكلما بكرت بالتوبة أفضل ، وكل ما عرفت الله وأنت شاب أفضل ، لأن من كانت له بداية محرقة كانت له نهاية مشرقة ، كن واعي ، إياك أن تأخذك الحياة ، الآن الدنيا ترقص بالشهوات ، أينما نظرت ترى المرأة في أبهج صورة ، بكل مكان ، بالطريق بالمجلة بالانترنيت ، بالفضائية ، بكل مكان ، بالكتب ، بالهاتف ، كل شيء فيه ، لكن أين الله عز وجل ؟ لذلك ما من شيء أحب إلى الله تعالى من شاب تائب .

((إن الله تعالى يباهي بالشاب العابد الملائكة ، يقول : انظروا إلى عبدي ، ترك شهوته من أجلي ))

[ رواه ابن السني الديلمي في مسند الفردوس عن طلحة ]

﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

( سورة السجدة )

 فيا أيها الإخوة ، نحن في عصر الفتن ، يصبح الرجل مؤمناً ، ويمسي كافراً ، يمسي مؤمناً ، ويصبح كافراً ، يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل ، والدنيا ترقص ، ضغوط ، مناظر دماء ، وقتل ، وتمثيل ، ونساء كاسيات عاريات ، مائلات مميلات ، هكذا الدنيا ، الجانب الأسود لا يحتمل ، والجانب الآخر بأبهى زينة ، وأنت مخير ، فلك أنت تختار .
 لكن والله أيها الإخوة :

 

﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾

( سورة الرحمن )

 جنة في الدنيا وجنة في الآخرة ، وفي الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة ، هي جنة القرب ، والدليل :

﴿ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ ﴾

( سورة محمد )

 في الدنيا ، ذاقوا طعمها ، المؤمن يذوق سعادة لا توصف ، والله لا أبالغ ، والله لا أقول ما ليس واقعاً ، المؤمن لأنه استقام على أمر الله ، واصطلح معه ، وأقبل عليه ، وطبق أمره ، وتقرب إليه ، واستقام على أمره ، وخدم خلقه ، والله فيه سعادة لو وزعت على أهل بلد لكفتهم ، هذا هو المؤمن .
 أيها الإخوة الكرام ، هذا الذي مشى على صراط الله المستقيم ، ضبط شهواته ضبط دخله ، ضبط إنفاقه ، ضبط علاقاته ، ضبط زواجه ، ضبط بناته ، ضبط أولاده .

﴿ وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ، لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾

 كل متاعب الدنيا تنتهي ، الدنيا كلها متاعب ، دخل جيد ، الزوجة سيئة ، الآن الزوجة جيدة ، دخل قليل ، دخل وزوجة ممتازان ، أولاد سيئون ، أولاد جيدون هناك مرض ، ما من إنسان ناجٍ ، كل واحد عنده نقطة ضعف ، لأن الله من محبته لنا ما أرادنا أن نركن إلى الدنيا ، دائماً الإنسان ما ليس في دنياه تمام .

(( إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء ، ودار ترح لا دار فرح فمن عرفها لم يفرح لرخاء ، ولم يحزن لشدة ، ألا وإن الله تعالى خلق الدنيا دار بلوى ، والآخرة دار عقبى فجعل بلوى الدنيا لثواب الآخرة ، وثواب الآخرة من بلوى الدنيا عوضا ، فيأخذ ويبتلي ليجزي ))

[ رواه الديلمي عن ابن عمر ]

 فالبطولة أن تلتزم منهج الله عز وجل ، وأن تنتظر وعد الله عز وجل لك الإكرام .

بين التولي والتخلِّي

﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ ﴾

 تولاهم في الدنيا ضبطهم ، ساق له شبح مصيبة خاف فتاب ، أقول لكم ، ولا أبالغ : لو دخلت إلى مسجد وجدت فيه عشرة آلاف إنسان تأكد أن التسعة آلاف الله عز وجل طبق عليهم معالجة حكيمة فساقهم إليه ، يأتي إنسان به مرض ، أو أحيانا فقر ، أو شدة ، أو يأتي بالإكرام ، الله يعرف كل إنسان أين مفتاحه ، فالله عز وجل :

(( كل ميسر لما خلق له ))

[ رواه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود عن عمران بن حصين الترمذي عن عمر أحمد عن أبي بكر ]

 خلق للجنة ، هذا الطريق إلى الجنة قد يكون أساسه خوف ، يخوفه ، هذا الطريق إلى الجنة أساسه مرض ، الإنسان يتألق بعد المرض تألقا غير طبيعي ، المرض كان مفتاح الجنة ، أحيانا الفقر ، فقير تجد ما له غير الله عز وجل ، الله يغنيه بعد هذا ، فأنت لما تؤمن بالله كل شيء أصابك خير ، اقبله ، والله عز وجل قال :

 

﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾

( سورة السجدة )

 إذاً :

﴿ لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

 لما تستقيم الله يتولاك ، تقول : الله ، يتولاك ، تقول : أنا ، يتخلى عنك ، الصحابة قالوا في بدر : الله فنصرهم الله .

 

﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ﴾

( سورة آل عمران الآية : 123 )

 هم هم ، وفيهم رسول الله .
 في حنين قالوا : نحن كثر :

((لا تغلب اليوم من قلة ))

[ رواه البيهقي عن أنس رضي الله عنه ]

 فتخلى الله عنهم :

 

﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ ﴾

( سورة التوبة الآية : 25 )

 تقول : لله يتولاك ، تقول : أنا ابن فلان ، بعلمي ، معي دكتوراه ، باختصاصي ، لي أتباع كثر ، يتخلى عنك .
 فهذا الدرس التولي والتخلي ، قل : الله ، ولا تخف

﴿ لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

الجنة : حقيقتها والسبيل إلى دخولها

 بقيت فكرة الجنة ، الجنة محض فضل من الله ، والنار محض عدل ، يعني أب قال لابنه انجح ولك هذه الدراجة ، كان ماشي معه بالطريق ، ومر على بائع دراجات ، و رأى أغلى دراجة ، قال له : انجح وسأشتري لك هذه الدراجة ، هذا الابن نجح ، وأخذ الجلاء إلى بائع الدراجات مباشرة قال له أعطني هذه وهذا الجلاء ، يعطيه إياها ؟ أين ثمنها ؟ .
 فأنت كل استقامتك بالحياة الدنيا ، وكل جهدك ، وكل اهتمامك أنت دفعت ثمن مفتاح البيت ، البيت ثمنه خمسون مليون ، ثمن مفتاحه عشرة ليرات ، كل عملك هو ثمن المفتاح ، أما هو البيت فضل من الله ، فالجنة فضل ، أنت قدمت سبب دخولها لا ثمنها ، في فرق ، أنت قد يكون معك مفتاح ثمنه عشر ليرات ، والبيت ثمنه خمسون مليونا ، هذا المفتاح سبب دخول البيت ، وثمنه خمسون مليونا لا تملكها ، فالجنة أنت بكل ما فعلت بالدنيا من تفكر ، واستقامة ، وصلاة ، وصيام ، وحج ، وزكاة ، وغض بصر ، واستقامة ، دفعت سبب دخول الجنة ، وهي فضل من الله عز وجل ، لذلك ادخلوا جنتي ، واقتسموها بأعمالكم ، درجاتها بحسب عملك ، فإذا قال الله عز وجل :

﴿ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾

( سورة النحل الآية : 32 )

 أنت لك مرتبة في الجنة بحسب عملك ، أما أصل دخولها ففضل من الله ، أنت لم تدفع ثمنها ، دفعت ثمن سببها ، كل أعمالنا في الدنيا هي سبب دخول الجنة ، ولكن الجنة فضل من الله عز وجل ، والعلماء قالوا : الجنة محض فضل ، والنار محض عدل ، يؤكد هذا قول النبي عليه الصلاة والسلام :

((لا يدخل أحدكم الجنة بعمله ، قالوا : ولا أنت يا رسول الله ؟ قال : ولا أنا ، إلا أن يتغمدني الله منه برحمة وفضل ))

[ رواه إسماعيل عن زياد المخزومي عن أبي هريرة ]

 عملك لا يساوي ثمن الجنة ، بل يساوي ثمن مفتاح الجنة ، واضح تمام ؟ .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018