الدرس : 11 - سورة البقرة - تفسيرالآية 22 ، بناء السماء - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 11 - سورة البقرة - تفسيرالآية 22 ، بناء السماء


1998-09-04

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة الكرام، مع الدرس الحادي عشر من دروس سورة البقرة.

السماء بناء لأن هناك نظاماً للجاذبية بين الكواكب:

 والسماء بنــــاء - حركة الكواكب في مساراتها
مع الآية الثانية والعشرين، وهي قوله تعالى:

 

﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22) ﴾

أولاً أيها الأخوة الكرام: السماء بناء لأن هناك نظاماً للجاذبية فيما بين الكواكب، لولا حركة الكواكب في مساراتٍ مغلقةٍ لأصبح الكون كُتلةً واحدة، لأن الجسم الأكبر يجذب الأصغر، فحركة الكواكب ينشأ عنها قوى نابذة تكافئ القِوى الجاذبة، فالسماء بناء، لولا هذه المسارات المُغْلقة لاضطربت الحركة، وأن السماء كما قال الله عزَّ وجل:

﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (11) ﴾

( سورة الطارق )

أي أن كل كوكبٍ يدور في مسارٍ مغلق، تتناسب هذه الدورة باتساعها وسرعتها مع قوة جذب النجم الآخر له، إذاً ينشأ ما يُسمى في الميكانيك توازن حركي، كل شيء متحرِّك وكل شيء متوازن، هذا بناء ضخم، فلا بدَّ من توضيح هذه الحقيقة، لو أتيت بسطحٍ سوي مستوٍ تماماً وجئت بكتلتين مغناطيسيتين بحجم بعضهما تماماً وأتيت بكرةٍ بينهما، لاستطعت بجهد خيالي أن تثبِّت هذه الكرة في المتوسط بين الكُتلتين، بحيث يتكافأ جذب الكُتلتين لهذه الكرة فتقف في الوسط، أما لو زاحت عُشْر الميليمتر لانجذبت إلى الكتلة الأولى، لو زاحت عُشر الميلي بجهة الكتلة الثانية لانجذبت إلى الكتلة الثانية، هي تحتاج إلى جهد كبير جداً كي تستقر في الوسط، أما إذا كانت الكتلتان غير متساويتين، تحتاج إلى حسابات رياضية كثيرة جداً، وإذا كانت الكتلتان ثلثين وثلثاً فلا بدَّ من أن تضعها في مسافةٍ تتناسب مع جذب الكبرى ومسافةٍ تتناسب مع جذب الصغرى، حسابات.

 

هذا الكون مبنيٌ بناءً رائعاً أساسه التوازن الحركي:

 أما إن كانت ثلاث كتل أو أربع كتل، وكل كتلة لها حجم، ولها قوة جذب !! الحديث قبل قليل على سطح مستوٍ، أما إذا كانت هذه الكتل في فراغ وكانت متحرِّكة وبأحجام مختلفة، ومسافات مختلفة، وسُرعات مختلفة، فالإعجاز أن تتوازن هذه الكتل المتفاوتة في الحجم والسرعة والمسافة وهي في فراغ ومتحركة، والمحصلة توازن، هذا هو التوازن الحركي المعجز.

 

﴿ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ (67) ﴾

( سورة الزمر: آية " 67 " )

بيده ملكوت السماوات والأرض، هذا معنى قول الله عزَّ وجل:

﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً (22) ﴾

السماء بناء، والله سبحانه وتعالى هو الذي بنى هذا النظام وبنى هذه المجرَّات، قد يسأل أحدكم: كم مجرة في الكون ؟ لا يزال الكون مجهولاً، أما المعلومات المتواضعة التي وصل إليها العلماء مليون ملْيون مجرة، وفي أكثر هذه المجرات مليون ملْيون كوكب ونجم، وكل هذه المجرات مُترابطة مع بعضها البعض بقوى التجاذب، ومتحرِّكة بمساراتٍ مغلقة حيث إن هذا الكون مبنيٌ بناءً رائعاً أساسه التوازن الحركي.

﴿ وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً (32) ﴾

( سورة الأنبياء: آية " 32 " )

أروع ما في هذه الآية أن كلمة (تزول) أعطت معنيين في آنٍ واحد:

 أيها الأخوة الكرام، من الآيات التي تشير إلى هذا المعنى، قول الله عزَّ وجل:

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا (41) ﴾

( سورة فاطر: آية " 41 " )

تحمَّلوا قليلاً، هذه آياتٌ دالةٌ على عظمة الله عزَّ وجل.

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا (41) ﴾

( سورة فاطر: آية " 41 " )

الزوال هو الانحراف، أي إن لهذا الكوكب مسار، لو أنه خرج عن مساره، ماذا يحصل ؟ لو أنه زال عن مساره، أقرب مثال هو الأرض، لو أن الأرض في دورتها حول الشمس خرجت عن مسارها ما الذي يحصل ؟ قال: حينما تبتعد هذه الأرض عن مسارها، تبتعد عن مصدر الطاقة والحرارة، تُصبح الأرض كوكباً جليدياً متجمِّداً تنعدم فيها الحياة لأن الوجه غير المقابل للشمس، إذا ثبتت الأرض من دون أن تدور تهبط حرارته إلى مئتين وسبعين تحت الصفر، تنعدم الحياة، لو أن الأرض توقفت لصار طرف الوجه المقابل للشمس ثلاثمئة وثلاثين درجة، بينما بلغت على الوجه الآخر مئتين وسبعين درجة تحت الصفر، انتهت الحياة، لو أنها خرجت عن مسارها وانطلقت بعيداً في الفضاء الخارجي، وحُرِمت من أشعة الشمس ومن طاقتها ودفئها أيضاً لأصبحت كوكباً متجمداً، ومع الصفر المُطلق تتلاشى حركة الذرَّات، ومع تلاشي حركة الذرَّات تنتهي الأرض، أروع ما في هذه الآية أن كلمة تزول أعطت معنيين في آنٍ واحد، لو أن الأرض انحرفت عن خط سيرها، لو أن الأرض زالت عن خط سيرها لزالت وتلاشت.

 

حركة الأرض حول الشمس من الآيات الدالة على عظمة الله تعالى:

 قال تعالى:

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا (41) ﴾

( سورة فاطر: آية " 41 " )

للتقريب لو أن الأرض خرجت عن مسارها، وأردنا أن نعيدها إلى مسارها ـ طبعاً هذا كلام كله افتراضي، لكن الهدف منه أن تعرف ما معنى ارتباط الأرض بالشمس ـ قال: نحتاج إلى مليون ملْيون حبل فولاذي ـ أمتن عنصر في الكون الفولاذ المَضفور، لذلك المصاعد والتليفريكات كلها تستخدم الحبال الفولاذية المضفورة لأنها أمتن عنصر ـ لو أردنا أن نعيد الأرض إلى مسارها حول الشمس لاحتجنا إلى مليون ملْيون حبل فولاذي، قطر كل حبل خمسة أمتار، ما معنى حبل فولاذي قطره خمسة أمتار ؟ أي أن هذا الحبل يقاوم من قوى الشد مليوني طن، ملخَّص الكلام أن الأرض مرتبطة بالشمس بقوة جذبٍ تساوي مليون ملْيون ضرب مليوني طن، هذا معنى قوله تعالى:

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا (41) ﴾

( سورة فاطر: آية " 41 " )

لو أنها خرجت عن سيرها لزالت وتلاشت، الأرض مربوطة بقوة جذب تساوي مليونين ضرب مليون ملْيون طن، كل هذه القوة من أجل أن تُزيح الأرض عن مسارٍ مستقيم ثلاثة ميلي في الثانية، من ثلاثة ميلي كل ثانية ينشأ مسار مُغلق حول الشمس، ثلاثة ميلي في الثانية على مدى العام ينشأ مسار حول الشمس مغلق، هذه حركة الأرض حول الشمس.

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً (41) ﴾

( سورة فاطر: آية " 41 " )

أجل رحيم على جهل عباده، وعلى انحرافهم.

 

مسار الأرض إهليلجي:

 هناك شيء ثانٍ أيها الأخوة ـ لعلي قلته لكم سابقاً لكن لا بدَّ من إعادة ذكره الآن ـ مسار الأرض في دورتها حول الشمس إهليلجي ؛ بيضوي، والشكل البيضوي له قطران أصغري وأعظمي، وإذا كانت الأرض في القطر الأصغري تزيد من سرعتها لينشأ من هذه السرعة الزائدة قوةٌ نابذةٌ زائدة تكافئ المسافة القليلة التي تزداد فيها قوة جذب الشمس، توازن دقيق، في المنطقة ذات القُطر الأدنى تزيد السرعة، أما في المنطقة ذات القطر الأعظمي تتباطأ السرعة، لو أنها زادت لتفلَّتت الأرض من جذب الشمس، فكلما أبطأت السرعة زاد الجذب، وكلما زادت السرعة قلَّ الجذب، ففي القطر الأصغر تزيد السرعة، وفي القطر الأكبر تقل السرعة، ينشأ من هذه الزيادة وهذا النقصان تفاوت في سرعة الأرض، أما لو كان هذا التفاوت عنيفاً، أو لو كان التسارع عالياً لتهدم ما على الأرض، معنى أن التسارع عالٍ نقول: هذه السيارة تنطلق من صفر إلى مئة في ثلاث ثوان تسارع عالٍ جداً، من صفر إلى مئة في عشرين ثانية تسارع أقل، لو أن التسارع كان عالياً جداً لتهدم كلُّ ما على الأرض، الله لطيفٌ بعباده، تزداد السرعة شيئاً فشيئاً وتنخفض شيئاً فشيئاً، من هذا الازدياد البطيء والانخفاض البطيء يسلم كل ما على الأرض، هذا معنى قوله تعالى:

 

﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً (22) ﴾

السماء مبنية.

 

الله جلَّ جلاله يمسك السماء أن تقع على الأرض:

 يقول الله جلَّ جلاله في آيةٍ أخرى:

 

﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ (65) ﴾

( سورة الحج: آية " 65 " )

الله يمسك السماء أن تقع على الارض - قوى الجاذبية
لو أن كوكباً انجذب إلى كوكبٍ واصطدما لانتهت الحياة على الكوكبين، فالله جلَّ جلاله يمسك السماء أن تقع على الأرض، رَصدوا قبل سنوات وسنوات مذنباً يتِّجه نحو الأرض وظنوا أنه سوف يصطدم بها، وظنوا أن هذا هو يوم القيامة، ثمَّ حوَّل المذنب وجهته قبل مسافةٍ طويلة، فلو سمح الله عزَّ وجل في أية لحظة لكوكبٍ أن يصطدم بكوكب آخر لانتهت الحياة، فالله جلَّ جلاله يقول:

﴿ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ (65) ﴾

وفي آيةٍ ثالثة:

﴿ وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً (32) ﴾

( سورة الأنبياء: آية " 32 " )

لننظر في الظواهر التي تجري في العالم الآن، فمثلاً هذا الفيضان الذي شَرَّد مئتين وخمسين مليون إنساناً في الصين وجعلهم بلا مأوى، والذي أنهى آبار النفط كلها، والذي أتلف المحاصيل كلها، وجعل الصين تعيش في مصيبةٍ ما بعدها من مصيبة وذلك كله بسبب ارتفاع درجات الحرارة في الأرض، وهذا الارتفاع بسبب تَخَلْخُل طبقة الأوزون التي هي السقف المحفوظ للأرض، والسبب أن الإنسان حينما تعلَّم ولم يوازي علمه دينه غيَّر خلق الله عزَّ وجل، قال تعالى:

﴿ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ (119) ﴾

(سورة النساء )

نهاية العلم أن يعود الإنسان إلى التصميم الإلهي:

 هناك غازات ناجمة عن بعض الصناعات أثَّرت على طبقة الأوزون المحيطة بالأرض والتي مهمتها الخطيرة حفظ الأرض من وصول القسم الضار من أشعة الشمس إليها، وهذا معنى قوله تعالى:

 

﴿ وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً (32) ﴾

( سورة الأنبياء: آية " 32 " )

محفوظاً من كل ما يؤذي الإنسان، فلما تخلخلت هذه الطبقة ارتفعت الحرارة، فذابت الثلوج في القطبين، وهذا انعكس على مُناخ الأرض، فالمُناخ الذي تمر به الأرض مناخ غير طبيعي، ما عهدنا أن تصل الحرارة في دمشق في الشمس إلى إحدى وسبعين درجة، وما عهدنا أنها تصل في الظل إلى إحدى وخمسين درجة، ما عهدنا أنها تصل في الخليج إلى أربعة وثمانين درجة بالشمس، وإلى سبع وخمسين بالظل، وضع غير طبيعي، ناجم عن تغيير خلق الله عزَّ وجل، تحتل مشكلة البيئة في العالم كله الآن المرتبة الأولى، اخترع الإنسان وصَنَّع لكن هذا الاختراع كان وبالاً عليه، ويسير الإنسان الآن في طريق العودة إلى أصل التصميم الإلهي.
سمعت أن الدول المتقدمة بالمفهوم العصري تشتري الفاكهة التي لم تُسَمَّد بالأسمدة الكيماوية، والتي لم تُرش بالمبيدات الكيماوية، بعشرة أضعاف ثمن الفاكهة التي سُمِّدت وكوفحت آفاتها بالأدوية الكيماوية، حرصاً على عدم تغيير بنية هذه الفاكهة، وهذا ينعكس على أجسامنا أوراماً خبيثة، فالقضية يجب أن نعود إلى أصل التصميم الإلهي، الأصل أن الله جعل السماد طبيعياً وجعل المكافحة حيوية، وهذا ما يطمح إليه العالم في المستقبل، نهاية التقدُّم، نهاية العلم أن تعود إلى التصميم الإلهي في إنبات النبات وتسميده، ومكافحة الحشرات والأوبئة النباتية.

 

تقنين الله عز وجل تقنين تأديب لا تقنين عجز:

 أيها الأخوة الكرام تقول الآية الكريمة:

 

﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً (22) ﴾

هناك علاقة وثيقة بين قوله تعالى في الآية السابقة، وبين تتمة الآية:

﴿ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ (32) ﴾

لحكمةٍ إلهية جعل الله رِزْقَ الإنسان في الأمطار، الأمطار وحدها آيةٌ من آيات الله الدالة على عظمته، من أين جاءت هذه البحار ؟ فقد سمعت أن مرصداً عملاقاً في أوروبا يستخدم الأشعة فوق البنفسجية في كشف النجوم، اكتشف سحابة كونية، سحابة واحدة من بين آلاف السحب تستطيع هذه السحابة أن تملأ البحار كلَّها ستين مرة في يوم واحد بالماء العذب، فكل من يقول: إن الرزق محدد، وهناك أزمة مياه في العالم وأزمة رزق في العالم، فرد عليه بأن:

﴿ إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو القُوَّةِ الْمَتِينُ (58) ﴾

(سورة الذاريات)

إن ربنا حينما يقنن، يقنن تقنين تأديب، ولا يقنن تقنين عجز.

﴿ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (27) ﴾

(سورة الشورى)

الكون من آيات الله الدالة على عظمته:

 الكون من آيات الله الدالة على عظمته
الحديث عن السماء وكيف أنها بناء حديثٌ دقيقٌ جداً، السماء بناء بكل معنى الكلمة، ذكرت مرةً أن الإنسان لو أراد أن يصل إلى أقرب نجم ملتهب من الأرض، نحن حولنا كواكب منطفئة، القمر منطفئ، المريخ منطفئ، أما إذا أردنا أن نصل إلى أقرب نجم ملتهب قال العلماء أن بعده عنا أربع سنوات ضوئية، بحسابٍ بسيط جداً يقطع الضوء في الثانية ثلاثمئة ألف كيلو متر ضرب ستين في الدقيقة، ضرب ستين بالساعة، ضرب أربعة وعشرين في اليوم، ضرب ثلاثمئة وخمسة وستين في السنة، ضرب أربع سنوات، هذا الرقم سهل لتقوموا أنتم بحسابه احسبوه مساء اليوم ثلاثمئة ـ اترك الأصفار مبدئياً ـ ضرب ستين ضرب ستة ضرب ستة ضرب أربعة وعشرين ضرب ثلاثمئة وخمسة وستين بعد ذلك أضف الأصفار المحذوفة، ينتج معك رقمٌ هو المسافة بالكيلو مترات بيننا وبين هذا النجم الملتهب.
لو فرضنا تبسيطاً للحقيقة ركبت سيارتي واتجهت إلى هذا النجم بسرعة مئة كيلومتر في الساعة، تقسم هذا الرقم الذي هو بعد النجم عن الأرض على مئة، كم ساعة ؟ على الأربعة والعشرين كم يوم ؟ على ثلاثمئة وخمسة وستين كم سنة ؟ تحتاج إلى خمسين مليون سنة كي تصل إلى أقرب نجم مُلتهب، و الأدق من ذلك ثمانية وأربعين تقريباً وحساب الرقم سهل جداً، أربع سنوات ضوئية، ثلاثمئة ألف ضرب ستين ضرب ستين ضرب أربعة وعشرين ضرب ثلاثمئة وخمسة وستين، هذا هو الرقم، تقسيم مئة كم ساعة ؟ تقسيم أربعة وعشرين كم يوم ؟ تقسيم ثلاثمئة وخمسة وستين كم سنة ؟ يكون الناتج قريباً من خمسين مليون سنة.
دقق الآن ؛ بُعد نجم القطب عنا أربعة آلاف سنة ضوئية، كنا أربع سنوات صرنا أربعة آلاف بُعد نجم القطب، تبعد عنا ـ مجرة المرأة المسلسلة وهي صغيرة ـ مليون سنة ضوئية، كشف العلماء قبل خمس أو ست سنوات أبعد مجرة أربعة وعشرين ألف مليون سنة ضوئية، ورد من سنة ونصف في محطة أخبار عالمية أنهم أرسلوا مرصداً على مركبة إلى المشتري، ورصد أبعد مجرة حتى الآن رقم بسيط جداً، ثلاثمئة ألف بليون سنة ضوئية، الرقم أحفظه بدقة لأنه ملفت للنظر، نحن على بعد أربع سنوات نحتاج خمسين مليون سنة إلى أن نصل فما بالك بثلاثمئة ألف بليون ؟!!

 

خشية الله محصورةٌ في العلماء:

 قال تعالى:

 

﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) ﴾

( سورة الواقعة )

لو تعلمون:

﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ (28) ﴾

( سورة فاطر: آية " 28 " )

كلمة

﴿إنما﴾

تعني أن العلماء وحدهم ولا أحد سواهم يخشون الله،

﴿إنما﴾

الخشية محصورةٌ في العلماء، مطلق العلماء، يقول أحد أكبر علماء الفيزياء: كل إنسان لا يرى فوق هذا الكون قوةً هي أقوى ما تكون، عليمةً هي أعلم ما تكون، رحيمةً هي أرحم ما تكون، حكيمةً هي أحكم ما تكون، هو إنسانٌ حي في جسده وشكله ولكنه ميت في عقله ونفسه وفطرته التي تَنَكَّرَ لها.

معرفة الله تسمو بنا وإلا فنحن كالدابة كما ورد في الذكر الحكيم:

 معرفة الله تسمو بنا
أخواننا الكرام والله الذي لا إله إلا هو إن الذي لا يعرف الله عزَّ وجل، والله هو كالدابة تماماً.

 

﴿ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً (5) ﴾

( سورة الجمعة: آية " 5 " )

هذه هي الحقيقة:

﴿ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً (44) ﴾

( سورة الفرقان )

وقال:

﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (21) ﴾

( سورة النحل )

لا بدَّ من أن نعرف الله، معرفة الله عِلَّة وجودنا، معرفة الله تسمو بنا، معرفة الله تسعدنا، معرفة الله تحقق الهدف من وجودنا، معرفة الله تُفْضي بنا إلى الجنة وهذا هو الأصل.

حينما تقرأ كلام خالق الأكوان تجد في قلبك سلامة الإيمان:

 أنتم جميعاً ترون الشمس، وحجمها بالدقة يزيد عن حجم الأرض بمليون وثلاثمئة ألف مرة، فلو وضعنا في الشمس مليوناً وثلاثمئة ألف أرض من أراضينا لوسعت كل هذا العدد، والمسافة بين الأرض والشمس مئة وستة وخمسين مليون كيلو متر، يقطعها الضوء في ثماني دقائق، هناك نجمٌ صغير أحمر اللون اسمه قلب العقرب في برج العقرب، قال ربنا:

 

﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (1) ﴾

( سورة البروج )

تتم الأرض دورتها حول الشمس في اثني عشر شهراً، تمر في كل شهر ببرج، هذا البرج اسمه مثلاً برج الميزان، وهنا برج العقرب، تجد في برج العقرب نجماً أحمر اللون متألِّقاً اسمه قلب العقرب، هذا النجم يتسع للأرض والشمس معاً، لكن مع المسافة بينهما، كم حجمه ؟ علمه عند الله، ذلكم الله رب العالمين:

﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ (28) ﴾

( سورة فاطر: آية " 28 " )

وبعد أيُعصى هذا الإله ؟!! يعرض عنه ؟! يُزْهَد في وعده ويغفل أحد عن وعيده ؟! ألا ترجى رحمته ؟! ألا يخشى عذابه ؟! بيده ملكوت كل شيء هو نفسه أنزل هذا القرآن، أنزله على النبي العدنان، إنه كلامه، أنت حينما تقرأ هذا الكلام الذي هو كلام خالق الكون، كلام الذي بيده ملكوت كلِّ شيء، كلام الذي إليه يرجع الأمر كله، كلام الذي بيده مقاليد السماوات والأرض، كلام الذي بيده الخلق والأمر، كلام الذي لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون، كلام الذي إليه المصير، تجد في قلبك برد اليقين وصحة الدين كما تجد سلامة الإيمان، لذلك:

﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ (22) ﴾

المطر وحده آية من آيات الله الدالة على عظمته:

 المطر من آيات الله
كيف جعل الله أربعة أخماس الأرض بحاراً وخمسها يابسة، وجعل مناطق ساحلية من اليابسة خضراء، ومناطق داخلية صفراء، يا رب لمَ من اليابسة هذه الأراضي الصحراوية ؟ لا ماء ولا نبات، حر شديد ؟ إنها معمل، هذه الصحراء معمل، الهواء فيها ساخن جداً بينما هو بارد جداً بالأماكن الباردة، الهواء البارد ثقيل، كثيف، ضغطه مرتفع، الهواء الحار مخلخل ضغطه منخفض، حينما توجد منطقتان إحداهما ذات ضغطٍ منخفض، والثانية ذات ضغطٍ مرتفع يتحرَّك الهواء بينهما، إذا تحرَّك ساق بخار الماء الذي في الهواء، ساقه من البحر إلى الداخل، لما ساقه إلى الداخل واجه جبهاتٍ باردة فانعقد المطر، فكانت هذه الخيرات، وهذه الأشجار، وهذه النباتات، وهذه الينابيع، وهذه الأنهار مثلاً بكثافة مياه الأمازون ثلاثمئة ألف متر مكعب في الثانية ، غزارته في الثانية ثلاثمئة ألف متر مكعب، أين ينابيع هذا النهر ؟ أين مستودعاته ؟ تصوَّر نهراً يقدم ثلاثمئة ألف متر مكعب في الثانية، أين مستودعاته ؟ فكل دمشق بما فيها من سكان يشربون من نبعٍ غزارته أثناء التفجُّر ستة وثلاثون متراً مكعباً في الثانية، وفي أيام نضوب الينابيع تكون متراً مكعباً واحداً في الثانية، وتشرب كل دمشق من هذا النبع، فثلاثمئة ألف متر مكعب في الثانية هذه من أين ؟ أين المستودعات ؟ ذلكم الله رب العالمين.
المطر وحده آية من آيات الله الدالة على عظمته، من قال: إن الهواء يحمل بخار ماء بكل درجة، كل درجة يستوعب بها الهواء كمية بخار ماء خاصة، لولا هذه الخاصة لم تكن الأمطار، فالهواء الحار يحمل كمية بخار كبيرة، وعندما يواجه جبهة باردة ينكمش، يعصر، قال الله عزَّ وجل :

 

﴿ وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجاً (14) ﴾

( سورة النبأ )

تنزل غزيرةً، والله عزّ وجل إذا أعطى أدهش، قرأت مرَّة خبراً أنه قد نزَلت أمطار في رأس الخيمة في ليلة واحدة تقارب مئتين وخمسين ميليمتراً، أي تساوي أمطار دمشق في كل موسم الشتاء، إذا أعطى أدهش، كل شيء عند الله عزّ وجل قد يكون رحمة وقد يكون عذاباً، الرياح نعمة، أما الريح ـ ريح صرصرٍ تأخذ كل شيء ـ لا تبقي شيئاً، الأعاصير، فالماء قد تغرق في الماء كما هي الحال في الصين، وقد تنتعش بالماء، وهكذا كل شيء.

 

كل شيء خلقه الله عزَّ وجل خصيصاً للإنسان:

 قال تعالى:

 

﴿ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ (22) ﴾

هذا موسم فواكه، يأكل الإنسان كل يوم منها صنفاً أو أصنافاً، فهل خطر في بالك من صنع هذه البطيخة ؟ من صممها بهذا الحجم ؟ أساسها بذرة واحدة، من أين جاء هذا الطُعْم الحلو ؟ وهذا اللون الأحمر ؟ وهذه المواد المُدِرَّة ؟ وهذه المواد المفيدة ؟ ومن جعل هذه القشرة سميكة جداً وذات شكل بيضوي ؟ وتجد السيارة تحمل عشرة أطنان من البطيخ، البطيخ في الأسفل كما هو في الأعلى، لأن الشكل البيضوي أكبر شكل يقاوم الضغط، لأن الضغط على أي مكان فيه يوزَّع على كل سطح هذا الشكل، كالبيض تماماً تضع مئة بيضة في سلة، فالبيضة التي في الأسفل لا تتأثر أبداً، تأكل التفاح والدراق والإجاص، هذه الفاكهة لها طعم، لها شكل، لها قشرة خاصة، لها لون، لها مكوِّنات، لها قِوام، من جعل قِوامها، ومكوِّناتها، وطعمها، وشكلها، ولونها يشتهيه الإنسان ؟

﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ (22) ﴾

﴿ لكم ﴾

لكم خصيصاً لكم، قد تُدعى إلى وليمة وأنت ضيف الشرف كل هذا الطعام صُنِع من أجلك أيّها الإنسان، قد يطرق الباب طارق، ضيف زائر تفضَّل وكُلْ، لكن هذا الطعام لم يصنع لهذا الضيف الطارق صنع لضيف الشرف، يجب أن تعلم علم اليقين أن كل شيء خلقه الله عزَّ وجل خصيصاً لك، هذا يُستفاد من قوله تعالى

﴿ لكم ﴾

﴿ وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ (5) ﴾

( سورة النحل: آية " 5 " )

كل ما في الكون مسخر للإنسان من أجل أن يعرف الله وأن يسعد بقربه:

 قال تعالى:

 

﴿ وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ (72) ﴾

( سورة يس: آية " 72 " )

هذه الحيوانات الأليفة ـ سبحان الله ـ جمل وزنه ثلاثة أطنان يقوده طفل صغير لا يخاف منه، لكن والد هذا الطفل يخرج من جلده إذا رأى عقرباً صغيراً، عَقرب صغير هذا غير أليف، ترى طائراً وديعاً تشتهي أن تَضُمَّه، الجُرذ بنفس الشكل والانسياب لا تتحمل أن ترى منظره، فمن صَمَمَ هذا الحيوان المُحَبَب وذاك غير مُحَبَب، هذا أليف وذاك غير أليف ؟ الغنمة يقول لك: فلان مثل الغنمة، لو رَكَّب الله فيها طباع الضبع من يجرؤ أن يشتري غنماً ليذبحها في العيد ؟ يقول لك: انضبعنا فيها، فلان مضبوع أي خائف، مأخوذة من الضبع:

﴿ وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ (72) ﴾

( سورة يس: آية " 72 " )

وقال:

﴿ وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ (5) ﴾

( سورة النحل: آية " 5 " )

تتبع كلمة

﴿ لكم ﴾

في القرآن كلُّه مسخَّرٌ لك من أجل أن تعرفه، من أجل أن تعبده، من أجل أن تسعَد بقربه.

 

حينما تخضع لإنسان فقد جعلته نداً لله:

 قال تعالى:

 

﴿ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ (22) ﴾

الفواكه تكريم للإنسان ؛ كرز، مشمش، تفاح، دُراق، إجاص، بطيخ، البطيخ أنواع منوَّعة، العنب أنواع منوَّعة، أنواعٌ لا يعلم عددها إلا الله، كلَّها مصممة من أجل أن تأكلها، وأن تعرف الله من خلالها:

﴿ رِزْقاً لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22) ﴾

(سورة البقرة: آية " 22 ")

لا أحد يقول طبعاً: إن هناك إلهاً آخر خلَق، أما أنت حينما تخضع لإنسان فقد جعلته نداً لله، ذكرت مرةً: أنه ـ دققوا في هذا الكلام ـ من أطاع مخلوقاً وعصى خالقه، فهو لم يقل: الله أكبر ولا مرة ولو رددها بلسانه ألف مرة، لأنه في الأساس أطاع الأقوى في نظره، جعله نداً لله، هناك أشخاص يجعلون فتنة الناس كعذاب الله، مثلاً إذا هدده إنسان قوي فإنه يعصي الله، يشرب خمر لكي يتخلَّص من شره، أنت جعلت عذابه كعذاب الله، فحينما تطيع مخلوقاً وتعصي خالقاً فأنت لم تقل: الله أكبر ولا مرة، ولو رددتها بلسانك ألف مرة، هذا كلام دقيق، لأنك أطعت الأقوى في تصوِّرك، أطعت الأكثر فعَاليةً في تصورك، من لم يُقِم الإسلام في بيته إرضاءً لأهله ولأولاده فهو ما قال: الله أكبر ولا مرة ولو رددها بلسانه ألف مرة، لأنه رأى أن إرضاء أهله وأولاده أغلى عنده من إرضاء الله عزَّ وجل، مَن غَشَّ المسلمين ما قال: الله أكبر ولا مرة ولو رددها بلسانه ألف مرة، لأنه رأى أن هذا المال الحرام الذي يكسبه من غِشِّ المسلمين أغلى عنده من طاعة الله.
أحياناً يقول الإنسان كلمة واحدة تكشف أنه جاهل، لو قال لك أحدهم: أنا درست الطب وقال لك: كلما كثر الملح في الطعام يتحسن ضغطك وينخفض، هذا لم يدرس الطب، ولا هو طالب طب، وليست عنده ثقافة طبية، ولا معه بكالوريا، وهو خاو من أية ثقافة، مستحيل لأن الملح يرفع الضغط، وهو قال لك: كلما كثر الملح ينزل الضغط، هذا جهل مطبق، إنه تكلم كلمة لكن هذه الكلمة تُنبئك أنه جاهل.

 

لا أحد يستطيع أن يدعي خلق الكون إلا الله :

 لو رسم أحدهم خارطة لسوريا، ووضع دمشق على الساحل هل يكون هذا عالماً ؟ هذا مُنْتَهى الخطأ، وهي غلطة كبيرة، فالإنسان عندما يطيع مخلوقاً ويعصي الخالق هذه غلطة كبيرة جداً، لذلك الكلمة التي أقولها دائماً: عندما يأكل الإنسان مالاً حراماً فإنه لا يعرف الله، لو عرف أن الله لا بدَّ من أن يُحاسبه، ولا بدَّ من أن يدفع الثمن باهظاً إن عصى الله، فإنه لن يعصي الله عزّ وجل، والذي يعتدي على أموال الآخرين، الذي يعتدي على أعراضهم، الذي يقيم الشِقاق بينهم، النَمَّام، المُغْتاب، هؤلاء جميعاً لم يعرفوا الله لو عرفوا الله لوقفوا عند حدودهم:

 

﴿ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22) ﴾

لا أحد يقول: إن هناك جهة خلقت الكون، لا أحد يستطيع أن يدعي خلق الكون إلا الله، الله يقول:

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ (4) ﴾

( سورة السجدة: آية " 4 " )

ما معنى نِداً لله ؟ النِّد هنا معناه أنك تطيعه كما لو كان إلهاً، تحبُّه كما لو كان إلهاً، تعبده كما لو كان إلهاً، تعلِّق الأمل عليه كما لو كان إلهاً، تخضَع له كما لو كان إلهاً، هذا:

﴿ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22) ﴾

المشكلة الكبيرة في العالم الإسلامي أن الناس يعبدُ بعضهم بعضاً :

أيها الأخوة الكرام، بمناسبة قوله تعالى:

 

﴿ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22) ﴾

هؤلاء لم يخلقوكم، ولم يرزقوكم، ولا يملكون نفعكم ولا ضرَّكُم، ومع ذلك تتخذونهم أنداداً ؟! وهذه مشكلة كبيرة في العالم الإسلامي، الناس يعبدُ بعضهم بعضاً، يقول الله عزّ وجل:

﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ (165) ﴾

( سورة البقرة: آية " 165 " )

أن تتخذ نِداً لله أي أن تُحِبَّه كحب الله، وأن تخافه كما تخاف الله، وأن ترجوه كما ترجو الله، وأن تُعَلِّق عليه الأمل كما تُعلق الأمل على الله عزَّ وجل.

﴿ يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً (165) ﴾

( سورة البقرة: آية " 165 " )

أي ظلموا أنفسهم حينما أحبوا أندادهم كحب الله.

 

الذي ينبغي أن يُحَب هو الله وحده لأنه أصل الكمال:

 الله أصل العطاء والجمال
الذي ينبغي أن يُحَب هو الله وحده لأنه أصل الكمال، وأصل النوال والعطاء، وأصل الجمال، الذي ينبغي أن تحبَّه وحده هو الله.

 

﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (165) ﴾

وقال:

﴿ وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَاداً (8) ﴾

( سورة الزمر: آية " 8 " )

أي قد يمرض ابن الرجل مرضاً شديداً، فيأخذه إلى طبيب، يلهم هذا الطبيب بتوفيق الله أن يشخص المرض ويحدده، ويُلهم وصف الدواء المناسب فيشفى هذا الابن، ونسي الأب الله وعزا الشفاء إلى الطبيب، تُوكِّل محامياً فأكرمك الله عزّ وجل بأن ألهمه المذكرة الدقيقة وألهم القاضي أن ينصفك فأنصفك، تعزو نجاح الدعوى إلى هذا المحامي وذاك القاضي، لذلك قال تعالى:

﴿ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَاداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ (8) ﴾

( سورة الزمر)

الشرك الخفي هو أن ترى مع الله أحداً:

 وقال:

 

﴿ وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَائِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (12)﴾

( سورة يونس)

لتكن هذه الآية مناراً يهديك، فلا تنزلق في مهاوي الشرك ويحبط ـ لا سمح الله ـ عملك، إنها:

﴿ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22)﴾

وبعد ؛ فإن الإنسان إذا عَزَا الأمور إلى قوَّته، أو إلى حكمته، أو إلى علمه، أو إلى قوة الآخرين وعلم الآخرين فقد أشرك، إذاً الحذر الحَذر ولا ينبغي أن ترى مع الله أحداً، هذه الآية أيها الأخوة من الآيات الدقيقة التي تبيِّن أن الشرك الخفي هو أن ترى مع الله أحداً، أن تتخذ من دون الله أنداداً تحبُّهم كما ينبغي أن تحبَّ الله عزّ وجل.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018