الدرس : 50 - سورة الأنعام - تفسيرالآية 124 ، معجزة الأنبياء - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 50 - سورة الأنعام - تفسيرالآية 124 ، معجزة الأنبياء


2006-02-03

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .
 أيها الإخوة الكرام ، مع الدرس الخمسين من دروس سورة الأنعام ، ومع الآية الرابعة والعشرين بعد المئة ، وهي قوله تعالى :

﴿ وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آَيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾

الفرق بين معجزات الأنبياء السابقين ومعجزة النبي

 أيها الإخوة ، بادئ ذي بدء يجب أن نفرق بين معجزات الأنبياء السابقين ومعجزة سيد المرسلين ، هناك فرق كبير ، فرق لا في الدرجة ، بل في النوع ، بمعنى أن الأنبياء السابقين كانت رسالتهم إلى أقوامهم ليس غير ، لذلك كانت المعجزات حسية ، والسؤال الآن : لماذا المعجزات ؟ لأن الله إذا أرسل نبياً أو رسولاً يجب أن يشهد له أنه رسوله ، وكيف يشهد خالق السماوات والأرض ، ولا تدركه الأبصار للخلق أن هذا الإنسان هو رسوله وهو نبيه ، لا بد من أن يجري على يديه شيئاً لا يستطيعه البشر جميعاً ، لا بد من أن يجري عليه خرقاً لنواميس الكون ، هذا الخرق لنواميس الكون هو المعجزة ، فالمعجزة خاصة بالأنبياء والرسل ، وقد أمروا أن يتحدوا الناس بها ، لأنهم معصومون ، لكن بعض التجاوزات التي يبشر الله بها المؤمن أنه مقرب إليه ، يسميها العلماء كرامات ، والكرامات لا ينبغي أن يتحدى بها ، لأن الأولياء ليسوا معصومين ، لذلك الولي الصادق يستحي بكرامته كما تستحي المرأة بشيء لا يليق أن تظهره .

بين خرق النواميس والشيء غير المألوف

 أيها الإخوة ، خرق النواميس ، والشيء غير المألوف من غير الأنبياء يسمى كرامات ، والكرامة لا ننكرها ، ولا نذكرها ، إن أنكرناها أنكرنا حقيقة وردت في كتاب الله ، السيدة مريم هل هي نبية ، الأنبياء رجال ، لكنها ولدت ولداً من غير أب ، هذا خرق للنواميس ، لذلك الكرامات لا نرويها إلا إذا كانت مؤصلة بقرآن أو سنة ، أما كل إنسان قال لك : أنا حدث معي كذا وكذا فهذا طريق كله ألغام ، وينتهي بضياع معالم الدين ، لذلك الأولى أن نبتعد عن الكرامات التي ليس لها دليل من نص قطعي الثبوت والدلالة ، ويجب أن تعتقد أنك لست مكلفاً أن تصدق كل كرامة تروى لك ، الكرامة كأنها أمر صرف شخصي ، لا يصرف إلا لصاحبه فلا ينبغي أن نتحدث عنها ، هذا الدين دين النص الصحيح ، دين العلم ، دين القواعد .
 حتى إن العلماء قالوا : لو أن إنساناً رأى النبي عليه الصلاة والسلام ، وأمره بغير أمره في حياته ترد الرؤيا ، ترد الرؤيا ، ويثبت الشرع ، هذا دين ، والدين مصيري ، وإن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم :

(( ابن عمر ، دينك ، دينك ، إنما هو لحمك ودمك ، فانظر عمن تأخذ ، خذ الدين عن الذين استقاموا ، ولا تأخذ عن الذين قالوا ))

[ورد في الأثر]

 خرق العادات والنواميس للأولياء كرامة ، وخرق العادات والنواميس للضُلاّل ضلالة ، فقد يستعين إنسان بالجن ، ويبدو لك أن بعض النواميس خرقت ، هذه ضلالات ، لكن الذي يعنينا في هذا الدرس المعجزات ، معجزات الأنبياء السابقين كانت لأقوامهم .

 

﴿ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَاد ٍ﴾

( سورة الرعد )

 إن معجزة نبينا عليه الصلاة والسلام لكل الأمم ، ولكل الشعوب ، وإلى أن تقوم الساعة ، لأنه خاتم الأنبياء والمرسلين ، ولأن كتابه خاتم الكتب ، فالفرق النوعي بين معجزات الأنبياء السابقين ، ومعجزة سيد المرسلين ، هو فرق في النوع ، الأنبياء السابقون بُعثوا لأقوامهم ، ومعجزاتهم حسية .

 

بعض معجزات الأنبياء

﴿ فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾

( سورة الأعراف )

 أشار إلى البحر فأصبح طريقاً يبساً .
 سيدنا إبراهيم :

 

﴿ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴾

( سورة الأنبياء )

 سيدنا يونس خرج من بطن الحوت ، سيدنا صالح أخرج الناقة من الجبل ، هذه معجزات حسية ، لكن قال عنها العلماء : كأنها تأّلق عود الثقاب ، تألقت مرة وانطفأت ، وأصبحت خبراً يصدق أو لا يصدق ، لكن بعثة النبي e ، ورسالة النبي عليه الصلاة والسلام ، والقرآن الذي جاء به النبي لكل الأمم والشعوب وإلى قيام الساعة ، إذاً لا بد من أن تكون المعجزة مستمرة إلى قيام الساعة ، طبيعتها إذاً معجزة علمية ، وليست حسية ، وهذا لا يعني أننا ننكر أن النبي جاء بمعجزات حسية ، لمن كان حوله ، أما المعجزة الكبرى التي هي مستمرة إلى يوم القيامة هذا القرآن الكريم ، وما فيه من إشارات علمية سبقت العصر بـ 1400عام ، لذلك لما جاءهم بالقرآن وهو كلام خالق الأكوان .

(( إن فضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على سائر خلقه ))

[ الجامع الصغير عن أبي سعيد بسند ضعيف]

﴿ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ ﴾

 تمنوا أن يضرب

﴿ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ ﴾

 تمنوا الخوارق التي وردت في الكتب السماوية السابقة ، في الإنجيل والتوراة .

 

﴿ وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً﴾

( سورة الإسراء )

 لأن بلادهم صحراء ، والماء شيء نفيس ،

﴿ لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا ﴾

﴿ أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيراً * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلاً * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولاً ﴾

( سورة الإسراء )

 هو بشر ، الأشياء التي خصها الله به يظهرها ، والأشياء التي لم يخصها أنّى لها أن تكون بين يديه ؟

﴿ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا ﴾

فلسفة التفلت واختلال التوازن

 أيها الإخوة الكرام ، إذاً هذا الذي لا يعي مضمون الدعوة ، لا يعي عظم المنهج ، لا يعي هذا التشريع ، لا يعي هذه الحقائق ، لم يتفكر في خلق السماوات والأرض ، هذا الذي غفل عن جوهر الدين ، وطلب الشكليات ، وطلب خرق العادات ، وتجاوز القوانين ، وطلب معجزات ليست في مقدور النبي عليه الصلاة والسلام ، هذا يسمى التعنت ، هو يريد ألا يؤمن ، لأنه إذا آمن قيده المنهج ، هو يريد أن يبقى متفلتاً من المنهج .
 لذلك حينما يعصي الإنسان ربه يختل توازنه ، فإذا اختل توازنه يسعى أن يقلل من قيمة المستقيمين ، أو الصالحين ، أو المؤمنين ، يسعى أن يقلل من قيمة الدين ، يسعى أن يبحث عن ثغرات في الدين كي يرتاح ، يسعى أن تأتيه أخبار تؤكد صوابه في عمله ، هذا إنسان غير سوي ، اختل توازنه حينما عصا ربه ، لأن تطابق الفطرة مع الشرع تطابق عجيب ، سواء عليك أعصيت أمراً نقل إليك من كتاب أو سنة ، أو خالفت قوانين فطرتك ، فالمؤدّى واحد ، المؤدى كآبة ، المؤدى قلق ، المؤدى اختلال توازن ، فالذي اختل توازنه إما أن يتعلق بعقيدة فاسدة تغطي انحرافه ، كأن يعتقد بمفهومات للشفاعة ساذجة ، أنه اعمل ما تشاء ، فالنبي عليه الصلاة والسلام سوف يسجد يوم القيامة ، ويطيل السجود ، يقول الله له : ارفع يا محمد ، يقول : لا أرفع رأسي حتى تدخل أمتي الجنة ، هذه فكرة مريحة جداً ، افعل ما تشاء ، لكن الله حينما يقول :

﴿ أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ ﴾

( سورة الزمر )

 أما حينما قال عليه الصلاة والسلام :

(( أمّتي أمتي ، فقيل له : لا تدري ماذا أحدثوا بعدك ، فيقول عندئذٍ : سحقاً سحقا ))

[الجامع الصغير عن سهل بن سعد]

 حينما يقول عليه الصلاة والسلام :

(( يَا بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ ، يَا بَنِي مُرَّةَ بنِ كَعْبٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ يَا بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ ، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ ، يَا بَنِي هَاشِمٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ ، يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ ، يَا فَاطِمَةُ أَنْقِذِي نَفْسَكِ مِنْ النَّارِ ، فَإِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا ... ))

[مسلم عن أبي هريرة]

 هذا الإنسان الذي قال والله :

(( لَوْ أنّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا ))

[ متفق عليه عن عائشة]

 هذا منهج الله عز وجل ، فالذي يعصي الله يختل توازنه ، وعندئذٍ يتعلق بأوهام ما أنزل الله بها من سلطان ، لذلك في بداية الدرس أقول :
 " اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم " .
 شيء آخر ، حينما يختل توازن الإنسان بسبب مخالفه لمنهج ربه ، أو لقوانين فطرته ، وهما اسمان لمسمى واحد ، ذلك لأن تطابق الشرع مع الفطرة تطابق تام ، حينما يفعل ذلك يختل توازنه ، عندئذٍ يتعلق بعقائد فاسدة ، ومضحكة ، ولا أصل لها ، ولا تقوم على قوائم ، وهذه العقائد متى يكتشف زيفها ؟ بعد فوات الأوان .
 تماماً كما لو أن طالباً أقنع زميله أن المدرس في نهاية العام يعطينا الأسئلة بهدية ، لذلك هو يستريح من الدراسة ، فلما طرق باب المدرس ، وطلب منه الأسئلة صفعه على وجهه صفعتين ، وأخرجه مطروداً مخذولاً خائباً ، هذه الفكرة التي صدقها في أول العام سببت له الرسوب .
 لذلك هذا العلم لا تقبل شيئاً من دون دليل ، ولا ترفض شيئاً من دون دليل ، ولولا الدليل لقال من شاء ما شاء ، وإن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم .
 إخوتنا الكرام ، هناك أشياء كثيرة ليست مصيرية ، بيت تسكنه ، بإمكانك أن تبيعه ، مركبة تركبها بإمكانك أن تستبدلها ، حرفة تمارسها بإمكانك أن تغيرها ، لكن عقيدتك ودينك تتعلق به الآخرة ، يتعلق به الأبد ، يتعلق به السعادة أو الشقاء ، تتعلق به ما بعد الموت ، لذلك الإنسان إذا تعلق بعقائد زائغة ، أو اتهم الصادقين كي ترتاح نفسه ، هذا أسلوب غير علمي .
 تماماً كما لو أن طالباً لم يكتب الوظيفة ، يتمنى أن يكون جميع الطلاب لم يكتبوا الوظيفة .
 الآن في بعض البلاد بإفريقيا إذا جاءهم زائر يحاولون أن ينقلوا له فيروس الإيدز ، لماذا ؟ بظنهم أنه كلما اتسعت رقعة المصابين بحث الناس عن حل لهذا المرض .
 هذه حالة موجودة دائماً ، لذلك الله عز وجل قال :

﴿ وَإِذَا جَاءَتْهُمْ ءَايَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ ﴾

 أحد أقطاب الكفر في مكة قال : بنو عبد مناف نافسونا ، أنفقوا فأنفقنا ذبحوا الإبل فذبحنا الإبل ، فعلوا ففعلنا ، فكيف جاء نبي منهم ؟ إن لم يأتنا وحي كالذي أتى محمداً فلن نؤمن به ، قضية منافسة ، الله عز وجل قال :

﴿ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ﴾

 هذه الرسالة تحتاج إلى بطل ، تحتاج إلى قمة البشر ، تحتاج إلى إنسان هو بشر ، وليس كالبشر ، تحتاج إلى إنسان مفعم بمحبة الله ، مفعم بطاعته ، مفعم بتقديره ، مفعم بحرصه على نفع الناس .

 

﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾

( سورة التوبة )

﴿ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ﴾

 أحياناً يعمل إنسان ليلاً ونهاراً ويتفوق ، والله عز وجل يتفضل عليه بإكرام من نوع أو بآخر ، الذي كان نائماً ، وكان كسولاً متوانياً ، مرجئاً لكل خططه إذا رأى زميله متألقًا يغار منه ، بل يحسده ، بل يسفهه ، نقول له : أنت أين كنت يوم كان يمضي الليالي على طاولة الدرس ؟ أين كنت ؟ كنت نائمًا ، كنت مع أصدقائك تلعبون النرد ، هو كان يدرس ويتعلم ،

﴿ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ﴾

﴿ لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾

( سورة الحجرات الآية : 1 )

 لا تقدم اقتراحات .
 أيها الإخوة ، أنا أقول لكم : إن معرفة حقيقية رسول الله جزء لا يتجزأ من الدين ، والدليل :

 

﴿ أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ ﴾

( سورة المؤمنون الآية : 69 )

﴿ قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ ﴾

( سورة سبأ الآية : 46 )

فحوى دعوة النبي وأبعادها

 التفكر في فحوى دعوة النبي e ، وفي شخص النبي e ، وفي خُلق النبي e ، وفي منهج النبي e ، ونحن الآن بأمسّ الحاجة إلى أن نُعرف الطرف الآخر بعظمة هذا النبي e ، أناس كثيرون يجهلونه ، لا يعرفونه ، رسموا رسوماً تشوّه حقيقته ، والذي رسم هذه الرسوم سُئل : أتعرفه ؟ قال : لا ، لا أعرفه ، فكيف ترسم هذه الرسوم ، ولا تعرفه ؟ قال : أنا أعرف أتباعه ، لذلك أنا أقول : لو أن الجاليات الإسلامية في العالم طبقت أحكام دينها لكان موقف الغرب منا غير هذا الموقف .
 كنت أروي قصة كثيراً أن إمام مسجد نقل من لندن إلى ظاهر لندن ، فاضطر أن يركب مركبة كل يوم مع السائق نفسه ، مرة صعد المركبة أعطى السائق ورقة نقدية كبيرة ، فردّ له السائق التتمة ، وهي تزيد عشرين بنسًا عما يستحق ، وهو إمام مسجد ، قال : لا بد من أن أرد الزيادة ، بعد أن جلس على المقعد قال : إنها شركة عملاقة ، ودخلها فلكي ، والمبلغ يسير جداً لا يقدم ولا يؤخر ، وأنا في أمسّ الحاجة إلى هذا المبلغ ، لكن الذي حصل أنه لما أراد أن ينزل دون أن يشعر مد يده إلى جيبه ، ونقد السائق العشرين بنسًا ، ابتسم السائق ، قال له : ألست إمام هذا المسجد ؟ قال : بلى ، قال : والله حدثت نفسي قبل يومين أن أزورك في المسجد لأتعبد الله عندك ، ولكني أردت أن أمتحنك قبل أن آتي إليك ، فوقع هذا الإمام مغشياً عليه ، فلما صحا من غيبوبته قال : يا رب كدت أبيع الإسلام كله بعشرين بنساً .
 لو أن أفراد الجالية الإسلامية في العالم الغربي كانوا وفق منهج ربهم لكان موقف الغرب على عكس ما هو عليه الآن ، لأن أهل الغرب لا يمكن أن يفهموا هذا الدين من تفسير القرطبي ، ولا من فتح الباري في شرح صحيح البخاري ، ولا من أذكار الإمام النووي ، ولا من كتب الفقه ، ولا من كتب العقيدة ، لا يفهمون هذا الإسلام إلا من هذا المسلم الذي أمامهم فقط ، فإذا كان هذا المسلم مسيئاً ، يدلي بتصريح كاذب ، كان هذا المسلم زير نساء ، كان هذا المسلم غارقاً في الآثام والمعاصي ، فأنّى لهم أن يحترموا نبينا ؟
 لا تبتعد كثيراً ، لو أن شاباً أساء إلى أهله ، مباشرة يسبون الشيخ الذي علمه دون أن تشعر ، شاب في البيت أساء إلى إخوته ، إلى أمه ، إلى أبيه ، مباشرة ينقلون هذه الإساءة إلى من علمه الدين .
 إذاً الحقيقة أننا نتحمل جزءاً كبيراً من هذه التحديات والإساءات ، إما لقرآننا العظيم ، حيث دُنس في بلاد بعيدة ، أو لصورة نبينا الكريم حيث شوهت في بلاد الغرب ، نتحمل نحن هذا الإثم ، وشيء آخر لأننا ضعاف ، والضعيف يُتحدى ، ويُستفز ، ويُساء إليه ، لكن لو أننا طبقنا قوله تعالى :

﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾

( سورة الأنفال )

 لما كان الذي كان .
 أيها الإخوة :

 

﴿ قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ * قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيد ٌ﴾

( سورة سبأ )

بين مقياس الدين ومقاييس أهل الدنيا

 لكن أهل الأرض لهم مقاييس ، القوة مقياس ، والمال مقياس ، والوسامة مقياس والذكاء مقياس ، والأتباع مقياس ، لكن الإله العظيم يرجح بين خلقه لا بحجمهم المالي ، ولا بوسامتهم ، وبفصاحتهم ، ولا بنسبهم ، بل يرجح مكانتهم بعلمهم وعملهم ، لذلك :

﴿ وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءانُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ * أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾

( سورة الزخرف )

 إذاً الآية :

﴿ وَإِذَا جَاءَتْهُمْ ءَايَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ ﴾

 هؤلاء الكبار في نظر الناس بمقاييس الدنيا هم عند الله مجرمون ،

﴿ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا ﴾

 هؤلاء الكبار بمقاييس الدنيا عند الناس ، إذا عارضوا الحق ، وسفهوا الرسل ، وكانوا في خندق معادٍ لخندق الدين هم عند الله مجرمون ، ولا شأن لهم ، ولا مكانة لهم ،

﴿ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ ﴾

 عذاب مهين داخلي ، احتقار الذات ، وعذاب شديد ، وعذاب عظيم ، هو عذاب الآخرة .

 

﴿ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ ﴾

( سورة البقرة )

 وعذاب الدنيا إذا كان مادياً فهو عذاب شديد ، وإذا كان نفسياً فهو عذاب مهين ،

﴿ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ ﴾

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018