الدرس : 10 - سورة البقرة - تفسير الآيتان 21-22، العبادة ، الأرض - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 10 - سورة البقرة - تفسير الآيتان 21-22، العبادة ، الأرض


1998-08-28

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة الكرام، مع الدرس العاشر من دروس سورة البقرة.

الخالق عز وجل هو وحده يستحق العبادة:

الخالق وحده من يستحق العبادة
مع الآية الثانية والعشرين وهي قوله تعالى:

﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22) ﴾

والآية التي قبلها:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) ﴾

من الذي يستحق العبادة ؟ الذي خَلَقْ، الذي خلقك هو وحده يستحق العبادة، والذي أمدَّك بكل ما تحتاجه هو وحده يستحق العبادة، والذي أَمْرُك بيده هو وحده يستحق العبادة، والذي مصيرك إليه هو وحده يستحق العبادة، خلقك، وأمدك، وجعل أمرك بيده، ومصيرك إليه هذا الذي ينبغي أن تعبده، بعض الناس يعبدون ما لا يملك لهم نفعاً، ولا ضراً، ولا رزقاً، ولا حياةً ولا نشوراً، وهذا هو الخطأ الجسيم، الحُمْقُ البالغ، والغباء الشديد أن تتجه إلى جهةٍ لا تملك لك نفعاً ولا ضراً، لا تملك لك، ولا تملك لذاتها نفعاً ولا ضراً، وكأن الطريق مسدود، هناك إحباطٌ شديد يصيب هؤلاء الذين عبدوا من دون الله، لأن كل جهةٍ دون الله عزَّ وجل ليس لها من الأمر شيء ولا تملك لك نفعاً، ولا ضراً، ولا رزقاً، ولا حياةً، ولا أمناً، ولا توفيقاً، ولا نصراً، ولا تطميناً، ولا تمكيناً، لا تملك لك شيئاً، ومع ذلك فالإنسان يعبد هذه الجهة ويَمْحَضُها حُبَّه وولاءه، وهو بهذا يمشي في طريقٍ مسدود، لذلك يقول الله عزَّ وجل:

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ (48) ﴾

( سورة النساء )

يغفر الله ما يشاء إلا الشرك به:

كنت قد ضربت حول هذه الفكرة مثلاً أنه يمكن أن تتجه إلى مدينة، ولك فيها مبلغٌ كبيرٌ جداً، يُمكن أن ترتكب وأنت في الطريق إليها آلاف الأغلاط، لكنَّك تسير نحوها وستأخذ هذا المبلغ، أما الخطأُ الذي لا يُغْتَفَر أن تتجه في طريقٍ معاكس لا تجد فيه شيئاً.

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ (48) ﴾

( سورة النساء )

(( إني والإنس والجن في نبأ عظيم، أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر سواي، خيري إلى العباد نازل، وشرهم إلي صاعد، أتحبب إليهم بنعمي وأنا الغني عنهم ، ويتبغضون إلي بالمعاصي وهم أفقر شيء إلي، من أقبل عليّ منهم تلقيته من بعيد، ومن أعرض عني منهم ناديته من قريب، أهل ذكري أهل مودتي، أهل شكري أهل زيادتي، أهل معصيتي ـ الله رؤوف رحيم، رؤوف رحيم ـ لا أقنطهم من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب، الحسنة عندي بعشرة أمثالها وأزيد، والسيئة بمثلها وأعفو، وأنا أرأف بعبدي من الأم بولدها ))

[ رواه البيهقي والحاكم عن معاذ، والديلمي وابن عساكر عن أبي الدرداء ]

لا يليق بالإنسان أن يعبد غير الله وإلا فإنه يحتقر نفسه:

لا تشركوا بالله شيئاً
الذي خلقك، الذي أَمَدَّك، الذي يُسَيِّرُك، الذي أمْرُكَ بيده، الذي إليه يُرْجَعُ الأمر كله، الذي مصيرك إليه، هذا وحده الذي ينبغي أن تعبده، ولا ينبغي أن تعبد سواه، ولا ينبغي أن تتجه إلى سواه، ولا ينبغي أن تكون محسوباً على غيره، يجب أن تكون محسوباً على الله وحده، لا يليق بك أن تكون لغير الله، إنَّك إذاً تحتقر نفسك.

﴿ وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ (130) ﴾

( سورة البقرة )

أنت تحتقر نفسك حينما تتجه إلى غير الله، عبدٌ ضعيفُ مثلك، نقطة دم في دماغه تجعله مشلولاً، ونموٌ عشوائيٌ في بعض أنسجته يجعله مصاباً بمرضٍ خبيث يُسَلِّم الأمر لغيره، الإنسان ضعيفٌ جداً، فكيف تتجه إليه ؟ وكيف تعلِّق الأمل عليه ؟ وهو لا يملك حياته !!
أيها الأخوة الكرام ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، والدين كله توحيد.

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ (21) ﴾

أقرب اسمٍ من أسماء الله تعالى إلى العبد اسم الرب، وأقرب شيءٍ إلى الطفل أمُّه، لأنها تربيه، تمدُّه بالحليب، تمده بالـرعاية، تعطف عليه، ترعى شؤونه، تأخذ بيده، ترقى به، أقرب كائنٍ في حياة الطفل أمه، وأقرب اسمٍ مـن أسماء الله الحسنى إلى الإنسان ربُّ العالمين، فهو يربيه، إذا أودع الله في قلب الأب رحمةً فمن الله عزَّ وجل، إذا رأيت أباً يرحم ابنه هذه رحمة الله، إذا رأيت أماً تعطف على ابنها هذه رحمة الله.

 

كلُّ الخلائق يتراحمون بجزءٍ من رحمة الله:

تروى قصةٌ رمزية ـ لها معنى عميق ـ أن أحد الأنبياء رأى امرأةً تَخْبُزُ وابنها إلى جنبها، كلما وضعت رغيفاً في التنور ضَمَّت ابنها وقَبَّلته، فعجب هذا النبي من رحمة هذه الأم بولدها، فقال الله له: هذه رحمتي يا عبدي، وسأنزعها، فلما نزع من قلبها الرحمة بكى طفلها فألقته في التنور.
إذا رأيت أماً تعطف على ابنها فهذه رحمة الله، إذا رأيت حيواناً يعطف على أولاده هذه رحمة الله، كلُّ الخلائق يتراحمون بجزءٍ من رحمة الله، بل إن الرحمة التي في قلبك تتناسب مع اتصالك بالله عزَّ وجل بالضبط، أشدُّ الخلق اتصالاً بالله هو رسول الله، إذاً هو أرحم الخلق بالخلق على الإطلاق. ذهب إلى الطائف، وكذَّبوه، وسخروا منه، وأغْرُوا صبيانهم بإيذائه، فلما جاءه جبريل وقال: يا محمد أَمَرني ربي أن أكون طوع إرادتك، لم ينتقم، مع أنهم بالغوا في الإساءة إليه، قال:

(( لا يا أخي، اللهم اهدِ قومي إنهم لا يعلمون، أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً ))

[متفق عليه عن عائشة]

يا أيها الأخوة الكرام، إليكم هذا القانون، وهو مستنبط من هذه الآية:

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ (159) ﴾

( سورة آل عمران: آية " 159" )

كنت ليِّناً معهم بسبب رحمةٍ استقرَّت في قلبك من خلال اتصالك بنا، فالتفوا حولك، وأحبّوك، وفدوك بأرواحهم وأولادهم ونسائهم، وكانوا معك في كل شيء إلى نهاية الطريق، قال أبو سفيان: " ما رأيت أحداً يحب أحداً كحب أصحابُ محمدٍ محمداً "، وهذا الذي يفقده المسلمون اليوم.
مظاهر الإسلام صارخة، ولكن الحب معدوم بين المسلمين، ما رأيت أحداً يحبُّ أحداً كحبِّ أصحابِ محمدٍ محمداً.

 

العبادة غاية الخضوع:

أيها الأخوة الكرام، هـل تصدِّقون أن امرأةً أنصارية تتفقَّد أقرباءها عقب معركة أحد، تذهب إلى ساحة المعركة فإذا زوجها شهيدٌ، ثم ترى أباها شهيداً، ثم ترى أخاها، ثم ترى ابنها، معقول ؟! زوجها، وأبوها، وأخوها، وابنها وتقول: ما فعل رسول الله ؟ فلما رأته بأم عينها، واطمأنت على سلامته قالت: يا رسول الله كل مصيبةٍ بعدك جلل، هكذا كان أصحاب النبي، هكذا كان حبُّهم لرسول الله، هكذا كانت تضحياتهم، بهذا وصلوا إلى المَشرِقَين، بهذا مكَّنهم الله في الأرض، بهذا استخلفهم، بهذا بدَّل خوفهم أمناً، بهذا دانت لهم أنحاء الأرض.
العبادة غاية الخضوع لله تعالى
جاءت رسالة إلى هارونَ الرشيد من إمبراطور الروم، تقول هذه الرسالة: إن الإمبراطورة التي سبقتني دفعت لك الجزية، وكان الأولى أن تأخذها منك، فَرُدَّ كل شيءٍ أخذْتَه منها وإلا بيني وبينك القتال، فأجابه: من عبد الله هارون الرشيد أمير المؤمنين إلى كَلب الروم، الجواب ما تراه لا ما تسمعه، فغزاه، وقهره، وجعله يدفع الجزية ضِعْفَاً.
هكذا كان المسلمون يوم كانوا مع الله، كلمتهم هي النافذة، هي العُليا، ولكن حينما تركوا سُنَّة رسول الله اختلف الوضع:

﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً (59) ﴾

( سورة مريم)

أيها الأخوة الكرام، قضية عبادة الله عزَّ وجل أخطر موضوعٍ في حياة المؤمن، من تعبد ؟ العبادة غاية الخضوع، لمن تخضع ؟ هل تخضع لغير الله ؟ أقول لكم هذه الكلمة التي قلتها مراراً: حينما يطيع الإنسان مخلوقاً ـ كائناً من كان ـ ويعصي ربَّه، فهو لم يقل: الله أكبر، ولا مرة ولو رددها بلسانه ألف مرة، لماذا ؟ لأنه تصوَّر أن طاعة هذا المخلوق ـ القوي في نظره ـ أثمن عنده من طاعة الله، إذاً لم يقل: الله أكبر بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة، الذي يَغُشُّ المسلمين ما قال: الله أكبر، ولا مرة ولو رددها بلسانه ألف مرة، لأنه رأى أن هذا المال الذي يأخذُه من هذا الغش أثمن عنده من طاعة الله.

 

كلمة المسلمين ليست هي العليا لأنهم اعتزّوا بغير الله:

قال تعالى:

﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً (59) ﴾

( سورة مريم)

الذي لا يقيم الإسلام في بيته إرضاءً لزوجته ما قال: الله أكبر ولا مرة ولو رددها بلسانه ألف مرة، لأنَّه رأى إرضاء أهله وأولاده أثمن عنده من إرضاء الله عزَّ وجل، قضيةٌ مصيرية هو الجواب عن سؤالٍ كبير لماذا نحن كذلك ؟ لماذا يعد المسلمون خُمس العالم مليار ومئتي مليون، وليست كلمتهم هي العُليا ؟ ترتعد فرائصهم إذا حدث شيءٌ في العالم ونُسب إليهم، لأن الغضب سينصَبُّ عليهم، أهذه حياة ؟!! لأنهم اعتزّوا بغير الله، لأنهم ما أرادوا عزاً عن طريق الدين، بل عن طريق شيءٍ آخر.
أيها الأخوة الكرام:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ (21) ﴾

هو الذي خلقك، وهو الذي يربيك، يُمِدُّك بما تحتاج، وهو الذي يربِّي نفوسنا، ينقلها من حالٍ إلى حال، من طور ٍإلى طور، هو الذي يراقب أعمالنا، يطَّلع على ما في سرائرنا، يحاسبنا على خواطرنا، هو الذي بيده كل شيء، وإليه مصير كل شيء.

 

الربَّاني الذي لا يشغل ساحتَه إلا اللهُ:

أيها الأخوة، ينبغي أن تعبد هذا الإله، ينبغي أن تنتمي إليه، ينبغي أن يكون ولاؤك لـه، حُبُّك له، إخلاصك له، شبابك له، حياتك كلها له، مالك له، ذكاؤك له، طلاقة لسانك له، خبرتك له، علمك له:

﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) ﴾

( سورة الأنعام)

هذا هو الربَّاني:

﴿ وَلَكِن كُونُواْ رَبَّانِيينَ (79) ﴾

( سورة آل عمران)

الربَّاني الذي لا يشغل ساحتَه إلا اللهُ، لا يعمل إلا لله، لا يرضي غير الله، لا يخاف إلا من الله، لا يسعى إلا لطاعة الله، لا يهاب أحداً إلا الله، هذا هو التوحيد، ائتني باثْنَي عشر ألف موحّد ولن يُغلبوا في الأرض، ورد في الحديث الصحيح:

(( لن تغلب أمتي من اثني عشر ألفاً من قلة ))

[ الجامع الصغير ]

(لن تغلب) تفيد تأبيد النفي:

(( لن تغلب أمتي من اثني عشر ألفاً من قلة ))

[ الجامع الصغير ]

إن لم يصلح المجتمع كُلُّه فعليك بإصلاح نفسك، إن لم يصطلح الناس مع ربهم اصطلح أنت مع الله، إن لم يُقِم الناس الإسلام في بيوتهم فأقم أنت الإسلام في بيتك، أقم الإسلام في عملك، كن مع الله ولا تُبالِ.

 

أسماء الجلال وأسماء الجمال:

أيها الأخوة الكرام، هذه الآية الأساسية:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) ﴾

قضيةٌ ثابتة، من يستطيع أن يدَّعي أنه خلق الناس ؟ من يستطيع أن يدَّعي أنه خلق الأرض ؟ أنه أنزل الماء من السماء ؟ شيءٌ بديهي حتى إن الكُفر يعني الإيمان ! كيف ؟ كفر: غطَّى، غطَّى شيئاً، ما هذا الذي تغطيه ؟ هو الإيمان، الكافر يقول: مصرف إسلامي، المعنى أن المصارف الأخرى غير إسلامية.
أيها الأخوة الكرام:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) ﴾

لعلكم تتقون أسماء جلاله بأسماء جماله، أسماء جلاله: قَهَّار..

﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (12) ﴾

( سورة البروج)

الله منتقم، هـذه أسماء الجلال، كيف تتقيها ؟ بطاعته، فإذا أطعته نِلْتَ أسماء الجمال ؛ هو الرحيم، هو اللطيف، هو المعطي، هو المُعِزّ، هو الرافع، هو العَدل، تتقي أسماء جلاله بأسماء جماله.

 

عناصر الأرض متنوِّعة لحكمةٍ بالغةٍ أرادها الله:

تنوع عناصر الأرض لحكمة أرادها اللهً
أيها الأخوة الكرام، شرِحَت هذه الآية في الدرس الماضي، بعدها:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً (22) ﴾

الحقيقة الفِراش مُرِيح، مـا كان الفراش فراشاً إلا لترتاح عليه، ليِّن، مُريح، نظيف، يتناسب مع جسمك، يتفاعل مع خطوط جسمك، ترتاح عليه، قدَّم الله لك نموذجاً لشيءٍ قريبٍ منك، فالإنسان وهو نائم أقرب شيءٍ إليه فراشه، ما سُمي فراشاً إلا لأنه مريح، جعل الله جلَّ جلاله لك الأرض فراشاً، أي جعلها مستوية، فلو جعلها متعرِّجة ؟!! قد تشتري أرضاً في سفح جبل تنفق عليها مئات الألوف لتجعلها مصاطب، شيء متعب، جعل لك الأرض فراشاً، جعلها مستوية، ماذا تفعل بها لو جعلها صخرية ؟ جعلها تربة تنبت لك الزرع، جعلك مستقراً عليها عن طريق الجاذبية، جعلها لك فراشاً، أودع فيها الماء، أودع فيها المعادن، أودع فيها أشباه المعادن.
عناصر الأرض متنوِّعة لحكمةٍ بالغةٍ أرادها الله، جعل لكل عنصر درجة انصهار خاصة، ولو أن كل العناصر لها درجة انصهار واحدة لوجدت الأرض كلها صلبةً، أو سائلةً، أو غازاً، تجد شيئاً صُلباً، الحديد قاسٍ، الصخر قاسٍ، الرخام قاسٍ، المعادن قاسية، قاسية ومتينة، تجد بالمقابل بعض الأجسام الليِّنة، الكاوتشوك، الفَلِّين، بعض النباتات، الصوف، القطن. هناك أشياء سائلة، و أشياء غازية، هذا التنوُّع بين الصلب، واللَّزج، والمَرن، والسائل، والغاز لتكون الأرض فراشاً، تحتاج إلى هواء تستنشقه ؛ غاز، تحتاج إلى ماء تشربه سائل، تحتاج إلى فراش تنام عليه ليِّن، تحتاج إلى معدن قاسٍ تصنع منه المركبة والمحراث كالحديد، جعلها الله فراشاً، جعلها تنبت.

 

الله تعالى جعل الأرض فراشاً فيها استقرارك واستمرار حياتك:

جعلها فراشاً بمعنى أنه جعل فيها أسباب استقرارك عليها واستمرار حياتك فيها، لو سكنت في بيت لا ماء فيه تخرج منه، لو سكنت في بيت ليس فيه تدفئة في الشتاء تخرج منه، لو سكنت في بيت لا يوجد فيه تكييف في الصيف تخرج منه، لو سكنت في بيت لا يوجد فيه فراش، كيف تنام على الأرض ؟
هذا البيت لماذا تستقر فيه ؟ فيه ماء، فيه هواء، فيه طعام، هناك ثلاجة، غرفة ضيوف، غرفة جلوس، هناك حمام، ومطبخ، وغرفة للأولاد، هذه الغرف، وهذا الفَرْش، وهذه الأدوات كلها وسائل الاستقرار والاستمرار في هذا البيت، وكذلك الأرض جعل الله أسباب استقرارك واستمرارك فيها، إذاً هي كالفراش. تحتاج إلى معدن تصنع منه طائرة يجب أن يكون خفيفاً جداً ومتيناً جداً ؛ الألمنيوم، هو معدن يتميَّز عن غيره، لو أن الطائرة من حديد لكانت كُلفة طيرانها عشرة أضعاف، لكن معدن الطائرة متين وخفيف في وقتٍ واحد، تحتاج إلى معدن يَنْصَهِر بدرجة مئة، كيف تعامل الحديد مع الحجر ؟ عندَّك دُكَّان ولها باب، تريد أن تضع القفل على الحجر، ينصهر معدن الرصاص في درجة مئة، هذا المعدن له خاصة ينفرد بها أنه حينما يبرد يزداد حجمه، فيكفي أن تحفر الحجر على شكل إجاصة، وأن تضع الحديد في الحجر، وأن تسكب الرصاص، فحينما يبرد يتمدد، وعندئذٍ توجد قوة تنزع الحديد من الحجر. من خلق هذا المعدن خصيصاً لهذا الاستعمال ؟ الله جلَّ جلاله، تحتاج إلى معدن يكون قِيَماً للأشياء جعل الذهب والفضة، هذا المعدن مهمته أن يكون قيماً للأشياء يصنع منه النقد، تحتاج إلى معدن ينقل الحرارة ؛ النحاس، أسلاك الكهرباء من النحاس، أواني المطبخ من النحاس، تحتاج إلى معدن ليِّن ؛ قصدير، معدن قاسٍ، معدن متين، معدن مقاوم، معدن لا يصدأ، رأيت صورةً لسبائك ذهبية استخرجت من البحر حيث غرقت قبل مئة عام، غرقت سفينة بين أمريكا وأوربا وفيها خمسة أطنان من الذهب على شكل سبائك، بحث عنها ووجدت، استخرجت والله كأن هذا الذهب سُبْكَ من يومه، مئة عام في أعماق البحر لم يتأثر إطلاقاً، خلق لك هذا المعدن خصيصاً ليكون نقداً.

هناك حيوانات خُلِقَت مذللة خصيصاً للإنسان:

الألمنيوم له فائدة، والرصاص له فائدة، والنحاس له فائدة، والحديث عن المعادن يطول، وكل معدن له خصائص، وإذا دَمَجْتَ معدنين جاءت خصائص جديدة ليست في أحد المعدنين، علم المعادن علمٌ عميقٌ وطويلٌ وفيه أسرار كبيرة جداً، من الذي خلق هذه المعادن ؟ المعدن الأساسي الذي هو قوام حياتنا ؛ الحديد:

خلق الله الأشياء وسخرها للإنسان

 

﴿ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ (25) ﴾

 

( سورة الحديد: آية " 25" )

ما من شيءٍ تراه عينك إلا والحديد أحد أسباب وجوده، كل الأدوات من الحديد، فهذا معنى قول الله عزَّ وجل:

﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً (22) ﴾

هناك أسماك تأكلها، وأطيار، وحيوانات، حيوانات خُلِقَت مذللة خصيصاً لك.

﴿ وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ (72) ﴾

( سورة يس: آية " 72 " )

البقرة مذلَّلة، أما إذا جنَّت لا تُبقي ولا تذر، يضطر صاحبها أن يطلق عليها الرصاص، خلقت بالأصل مذللة، أما إذا أصابها مرض الجنون يطلق عليها صاحبها الرصاص بعد أن دفع ثمنها مئة ألف، لأنها تصبح مجرمةً، من ذللها ؟ يوجد خروف ويوجد ضبع، من رَكَّب في الخروف هذه الطباع الليِّنة، لا تخاف منه، لا تتهيَّبه أبداً، ينساق لك، حتى إلى الذبح ينساق لك، بينما الضبع تحسب له ألف حسابٍ وحساب.

آيات دالة على عظمة الله:

الحيوان الذي تأكل منه مذلل، والماء الذي تشربه مذلل، من جعل هذا الماء عذباً فراتاً بعد أن كان مِلحاً أجاجاً ؟ شيء لا يصدق، من أجل أن يتبخَّر ماء البحر فيصبح سحاباً وينقلب إلى أمطار، وتكون هذه الأمطار في أعماق الأرض، جُعِلَت هذه المسطَّحات المائية الواسعة جداً، فأربعة أخماس اليابسة بحر، يتبخَّر هذا البحر ليشكِّل سحاباً، ليصبح أمطاراً ليستقر في باطن الأرض، من أودع في هذه الأرض الينابيع ؟ في بعض البلاد أربعة آلاف جزيرة، وفي كل جزيرةٍ نبعٌ يتناسب مع مساحتها، وتأخذ كل هذه الجُزُر المياه من جبالٍ في آسيا، إذاً هناك تمديدات من أعماق الجِبال إلى هذه الجزر، هذا صُنْعُ الله عزَّ وجل.

﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً (22) ﴾

الأرض فيها هواء، والهواء متوازن، لو أن الهواء على شكلٍ آخر، لو أن نِسَب الأوكسجين في الهواء عالية لاحترق كل شيء، ولو أن نسب غاز الفحم عالية لما اشتعلت النار إطلاقاً، ولو أن النبات يتنفَّس الأوكسجين مثلنا ويعطي غاز الفحم لانتهى الأوكسجين من آلاف السنين، ما هذا التوازن الرائع ؟ يأخذ النبات غاز الفحم ويعطي الأوكسجين، ويأخذ الإنسان الأوكسجين ويعطي غاز الفحم .
خصائص الماء: لا لون له، لا رائحة، لا طعم، يتبخَّر بدرجة أربعة عشر، سريع النفوذ، هذا الماء لا يقبل الضغط، لو وضعت متراً مكعباً من الماء وفوقه ثمانمئة طن لا تنضغط ولا ميلي، أما حينما يتمدد لا يقف أمامه شيء، يُصَدِّع الفولاذ. إذا جَمَّدت الماء في الفولاذ تمدد الماء بعد التجَمد فيتصدع الفولاذ من تمدد الماء، الماء مصمم، الماء كأي عنصر إذا برَّدته ينكمش، ولكنه يتمدد عند الدرجة الحَرِجة (+4)، ولولا هذا التمدد لما كنا في هذا المسجد، ولا وجدت كائناً حياً على وجه الأرض، تمدد الماء في الدرجة (+4) سر الحياة على الأرض، فراش بهوائها، بمائها، بنسب البحار إلى اليابسة.

 

كل شيءٍ في الأرض خلقه الله تكريماً للإنسان:

اليابسة فيها مناطق خضراء، وفيها صحارى قاحلة، قد يقول قائل: لمَ هذه الصحارى ؟ لو أن الأرض كلها خضراء لما عشنا، هذه الصحارى الحارَّة تُشَكِّل حرارة تسَخِّن الهواء الذي فوقها، إذا سخن الهواء يتخلخل، فيقل ضغطه، وعندما ينكمش الهواء البارد يزداد ضغطه، من وجود ضغطين متفاوتين تمشي الرياح، أساس الرياح منطقتان ذواتا ضغطين متباينين، الهواء في القطب بارد منكمش ضغطه مرتفع، وفي خط الاستواء الهواء مخلخل ضغطه منخفض، تأتي الرياح من الشمال إلى الجنوب، والأرض تدور، تأتي الرياح إذاً من الشمال إلى الجنوب الشرقي، هذا مسير الرياح، ولبحث الرياح بحوثٌ طويلة.

ولقد كرمنا بني آدم

 

﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً (22) ﴾

الله عزّ وجل فضلاً عن أنه هيَّأَ لنا الأساسيَّات أعطانا الأشياء المُحَسِّنة، توجد أزهار فهناك بعض المُجَلَّدات ـ ثمانية عشر مجلداً ـ كل صفحةٍ في هذه المجلدات فيها رسم زهرةٍ، وكل هذه الصفحات في ثمانية عشر مجلداً هي أنواع الأزهار التي خلَقها الله لهذا الإنسان، فالأزهار خُلِقَت تكريماً للإنسان، خُلِقت الروائح العطرية تكريماً للإنسان، خُلِقت التوابل تكريماً للإنسان، توجد أطعمة كثيرة، وتوجد نباتات كثيرة، وتوجد روائح كثيرة هدفها أن تقوم حياتك بها، هدفها أن تتنعم بها، وهذا يشير إلى اسم الودود:

 

﴿ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (14) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (15) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (16) ﴾

(سورة البروج)

هذا كلُّه من معنى:

﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً (22) ﴾

الليل والنهار من الآيات الدالة على عظمة الخالق:

أيُّها الأخوة، الحقيقة الحديث عن أن الأرض فراش لا ينتهي، كل شيءٍ في الأرض مخصَّص للإنسان، بدءاً من حجم الأرض، لو كان حجم الأرض عشرة أضعاف لكان وزنك عشرة أضعاف، لو حجمها العُشر لكان وزنك العُشر، لو لم تكن هناك جاذبية لكانت الحياة لا تُطاق لأن الله عزّ وجل يقول:

﴿ أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً (61) ﴾

( سورة النمل: آية " 61" )

أنت مستقر عليها بفعل الجاذبية، وثمة شيء آخر: لو كان الليل مئة ساعة لما أُطيقت الحياة ؛ تنام وتستيقظ، وتنام وتستيقظ، طاقتك للنوم ثماني ساعات، والليل مئة ساعة، ناس يعملون في الليل، ولا أحد ينام، ضجيج وعمل، جعل ربنا عزّ وجل الليل اثنتي عشرة ساعة، والنهار اثنتي عشرة ساعة، ويختلفان من فصلٍ إلى فصل، حتى الليل والنهار مصمم للإنسان، وزن الإنسان مصمم، هذا التناسب مثلاً: هذا الحليب الذي تنتجه البقرة يتناسب تناسباً مذهلاً مع جسم الإنسان، وهو غذاءٌ كامل، لأن الذي خلق الإنسان هو الذي خلق البقرة، وخلق هذا الحليب خصيصاً له حيث إن وليد البقرة يحتاج إلى اثنين كيلو في اليوم، بينما تعطي البقرة أربعين كيلو.
هذا الخروف تنتفع من كل شيءٍ فيه ؛ مـن جلده، وصوفه، ولحمه، ودهنه، وشحمه، وأمعائه، وكل أعضائه، فهو خُلِقَ خصيصاً لك.

 

الفواكه وتصميمها من الآيات الدالة على عظمة الله تعالى:

الفواكه من آيات الله الدالة على عظمته
الفواكه.. انظر إلى التفَّاحة ؛ شكلها جميل، حجمها معقول، رائحتها عطرة، قشرتها مانعة، طعمها لذيذ، فيها غذاء مفيد، فيها مواد سكرية ومعادن، وفيها حديد، فمن الذي جعل مقوِّماتها، عناصرها، قِوامها ؟ كيف تأكلها لو أنها كالصخر ؟ تحتاج إلى مطحنة بحص، فإنها لا تؤكل معك، قوامها معقول، قشرتها، حتى قَطْفُها سهل، لو أردت أن تسحب عنقود العنب سحباً لَعُصِر في يدك ولا ينسحب معك، أما بحركة معاكسة تنزعه من على الشجرة، كل شيء مصمم، هذا البطيخ يجب أن ينضج خلال تسعين يوماً لأنه فاكهة الصيف، لو أنه نضج في يومٍ واحد لا تنتفع منه إطلاقاً، كذلك الخضراوات، أما المحاصيل فيجب أن تنضج في يومٍ واحد تسهيلاً لجنيها، وهذه الفواكه مبرمجة، كل فترة من الصيف تنضج فاكهة، تبدأ بهذه الفاكهة ثم هذه الفاكهة، مبرمجة فيما بينها، ومبرمجة في نضجها في ذاتها، والثمار الكبيرة على الأرض، لو أنها على الشجر لصار هناك حوادث موت كثيرة جداً، لو وقعت بطيخة وزنها اثنتي عشرة كيلو على إنسان فإنها تُميته، البطيخ على الأرض، والفواكه اللطيفة على الشجر، والشجر قريب، هناك تصميم مذهل في الكون .
هذه الأرض فِراش، بحجمها فِراش، بنسب الماء إلى اليابسة فِراش، بليلها ونهارها فِراش، بشَّمسِها ؛ لو أن الشمس أقرب لاحترق كل ما على الأرض، نموذج قبل أسابيع بلغت الحرارة إحدى وخمسين درجة كاد الناس يخرجون من جلودهم، من صمم هذه الحرارة بشكل معتدل بين الخمسة والخمسة وثلاثين على مدار السنة ؟ هذه فِراش، فحجم الأرض، وشكل الأرض الكُروي، والشمس، والليل والنهار، والجاذبية، والماء والهواء، والمحاصيل والفواكه والخضراوات، والأسماك والأطيار، والمعادن وأشباه المعادن، والفيتامينات، وتصميم الفواكه والخضراوات مع جسمك، هذا كلُّه لأنه شيء مريح جعل لكم الأرض فِراشاً.

حينما تركع وتسجد لا تنسَ أن الله سبحانه وتعالى خلق لك الأرض فِراشاً:

أيّها الأخوة الكرام، توجد أشياء لا تنتهي، والله ما ذكرت إلا القليل إلا الذي حضرني وأنا ألقي هذا الدرس، أما استقصاء هذه الحقائق فيشمل الأرض كلَّها، حينما تقول:

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) ﴾

( سورة الفاتحة)

حينما تركع، وحينما تسجد فلا تنسَ أن الله سبحانه وتعالى خلق لك الأرض فِراشاً، سمح لك أن تبني بيتاً، أعطاك مواداً أولية للبناء، ليس هذا الإسمنت في الأساس من صنع البشر من أعطى هذه المواد ـ مواد الإسمنت ـ خصائصها فسهُل عليك البناء ؟ من أعطى الحديد خصائصه فسهُل عليك البناء ؟ من خلق هذا الوقود السائل فسَهُلَت عليك الحركة ؟ لأن الآية الكريمة:

﴿ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (8) ﴾

( سورة النحل)

عُزي خَلْقُ المركبة، والطائرة، والباخرة إلى الله، ومعنى عُزي إلى الله: أي هو الذي خلق موادها الأولية، وهو الذي خلق الوقود السائل الذي أودعه الله في الأرض، هذه الطاقة من خلقها ؟

﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (80) ﴾

( سورة يس)

أحدث نظرية للبترول أنه في العصور المطيرة انطمرت هذه النباتات العملاقة في باطن الأرض، وهي طاقةٌ مخزونة فأصبحت بترولاً، وصناعات البترول لا تُعدُّ ولا تُحصى، بل إن استهلاك البترول في الوقود يُعدُّ استهلاكاً له غير معقول لأن له استعمالات أخرى، الآن كل شيء بالبترول، فهذه الأرض فِراش.

لا تزال الأرض تملك ثروات لا يعلمها إلا الله :

هناك شيء يلفت النظر، في الحرم المكي والمدني رخامٌ أبيض تدوسه عند الظهيرة الحرارة قد تصل تحت أشعة الشمس إلى الثمانين، تدوس على هذا الرخام فإذا هو بارد، شيء لا يُصدَّق، أحد أنواع الرخام النادر بالعالم كأن الله صممه لهذا الحدث، إنَّ الحُجاج والعُمَّار يطوفون حفاةً والدليل: أن الرخام القديم تحت الأروقة لو جاءته الشمس وسِرْتَ عليه كما لو وضعت يدك على مكواة حارة بالضبط، لا تستطيع أن تسير عليه، من صمم هذا الرخام ؟ فكل شيء في الأرض جاهز، ولا تزال الأرض تملك ثروات لا يعلمها إلا الله، قال تعالى:

له ما في السماوات وما في الأرض

 

﴿ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (6) ﴾

 

(سورة طه)

المعادن والفلذات التي اكتشُفت والتي لم تُكتشَف، يوجد في البحر وحده مليون نوع من السمك، ليس مليون سمكة بل مليون نوع من السمك، بدءاً من الحيتان الزرقاء وزن مئة وخمسين طناً ـ هو شيء لا يُصدَّق مخلوق هائل ـ مدينة، يخرج منه تسعون برميل زيت، فيه خمسون طن لحماً، وخمسون طن دهناً، وفيه أرقام لكبده ولدماغه ولمعدته شيء لا يُصدَّق، وليده يرضع منه ثلاثمئة كيلو في الرضعة الواحدة، وهو يحتاج ثلاثة رضعات في اليوم، فيرضع منه طن حليب، إلى سمكٍ صغير تراه في بعض أحواض السمك ـ سمك تزييني ـ سمكة صفراء، سمكة خضراء، سمكة فسفورية، سمكة شفافة، سمكة سوداء هذه للمنظر فقط سمك تزييني.
النباتات ؛ يعيش هذا النخل ستة آلاف عام، هناك نخلٌ نأكل منه التمر كان على عهد النبي عليه الصلاة والسلام، تعيش النخلة ستة آلاف عام وتعطي تمراً فيه ست وأربعون مادة غذائية، التمرة صيدلية، العسل، ماذا أقول ؟ أنواع النباتات لا تُعدُّ ولا تُحصى.

 

سخَّر الله للإنسان كل شيء تكريماً له أمَّا هذا المُسخَّر له فهو غافل عن الله:

ذهبت ذات مرة إلى بلد غربي ودخلت إلى مكان لبيع الخضراوات فرأيت عشرة أنواع لا أعرف اسمها ولا شكلها، شيء غريب، أنواع النباتات لا تُعَدُّ ولا تُحصى، أنواع الأزهار، أنوع الأطيار، أنواع الأسماك، أنواع المعادن، أنواع الفِلزات، هذا كلُّه من أجل الإنسان، سخَّر الله لنا كل شيء تكريماً لنا، أمَّا هذا المُسخَّر له فهو غافل عن الله:

﴿ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (6) ﴾

( سورة الإسراء)

أما الذي سُخِّرَت له كل هذه النعم هو وحده الغافل، ما موقفه يوم القيامة وقد رأى كل المخلوقات سُخِّرت له وهي تسبِّح الله عزّ وجل ؟ والله أيها الأخوة لو عرفنا الحقيقة لم نَنَم الليل.
لو تعلمون ما أنتم عليه بعد الموت ما أكلتم طعاماً عن شهوةٍ، ولا دخلتم بيوتكم تستظلون بها، ولذهبتم إلى الصُعُدات تبكون على أنفسكم.

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93) ﴾

(سورة الحجر)

فو الله ما ذكرت شيئاً من هذه الكلمة:

﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً (22) ﴾

كالفراش تماماً، أنت الآن في الحر تجد وسائل لتخفيف الحر، يوجد برد فهناك وقود ومدافئ، أنت تحتاج إلى الماء، الماء موجود تستخرجه من أي مكان، أي مكان إذا حفرت بئراً تصل إلى الماء، من أودع الماء في الأرض ؟ الله جلَّ جلاله، نظام المطر، نظام الرياح، هذا كلُّه يحتاج إلى دراسات.

 

على المؤمن أن يحمد الله تعالى لأنه هداه إليه:

أيها الأخوة، كلمة (فِراش) كلمة دقيقة جداً يجب أن نذوب شكراً لله عزّ وجل، والإنسان حينما يقف بين يدي الله عزّ وجل ليقول:

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) ﴾

هل حمدت الله على أنَّه أوجدك ؟ وهل حمدت الله على أنه أمَدَّك ؟ وهل حمدت الله على أنه هداك إليه ؟ هناك شعوب ؛ تسعمئة مليون في بعض البلاد يعبدون البقر، شعب اليابان يعبد ذكر الرجل، شعوبٌ تعبدُ الجرذان، شعوبٌ تعبد النار، والشعوب المتحضِّرة تعبد أهواءها أي تعبد المرأة، تعبد شهوتها.

﴿ أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً (43) ﴾

( سورة الفرقان)

لكن المؤمن وحده يعبد الله، يعبد خالِقَ الكون، يعبد ربَّ العالمين، يعبد المُسَيِّر، يعبد الحكيم، يعبد القدير، يعبد الغَني:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً (22) ﴾

وفي درسٍ آخر إن شاء الله نُتابع هذه الآية.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018