الدرس : 48 - سورة الأنعام - تفسير الآية 122 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 48 - سورة الأنعام - تفسير الآية 122


2006-01-06

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .
 أيها الإخوة الكرام ، مع الدرس الثامن والأربعين من دروس سورة الأنعام ، ومع الآية الثانية والعشرين بعد المئة ، وهي قوله تعالى :

﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾

أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ

﴿ أَوَمَنْ ﴾

 هذه صيغة استفهام ، والكلام كما تعلمون ، خبر وإنشاء ، أيْ كلام لا يحتمل الكذب ، وكلام يحتمل الكذب ، فإذا سألتك ، فالسؤال ، والاستفهام ، والأمر ، والنهي والتمني ، والترجي ، والنداء ، هذه أساليب الإنشاء ، أي يُطلب إليك شيء تفعله بعد الكلام ، فالعقل لا يقبل أن يُحكم على هذا الكلام بأنه كذب أو صدق ، هذا إنشاء ، أما حينما تخبرني عن شيء فالمخبر قد يكون كاذباً ، وقد يكون صادقاً .
 الحقيقة أن الله سبحانه وتعالى يستخدم أسلوب الإنشاء ، هنا استفهام :

﴿ أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا ﴾

 هذا استفهام ، ما الحكمة من أن الله سبحانه وتعالى يستخدم أسلوب الاستفهام ؟

الحكمة من استخدام أسلوب الإنشاء

 الحقيقة أنه يمكن أن تملي على إنسان حقيقة ، أن تملي عليه شيئاً ، لكن البطولة أن تجعله يفكر معك ، وأن يتوصل إلى الحقيقة بنفسه ، والشيء الذي تصله بنفسك أعمق أثراً بآلاف المرات من الشيء الذي يُملى عليك ، لذلك هذا الأسلوب يحتاجه الآباء ، يحتاجه المعلمون ، يحتاجه المرشدون ، يحتاجه الموجهون ، يحتاجه الدعاة ، يحتاجه القادة ، بدل أن تملي اطرح سؤالاً ، واجعل المسؤول يفكر معك ، فإذا فكر معك ، وتوصل هو بذاته إلى النتيجة ، وكنت رائعاً في توجيهه .
 قال شاب في عهد النبي عليه الصلاة والسلام بكل جرأة ، بل بكل وقاحة : يا رسول الله ، ائذن لي بالزنا ، كأن تقول لإنسان موكل بحفظ الأمن : ائذن لي أن أقتل فلان ، هذا تحدٍّ ، فالصحابة غضبوا ، قال : دعوه ، تعال يا عبد الله ـ تعلموا من رسول الله أصول الدعوة ـ قال : أتريده لأختك ؟ فاحمر وجه الفتى ، وقال : لا ، قال : ولا الناس يريدونه لأخواتهم ، أتريده لأمك ؟ أتريده لابنتك ؟ لعمتك ؟ لخالتك ؟ قال : كفيت ، فلما خرج هذا الشاب قال : والله دخلت على رسول الله وما شيء أحب إلي من الزنا ، وخرجت من عنده وما شيء أبغض إلي من الزنا .
 فأنت كأب ، كمعلم ، كموجه ، كمرشد ، أنت مدير مستشفى اجمع الأطباء ، قل لهم : عندنا مشكلة ، كيف نحلها ؟ كيف ؟ عندك حل جاهز ، ومتفوق ، وعلمي ، وإداري ، و صحيح ، أما عندما تعرض المشكلة أمامهم ، وتأخذ أرائهم في حلها ، والآراء تناقش ، ثم يتوصل الجميع إلى الحل الذي أنت تريده ، هذا الحل لم يفرض عليهم ، بل نبع من قناعتهم ، عندئذٍ يطبقونه ، هذه الشورى في المصطلح الإسلامي ، في المصطلح المعاصر الديمقراطية ، هذا هو الحوار ، الله عز وجل كان من الممكن أن يقول : المؤمن حي ، والكافر ميت ، انتهى الأمر ، هذا مضمون الآية ، المؤمن حي ، قلبه حي ، والكافر قلبه ميت ، هذا مضمون الآية ، لكن الله عز وجل يقول :

﴿ أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ ﴾

 والحقيقة أن كلمة ميْت غير كلمة ميّت ، الميّت هو الذي حُكم عليه بالموت ، ونحن جميعاً من دون استثناء حُكم علينا بالموت مع وقف التنفيذ ، وكل واحد منا له وقت محدد طبعاً بالسنة ، وبالشهر ، وباليوم ، وبالساعة ، وبالدقيقة ، وبالثانية بالمكان المعين ، فنحن جميعاً ميتون ، حُكم علينا بالموت مع وقف التنفيذ ، لذلك قال تعالى :

 

﴿ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾

( سورة الزمر )

 فالذي حكم عليه بالموت ميّت ، والذي مات ميْت ، الآن :

﴿ أَوَ مَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ ﴾

بين الحياة المادية والحياة الروحية

 الحقيقة أن هذه الآية من أدق الآيات ، لأن الحياة بالمفهوم المادي أن يكون الكائن قادر على تحقيق مهمته ، أنا قادر أن أتحرك ، قادر أن أفكر ، قادر أن أتخذ قرارًا ، قادر أن أذهب إلى عملي ، قادر أن أكسب مالاً ، قادر أن أنفق على أولادي ، قادر أن أربي أولادي ، أنا حي ، الحياة صفة بالكائن تمكنه أن يحقق أهدافه ، لكنها مستويات ، فالذي ينبض قلبه ، والذي يرى بعينيه ، ويسمع بأذنيه ، وينطق بلسانه ، ورأتاه تخفقان ، وقلبه ينبض هو حي ، هذه حياة مادية ، حياة الجسم ، وكل البشر أحياء مادام قلبهم ينبض ، لكن أراد الله من خلال هذه الآية أن يلفت النظر إلى أن هناك حياة تليق بنا ، حياة تليق بالمخلوق الأول ، تليق بالإنسان المكرم ، تليق بمن قبل حمل الأمانة ، تليق بمن سخر الله له :

﴿ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ﴾

( سورة الجاثية الآية : 13 )

 أراد الله أن يبين الله لنا أن هناك حياة أرقى بكثير من حياة المادة ، أرقى بكثير من أن تأكل ، وتشرب ، وتنجب ، وتنام ، وتستمتع .
 لو أخذنا مثلا أعلى مستوى بالحياة المادية : بيتًا يصعب وصفه ، من اتساعه ، وجماله ، وإطلالته ، وأثاثه الرائع ، والطعام والشراب ، وكل ما لذ وطاب ، وجميع الأجهزة ، المَركبات بأنواعها ، والطائرة الخاصة بأنواعها ، ما الفرق بين هذا المخلوق الذي يتمتع بأعلى مستويات الحياة ، وبين مخلوق من البهائم ، يأكل ، ويشرب ، وينجب ، ويستمتع بالحشيش كما تستمتع أنت بأعلى أنواع الطعام أيضاً هذه حياة .
 فمادامت حياتنا مادية فطبيعة الحياة المادية واحدة ، لكنها على مستويات ، الأغنياء والأقوياء لهم حياة من مستوى أعلى ، لكن تبقى حياة من نوع حياة الكائنات الأخرى ، أما حينما تتعرف إلى الله ، حينما تكتشف سر وجودك ، حينما تكتشف أنك المكرّم في الكون ، وحينما تكتشف أن الكون مسخر لك ، وحينما تكتشف أن الله خلقك لحياة أبدية فيها ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، حينما تكتشف أن في الجنة من النعيم ما لا يوصف ، وحينما تكتشف أن هذه الحياة الأبدية أسبابها بيديك ، ثمنها طاعة الله عز وجل ، وأن هذا المنهج منهج من عند خالق الإنسان ، منهج متناسب مع طاقتك ، مع إمكاناتك تطبق ما فيه ، أما حينما تتصل بأصل الجمال ، حينما تتصل بالقوي ، حينما تتصل بالغني ، حينما تتصل بالرحيم ، حينما تتصل بالحكيم ، وتتخلق بالكمال الإنساني تشعر أنك حي ، وأن الناس كما قال الله عز وجل :

 

﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾

( سورة النحل الآية : 21 )

 إله يصف الناس هكذا :

﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ ﴾

﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾

( سورة النحل )

﴿ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾

( سورة فاطر )

 مرة التقيت بمندوب شركة ، وحدثته قليلاً عن الله عز وجل ، فقال لي بالحرف الواحد : هذه الموضوعات لا أهتم لها ، ولا ألقي لها بالاً ، ولا تعنيني لا من قريب ولا من بعيد ، أنا يعنيني أشياء ثلاثة ، امرأة جميلة ، وبيت جميل ، ومركبة جميلة ، وانتهى الأمر ، فما رأيت كلمة تصدق عليه كقوله تعالى :

﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ ﴾

 تجلس مع إنسان في أجمل قوام ، ويرتدي أغلى الثياب ، ويضع أغلى العطور ، وثيابه مدهشة بجمالها ، إذا حدثك بكلمتين تشعر أنه ميت ، فالإنسان قبل أن يتكلم تؤخذ بمظهره ، بقوامه ، بثيابه ، بأناقته ، بحسن اختيار ألوانه ، فإذا حدثك نسيت شكله وثيابه ، فإذا عاملك نسيت كلامه ،

﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ ﴾

 قال سيدنا عليّ : << يا بني ، العلم خير من المال ، لأن العلم يحرسك ، وأنت تحرس المال ، والمال تنقصه النفقة والعلم يزكو على الإنفاق ، يا بني ، مات خزان المال وهم أحياء ، هم أحياء ميتون >> .
 أي لو فحصت جسمه كان الضغط 8 على 12 ، والنبض 70 ، كل التحليلات طبيعية ، هو عند الطبيب يتمتع بأعلى درجة من الصحة ، لكنه عند الله ميت ،

﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ ﴾

 << يا بني ، مات خزان المال وهم أحياء ، والعلماء باقون ما بقي الدهر ، أعيانهم مفقودة وأمثالهم في القلوب موجودة >> .
 فالآية تشير إلى نوع للحياة تليق بالإنسان ، تليق بالمخلوق المكرّم ، والدليل :

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾

( سورة الأنفال الآية : 24 )

 لذلك هذه الحياة المشتركة بيننا وبين بقية المخلوقات هذه حياة لا تليق بنا ، لكن الإنسان حينما يحمل همّ الأمة ، وحينما يقلق لمصير المسلمين ، وحينما يقوم بكل طاقاته للتخفيف عنهم ، ولتحقيق بعض أهدافهم ، حينما يغار على وضع المسلمين ، يكون عند الله حياً ، وعندئذٍ يقدس في السماوات والأرض ، الله عز وجل وصف أهل الشرود عنه حينما يموتون :

 

﴿ فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾

( سورة الدخان )

 ما بكى عليه أحد ، ففرح الناس بموتهم ، لأن كل يوم هناك قرار بالقتل والاغتيال ، وهد البيوت ، وترويع الآمنين ، والحصار ، كل يوم ، فلما أصيب بمرض ينطبق عليه كلام النبي عليه الصلاة والسلام قال رأى جنازة فقال :

 

(( مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ ، فَقَالُوا : مَا المُسْتَرِيحُ ، وَمَا الْمُسْتَرَاحُ مِنْهُ ؟ قَالَ : الْعَبْدُ الْمُؤمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدّنْيَا وَأَذَاهَا ، وَالْعَبْدُ الْفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ وَالْبِلاَدُ وَالشّجَرُ وَالدّوَابّ ))

 

[ رواه البخاري عن أبي قتادة بن ربعي ]

 انتهى من التكليف ، ولا خبر سار .
 والله أحياناً يجلس بعض الإخوة في جلسة من تداول الأخبار السيئة والضغوط ، والتهديدات ، وقلق ارتفاع العملة ، ... وقلق الحصار ، وقلق هذا ، والبطالة المقنعة ، وارتفاع مستوى البطالة وغلاء الأسعار ، والحصار ، وما إلى ذلك ، الجالسون لا تقوى أقدامهم على حملهم من شدة الإحباط ، هذه الدنيا :

 

﴿ قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾

( سورة يس )

 فلذلك أيها الإخوة ، هذه الحياة الدنيا متعبة ، حياة كدح ، وحياة بذل جهد ، وحياة قهر أحياناً ، وحياة فقر أحياناً ، فيها فقر ، وقهر ، واجتياح ، وحرب أهلية ، وغلاء أسعار ، وبطالة ، ومشكلات لا تعد ولا تحصى ، أما هؤلاء الذين نتوهّم أنهم في قمة النعيم ، وقد اطمأنوا :

 

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾

( سورة طه )

 في ضوء هذه الآية لو أن واحداً في الأرض كان معرضاً عن الله ، وكان بمقياس السعادة سعيداً هذا مستحيل وألف ألف مستحيل ، لأن كلام الله حق :

 

﴿ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾

( سورة فصلت الآية : 42 )

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾

 إذاً الله عز وجل يقول :

﴿ أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ ﴾

 بمعرفتنا ، أحييناه بالهدى ، أحييناه بالاتصال بنا ، أحييناه بأنه نقل اهتماماته للآخرة ، أحييناه بأنه يسعى :

 

﴿ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾

( سورة القمر )

﴿ أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ ﴾

 دقق الآن : كان العلماء يتوهمون قديماً أن العين يخرج منها شعاع فترى الشيء ، هذه نظرية قديمة ، إلى أن جاء عالم مسلم وهو ابن الهيثم ، وكان عالماً بالعين ، فجاء بنظرية معاكسة ، والعلم الآن أثبت نظريته ، قال : الشيء المرئي يصدر منه ضوء يخترق العين ، الدليل أن الذي يتمتع بعنين حادتي النظر لو أطفأ المصباح كلياً لا يرى شيئاً ، معنى ذلك أن الضوء لا يخرج من العين يدخل إلى العين ، فالضوء وسيط فالإنسان بضوء الشمس يهتدي إلى حقائق الأشياء ، الليل مخيف وكل شيء غير واضح ، والنهار مريح كل شيء واضح فيه ، إنسان يمشي في النهار ، هذه حفرة ، وهذه أكمة ، وهذا كلب عقور ، وهذا بستان ، وهذه فاكهة ، وهذه قشرة يُعرض عنها ، ضوء الشمس يريه الأشياء ، لكن في حركة الإنسان في الحياة أكمات ، وشهوات أمامه ، ونساء كاسيات عاريات ، وهناك ألف طريق وطريق لكسب المال الحرام ، ووسائل للغنى السريع ، ووسائل للمتعة الرخيصة ، ماذا يفعل ؟ كأنه في غابة ظلماء ، فحينما يتصل بالله يقذف الله في قلبه نوراً يريه الحق حقاً والباطل باطلاً .
 امرأة بارعة الجمال ، السيدة الأولى بالقصر ، زوجها عزيز مصر ، يوسف شاب في ريعان الشباب ، يتقد نشاطاً وقوةً وحيويةً ، وهو عبد مأمور عند هذه السيدة ، وقد عرضت عليه نفسها ، وقالت :

 

﴿هَيْتَ لَكَ﴾

( سورة يوسف الآية : 23 )

 العوامل التي تدفعه إلى أن يلبي حاجة جسمه أنه شاب ، وأنه أعزب ، وأنه غريب ، وأنه عبد ، وأن التي دعته سيدته ، وليس من صالحها أن تفضحه ، وأن الحاجة عنده موجودة ، ماذا رأى حتى قال :

 

﴿ مَعَاذَ اللَّهِ﴾

( سورة يوسف الآية : 23 )

 ولو كان مكان هذا الشاب مليون شاب لوجدوا هذا غنيمة لا تفوت ، هذا النور الإلهي ، الآن المجرم لماذا أقدم على هذه الجريمة ؟ لأنه أعمى ، لا يرى ، وليس في قلبه نور ، توهم أنه مال كثير بجهد قليل ، ويغتني إلى نهاية الحياة ، بعد عشرين يومًا علقت مشنقته ، وشنق ، ما رأى هذه النتيجة ، رأى الغنى فقط ، فهو أعمى ، لذلك الدعاء الذي ندعو به دائماً :
 " اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه " .
 الآن الإنسان في ظلمة الحياة ، في تداخل الأمور ، في كثرة الشبهات ، في كثرة الضلالات ، في استعار الشهوات ، في كثرة الشبهات ، في الأيام الصعبة ، في آخر الزمان ، يوم يكون القابض على دينه كالقابض على الجمر ، في هذا الوقت الصعب ، هو في أمسّ الحاجة إلى نور الله ، يلقى في قلبه فيريه الحق حقاً والباطل باطلاً .
 لذلك الله عز وجل ينتظر منا أن نبحث عن حياة أخرى غير الحياة المادة التي يحياها معظم الناس ، الله عز وجل ينتظرنا منا أن بحث عن حياة تليق بنا ، عن حياة تكون وصلة للحياة الآخرة ، أن تكون النعم في الدنيا متصلة بنعم الآخرة ، عن حياة فيها سعادة ، فيها طمأنينة ، فيها أمن ، فيها إقبال على الله ، لذلك قال تعالى :

﴿ أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا ﴾

 هذا هو التخبط .

 

﴿ أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾

( سورة الملك )

 هناك لعبة يلعبها الصغار ، يضعون على عين أحدهم عصابة ، فيمشي كالأعمى ، قد يتعثر ، قد يقع ، قد يصطدم بآنية ، بشيء ، بحائط ، بباب .
 الإنسان من دون اتصال بالله أعمى ، قال تعالى :

 

﴿ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾

( سورة الحج )

 وكل إنسان يقترف معصية ، ولا يرى الخالق العظيم فهو أعمى .
 الله عز وجل يقول :

أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَات

﴿ أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ ﴾

 في ظلمة الشهوات ، وقد جاءت الظلمات جمعًا ، ظلمة الشهوات ، وظلمة المعاصي ، وظلمة القلق ، وظلمة الخوف ، وظلمة الحقد ، وظلمة الحسد ، وظلمة الشعور بالقهر ، وظلمة الإحباط ، كل مرض نفسي ظلمة ،

﴿ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

 أيها الإخوة ، بعد الكشف الدقيق كل شيء تقع عينكم عليه في الحياة ، هذه الطاولة ، هذه الطاولة فيها حركة ، فيها ذرات ، والذرة فيها نواة ، وحول النواة ، وحول النواة مسارات ، وعلى مسار في كهروب ، أو كهروبيين ؛ وإلكترون ، وما من شيء تقع العين عليه إلا ويتحرك ، وهذه من مسلّمات علم الذرة ، فالمادة فيها حياة ، لكن هذا الحديد بقساوته ، وبقابليته للأكسدة يؤدي مهمة في حياة الإنسان ، ففيه الحياة ، النحاس ناقل شديد للحرارة ، والكهرباء حياة من نوع آخر ، الألمنيوم خفيف ، إذا احتجنا إلى آلات ذات وزن خفيف نستخدم هذا المعدن ، فكل معدن له خصائص ، ما دام هذا المعدن له خصائص ، ويؤدي مهمة إذاً هناك حياة ، الآن المستوى الأول المادة الجماد فيها حياة ، وهذا المعدن فيه خصائص يؤدي مهمة محددة ، هذا نوع من الحياة ، النبات ينمو ، وما عندنا معدن ينمو ، تحتاج إلى خمسة طنًّا من الحديد لتزرع أقلام الحديد ، لأن المعدن لا ينمو ، أما النبات فينمو ، المعدن له وزن ، وله أبعاد ثلاثة ، ويشغل حيزًا فقط ، والنبات له وزن ، وله حجم ، ويشغل أبعادًا ثلاثة ، لكنه ينمو ، الحيوان له وزن ، ويشغل أبعادًا ثلاثة ، وينمو ، ويتحرك ، الإنسان ، له وزن ، وله أبعاد ثلاثة ، ويشغل حيزاً ، وينمو كالنبات ، ويتحرك كالحيوان ، لكنه يفكر ، وقد أودع الله فيه قوة إدراكية ، لذلك طولب بالإيمان ، وطولب في الكشف عن الحقيقة ، وطولب أن يعيش حياة عقلية ، وطولب أن يعيش حياة روحية ، وحمله الله الأمانة ، وكلفه أن يعرفه ، وكلفه أن يطيعه ، صار فيه للحياة مستويات .
 لكن أنت كإنسان ، لك من الجماد أنه لك وزن ، وحجم ، وأبعاد ثلاثة ، ولك من النبات النمو ، ولك من غير الإنسان من المخلوقات الحركة ، فإذا اكتفيت بخصائص الجماد والنبات والحيوان فقد هبطت عن مستوى إنسانيتك ، ما لم تفكر ، ما لم تستخدم هذه القوة الإدراكية ، ما لم ترتقِ إلى الله ، ما لم تتعرف إلى الله ، ما لم تستقم على أمره ، ما لم تعرف سر وجودك ، ما لم تعرف غاية وجودك ، ما لم تتحرك نحو الله .

 

﴿ فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾

( سورة الذاريات الآية : 50 )

 ما لم تعمل عملا تقدمه بين يديك يوم القيامة ، ما لم تؤمن أنك مخلوق للآخرة ، ما لم تنضبط بمنهج ، الكلمة القاسية فلست من بني البشر .
 مرة كان عندنا أستاذ في الجامعة من أشد الأساتذة في علم النفس علماً ، فلما أحيل على التقاعد أقيم له حفل كبير ، وحضرت هذا الحفل ، وألقيت كلمات تكريمية عديدة ، وحينما وقف ، وألقى كلمة فلا زلت أذكر هذه الكلمة ، قال : الإنسان الذي لا يجد فيه حاجة إلى أن يُحِب ، ولا إلى أن يُحَب فليس من بني البشر ، أفلا تحب الله ؟ وقد ذكر وقتها أن أعلى مستويات الحُب أن تحب الله ، ثم أن تحب أنبياءه ، ثم أن تحب أهلك ، زوجتك وأولادك وإخوانك ، فالحب من صفات الإنسان ، فلا تحي حياة لا تليق بك ، لا تحي حياة نباتية ، ولا تحي حياة حيوانية ،

﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ ﴾

 الآن الحياة النباتية ، وحياة الجماد .

 

﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾

( سورة المنافقون الآية : 4 )

 الله عز وجل وصف الإنسان في بعض الآيات :

﴿ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ ﴾

 ووصفهم :

 

﴿ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾

( سورة الفرقان )

 الآية الثالثة :

 

﴿ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً﴾

( سورة الجمعة الآية : 5 )

﴿ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾

( سورة الأعراف الآية : 176 )

﴿ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ * فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ ﴾

( سورة المدثر )

 قد يهبط الإنسان عن مستوى إنسانيته حينما لا يبحث عن الحقيقة ، ولا يتعرف إلى الله ، ولا ينضبط بمنهج الله ، ولا يسعى لجنة عرضها السماوات والأرض .
 إذاً :

﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾

 والوصف الدقيق من قبل الله جل جلاله ،

﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ ﴾

 وصف آخر :

 

﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾

( سورة فاطر )

 مقبور بشهواته ، فلذلك عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :

(( لَا تُصَاحِبْ إِلَّا مُؤْمِنًا ، وَلَا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلَّا تَقِيٌّ ))

[ أخرجه أحمد ، وأبو داود ، والترمذي ، وابن حبان ، والحاكم]

﴿ أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

 وفي درس قادم إن شاء الله نتابع قوله تعالى :

﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ﴾

( سورة الأنعام )

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018