الدرس : 46 - سورة الأنعام - تفسير الآيات 116 ـ 118 ، دع الخلق لخالقهم ـ الفرق بين موت الدابة وبين ذبحها - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 46 - سورة الأنعام - تفسير الآيات 116 ـ 118 ، دع الخلق لخالقهم ـ الفرق بين موت الدابة وبين ذبحها


2005-12-23

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .
 أيها الإخوة الكرام ، مع الدرس السادس والأربعين من دروس سورة الأنعام ، ومع الآية السادسة عشرة بعد المئة ، وهي قوله تعالى :

﴿ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾

ضابط معرفة الحق : نعرف الرجال بالحق

 الانطباع الأول قبل التدقيق في كلمات الآية أن الحق لا يقاس بعدد المتبعين له ، قد يكونون أقلية ، وأن الحق لا يتأثر لا باتساع رقعته ، ولا بضعف رقعته ، وقد يكون الواحد الذي عرف الحق ، واستقام على أمر الله جماعة ، وقد تكون الملايين المملينة فرداً ، فالمقياس هو الحق .
 سيدنا علي كرم الله وجهه يقول : << نحن نعرف الرجال بالحق ، ولا نعرف الحق بالرجال >> .
 الأصل هو الحق ، لكن ثمة ظاهرة استشرت أنّ الإنسان حينما يتوهم أن هذا القول قاله فلان إذاً هو صحيح ، ليس على وجه الأرض إنسان يعد كلامه دليلاً ، وما على وجه الأرض إنسان إلا ويحتاج فيما يدعيه إلى دليل ، ولولا الدليل لقال من شاء ما شاء ، ديننا دين علم ودين دليل ، لكن واحداً هو سيد الخلق وحبيب الحق كلامه هو الدليل ، لأنه :

﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾

( سورة النجم )

 لأن الله عصمه من أن يخطئ في أقواله ، وأفعاله ، وإقراره ، ولأنه مشرع والدليل :

 

﴿ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾

( سورة الحشر الآية : 7 )

 لأن الله عصمه ، وجعله مشرعاً ، فكلام النبي صلى الله عليه وسلم هو الدليل ، لكن غير النبي e لا يمكن أن يكون كلامه دليلاً ، إلا أن يأتي بالدليل ، ولأن :

(( هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم ))

[ أخرجه الحاكم في المستدرك عن أنس]

 ولأن ملايين القضايا في حياة الإنسان لا تعد مصيرية ، كبيتٍ نصحت به فلم يكن جيداً ، أو تجارة نصحت بها فلم تنتفع بها ، فلا مشكلة حينئذ ، لكن الدين مصيري ، الدين مصير صاحبه الأبد ، فإما نعيم مقيم ، أو عذاب لا ينتهِي ، لذلك ثمة فرق في حياتك بين ما هو عارض وهو مصيري .

وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّه

 إذاً الآية الكريمة :

﴿ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾

 لا تعبأ بالأكثرية ، لا تعبأ بما يسميه العلماء الخطَّ العريضَ في المجتمع ، لا تكن مقلداً ، لا تكن إمعة ، تقول : أنا مع الناس ، إن أحسنوا أحسنت ، وإن أساؤوا أسأت ، لا تكن كذلك ، ولكن كن حراً ، تحرك وفق قناعاتك ، اعتمد الدليل ، لا تقبل شيئاً من دون دليل ، ولا ترفض شيئاً من دون دليل ، ولولا الدليل لقال من شاء ما شاء ، فإنْ كنت ناقلاً فالصحة ، وإن كنت مدّعياً فالدليل ، هذا الانطباع الأول .

﴿ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ ﴾

 من هم ؟ البشر ، بنو الإنسان ، الذين كلفهم الله بعبادته ، المخيرون ، الذين أودعت فيهم الشهوات ، الذين سُخرت لهم ما في الأرض والسماوات ، الذين أُعطوا العقل ، أُعطوا الفطرة ، أُعطوا الشهوة ، هؤلاء المكلفون ، هم المعنيون بقوله تعالى :

﴿ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾

 أيها الإخوة ، لو تصورنا أنبوبًا طويلا ، وله مضخة ، لو أن ثقباً في هذا الأنبوب قريب من المضخة ، واستخدمت المضخة ، فالماء يستسهل الثقب القريب ، ويخرج منه ، ولا يصل إلى آخره ، وهذا شيء طبيعي .

لوازم الاستقامة على أمر الله

 إن سبيل الله يحتاج إلى فهم ، يحتاج إلى ترجيح العقل ، يحتاج إلى ضبط الشهوة ، يحتاج إلى صبر ، يحتاج إلى نفس طويل ، يحتاج إلى أن تنقل اهتماماتك إلى ما بعد الموت يحتاج إلى إيمان ، يحتاج إلى إرادة ، لكن طريق الشيطان طريق سهل جداً ، كما ورد في بعض الأحاديث :

(( أَلَا إِنَّ عَمَلَ الْجَنَّةِ حَزْنٌ بِرَبْوَةٍ ، ثَلَاثًا ، أَلَا إِنَّ عَمَلَ النَّارِ سَهْلٌ بشهوة ))

[ رواه أحمد عن ابن عباس ]

 يكفي أن تطلق بصرك ، وأن تسترخي ، وأن تأكل ما تشاء ، وألا تدقق في الحسابات ، أي شيء دخل إلى جيبك فهو لك ، يكفي أخذ مبلغ ضخم بالكذب والاحتيال ، وأن تمارس كل الشهوات من دون قيد أو شرط ، هذا طريق النار ،

(( أَلَا إِنَّ عَمَلَ الْجَنَّةِ حَزْنٌ بِرَبْوَةٍ ، ثَلَاثًا ، أَلَا إِنَّ عَمَلَ النَّارِ سَهْلٌ بشهوة ))

 إن سبيل الله يحتاج إلى فهم عميق ، وإلى إيمان دقيق وإلى إرادة ، وإلى ترجيح العقل على الشهوة ، وإلى ترجيح الهدف البعيد على الهدف القريب .

وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّه

 إن طريق الشهوة قريب وسريع ، لذلك الذي أهلك الناس أنهم الآن يعيشون لحظتهم ، وفي الإنسان شهوات ، وهذه الشهوات يمكن أن تمتعه دون أن ينظر إلى العواقب .
 إخوانا الكرام ، فكرة دقيقة جداً ذكرتها عشرات المرات ، لكن هنا لا بد من ذكرها :
 أنت ذاهب إلى حمص في أيام الشتاء الباردة ، فإذا بلوحة لا تزيد على ثلاثين سنتيمتراً ، وعرضها عشرة سنتيمترات ، كتب عليها : " الطريق إلى حمض مغلقة في مدينة النبك بسبب تراكم الثلوج " ، لو قرأ اللوحة ألف إنسان يقصد حمصَ بالذات ، ماذا يفعل ؟ يرجع ، لو أن دابة تمشي أين تقف ؟ عند الثلج ، ما الذي حكم العاقل ؟ النص ، ما الذي حكم الدابة ؟ الواقع .
 أقرب مثل لنا :
 المدخن متى يدع الدخان ؟ حينما يصاب بمرض خبيث في رئتيه ، فقط ، أو حينما تأتيه جلطة ، أو خثرة ، أو احتشاء ، الآن يوقف الدخان ، ما الذي حكمه الواقع ؟ أما العاقل فيكفي أن يقرأ مضار التدخين ، أو حكم الشرع في التدخين ، فيقلع عنه قبل أن يصاب بأمراض خبيثة .
 احفظ هذه القاعدة : إن كان النص هو الذي يحكمك فأنت عاقل ، وإن كان الواقع فأنت دون المستوى المطلوب ، والذي يوقع الناس في شر أعمالهم أنّ الواقع حكمهم ، ولم يحكمهم النص ، على مستوى الصحة ، لا تبتعد كثيراً ، قد يأكل الرجل ما يشتهي بلا مراعاة لسنه ، ولا للدسم ، ولا لنوع الطعام ، ولا يمارس الرياضة ، يعيش هكذا ، فجأة يصاب بخثرة في الدماغ ، تأتيه رسالة من أبعد بلد أن خفف وزنك ، هذا الذي يتحرك بلا قيد ولا شرط ، ولا قاعدة ، ولا هدف ، هذا إنسان يحكمه الواقع ، وقد عطل عقله ، لذلك الآية الكريمة :

﴿ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ ﴾

 من المكلفين

﴿ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾

 لأن الطريق الجنة محفوف بالمكاره ، وطريق النار محفوف بالشهوات ،

(( أَلَا إِنَّ عَمَلَ الْجَنَّةِ حَزْنٌ بِرَبْوَةٍ ، ثَلَاثًا ، أَلَا إِنَّ عَمَلَ النَّارِ سَهْلٌ بشهوة ))

 وإليك هذا المثل :
 أنبوب طويل فيه مضخة ، وفيه ثقب إلى جانب المضخة ، هذا الثقب ثقب الشهوات ، فإذا استخدمت المضخة فالماء يختصر الطريق ، ويخرج من الثقب لأنه أهون طريق ، أما إذا كان هذا الثقب مغلقًا ، واستخدمت المضخة يصل الماء إلى نهاية الأنبوب ،

﴿ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾

 لماذا ؟
 قال تعالى :

﴿ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ ﴾

إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ

 وقد تحدث كثيراً على أن هناك وهماً هو أقلّ من الشك ، 30 % ، والشك 50 % ، والظن 90% ، أو 80 % ، لكن القطع 100 % ، فالعلم مقولة مقطوع بصحتها 100 % ، تطابق الواقع ، عليها دليل ، فإن لم يكن مقطوعاً بصحتها فهي وهم وشك وظن ،

﴿ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ ﴾

 وإن لم تطابق الواقع فهي الجهل ، وإن لم يكن معها دليل فهو التقليد ، والعلم ليس شكاً ، ولا وهماً ، ولا ظناً ، ولا تقليداً ، ولا يناقض الواقع ،

﴿ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ ﴾

 الآن هذا الظن أي ظن ؟

 

﴿ إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ ﴾

( سورة الحاقة )

طبيعة الظن ومتعلّقاته

 هذا الظن المتعلق بالهوى ، لأن هوى الإنسان وشهوته أمْلت عليه أن تمتّعْ بالحياة ، ودعك من التوبة الآن ، معك وقت طويل تتوب فيه ، ويزيّن الشيطان للإنسان المعصية ، فيستخدم الظن المتعلق بشهوته ، والظن هنا يبرز إيجابيات المتعة ، ويخفي عنك الأخطار الوبيلة من اتباع الشهوة ، وهذا كان الحديث عنه في درس سابق .

﴿ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً﴾

( سورة الأنعام الآية : 112 )

 يظهِر الإيجابيات الحسية ، ويعتم على الأخطار المهلكة .
 لكنك لو دققت في الآية لوجدت شيئاً آخر ، هذا الشيء الآخر مأخوذ من آية أخرى .

معنى قوله : أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ

 حينما تسمع قوله تعالى :

﴿ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ ﴾

 ليس معنى ذلك أنه بقي الأقلية ، هذا معنى جديد ، والطرف الآخر أيضاً كثيرون ، فكلمة :

﴿ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ ﴾

 لا تعني أن ما يقابلها قلة ، والدليل :

 

﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾

( سورة الحج الآية : 18 )

 كلمة :

﴿ َكَثِيرٌ ﴾

 لا تعني أن الطرف الآخر قليل ، هذا من باب التفاؤل ، كثير وكثير ، لذلك هناك كلمات تكتب على مداخل بعض البلاد ، هذا الكلام : أنه يا من دخلت هذه البلدة مثلك كثير ، فإن كنت صالحاً فمثلك كثير ، وإن كنت فاسداً فمثلك كثير .
 مرة صلى أخ كريم من الخليج في جامع في دمشق ألقي فيه درسٌ ، لفت نظري أن هذا الإنسان صالح ، سأل عن دروس العلم في الشام ، عن المساجد ، عن العلماء ، عن المكتبات ، قلت : سبحان الله ‍‍‍‍‍‍! يأتي إنسان إلى الشام متوهماً أن فيها فاحشة في بعض الأحياء ، ويأتي إنسان آخر ليطلب العلم في الشام ، يا من دخلت دمشق مثلك كثير ، والذي يأتي للمتعة كثيرون ، والذين يأتون لطلب العلم أيضاً كثيرون ، هذا يرفع معنوياته ، فـ :

﴿ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾

 لا تعني أن الباقين قلة ، قد يكونون كثر .
 ثم يقول الله عز وجل :

﴿ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ ﴾

 ( إِنْ )هنا نافية .

﴿ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا ﴾

( سورة إبراهيم الآية : 10 )

 يعني ما

﴿ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا ﴾

 و ما

﴿ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ﴾

 لذلك قد يكون اتباع الظن في شؤون الدنيا مقبولاً ، لأن الدنيا تنتهي ، لكن اتباع الظن في شؤون الآخرة هو اتباع مدمر مهلك .
 مثلاً تنجح من الصف السابع إلى الثامن ، ثم نجحت ، إلا أن الشهادة الثانوية مجموع العلامات تحدد لك مصيرك ، فهناك علامات تكون بها طبيبًا ، وعلامات تكون بها صيدليًّا ، وعلامات تكون بها مهندسًا ، فهذا المستوى الواحد في التعليم الثانوي مصيري ، يحدد لك مصيرك في الحياة ، وهناك كلية عليها إقبال شديد ، أو كلية حاملو الشهادات منها ليس لهم عمل ،

﴿ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ﴾

 أي يكذبون ، يكذبون على أنفسهم .

 

﴿ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ * انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾

( سورة الأنعام الآيات : 23 ـ 24 )

 الإنسان في الدنيا يكابر ، ويداهن ، ويحابي ، ويكذب ، لكنه يوم القيامة يكتشف الحقيقة ، وهل من إنسان بلغ كفره كفر فرعون ؟ وهو الذي قال :

 

﴿مَاعَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ﴾

( سورة القصص الآية : 38 )

 هذا كفر ، بل هو أشد أنواع الكفر ، لكن بعد قليل قال كفراً أشد ، قال :

 

﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ﴾

( سورة النازعات )

 هو نفسه حينما أدركه الغرق قال :

 

﴿ آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾

( سورة يونس الآية : 90 )

 إذاً كشف عنه الغطاء فكان بصره حديداً ، لكن :

﴿ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ﴾

﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾

( سورة الأنعام )

إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِين

 إخواننا الكرام ، هناك حقيقة دقيقة : الناس الذين حولك لا يعرفون عنك إلا ثلث مكنوناتك :

طبيعة مكنونات الإنسان وأثرها في تقييم الناس

 أنت ذكر ، ولست أنثى ، هذا معروف ، أنت تحمل شهادة عليا ، مثلاً أنت مهندس ، لك مكتب ، ولك وظيفة ، طويل القامة ، أبيض اللون ، هذا يعرفه الناس عنك ، لكن هناك ثلثا مكنوناتك لا يعرفها أحد ، أما التي معك في البيت فربما عرفتْ الثلث الثاني ، الذي معك في العمل ربما عرف الثلث الثاني ، لكن يبقى ثلث من شخصيتك لا يعلمه إلا الله ، مهما كنت ذكياً ، ومهما كنت باحثاً اجتماعياً ، ومهما كنت محللاً نفسياً ، ومهما كنت ذا نظر ثاقب لا تعرف مِن الذي أمامك إلا الثلث ، وزوجته وأقرباءه الذين معه يوماً بيوم ، جيرانه ، من سافر معه ، من شاركه في الدرهم والدينار يعرفون الثلث الثاني ، أما الثلث الثالث فلا يعلمه إلا الله ، لذلك لا تتسرع وتحكم ، دع تقييم العباد لله عز وجل ، لأن تقييم العباد ليس من شأنك ، من شأن الله وحده ، والإنسان أحياناً كلما ازداد ذكائه أتقن التمثيل ، فقد يخدع الناس لمعظم الوقت وقد يخدع بعض الناس لكل الوقت ، أما أن يستطيع الإنسان أن يخدع كل الناس لكل الوقت فهذا مستحيل ، أما أن يخدع خالقه ، أو أن يخدع نفسه التي بين جنبيه وفلا ولو ثانية واحدة .

﴿ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾

( سورة الحاقة )

﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾

( سورة القيامة )

 إذاً :

﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ ﴾

﴿ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً﴾

( سورة الإسراء الآية : 16 )

 استرح وأرح ، لا تقيّم أحداً ، لا تكفر بالتعيين ، مسموح لك أن تكفر من دون تعيين ، كيف ؟ من قال : إن الله لا يعلم فقد كفر ، ككلام عام ليس فيه مشكلة ، من أنكر فرضية الصلاة فقد كفر ، لكن النبي علمنا صلى الله عليه وسلم أن صحابته الكرام في مرات عديدة لعنوا شارب الخمر ، هكذا مطلقاً ، لكن مرة جيء للنبي e بشارب خمر ، فلعنه الصحابة ، فغضب النبي عليه الصلاة والسلام ، فعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ

(( أَنَّ رَجُلًا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ اسْمُهُ عَبْدَ اللَّهِ ، وَكَانَ يُلَقَّبُ حِمَارًا ، وَكَانَ يُضْحِكُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ جَلَدَهُ فِي الشَّرَابِ ، فَأُتِيَ بِهِ يَوْمًا ، فَأَمَرَ بِهِ فَجُلِدَ ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ : اللَّهُمَّ الْعَنْهُ ، مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَلْعَنُوهُ ، فَوَ اللَّهِ مَا عَلِمْتُ إِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ))

[البخاري]

 فأنت لست مكلفاً أن تقيّم الناس ، هذا ليس من شأنك ، ولا من اختصاصك ، ولا من إمكانك ، ولا يتعلق به علمك ، أنت ترى الظاهر ، أنت تحكم بعلانيته الناس ، أما سرائرهم فينبغي أن تكِلَها إلى الله عز وجل .
 أضرب هذا المثل دائماً :
 ثمة إنسان من أهل الغنى ، وله آلاف الدُّنمات ، جاء من يهمس في أذنه أنك إذا تبرعت من آلاف الدنمات بدنم واحد لينشأ عليه بيت من بيوت الله اضطرت البلدية أن تنظم أرضك ، وأن تجعلها مقاسم ، فإذا كانت مقاسم تضاعف سعرها ، وقد يكون صاحب الأراضي هذا لا يصلي إطلاقاً ، ولم يدخل الدين في حساباته إطلاقاً ، ولم يعرف الله طلاقاً ، ولم يبتغِ الجنة إطلاقاً ، لكنها فكرة تجارية ، أنه إذا تبرع بدنم لمسجد تضطر البلدية أن تنظم أرضه إلى مقاسم ، وإذا نظمت إلى مقاسم تضاعف ثمنها ، أما الناس فيقولون : ما شاء الله ! بارك الله به ! محسن كبير ، ماذا يعرفون ؟ لذلك لست مؤهلاً أن تحكم على أحد إلا بحالة مستحيلة ، أن يكون لك علم كعلم الله .
 بعض الأمثلة من السيرة مأخوذة : رجل مع رسول الله في القتال ، النبي e قال عنه : إنه من أهل النار ، هذا من إعلام الله له ، وقد أصيب بجراح ، وجاء بسيفه ، ووضعه على الأرض ، وانحنى عليه حتى قتل نفسه ، أنت لا تعلم هذا الذي يفعل لماذا يفعل ، لذلك :
 عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :

(( إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى ... ))

[ متفق عليه ]

 أنا لا أجيب عن أي سؤال متعلق بتقييم شخص ، أقول دائماً : تقييم الأشخاص من شأن الله وحده ، وإياك أيها الإنسان ، ثم إياك ، ثم إياك أن تتورط في تقييم الأشخاص ، لكن أن ترى إنسانًا شارب خمر أمامك ، وتقول : هذا وليّ ، لا ، هذا أيضاً لعب بدين الله ، هذا عاصٍ ، لكنه قد يتوب ، ويسبقك ، وهذا ممكن ، فلا تتكبر على العاصي ، لعل الله يغفر له ، أو لعل الله يحمله على التوبة ، أو يسوق له شدة يحمله على التوبة ، فيسبق الذي عيره بهذه المعصية ، لذلك من أجمل ما ورد في بعض الأحاديث أنه ورد :

(( الذنب شؤم على غير فاعله ؛ إن عيّره ابتلي به ، وإن اغتابه أثم ، وإن رضي به شاركه ))

[ أخرجه الديلمي في مسند الفردوس عن أنس بن مالك ]

 ارتكب صديقك معصية ، وأنت عافاك الله منها ، مع أنك عوفيت من هذه المعصية ، ولم تقترفها ، لكن هذا الصديق اقترفها أمامك ، فأنت أمام ثلاثة مزالق ، أن تقول : فلان ارتكب هذا العمل الشنيع ، أين عقله ؟ فقد اغتبته ، أو أن تقول : والله إنه لذكيّ ، وقد حقق بعض أهدافه بطريقة أو بأخرى ، فقد شاركته حينئذ في الإثم ، وإن عيّرته بقولك : أين عقله ، أين دينه ؟ أين ؟ أين ؟ وأنت تظن أنك محصن فقد ابتليت بهذا الذنب مرة ثانية ، لذلك ما قرأت كلمة لنبي كريم تعرض لإغراء النساء كسيدنا يوسف ، قال :

 

﴿ قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴾

( سورة يوسف )

 أرأيت إلى هذا التواضع ، أرأيت إلى هذا الافتقار إلى الله عز وجل ؟

﴿ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴾

 إذاً :

﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾

دع الخلق لخالقهم

 أرح واسترح ، لا تقيّم الأشخاص أبداً ، إن رأيت إنسانًا يعصي الله أيضاً فينبغي ألا تنزلق إلى كلام العوام ، وتقول : لعله وليّ ، لا نعرف ، هذا كذب ، ولعب بدين الله ، ويسبب إرباكاً في تقييم النفس ، هذه معصية ، والمعصية معصية ، والطاعة طاعة ، لكن نحن نحكم بالظاهر ، والله يتولى السرائر ، وأنت لست مكلفاً إطلاقاً أن تسبر أغوار نفسه ، ولا أن تحلل ، من أنت ؟ هل أنت وصي عليه ؟ أنت لست وصيًّا عليه ، ولست وصياً على أحد ، أنت عليك من نفسك ، وعليك أن تطيع الله عز وجل ، وأن تتعرف إليه ، دع الخلق لخالقهم .

إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ

﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ ﴾

 هو أعلم منك ، ومن كل الناس ، ومن الخلق أجمعين ،

﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾

 لذلك هذه الخلافات بين الأمم ، والشعوب ، والحضارات ،تارةً يقال : صراع الحضارات ، وتارة يقال : حوار الحضارات ،

وكل يدعي وصلاً بليلى  وليلى لا تقر لهم بذاكا
* * *

 وهذا الحوار ، وتلك الخصومات ، وقد ورد في بعض الآيات الكريمة :

 

﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾

( سورة السجدة الآية : 25 )

﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾

تربص الطرف الآخر بالمسلمين

 الآن هناك مشكلة ، ولا بد من تمهيد لها ، وهو :
 أن الطرف الآخر المعاندين ، الكفار ، المشركين ، الملحدين يتربصون بالمؤمنين ، كلما نطق مؤمن بكلمة يتصيدون ثغرة في كلامه ، ويكبرونها ، ويقيمون الدنيا ، ولا يقعدونها .

قلت امرئ في بلدة جريمة لا تغتفر  وقتل شعب مسلم مسألة فيها نظر
* * *

 هناك تصيد ، وقنص ، ورغبة أن يبحث الطرف الآخر متوهماً عن ثغرة في الدين فيقيمون الدنيا ، ولا يقعدونها ، والأمثلة لا تعد ولا تحصَى .
 إذا قال المسلم : لا إله إلا الله لا ينجو من النقد ، طائرة الصندوق الأسود سجل ربانها كلمة : " توكلنا على الله " ، ثم سقطت ، اعتبروا كلمة " توكلنا على الله " من الطيّار أنه إرهابي ، وأنه هو الذي أسقط الطائرة ، وطائرة مصرية عليها عدد كبير من الخبراء العسكريين ، ترجح الروايات أنها أُسقطت من جهة معادية ، لكن كلمة توكلت على الله لربان الطائرة عدّت سبباً مبرراً أنه هو الذي أسقطها .
 فالطرف الآخر دائماً يتهيأ لاقتناص الثغرات ، فيما يقال في جانب الحق ، وهؤلاء المشركون يقولون : كيف تأكلون ما قتلتم أنتم ، ولا تأكلون ما قتل الله ؟ هم عدوا الموت قتلاً من الله ، وعدوا الذبح قتلاً بأيدينا ، فالذي تذبحونه من البهائم من الأنعام تأكلونه حلالاً طيباً ، أما إذا ماتت الدابة لا تأكلونها ، ما هذا التناقض ؟ والحقيقة أن هناك نقطة دقيقة جداً يفرق بها بين الموت والقتل ، أوضحها بمثل :
 المصباح الكهربائي ، لو أنك قطعت عنه الكهرباء ينطفئ ، لأنك قطعتَ عنه الطاقة الممدة له فانطفأ ـ هذا هو الموت ـ أما إذا كسرت هذا المصباح فالطاقة موجودة ، لكنك أتلفت بنية المصباح ـ هذا هو الذبح ـ ، هم لم يفرقوا بين القتل والذبح ، ذلك أن الموت انقطاع الإمداد الإلهي ، فالجسم كامل ، لو كان الإنسان مضطجعًا على ميزان ، ووافته المنية وهو على الميزان لا يقلّ وزنه ولا واحد بالمليون من الغرامات .

الحكمة من تذكية الذبيحة ومضار الصعق الكهربائي

 أيها الإخوة الكرام ، النقطة الدقيقة في الموضوع تحتاج إلى تفصيل : ذلك أن في الإنسان جهازاً سأصفه لكم ، ومثله في الحيوان الذي نأكل منه ، إذا رأى الإنسان في البستان أفعى أو ثعبانًا تنطبع صورته على شبكية العين ، هذا إحساس ، ثم تنتقل الصورة إلى الدماغ إدراكاً ، وفي الدماغ مفهومات الثعبان ، حُصلت من دراسة أو من قصة ، أو من مشاهدة ، أو من تجربة ، هذه المفهومات بمجموعها تنبئ أن لدغة الثعبان قاتلة ، فالدماغ يدرك الخطر ، الآن يلتمس ملك الجهاز العصبي ، والجهاز العصبي أوامره كهربائية ، يلتمس من ملكة النظام الهرموني ، الغدة النخامية التي وزنها نصف غرام يلتمس منها عن طريق وسيط اسمه تحت السرير البصري أن تواجه الخطر ، فالغدة النخامية تحت يديها أجهزة أمنية ، تعطي أمراً للكظر الذي فوق الكلية أن يواجه الخطر ، فالكظر يعطي خمسة أوامر ، أول أمر إلى القلب ، فيرتفع نبض القلب إلى أن يصل أحياناً إلى 180 نبضة ، والنبض الطبيعي 80 ، فالخائف لو قسنا نبضه لكان 160 ـ 170 ـ ، والأمر الثاني إلى الرئتين فيزداد وجيبهما ، والخائف يلهث ، ثم أمر ثالث إلى الأوعية المحيطة بالجلد ، فتضيق لمعتها ، فيصفر لون الخائف ، كي يذهب الدم الفائض إلى العضلات ، والأمر الرابع للكبد ليطرح كميات من السكر إضافية ، والأمر الخامس إلى الكبد أيضاً ليطرح هرمون التجلط ، فتزداد لزوجة الدم عند الخائف بالضبط ، هكذا يواجه الكظر الخطر ، بأمر من النخامية ، بالتماس من الدماغ ، بمعلومات من العين ، هذه أول فكرة .
 الفكرة الثانية : القلب لأنه عضو نبيل ، وخطير ، ومصيري ، لا يمكن أن يتلقى الأمر بالنبض من جهة بعيدة عنه ، كما أنه لا يمكن لمستشفى تجرى فيها عمليات جراحية أن تعتمد على الشبكة العامة ، لو حدث خلل في الشبكة العامة ، وانقطعت الكهرباء والمريض مفتوح قلبه ، وجميع الأجهزة تعمل بالكهرباء ، إذاً يموت المريض فوراً ، فلابد من مولدة خاصة لغرفة العمليات .
 الآن : لأن القلب عضو نبيل جداً ، وخطير جداً ، ومصيري جداً ، لا بد من مركز كهربائي ذاتي في القلب يمد القلب بالنبض الكهربائي ، و لو تعطل هذا المركز فهناك مركز احتياطي ثانٍ ، لو أن الثاني تعطل فهناك مركز احتياطي ثالث ، لكن هذه المراكز الثلاثة لا تمد القلب إلا بالنبض النظامي فقط 80 نبضة في الدقيقة ، فقط ، أما إذا كان الإنسان خائفاً ، أو يصعد درجاً ، أو يواجه عدواً ، ما الذي يرفع النبض إلى 130 ؟ إدراك الخطر عن طريق العين ، ثم التماس الدماغ من النخامية ، التصرف ، والنخامية تأمر الكظر ، والكظر يعطي الأوامر ، إذاً الأمر الاستثنائي بالنبض من أين يأتي ؟ من الرأس عن طريق الكظر ، والأمر النظامي بالنبض يأتي من القلب مباشرة ، هذه مقدمة .
 الآن نحن أمام دابة نريد أن نذبحها ، النبي عليه الصلاة والسلام من توجيهاته النبوية أنه أمرنا ألا نقطع رأسها ، بل نكتفي أن نقطع أوداجها فقط ، وليس في عهد النبي ، وليس في مكان في الأرض ، ولا بعد مئة عام ، ولا بعد 200 عام ، ولا بعد 500 عام ، ولا بعد 1000 عام ، ولا بعد 1300 عام مراكز تشير إلى حكمة ذبح الدابة ، وبعد 1400 أو أكثر بقليل توصل العلم إلى فهم حكمة توجيه النبي عليه الصلاة والسلام ، هذه الدابة إن قطعنا رأسها كما تفعل معظم المسالخ في العالم ، يعلقونها من أرجلها ، ويقطعون رأسها ، بقي الأمر الذاتي للقلب 80 نبضة ، الثمانون نبضة لا تخرج من الدابة إلا جزاء يسيراً من الدم ، ويبقى الدم في الدابة ، أما لو بقي الرأس موصولاً لجاء الأمر الاستثنائي من الدماغ إلى الكظر ، إلى القلب ، وارتفع النبض إلى 180 نبضة ، والـ180 نبضة كافية لإخراج الدم كله من الدابة ، إذاً هو e :

﴿ مَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * ِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾

 هذا الحديث وحده من دلائل نبوة النبي عليه الصلاة والسلام ، ذلك لأن الدم وهو في الإنسان الحي طاهر ، لماذا ؟ لأن ثلاثة أجهزة من أدق الأجهزة تصفيه باستمرار ، أول جهاز هو التنفس ، في الدم ثاني أكسيد الكربون الناتج عن احتراق السكر ، هذا الغاز ثاني أكسيد الكربون يتعلق بالكريات الحمراء ، فيجعلها سوداء ، ويأتي الدم إلى الرئتين ، فتصفيه من ثاني أكسيد الكربون ، وتأخذ مكانه الأوكسجين فيغدو الدم أحمر ، إذاً الرئتان تصفيان الدم ، والكليتان تصفيات الدم من كل الحموض التي تؤذي الإنسان ، وفي طليعتها حمض البول ، ومئات ملايين الغدد العرقية أيضاً تصفي الدم ، لذلك الدم وهو يجري في الجسم طاهر ، لهذا قال الله تعالى :

 

﴿أَوْ دَماً مَسْفُوحاً﴾

( سورة الأنعام الآية : 145 )

 المسفوح ألغِيت تصفيته ، فإذا ذبحنا الدابة بصعقة بالكهرباء كما تفعل بعض المسالخ في العالم ، أو إذا علقناها من أرجلها ، وقطعنا رأسها تعطل الأمر الاستثنائي برفع النبض ، وبقي أمر القلب فقط ، فيبقى جزء كبير من دمها فيها ، والأمراض كلها في الدم ، والفضلات كلها في الدم ، حمض البول ، ثاني أكسيد الكربون ، والدم أكبر مرتع للجراثيم ، لذلك الدابة التي تصعق صعقاً ، أو التي يقطع رأسها عند الذبح كلياً ، هذه دابة فيها لترات كبيرة جداً من الدم قد تصل في البقرة إلى 8 كغ تقريباً ، لذلك لو أردنا أن نشتري لحم من بلاد بعيدة وطلبنا الذبح الشرعي لطالبونا بزيادة في السعر ، لأن كان كل دابة فيها 4 أو 5 أو 8 كغ وزن الدم ، فإذا ذبحت ذبحاً شرعياً ، وارتفع النبض إلى 180 نبضة خرج الدم كله ، لذلك لحم الدابة التي تذبح وفق الطريقة الإسلامية لحم زهري ، فيه طعم طيب ، ليس فيه مواد مؤذية ، ولا فضلات ، ولا حمض بول ، ولا جراثيم ، كله هذا منتَهٍ ، فلذلك الفرق كبير جداً بين الحيوان الذي يموت ودمه فيه ، فلا يؤكل ، وبين الحيوان الذي يذبح ذبحاً ، ويذكّى ، وقد خرج الدم منه .
 إذاً هذه هي الثغرة التي توهم المشركون بقولهم : لماذا تأكلون ما قتلتم ، ولا تأكلون ما قتل الله ؟ حينما يموت الحيوان يقطع الله عز وجل عنه الإمداد فتبقى أجهزته كما هي ، ودمه فيه ، إذاً لا يؤكل ، بينما حينما تذكي الحيوان ، أي تذبحه ذبحاً شرعياً عندئذٍ يصبح لحمه طاهراً أزهر من حيث اللون .
 لكن مع الأسف الشديد ، والحقيقة لا بد من أن أذكرها أن بلادًا كثيرة لا تؤمن بالله ، قد تشترى منها لحوم إلى بلاد إسلامية ، والذين يشترون اللحوم يشترطون الذبح الإسلامي ، ماذا تفعل المسالخ الكبرى في العالم ؟ تتصل بمركز إسلامي ، وترسل لهم مبلغًا كبيرًا فلكيًّا نظير إعطائهم وثيقة فقط ، وأصحاب المراكز هؤلاء المنتفعون الذين يبتزون أموال الناس بالباطل يوقعون هذه الوثائق ، ولا يذهبون إلى المسالخ إطلاقاً ، ويتم الذبح بطريقة غير شرعية ، وأحياناً يعبرون عن جهلهم وغبائهم حينما يكتبون على علب السمك أن هذا السمك ذبح على الطريق الإسلامية ، وأنا لا أرى لحما يعلو على لحمٍ ذبح في بلاد إسلامية أبداً ، هناك مشكلات كبيرة جداً ، وهناك استثناءات ، وقد لا تكون دقة في الذبح الإسلامي ، لكن في الأعم الأغلب هناك انحرافات ، وهناك تجاوزات ليست في صالح من يأكل هذا اللحم .
 لذلك هذه الثغرة التي أثارها المشركون : لماذا تأكلون ما قتلتم ، ولا تأكلون ما قتل الله ؟ لأن الله أمرنا أن نذبح الدابة من خلال إرشادِ نبيه صلى الله عليه وسلم ، بل أن نبقي رأسها موصولاً بجسمها كي يعمل الأمر الاستثنائي الذي يصدر من الرأس إلى الكظر إلى القلب ليرفع النبض إلى 180 ، كي يكون هذا النبض السريع سبباً لإخراج الدم كله من الدابة ، عندئذٍ يكون اللحم أزهر اللون ، طيب الطعم ، بعيداً عن كل ما يؤذي الإنسان .
 الآية جاءت :

 

﴿ فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآَيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾

( سورة الأنعام )

فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِين

 عندنا شيئان ، عندنا التسمية وعندنا التذكية ، وهناك فرق بين التسمية والتذكية ، التذكية أن تذبح الدابة ذبحاً وفق الطريقة الإسلامية بعدم قطع رأسها ، بل قطع أوداجها فقط ، هذا الذبح الشرعي سماه الفقهاء التذكية ، لحم مذكّى ، أي مذبوح وفق الشريعة الإسلامية ، بينما التسمية أن تسمي وتكبر الله في أثناء ذبح الخروف ، لكن الآية هنا :

﴿ فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ ﴾

 وهناك تفصيل لطيف :

حكم أكل ما لم يُذكر اسم الله عليه عمدا أو نسيانا

 قال الإمام مالك رضي الله عنه : ينبغي ألا يأكل من دابة لم يذكر اسم الله عليها ، نسياناً أو عمداً سواء ، قال الإمام مالك : " ينبغي ألا تأكل نسياناً أو عمداً " ، هذا مذهب الإمام مالك .
 أما مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه " فإنه إذا كان الإنسان ناسياً للتسمية فينبغي أن يأكل ، وسمِّ الله أنت عليها ، وإن كان عامداً فينبغي ألا يأكل " .
 أما الإمام الشافعي فقال : " إن لم تذكر اسم الله عليها ناسياً أو عامداً فكل ، لماذا ؟ قال : لأن الذكر رد في بعض الأحاديث :

(( فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ))

[ متفق عليه ]

 فالمؤمن يذكر الله في نفسه ، بل أبلغ من ذلك أن المؤمن لا يعقل أن يقدم على ضبع ليذبحه ويأكله ، لا يقبل إلا على حيوان أحله الله لنا ، إذاً يذكر أن هذا حلال ، وهذا حرام ، وهو مؤمن فإيمانه ذكر ، فعند الإمام الشافعي لك أن تأكل إن لم يسمَّ على الدابة عمداً أو نسياناً ، وعند الإمام مالك ينبغي ألا تأكل إن لم يذكر اسم الله عمداً أو نسياً ، والإمام أبو حنيفة فصل ، فإن لم يذكر اسم الله عليها عمداً فينبغي ألا تأكل ، وإن لم يذكر اسم الله عليها نسياناً فلك أن تأكل .
 لكن الكلمة الرائعة أن إيمانك هو الذكر ، فإذا لم يذكر اسم الله عليها فاذكر اسم الله عليها وكُلْ ، هذا موضوع غير التذكية ، التذكية شيء آخر ، التذكية قضية دم ، فإذا بقي فيها كانت الدابة مؤذية إذا أكلت منها.
 أيها الإخوة ، بقي موضوع أن كل أمر ذي بال لم تسمِ الله فهو أبتر ، أنت أمام كاس ماء ، إذا قلت : بسم الله ، فما معنى بسم الله ؟ من جعل هذا الماء عذباً فراتاً بعد أن كان ملحاً أجاجاً ؟ إذاً تحب الله لهذه نعمة ، كيف تشرب الماء ؟ ثلاثاً ، وأنت قاعد ، إذاً بسم الله تذكرك بنعم الله ، وتذكرك بأمر الله معاً ، إذاً كل أمر ذي بال لم يذكر اسم الله جل جلاله قبله أو لم تسمِّ فهو أبتر .
 ثمة خبرة أنا أعرفها ، لكن قرأت عنها ، أن الحيوان الذي سمح الله لنا أن نأكله إذا أوشك أن يموت يمد رأسه ، وكأنه يقول : تعالوا اذبحوني ، وكلوني حلالاً ، بينما الحيوان الذي حرم الله أكله إذا أشرف على الموت لا يفعل هذا ، لأن هذا الحيوان الذي خلقه الله لنا قال بعض علماء القلوب : إنه حينما يذبح يحقق الهدف من وجوده ، كان في خدمة هذا الإنسان ، لأن الله سخره للإنسان ، فالذين امتنعوا عن أكل اللحوم هؤلاء جانبوا الصواب ، وهناك نباتيون لا يأكلون اللحوم إطلاقاً ، من باب أنه يزايد على النبي صلى الله عليه وسلم ، أنا لا آكل لحماً من حيوان عذب بالذبح ، فهذا الحيوان خلق ليكون طعاماً للإنسان ، فإذا أدى هذه المهمة فقد سعد بتحقيق مهمته ، وهذه اللقطة التي قرأت عنها أن الحيوان الذي سمح الله لنا أن نأكله إذا شارف على الموت يمد رأسه ، وكأن لسان حاله يقول : تعالوا اذبحوني ، وكلوني حلالاً لقطة رائعة .
 أيها الإخوة ، كلمة واحدة :

﴿ فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ ﴾

 إذاً أصول الدين يخاطب بها الناس عامة :

 

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾

( سورة البقرة الآية : 31 )

 أما فروع الدين فيخاطب بها المؤمنون خاصة ، لأنهم على عقد إيماني مع الله ، فآمنوا بالله خالقاً ، ومربياً ، ومسيراً ، آمنوا به موجوداً وواحداً ، وكاملاً ، آمنوا به مشرعاً ، آمنوا بعلمه ، وقدرته ، ورحمته ، وحكمته ، وعدله ، لذلك أقبلوا على تنفيذ أمره .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018