الدرس : 01 - سورة فصلت - تفسير الآيتان 1 - 2 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 01 - سورة فصلت - تفسير الآيتان 1 - 2


1993-11-05

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الأكارم، مع الدرس الأول من سورة فصِّلت، ومع الآية الأولى:

﴿حم (1) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (2) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ قُرْآَناً عَرَبِيّاً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (3) بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (4)

معاني الحروف المقطّعة:

 أيها الإخوة، ذكرت من قبل في هذه الحروف التي تُفتتح بها بعض السور أقوال العلماء.

 المعنى الأول:

 فمن أقوالهم الشائعة: الله أعلم بمراده.

 المعنى الثاني:

 ومن أقوالهم أيضاً: إن القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، هذا الكلام المعجز كلام الله عزَّ وجل، إنما حروفه من هذه الحروف، والحروف بين أيديكم ؟ لذلك ربنا سبحانه وتعالى جعل إعجازه دليلاً على أنه كلام الله عزَّ وجل، فكل من يزعُم أنه ليس كلام الله فليأت بسورةٍ من مثله..

﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ(24) ﴾

( سورة البقرة )

 المعنى الثالث:

 والمعنى الثالث: أن هذه الحروف إشاراتٌ إلى أسماء الله الحسنى.

 المعنى الرابع:
 وبعضهم قال: هذه الحروف إشاراتٌ إلى أسماء النبي عليه الصلاة والسلام.

لا أحد يحيط بكلام الله فهمًا كاملاً من غير نقص:

 والقرآن كما يقال: حمَّال أوجه، ولا يستطيع أحدٌ أن يزعم أن هذه الآية هذا معناها على سبيل الحق، كل إنسان يُدلي بدلوه في الآيات المتشابهات، بينما الآيات المُحكمات لا يختلف فيها اثنان، ومن فضل الله عزَّ وجل أن الآيات المتعلِّقة بأصول العقيدة، وأن الآيات المتعلِّقة بأصول التكاليف هذه آياتٌ محكمات لا يختلف فيها اثنان، بينما الآيات الأخرى المتشابهات، وهناك حكمٌ بالغة من كونها متشابهات، أولاً هي حافز يحفز المؤمنين إلى البحث عن معناها، وثانياً: إذا كانت هذه الآيات المتشابهات تحتمل معاني كثيرة، فالله سبحانه وتعالى أراد كل هذه المعاني توسعةً على خلقه، ورحمةً بهم، ومن هنا قال بعضهم: اتفاق العلماء حجَّةٌ قاطعة، واختلافهم رحمةٌ واسعة، وما كان لهم أن يختلفوا لو أن كل آيات القرآن الكريم قطعيَّة الدلالة، الآيات المتعلِّقة بأصل العقيدة قطعيَّة الدلالة لا خلاف فيها، فالآيات المتعلِّقة بالتكاليف التي سوف نحاسب عليها يوم القيامة قطعيَّة الدلالة، ولكن بعض الآيات في القرآن الكريم سمَّاها متشابهات، أي أنها تشبه الحق من جهة، وتشبه الباطل من جهة، ومن خلال هذه الآيات المتشابهات يُمْتَحن المؤمن، ومن خلال هذه الآيات المتشابهات ينطلق المؤمن ليفهم معناها، ولعلَّ في هذا أسلوباً تربوياً حينما يجد الإنسان أنه مضطرٌّ أن يفهم هذه الآية، فيَكِدُّ ذهنه، والشيء السهل يبدو قليل الأهميَّة، لكن الشيء الذي يتحدَّى فكر الإنسان وعلمه يبدو عظيم الأهميَّة، هناك حكمٌ تربويَّةٌ، وغاياتٌ مديدةٌ لا يعلمها إلا الله من وجود بعض الآيات المتشابهة التي اشتبه معناها على كثيرٍ من الناس.
 فالذين قالوا: الله أعلم بمراده ما أخطئوا الحقيقة، لأنه يستحيل على المخلوق المحدود أن يحيط بالخالق، وهذا من كلامه، مهما اجتهدنا في فهم كتاب الله يبق فهمنا نسبيَّاً، بل إن أعلى فهمٍ لكتاب الله هو فهم النبي عليه الصلاة والسلام، ومع ذلك فالنبي ما أحاط بكتاب الله، لأنه لا يعلم مضمون كلام الله على سبيل الحصر إلا الله، لكن المؤمن يجتهد.
 فالذين قالوا: الله أعلم بمراده ما أخطئوا الحقيقة، لأنه يستحيل على المخلوق الحادث أن يحيط بكلام الله عزَّ وجل.
 والذين قالوا: إن القرآن الكريم المُعِجِز صيغت آياته من هذه الحروف التي بين أيديكم، فكيف أن التراب حينما نَفَخَ الله فيه صار إنساناً يتكلَّم، ويتحرَّك، ويفكِّر، ويرى، ويسمع، وينطق، ويأكل، ويشرب، وهذا الإنسان بخلقه المُعجز أساسه ترابٌ نُفِخَ فيه، والمادَّة الأوليَّة بين أيدينا ندوس عليها..

خفِّف الوطء ما أظن أديم  الأرض إلا من هذه الأجسادِ
* * *

 ومع ذلك فخلق الحياة في الخليَّة شيءٌ فوق طاقة البشر، ومكوِّنات الحليب الذي تصنعه يد القدرة الإلهيَّة من خلال البقرة بين أيدينا، هل يستطيع العلم مهما تقدَّم أن يصنع هذا السائل المُغذي من مكوِّناته الأساسيَّة ؟ ومكوِّنات البيضة التي تصنعها يد القدرة الإلهيَّة من خلال الدجاجة بين أيدينا، فهل نستطيع أن نصنع هذه البيضة ؟ وهذه من أبسط الأمثلة، فالمكوِّنات شاءت حكمة الله أن يجعلها بين أيدينا، ولكن خالق الحياة هو الله عزَّ وجل، الذي يخلق الخلية الحيَّة، والذي خلق هذه الخليَّة لتنمو وتتكاثر، ثم كل قسمٍ منها يأخذ اتجاهاً حتى يكون نواةً لجهازٍ دقيقٍ في الإنسان، وهذا من فعل الله عزَّ وجل.
 فكما أن التُراب بين أيدينا، وخلق الإنسان من إعجاز الله، شيء يثبت عظمة الله عزَّ وجل، كذلك هذا القرآن الحروف بين أيدينا..

﴿حم (1) ﴾

لا تصادم بين العقل السليم والنص الصحيح:

 ولكن أن نصوغ كتاباً فيه إعجازٌ تشريعي، وفيه إعجازٌ إخباري، وعلمي، وفيه إعجازٌ تربوي، فهذا الكتاب لم تظهر حقيقةٌ علميَّة تصادمت معه، لأن خالق الكون هو الله، ومنزل هذا الكتاب هو الله، لذلك استنبط العلماء أنه لا يمكن أن يتصادم العقل الصحيح الصريح مع النقل الصحيح، فالنقل من عند الله، والعقل جهازٌ عظيمٌ أودعه الله فينا، أما إذا بدا لكم بعض التصادم بين العقل والنقل، أي بين النصِّ والفكر فهذا التصادم لسببٍ أو لآخر، أحد هذه الأسباب أن النقل غير صحيح، النقل غير الصحيح قد يتصادم مع العقل الصريح، أو أن النقل الصحيح يتصادم مع العقل غير الصريح، فالعقل حينما يغلو، أو حينما يزوِّر، أو حينما يشتط قد يتصادم مع النقل الصحيح، أما نقلٌ صحيح يصطدم مع العقل الصريح فهذا من سابع المستحيلات، لأن المصدر واحد.
 وكنت أقول دائماً: إن الحق دائرة يخطُّها أربعة خطوط ـ أو يمر بها أربعة خطوط ـ خط العقل، وخط النقل، وخط الفطرة، وخط الواقع، فالحق الذي يجب أن تعتقده يجب أن يتطابق مع الفطرة تطابقاً تاماً، ومع الواقع، والعقل، والنقل، اجتهد أن ترى الدليل العقلي مع الدليل الواقعي مع الدليل النقلي مع الدليل النفسي، فإذا تطابقت هذه الأدلَّة الأربعة كان هو الحق، والحق من حقَّ الشيءُ أي ثبت واستقر.
 فالمسلم يعيش نعمة لا يعرفها إلا مَن فقدها، ما هذه النعمة التي يعيشها ؟ أنه متمسِّك بمبادئ ثابتة، مُضِيُّ الأيام والليالي، ومضي القرون لا يهزُّها أبداً، بينما الذين تمسَّكوا بمبادئ وضعيَّة من وضع البشر حينما فُوجئوا بعد سبعين عاماً أنها لم تكن صحيحة، وأنها سرابٌ في سراب، وأنها تداعت كما تتداعى بيوت العنكبوت، هذه مفاجأةٌ ؛ وما من مفاجأةٍ أشد على النفس من هذه المفاجأة، أن المبدأ الذي أمضيت كل حياتك في خدمته والدعوة إليه كان مبدأً موهوماً غير صحيح، نعمة أن المؤمن عقيدته متعلِقةٌ بالثوابت، وهذا معنى قول الله عزَّ وجل:

﴿ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ ﴾

( سورة إبراهيم: من الآية 27 )

 وثوابت المؤمن مستنبطةٌ من كلام الله، والله سبحانه وتعالى هو الأول والآخر، وهو الظاهر والباطن، وهو الحقيقة الأولى، والتي لا حقيقة غيرها، هذا على معنى:

﴿حم (1) ﴾

 فإما أن تقول: الله أعلم بمراده.
 وإما أن تقول: إن القرآن الكريم المُعجز بنظمه، المعجز بتشريعه، والمعجز بحقائقه العلميَّة مصاغٌ من هذه الحروف وهي بين أيدينا.
 والمعنى الثالث: لعلَّها أسماء النبي عليه الصلاة والسلام يا حامد ويا محمود.
 ولعلَّها أسماء الله الحسنى إشارةٌ إليها على طريقة الترميز، وعلى كلٍ فالقرآن حمَّال أوجه، وكل إنسانٍ له أن يجتهد مع الضوابط ـ ضوابط اللغة، وضوابط علم العقيدة، ومقاصد الشريعة ـ في فهم كلام الله عزَّ وجل من دون أن يكون لأحدٍ حق احتكار المعاني..

﴿ تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾

تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

 

1 ـ اسم الله الأعظم:

 فربنا عزَّ وجل أسماؤه كلُّها حسنى، وصفاته كلُّها فضلى، لكن الاسم الأول الذي يلي اسم الله عزَّ وجل، وكلمة الله علمٌ على الذات الكاملة، فأسماء الله حسنى كلُّها جًمِعَت في كلمة ( الله )، فالله علمٌ على الذات الكاملة.

2 ـ الرحمن الرحيم:

الاسم الذي يلي اسم الله عزَّ وجل هو الرحمن الرحيم.
 والرحمن الرحيم هذا الاسم أيها الإخوة على شيءٍ من التفصيل الرحمن في ذاته الرحيم في أفعاله، فذاته رحيمة وأفعاله رحيمة، وربنا عزَّ وجل قال: هذا القرآن..

﴿ تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾

الله خلَق الخلْقَ ليرحمهم:

 فالله عزَّ وجل خلق الخلق ليرحمهم.

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ (56) ﴾

( سورة الذاريات )

 العبادة تبدأ بمعرفة الله، ويتوسَّطها طاعة الله، وتنتهي برحمة الله، رحمة الله إلى أبد الآبدين، وكل من يتوهَّم أن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق ليعذِّبهم، وقد يأتي بشواهد مفتعلة من فقر بعض الشعوب، من الزلازل، والفيضانات، والبراكين، والحروب الأهليَّة، كل من يتوهَّم أن الخلق مخلوقون للعذاب فهذا افتراءٌ على الله، وهذا قريبٌ من الكفر، لأن الذي يقول على الله ما لا يعلم يرتكب معصيةً هي من أشد المعاصي، وربنا عزَّ وجل وضعها في بعض الآيات، وجعلها من أعظم المعاصي ؛ أن تقول على الله ما لا تعلم، أن تظنَّ بالله غير الحق ظنَّ الجاهليَّة، أن تطعن برحمة الله، أو بحكمته، أو بعدالته.

ما يجري في الكون هو من مقتضى الحكمة:

 فكمال الخلق يدل على كمال التصرُّف، وإذا ذهبت لتعرف الله من خلال خلقه فالطريق آمنٌ وسالك، أما إذا بدأت بمعرفة الله من خلال أفعاله فلن تستطيع إثبات عدالة الله، ولا إدراك حكمته إلا إذا كان لك علمٌ كعلم الله، وهذا مستحيل، لذلك ينبغي أن تستسلم في أفعاله.
 قد يسأل سائل: ما حكمة ما يجري في العالم اليوم ؟ وقد يسأل سائل أيضا: لماذا يبدو أن الله تخلَّى عن المسلمين ؟ هناك أسئلة كثيرة جداً.
 إذا ذهبت لتعرف الله بدءاً من أفعاله فهذا الطريق غير آمن وغير سالك، لأنك لا تستطيع أن تدرك حكمة الله، ولا أن تدرك عدالته إلا أن يكون لك علمٌ كعلمه، لكن يكفي أن الشيء الذي يعجز عقلك عن إدراكه قد أخبرك الله سبحانه وتعالى به، قال تعالى:

﴿ وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا(49) ﴾

( سورة الكهف )

 قال تعالى:

﴿ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا(124) ﴾

(سورة النساء )

﴿ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ(13) ﴾

( سورة فاطر )

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ ﴾

( سورة العنكبوت: من الآية 40 )

 هذا كلامه، فإن لم تصدِّق كلامه فالمشكلة في ضعف الإيمان، عُد إلى إيمانك وجدِّده، فإذا وجدت شكًا في كلامه فالقضيَّة يجب أن تعود إلى الأصول.
 هذا الكون بسماواته وأرضه يدل على خالقٍ عظيم، وعلى مُرَبٍّ حكيم، وعلى مسيِّرٍ حكيم أيضاً، وعلى الله الموجود الكامل الواحد، وعلى أسماء الله الحسنى، وهذا القرآن كلامه، وقد أخبرك فيه أنه لا يظلم أحداً..

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه(7)وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه(8) ﴾

( سورة الزلزلة )

 فهذا الأعرابي الذي سأل النبي عليه الصلاة والسلام فقال: " عظني ولا تطل " فتلا عليه قول الله عزَّ وجل:

 

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه(7)وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه(8) ﴾

 قال الأعرابيُّ: " قد كُفيت "، هذه الآية تكفيني.

 

الصادق تكفيه آيةٌ:

 ويا أيها الإخوة، بالمناسبة الصادق تكفيه آيةٌ واحدة، آيةٌ واحدة تكفيه طوال العمر..

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه(7)وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه(8) ﴾

 فقال عليه الصلاة والسلام:

(( فقُهَ الرجل ))

[ ورد في الأثر ]

 فآية:

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا(1) ﴾

 

( سورة النساء )

 تكفي وآية:

﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾

( سورة هود: من الآية 123 )

 أمرك كلُّه بيده.
 آية:

﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾

( سورة الإسراء: من الآية 9 )

 هذه تكفي وآية:

﴿ فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى(123) ﴾

( سورة طه )

 تكفي وآية:

﴿ فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ(38) ﴾

( سورة البقرة )

 تكفي وآية:

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾

( سورة النحل: من الآية 97 )

 هذه الآية تكفي، آمن واعمل صالحاً والحياة الطيِّبة تنتظرك.
 آية:

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى(124) ﴾

( سورة طه )

 تكفي وآية:

 

﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ(18) ﴾

 

( سورة السجدة )

 آية:

﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾

( سورة الجاثية: من الآية 21 )

 آية:

﴿ وَمَا تَوْفِيقِي إِلا بِاللَّهِ ﴾

(سورة هود: من آية " 88 " )

 كل آية من هذه الآيات جامعةٌ مانعةٌ، كافيةٌ قاطعة، فالصادق لا يحتاج إلى مزيدٍ من التفاصيل، بل تكفيه آية، أما الذي لا يريد الحقيقة ولو حشرت له كل شيء، ولو رأى الملائكة، ولو فُتِحَت له أبواب السماء، ولو عرج في السماء، ولو عاد الموتى وكلَّموه فلا يستفيد.

 

الصادق يتمسك بالحق:

 

 لقد شبَّهت إنسانا بلا بيت، أُخرج من بيته، فزوجته عند أهلها، وهو عند أهله، وأولاده بين بَين، ومدارسهم في حي، وبيت أهل زوجته في حي، وقد مُزِّقت نفسه، وزوجته أُحبط عملها، والأولاد مشرَّدون، وهو هائمٌ على وجهه، فالتقى برجل، وقال له: أتريد بيتاً ؟ كيف حال هذا الإنسان الشارد الضائع، الهائم على وجهه ؟ يتمسَّك به، يقبِّله، ويقول: نعم أريد بيتاً.
 هذا هو الصادق في معرفة الله عزَّ وجل، الذي يريد الله عزَّ وجل فإنه يتمسَّك بأهل الحق، وبمجالس العلم، ويتمسك بالقرآن الكريم، وبهذه السُنَّة، والذي كان مضطراً للبيت، وقال له رجل كلمة واحدة: أتريد بيتاً ؟ تمسَّك به، وأكرمه، وسأله عن كل حاجاته كي يصل إلى هدفه، أما الذي لا يريد البيت فلا يصغي إليه، ولذلك قال أحدهم: لم أجد أشدَّ صمماً من الذي يريد أن لا يسمع، فهذا لو وضعت في أذنه مكبِّر صوت، وتلوت عليه الحقَّ الصُراح لا يستجيب، لأنه في وادٍ، وكلامك في وادٍ، فالقضيَّة قضية صدق، والجنَّة لمن صدق لا لمن سبق.
 ولذلك فهذا القرآن الكريم ستمائة صفحة، فيه آيات كونيَّة، وآيات تشريعيَّة، وإخباريَّة، وفيه وعد، و وعيد، وبيان الحلال والحرام، فيه مَشاهد من يوم القيامة مؤثِّرة جداً، ومشاهد من أهل الجنَّة وهم يتنعَّمون، ومشاهد من أهل النار وهم يتصايحون، فيه كل شيء هذا الكتاب، وهو بين أيدينا وميسَّر، مطبوع بطبعات عديدة، وبحجوم متفاوتة، وبمقاييس، ومطبوع طبعات موحَّدة، ومطبوع طبعات مجزَّأة، ويمكن أن تسمعه في أشرطة، وأن تسمع تفسيره، المساجد مفتوحة لكل الناس من دون قيد أو شرط، ومع ذلك أنَّى يؤفكون ؟ أنَّى ينصرفون ؟ والمؤمن هذا الكتاب بين يديه، فهنيئاً لمن عرف الله في حياته.

لابد من الإيمان في الوقت المناسب:

 مشكلتنا أيها الإخوة مشكلة وقت فقط، كل الذي لم يؤمن في حياته لابدَّ من أن يؤمن عند موته، ولكن هذا الإيمان لا ينفعه، وإيمانه جاء متأخِّراً، وجاء بعد فوات الأوان، فكل طالب قدَّم امتحان ولم ينجح، حينما يخرج من قاعة الامتحان يفتح الكتاب المقرَّر، ويقرأ الجواب الصحيح الذي كان ينبغي أن يكتبه، ولكن متى عرف الجواب ؟ بعد أن سلَّم الورقة بيضاء، وبعد فوات الأوان، فمعرفة الجواب لابدَّ منها، إما أن تعرفه قبل دخول الامتحان، وإما أن تعرفه بعد الامتحان، وبعد الامتحان لا قيمة له.
 مشكلتنا أنه لابدَّ من أن نؤمن، ولكن متى ؟ حين لا ينفع الإيمان، فالبطولة أن تؤمن الآن وأنت صحيح، ومعافى، وغني، وهذا معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك ))

[ الترمذي عن عمرو بن ميمون ]

 وهذه نصيحة مرَّةً ثانية، إخواننا الشباب إذا آمنوا في سنِّهم المبكِّرة شكَّلوا حياتهم تشكيلاً إسلامياً، فسعدوا بها إلى آخر حياتهم، سيختارون زوجة صالحة، سيؤسِّسون بيتًا إسلاميًا، سوف يختارون عملاً يرضي الله، والعمل الذي يرتزقون منه سيختارونه وفق مرضاة الله، ويسعدون بأعمالهم وأزواجهم، أما إذا عرف الإنسان ربَّه في سنٍ متأخِّرة فربما شكَّل حياته تشكيلاً غير إسلامي، بعد أن عرف الله يشقى شقاءين، يشقى على ما مضى، ويشقى وقد عرف الله وهذا حاله الذي لا يرضي الله، ولا يستطيع الفكاك منه.
 إذاً:

 

﴿تَنْزِيلٌ ﴾

 

المصيبة من رحمة الله لأنها توقظ الغافل:

 هذا الكتاب من الرحمن الرحيم، الرحمن في ذاته، الرحيم في خلقه، قد يسأل أحدكم هذا السؤال: فما بال هذه المصائب ؟ لا أستطيع أن أُفسِّر هذه المصائب التي تقع في بقاع العالم إلا على الشكل التالي: حينما صُنعت هذه السيارة إنما صُنعت لتسير، وفيها مكابح، والمكابح من شأنها أن توقفها، وكأن المكابح تتناقض مع الهدف من صنعها !! الجواب: أن المكابح ضروريَّةٌ لسلامتها.
 حينما يغفل الإنسان، حينما يحيد عن سواء السبيل، وتطغيه شهواته، ويضلُّ عقله، وتغريه الدنيا، وتخدعه الدنيا، ويركن إلى الملذَّات الرخيصة، لو أن الله تركه على حاله لمات على الكفر، ولاستحقَّ جهنَّم إلى أبد الآبدين، فرحمة الله به أن توقظه من غفلته، من سُباته، ومن انحرافه، وهذا الإيقاظ يتم عن طريق المصائب، فإما أن تأتي إلى الله عزَّ وجل مشتاقاً، وإما أن الله سبحانه وتعالى يجلبك إليه بأساليب عديدة بطريقةٍ أو بأخرى، وهذا معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( عجب ربُّكم من قومٍ يساقون إلى الجنَّة بالسلاسل ))

[ البخاري عن أبي هريرة ]

 فإما أن تأتيه طائعاً، وإن لم تأته طائعاً فربَّما جئته مكرهاً بسلاسل الامتحان، التي تحمده عليها يوم القيامة.

 

لا أيها الإنسان إنما خُلِقتَ للرحمة:

 

 وكلمة رحمن رحيم تعني أنك خُلِقت ليرحمك، وتوجد آية تؤكِّد هذه الآية:

﴿ إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾

( سورة هود: من الآية 119 )

 خلقهم ليرحمهم، وخلقهم ليسعدهم، وخلقهم ليعطيهم..

 

(( يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَسَأَلُونِي، فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ، يَا عِبَادِي، إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلا نَفْسَهُ))

 

[ من صحيح مسلم عن أبي ذر ]

 كلامٌ دقيقٌ واضح.
 وكنت أقول أيها الإخوة دائماً، إن الإنسان إذا أفرط في حب ذاته عليه أن يطيع الله، ولأنك لن تنجو من عذاب الله إلا بطاعته، ولن تنجو من عذاب الدنيا وعذاب الآخرة إلا بالاستقامة على أمره، لن تنجو من المفاجآت غير المتوقَّعة إلا أن تكون معه، فإن كنت معه كان معك، والنبي عليه الصلاة والسلام كان يدعو ويقول:

 

(( اللهم إني أعوذ بك من تحول عافيتك، وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك ))

 

[ مسلم عن ابن عمر ]

 وقد تجد الأمور تدهورت، وتفجَّرت، ويفقد الإنسان عمله أحياناً، يصاب بجسده، ويصاب ببيته أحياناً، فيستعيذ النبي عليه الصلاة والسلام من فجأة نقمته، ومن تحوِّل عافيته، ومن جميع سخطه، فحتى ننجوَ من عذاب الله لابدَّ من طاعته، وهذا معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام في بعض أدعيته:

 

((لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك ))

 

[ متفق عليه عن البراء ]

 والصلحة بلمحة، والدنيا ساعة فاجعلها طاعة، والنفس طمَّاعة عوِّدها القناعة، والعودة إلى الله عزَّ وجل مسعدةٌ جداً، ولا يعرف طعم التوبة إلى الله إلا من تاب إليه، ولا يعرف طعم الإقبال عليه إلا من أقبل عليه، لا يعرف طعم السكينة إلا من خضع لأمره، واصطلح معه، وملأ قلبه حباً له.

 

نِعَم اللهِ لا تُعدّ ولاتُحصَى:

 

 وكلمة الرحيم تعني أن أفعاله كلها رحيمة، بدءاً من الظواهر الماديَّة، فهذا الهواء الذي نتنفسه متوازن، فأنت تطرح غاز الفحم، والنبات يأخذه غاز الفحم، ويطرح لك الأوكسجين، فهذا الهواء المتوازن، هذه من نعم الله العظمى، ولو قلَّ الأوكسجين لضاق نفَس الإنسان، ففي الطائرات يضعون لك كمَّامة تضُخ غاز الأوكسجين، حتى إذا ضاق تنفُّسك تستعمل هذه الكمامة، معنى هذا أن تشعر بالراحة في أثناء التنفس، هذه من نِعم الله العظمى، أن تجد أمامك الماء العذب الفرات الزلال، هذه نعمةٌ ثانية، وأن تجد طعامك وشرابك، أن تأوي إلى بيتك، وأن تلتقي بأهلك، وأن تجد أولادك بينك يمرحون، هذه كلُّها نعمٌ أساسها العطاء.
 و لدى المؤمن نعم الدنيا متصلةٌ بنعم الآخرة، فإن صحَّ التعبير خطه البياني صاعداً صعوداً مستمرًّا ثابتاً، وما الموت إلا نقطةٌ على هذا الخط الذي في صعود مستمر، فأيّ نعيم الدنيا متصلٌ بنعيم الآخرة، وهذا إذا استقام على أمر الله، ولقول الله عزَّ وجل:

﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ(46) ﴾

( سورة الرحمن )

الرحمة أحياناً تقتضي التضييق والشدَّة:

 ولكن الرحمن رحيمٌ في ذاته، وفعله مؤدَّاه الرحمة، لكن قد يكون في ظاهره قسوة، فالطبيب الأب إن رأى في صحة ابنه خللاً ألا يمنعه من بعض الطعام ؟ إن استوجب عمليَّةً جراحيَّةً، وكان جرَّاحاً ألا يُمْسك المبضع بيده ويفتح بطنه ؟ ولذلك لا يمكن أن تفسَّر الأفعال التي يفعلها الله عزَّ وجل إلا بهذا الاسم الرحمن الرحيم، رحمنٌ في ذاته رحيمٌ بخلقه، لكن الرحمة أحياناً تقتضي التضييق والشدَّة.. "، وأوحى ربُّك إلى الدنيا أن تكدَّري، وتمرَّري، وتضيَّقي، وتشدَّدي على أوليائي حتى يحبوا لقائي ".
 وأحياناً سر نجاحك ضيقٌ أصابك، سر توبتك إلى الله شدةٌ تبعتك، يقولون: ما من شِدَّةٍ إلا بعدها شَدَّة إلى الله، وما من مِحْنَةٍ إلا بعدها مِنْحَة من الله عزَّ وجل، فالشر المطلق لا وجود له في الكون، الشر المطلق يعني الشر المطلوب لذاته، وهذا لا وجود له في الكون إطلاقاً، لكن كل الشر الذي يبدو لنا فهو شرٌ هادف، هدفه إصلاح النفس، وحملها على طاعة الله عزَّ وجل.

أوامر الله ونواهيه في القرآن من رحمته بالناس:

 إذاً: هذا الكتاب إذا قرأناه رحمنا الله به، وإذا قرأناه وتدبَّرنا آياته فالله سبحانه وتعالى يسعدنا به..

 

(( وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ الْملائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ ))

 

( من صحيح مسلم عن أبي هريرة )

 لأنها كلها مبادئ، تجد المسلم لا يعرف هذه النعم لأنها متوافرة، وحركته وفق منهج، وهذا حرام، وهذا حلال، وهذا يجوز، وهذا لا يجوز، فقراءة القرآن يجد فيه أمر الله له بغض البصر هذا يجعله عفيفاً، هذا يمنعه من منزلقات خطيرة، وأمر الله له بعدم أكل أموال الناس بالباطل، ليست هذه الأوامر قيداً تقيِّد حرية الإنسان، بل هي ضمان لسلامته، وهناك رأي دقيق جداً: أنه لو كان ألف مليون مسلم، إذا أمرك الله عزَّ وجل أن لا تأكل أموال الناس بالباطل، أمرك أنت، وأنت واحد، لكنَّه أمر ألف مليون مسلم أن لا يأكلوا مالك بالباطل، فهذا الأمر لصالحك، إذا أمرك أن تغضَّ البصر عن امرأةٍ لا تحل لك، فقد أمر كل المؤمنين أن يغضوا بصرهم عن زوجتك.
 فالإنسان حينما يقرأ القرآن، وحينما يستوعب أوامره ونواهيه، وحينما ينطلق إلى تطبيقه يشعر بعزِّ الطاعة، ويشعر بسعادة ما بعدها سعادة، حياته نظيفة بالمعنى الدقيق، وليس عنده باطن وظاهر، فباطنه كظاهره، وظاهره كباطنه، واضحاً وضوح الشمس، فهذا من نِعَم الله في القرآن، لذلك والشيء الآخر:

 

(( من تعلَّم القرآن متَّعه الله بعقله حتَّى يموت ))

 وما من مرحلة صعبة في الحياة كمرحلة أرذل العمر، قال تعالى:

 

﴿ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا ﴾

( سورة النحل: من الآية 70 )

 فهذه المرحلة صعبة جداً، وإذا تعلَّم الإنسان القرآن متَّعه الله بعقله حتى يموت، فقارئ القرآن مضمونٌ له أن لا يخرف أبداً، وأن يعيش مستمتعاً بعقله طول حياته إلى أن ينتهي أجله.
 أيها الإخوة الكرام... هذه الآية:

أفعال الله متعلقة بالحكمة المطلقة:

 لا تبقي في النفس مرضاً، ولا تبقي في النفس يأساً، ولا ضيقاً من الرحمن الرحيم، فليس في الإمكان أبدع مما كان، " ليس في إمكاني أبدع مما أعطاني "، هذا قول الإمام الغزالي، أي كل شيءٍ وقع ما دام رحمنٌ رحيم، والفعل بيده لا بيد غيره، فإن كان من غيره كان هذا ليس فعله، ولكن ما دامت كل الأفعال له، وكل شيءٍ وقع إذاً أراده الله، أو أن كل شيءٍ أراده الله وقع، فمادام وقع أراده الله، معنى الإرادة هنا أنه سمح بوقوعه..

﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾

( سورة التغابن: من الآية 11 )

 وما دام وقع فقد أراده الله، فإرادة الله متعلِّقةٌ بالحكمة المطلقة، معنى الحكمة أن هذا الشيء الذي وقع لو لم يقع لكان عدم وقوعه نقصاً في حكمة الله، إذاً كل شيءٍ وقع أراده الله، وكل شيء أراده الله وقع، وإرادة الله متعلِّقةٌ بالحكمة المطلقة.
 والإنسان أحياناً يفعل شيئاً ليس حكيماً، يقول لك: انضغطت، لم أستطع أو أغريت، إما بدافع الإغراء أو بدافع الضغط يرتكب عملاً غير حكيم، ويفعل عملاً غير حكيم، أو بدافع الجهل، إما أنه يجهل، أو ضُغِطَ عليه، أو أغري بشيء، فكان فعله غير حكيم، الأشياء الثلاثة الله جلَّ جلاله منزَّهٌ عنها، إذاً أفعاله متعلِّقةٌ بالحكمة المطلقة، وحكمته متعلِّقةٌ بالخير المطلق، وليس النسبي.
 معنى المُطلق أن الخير المطلق ينتهي إلى الخير، فقد يَضُيِّق الأب على ابنه، بعد حين صار شخصيَّةً لامعة في المجتمع، فهذا النجاح الذي حقَّقه الابن ما كان له أن يكون لولا ضغط أبيه عليه، في أثناء الضغط والضغط مزعج، وقد لا يبدو للابن أن هذا الضغط لصالحه، لكن بعد أن يصل به هذا الضغط إلى مكانةٍ رفيعةٍ في المجتمع يحمد أباه على ذلك، فلذلك هناك آية قرآنيَّة دقيقة، يقول الله عز وجل يصف أهل الجنَّة:

﴿ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنْ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ ﴾

( سورة الزمر: من الآية 74 )

 أي نحن في الجنَّة ننعُم بها، ولولا أننا كنا في الأرض، وقد عرفنا الله في الأرض، واستقمنا على أمره في الأرض، وفعلنا الخيرات لما وصلنا إلى الجنَّة، فحينما يصل الإنسان إلى الدار الآخرة يُلَخِّص معاملة الله له في الدنيا كلِّها بكلمةٍ واحدة هي: الحمد لله رب العالمين..

﴿ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنْ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾

( سورة يونس )

كيف لو كشِف لك الغطاء عن حقيقة المصيبة ؟!

 وكنت أقول لأحد إخواننا الكرام وهو في محنة: والله الذي لا إله إلا هو لو كُشِف لك الغطاء يوم القيامة عن حكمة هذه المصيبة لذُبت كما تذوب الشمعة حباً بالله عزَّ وجل، وهذا والله إيماني، ما من شيءٍ يقع مكروه لو كشف الله لك الحكمة لذابت نفسك حباً لله عزَّ وجل، فكلَّما ارتقى إيمان الإنسان يشكر الله عزَّ وجل على كل شيء، وتجده مستسلمًا، راضٍيًا..

فليتك تحلو و الحياة مـريرةٌ  وليتك ترضى والأنام غِضابُ
وليت الذي بيني وبينك عامرٌ  و بيني وبين العالمين خرابُ
إذا صحَّ منك الوصل فالكل هيِّنٌ
***

 والإنسان قد يفلِّس، يحترق محله كله، إذا احترق محله وأفلس وحمله هذا على الصلاة، فالمصيبة موفية معه، وقد يصاب بمصيبة كبيرة جداً، وأنا أعرف رجلا شاردا على الله شرود البعير، بعيدًا عن الدين، مستهترًا، كثير السخرية بالأفكار الدينيَّة، فوجئت أنه يلتزم التزامًا تامًا في بعض المساجد، فلمَّا استوضحت الحقيقة منه قال لي: لي ابنةٌ هي أغلى عليَّ من نفسي، أُصيبت بمرضٍ عضال، وبذلت من أجلها كل شيء حتى بعت بيتي، وخطر لي مرَّةً لعلّي إذا تُبت إلى الله أنا وزوجتي لعلَّ الله أن يشفيها من هذا المرض العُضال.
 ومن هنا انطلق، فتاب إلى الله، وبدأ يصلي، وحجَّب امرأته، وسبحان الله ربنا عزَّ وجل استجاب له، وأزاح عن ابنته الحبيبة إلى قلبه هذا المرض العضال، فبعد أن امتد به العمر، والتزم المساجد، وأقبل على الله، وصار من أهل الإيمان، التقيت به مرَّةً وقلت له: ألا تذكر حينما جاءت هذه المصيبة وكانت مؤلمةً جداً، انظر إلى أثر هذه المصيبة ؟ ردَّتك إلى الله أنت وزوجتك.
 وهكذا يفعل الله عزَّ وجل، يسوق الشِدَّة كي يشُدُّك إليه، ويسوق المِحنة كي يمنحك الهدى، فالإنسان المؤمن مستسلم، هو عليه أن يطيع الله عزَّ وجل، لكن أي شيءٍ يأتيه فهو رحمة، لأن الله عزَّ وجل رحمن رحيم..

﴿ تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾

خاتمة:

 إذا قرأت القرآن فهو من عند الرحمن الرحيم، فبعض الأشخاص يتوهَّمون أن الدين قيود، لا يا أخي، الدين حدود وليس قيودا، حدودٌ لسلامتك، فيمكن لإنسان أن يرى في حقلٍ لوحة مكتوبًا عليها: احذر حقل ألغام، فهل من الممكن لإنسان أن يعدَّ هذه اللوحة تقييداً لحريَّته ؟ لكنَّه يشكر من أعماق قلبه من وضعها في هذا المكان لأنها ضمانٌ لسلامته، وحين يضعون على التوتر الكهربائي العالي خطر الموت، ويرسمون جمجمة وعظمتين، فهل هذا قيد لحريَّتك أم هو ضمانٌ لسلامتك ؟ هكذا حينما تفهم الدين أنه أوامر ونواه تضمن لك سعادتك في الدنيا والآخرة، فهذا الفهم هو الصحيح، أما إذا فهمت الدين أنه ثقيل، وأنه كلَّه قيود، فيا أخي الإنسان يتقيَّد بالدين، ولا يرتاح من دون، فله بالدين حرية حركة، فماذا قال الله عزَّ وجل ؟ قال:

﴿ أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ ﴾

( سورة البقرة: من الآية 5)

 كلمة على تفيد الاستعلاء، أي وأنت مقيَّد بكل أوامر الدين فالدين يرفعك إلى أعلى عليين، والكفَّار قال:

﴿ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ(3) ﴾

( سورة إبراهيم )

 في تفيد الدخول شيئا بشيء، وأنت فيما يبدو لك وللناس حر الحركة، في النهاية مقيَّدٌ بالذنوب والآثام التي ارتكبتها..

﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ(38)إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ(39) ﴾

( سورة المدثر )

 هم طُلَقَاء، فالذي يبدو لك أنه قيد هو سبب حريَّتك، والذي يبدو لك أنه يعطيك الحريَّة هو سبب القيود التي تفرَض عليك، وهذه من عظمة الدين، فكلمة الرحمن الرحيم تعني أن الله خلقنا ليرحمنا، خلقنا ليسعدنا، و يهدينا، فإذا صار فيه تلكُّؤ فتأتي الشدائد.
 مرَّة قال لي أخ كريم: هذه الدروس ما مضمونها ؟ فقلت له: كلمتان، إما أن تأتيه ركضًا أو أن يأتي بك ركضًا، اختر واحدة منهم ؟ إما أن تأتيه مسرعاً مشتاقاً، أو أن الله سبحانه وتعالى يعرف كيف يحملك على أن تأتي إليه، وعلى أن تسرع إليه، فالبطولة أن تأتيه من تلقاء ذاتك، وأنت صحيحٌ شحيح، وأنت في أوج حياتك ونجاحك، وغناك وصحَّتك وقوَّتك أن تأتي إلى بيوت الله، وأن تفهم كلام الله، وأن تفهم سُنَّة رسول الله، وأن تلتزم بالأمر والنهي حتى يرحمك الله، وحتى يتحقَّق فيك اسم الله عزَّ وجل الرحمن الرحيم، وتشعر برحمة الله، هذه الرحمة قريبة من المحسنين.
 إن شاء الله في درس قادم نتابع معنى قوله تعالى:

﴿ كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ﴾

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018