الخطبة : 0961 - مولد النبي عليه الصلاة والسلام2 - إسلام داود موسى بيتكوك - اِقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0961 - مولد النبي عليه الصلاة والسلام2 - إسلام داود موسى بيتكوك - اِقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ


2005-04-29

 الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده، ونستعين به، ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله، سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

ميزات السيرة النبوية:

 أيها الإخوة الكرام، لازلنا في ذكرى مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والحقيقة أن الناس الآن كفروا بالكلمة، لماذا؟ مع أن الأنبياء جاءوا بالكلمة، جاءوا بكلمة طيبة قلبت وجه المجتمعات، لكن الناس اليوم كفروا بالكلمة، لماذا؟
لأنه رافق الكلمة ممارسات تتناقض معها، ولا سبيل إلى تعزيز قيمة الكلمة كأن ترافقها ممارسات تتوافق معها، من هنا ما كانت سيرة النبي عليه الصلاة والسلام مثالية حالمة، وليست واقعية فحسب، بل هي واقعية مثالية.

 

1) مثالية وواقعية في آن واحد:

 تتميز السيرة أيها الإخوة الكرام بأنها حقيقة مع البرهان عليها، حقيقة مطبقة.
 قد تقرأ كلاماً رائعاً، لكنه مثالي، لا يطبق.
 وقد تعاين واقعاً مريراً لا يحتمل.
 أما أن تجد مثالية واقعية، مثالية مطبقة فصعبٌ.
 ولولا أن النبي عليه الصلاة والسلام بشر تجري عليه كل خصائص البشر لما كان سيّدَ البشر.
 لذلك تتميز السيرة من بين جوانب العلوم الإسلامية بأنها واقع مثالي، أو بأنها مثالية واقعية.
 وحينما نقرأ سيرة النبي عليه الصلاة والسلام تعزز هذه السيرة مبادئ هذا الدين وقيمه في نفوسنا.

تعلّم السيرة فرض عين:

 أيها الإخوة الكرام، قد يخطر على بالكم، وقد لا يخطر، أن تعلّمَ سيرة النبي عليه الصلاة والسلام فرضُ عين على كل مسلم، وحسب القاعدة القائلة:
 (إن كنت ناقلاً فالصحة، أو مدّعياً فالدليل) فما هو الدليل على ما ادعيت؟
 الدليل: أن هناك قاعدة أصولية تقول: (ما لا يتم الفرض إلا به فهو فرض)
 أرأيت إلى الوضوء؟ لا تتم الصلاة إلا به، فلأن الصلاة فرض، والصلاة لا تتم إلا بالوضوء، فهو فرض مثل الصلاة.
 الآن: حينما يقول الله عز وجل:

﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً ﴾

(سورة الأحزاب: الآية 21)

 بربكم كيف يكون النبي عليه الصلاة والسلام أسوة لنا إن لم نعرف دقائق حياته؟ إن لم نعرف سيرته؟
 إن لم نعرف تفاصيل حياته في بيته، ومع أهله، ومع أولاده، ومع جيرانه، ومع أصحابه، في السلم، وفي الحرب، وفي المنشط، وفي المكره، في الصحة، وفي المرض؟
 شيء آخر، لأن النبي عليه الصلاة والسلام أراده الله قدوة لنا، فقد جمع فيه الكمال البشري، ومن الكمال أنه أذاقه كل شيء مما ينتج الكمالات، حتى الفقر، فهو قدوة للفقراء:

 فعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال لي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ذاتَ يوم:

(( يا عائشةُ، هل عِنْدَكم شيء؟ قالتْ: فقلتُ: يا رسولَ الله، ما عندنا شيء، قال: فإني صائم ))

[ من حديث صحيح، أخرجه مسلم ]

 وأذاقه الله الغنى:

 

(( ولقد جاءه رجل فأعطاه غَنماً بين جبَلين، فرجع إلى قومه فقال: يا قوم أسلِمُوا، فإن محمداً يعطي عطاءَ من لا يخشى الفقر ))

 

[ من حديث صحيح، أخرجه مسلم ]

 أذاقه أن يقتلَعَ من جذوره، وأن يقيم في المدينة، أي أذاقه الهجرة، وفراق الوطن.
 أذاقه أن يقول الناس عن امرأته في أثمن ما تملكه المرأة، في عفتها وشرفها فصبر.
 أذاقه الله موت الولد.
 لو تتبعت تفاصيل حياته فإنه ذاق كل شيء من الصعاب.

 فعن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( لقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد، ولقد أخفت في الله وما يخاف أحد، ولقد أتت علي ثلاث من بين يوم وليلة ومالي طعام إلا ما واراه إبط بلال ))

[ حديث صحيح، أخرجه الترمذي ]

 مرة ثانية، لولا أنه بشر تجري عليه كل خصائص البشر، وقد انتصر على بشريته لما كان سيد البشر.

النبوة أسمى صفة ينالها بشر:

 أيها الإخوة الكرام، النبي عليه الصلاة والسلام يُطرَح في العالم الغربي على أنه عبقري، وعلى أنه مصلح كبير، وعلى أنه... ووُضِع على رأس المئة الأوائل من حيث عمق تأثيره، واتساع أمد تأثيره، وامتداد رقعة تأثيره.
 والحقيقة أن النبي عليه الصلاة والسلام هو نبي يوحى إليه، هذه صفته في الإسلام، نبي يوحى إليه.
 أحد العلمانيين زار كلية الشريعة في بعض البلاد الإسلامية، وأراد أن ينال من هذه الكلية، قال: لماذا تمنحون درجة الماجستير، إن نبيكم كان أمّيّاً!
 فأجابه عميد الكلية: ولكنه يوحى إليه، وحينما يوحى إلينا نستغني عن كل هذه الجامعة.
 أيها الإخوة الأحباب، سيرة النبي واقعية مثالية، أو مثالية واقعية، أو حقيقة مع البرهان عليها، وهي أيضاً:

 

2) التطبيق العملي للقرآن:

 لماذا تحتل السيرة النبوية شأناً كبيراً من بين العلوم الإسلامية؟
 لأنها المذكرة التفسيرية للقرآن الكريم، أو هي التطبيق العملي للقرآن الكريم.
 والمقولة التي أرددها كثيراً: الكون قرآن صامت، والقرآن كون ناطق، والنبي عليه الصلاة والسلام قرآن يمشي.
 هي التطبيق العملي للقرآن الكريم، منطلقين من حقيقة مسلّم بها، هي أن النبي عليه الصلاة والسلام هو أول وأعظم من فهِمَ القرآن الكريم، فهو مبلّغ الرسالة عن ربه عز وجل، وهو أعظم من فسَّر القرآن الكريم، فسَّر هذا الكتاب الخالد بالعمل، كما أنه صلى الله عليه وسلم قدّم هذا التفسير بأقوال منطوقة هي الأحاديث الشريفة، وبمواقف، وأنماط من السلوك رآها أصحابه رأي العين.
 أيها الإخوة الكرام، حينما سئلت السيدة عائشة رضي الله عنها عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت:

 

(( فإن خُلُقَ نبيِّ الله صلى الله عليه وسلم كان القرآنَ ))

[ من حديث صحيح، أخرجه مسلم ]

 أيها الإخوة الأحباب، هناك حقيقة دقيقة، هي أن الأحداث التي عاشها النبي عليه الصلاة والسلام كانت مقصودة لذاتها، لأنه فرق كبير بين أن نلقي حكماً نظرياً وبين أن نعاني مشكلة، ثم يأتي الحل:
 أنت حينما تعاني مشكلة في حياتك، ثم تجد حلَّها لا تنسى هذا الحل مدى العمر، لكن لو ألقيَتْ عليك مئاتُ الحقائق إلقاءً نظرياً، فإنك في الأعم الأغلب تـنساها جميعاً.
 لذلك أراد الله عز وجل أن يكون نزول القرآن منجَّماً وفق أحداث أرادها الله، لتكون مرتكزاً لكل آية قرآنية تعد شفاءً وبلسماً للمؤمنين.
 مثال على ذلك:

قصة عمير والجلاس:

 غلام صغير اسمه عمير بن سعد الأنصاري، تجرَّع كأس اليتم والفاقة منذ نعومة أظفاره، وتزوجت أمه من ثري من أثرياء الأوس يدعى الجلاس بن سويد، أحبّ عميرٌ عمه زوجَ أمه حبَّ الابن لأبيه، وأولع الجلاس بعميرٍ ولع الوالد بولده، وكان عمير لا يتخلف عن صلاة خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم.
 وفي السنة التاسعة للهجرة أعلن النبي عليه الصلاة والسلام عن عزمه على غزو الروم في تبوك، وأمر المسلمين أن يستعدوا، ورأى عميرٌ كيف أن المسلمين يبذلون كل ما في وسعهم لتجهيز هذا الجيش الغازي..
 فهذا عثمان بن عفان رضي الله عنه يأتي بألف دينار ذهباً يضعها بين يدي النبي عليه الصلاة والسلام..
 وهذا عبد الرحمن بن عوف يحمل مئتي أوقية من الذهب يضعها بين يدي النبي عليه الصلاة والسلام..
 وهؤلاء نساء المهاجرين والأنصار ينزعن حليهن ليقدمنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم..
 وهذا رجل يعرض فراشه للبيع ليشتري بثمنه سيفاً ليقاتل به..
 وهؤلاء النفر الذين سألوا النبي عليه الصلاة والسلام أن يضمهم إلى الجيش فردّهم لأنه لا يجد ما يحملهم عليه، فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً لأنهم لا يجدون ما ينفقون.
 وعجب عمير الفتى الأنصاري من تباطؤ عمه الجلاس، وهو الغني عن البذل لهذا الجيش، وعرض عليه هذه الصور المشرقة من بذل الصحابة الأغنياء والفقراء على حد سواء، فما كان من الجلاس إلا أن قال: "يا عمير، إن كان محمد صادقاً فيما يدعيه من النبوة فنحن شرّ من الحُمُرِ"
 صعق عمير، وشرق مما سمع، ورأى أن في السكوت على الجلاس والتستر عليه خيانة لله ولرسوله، وأن في إذاعة ما سمعه عقوقاً بالرجل، فقال: والله يا عم، ما كان على ظهر الأرض أحد بعد محمد بن عبد الله أحب إلي منك، ولقد قلت مقالة إن ذكرتها فضحتك، وإلا خنت أمانتي، وأهلكت نفسي، وقد عزمت أن أمضي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن أخبره بما قلت قبل أن ينزل وحي يشركني في إثمك، فكن على بينة من أمرك.
 ومضى الفتى إلى النبي عليه الصلاة والسلام في المسجد، وأخبر النبي بما سمع، واستدعى النبي عليه الصلاة والسلام الجلاس..
 كان محسوباً على أصحاب رسول الله، وهو من الأثرياء، وسأله عن مقالته لعمير فقال: "كذب عليَّ يا رسول، وافترى، فما تفوهت بشيء من ذلك".
 فقال بعض الحاضرين: فتىً عاق، أبى إلا أن يسيء لمن أحسن إليه.
 وقال آخرون: بل إنه غلام نشأ في طاعة الله.
 والتفت النبي عليه الصلاة والسلام إلى عمير، فرأى وجهه قد احتقن بالدم، والدموع تنحدر من عينيه، وهو يقول: اللهم أنزل على نبيك بيان ما تكلمت به، فانبرى الجلاس، وقال: يا رسول الله، إنني أحلف بالله ما قلت شيئاً مما نقله إليك عمير.
 ثم غشيت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم السكينة، فعرف أصحابه أنه الوحي، فلزموا أماكنهم حتى سرّي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما سرّي عنه تلا قوله تعالى:

﴿ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ ﴾

(سورة التوبة: الآية 74)

 ثم تأتي الآية فتقول:

 

﴿ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ ﴾

 

(سورة التوبة: الآية 74)

 ارتعد الجلاس من هول ما سمع، ثم التفت إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: بل أتوب يا رسول الله، صدق عمير، وكنت من الكاذبين، اسأل الله أن يقبل توبتي، جعلت فداك يا رسول الله.
 ثم توجه النبي الكريم إلى عمير بن سعد، فإذا دموع الفرح تبلل وجهه المشرق، فمدّ يده الشريفة إلى أذنه فأمسكها برفق، وقال: (وفّت أذنك يا غلام ما سمعت، وصدّقك ربك من فوق سبع سماوات) وعاد الجلاس إلى حظيرة الإسلام.
 لكن الشيء الغريب أن الصحابة الكرام عرفوا صلاح حاله مما كان يغدقه على عمير من برٍّ، وكان يقول كلما ذكر عميرًا: جزاه الله عني خيراً، لقد أنقذني من الكفر، وأعتق رقبتي من النار.
 أحياناً القرآن الكريم يفهم بأسباب نزوله، ما معنى هذه الآية؟

﴿ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ ﴾

(سورة التوبة: الآية 74)

 هذه القصة تفسرها.
 إذاً نحن حينما نقف عند دقائق السيرة، ودقائق الأحداث التي عاشها النبي عليه الصلاة والسلام، ونربطها بالقرآن الكريم يكون فهْمُنا لهذا الكتاب أعمق بكثير.
 أيها الإخوة الأحباب، والسيرة النبوية أيضاً:

3) ضابطة لفهم نصوص القرآن:

 قال بعض العلماء: إنك إن قرأت سيرة النبي عليه الصلاة والسلام ففي قراءتها ضمان لعدم الغلو أو التعسف في فهم النصوص.
 النبي عليه الصلاة والسلام له أقوال، وله مواقف وسلوك.
 قال بعض العلماء: إن سلوك النبي، صلى الله عليه وسلم، أي إنّ سيرة النبي، صلى الله عليه وسلم، أصدق في الدلالة على فهمه لكتاب الله من أقواله.
 إن أقواله قد تؤوَّل، وقد تفهم فهماً ما أراده النبي، صلى الله عليه وسلم، لكن سيرته حدية في دلالتها، لذلك أحياناً يقول النبي، صلى الله عليه وسلم، قولاً، ويفعل فعلاً، فيأتي فعل النبي، صلى الله عليه وسلم، محدداً لمعنى قوله.
 إذاً تفقّه المسلم للسيرة يجعله ينضبط من أن يغلو في فهم النص.
 مثلاً بعضهم قرأ هذا الحديث:
 عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه، أنه خطب امرأة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:

(( انظُرْ إِليها، فإنه أَحْرَى أن يُؤْدَمَ بينكما ))

[ حديث صحيح، أخرجه الترمذي ]

 فقال: المُطْلَق على إطلاقه، فللشاب أن يرى خطيبته كما خلقها الله، فهذا فهم لغوي للكلمة، لكن كيف فعل النبي صلى الله عليه وسلم؟ كيف خطب أصحابه الفتيات؟ ماذا رأوا من مخطوباتهم؟
 السلوك يحدد معنى النص، ويجعله في الموقف المعتدل بين الغلو وسوء الفهم.
 أيها الإخوة، كما أن النبي عليه الصلاة والسلام علّم أصحابه بلسانه أيضاً علّمهم بأفعاله أيضاً:
 فعن جابر بن عبد اللَّه رضي اللَّه عنهما، قال: رأيتُ رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم يَرمي على راحلته يومَ النَّحرِ، وهو يقول:

(( خُذُوا عَني مَناسِكَكُمْ..))

[ من حديث صحيح، أخرجه مسلم ]

 علّمهم كيف يصلّون من صلاته، علّمهم مناسك الحج من حجّه، علّمهم مناسك العمرة من عمرته، إذاً أقواله وأفعاله وإقراره في مجموعها سنة.
 أيها الإخوة الأحباب، والسيرة النبوية هي:

4) الوسيلة إلى محبة الرسول عليه الصلاة والسلام:

 حينما يأمر الله عز وجل أن نحبَّ رسولَه صلى الله عليه وسلم، حينما يجعل محبة النبي، صلى الله عليه وسلم جزءاً من الدين:
 عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

(( لا يُؤمن أحدُكم حتَّى أكونَ أحبَّ إليه مِنْ والده وولدِهِ والنَّاس أجمعين ))

[ حديث صحيح، أخرجه البخاري ومسلم ]

 فكيف نحبه، عليه الصلاة والسلام؟
 الحقيقة أنّ المحبة ليست عملاً إرادياً، أنت بإمكانك أن تقوم، وتتوضأ، وتصلي، فهذا عمل إرادي، أما أن تحبَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بعمل إرادي فمستحيل.
 لذلك طريق محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن تقرأ سيرته لترى رحمته، ترى حلمه، ترى لطفه، ترى وفاءه، ترى تواضعه، ترى محبته لأصحابه، ترى غيرته على هذا الدين، فلذلك النبي عليه الصلاة والسلام حينما قال:

(( لا يُؤمن أحدُكم حتَّى أكونَ أحبَّ إليه مِنْ والده وولدِهِ والنَّاس أجمعين ))

[ حديث صحيح، أخرجه البخاري ومسلم ]

 طريق محبة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن تقرأ سيرة رسول الله.
 لذلك حبذا أن يكون في كل بيت كتاب سيرة، يجلس الأب مع أولاده من حين لآخر ليطلعهم على هذا النبي العظيم، بدل أن يكون أولاده متعلقين بالممثلات والممثلين، هؤلاء الذين يدعون إلى المنكر، وإلى المعصية، وإلى الدنيا.
 أيها الإخوة الأحباب، وما لم تتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تؤكد حبك لله، لأن الله لن يقبل دعوى محبته إلا بالدليل، قال تعالى:

﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ﴾

(سورة آل عمران: الآية 31)

 إذاً النبي صلى الله عليه وسلم، أسوة حسنة لنا.
 أيها الإخوة الكرام، والسيرة تمتاز بأنها:

 

5) أسلوب قصصي محبب إلى النفس:

 القرآن الكريم حدثنا عن الأنبياء والمرسلين، وعن قصصهم، فمن باب أولى أن نتبع نحن هذا المنهج، لذلك قال تعالى:

 

 

﴿ وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ﴾

(سورة هود: الآية 120)

 فإذا كان قلب سيد الأنبياء والمرسلين يزداد ثبوتاً بسماع قصة نبي دونه فلأن يقوى إيماننا بسماع قصة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، نحن المؤمنين المقصرين فمن باب أولى.
 لذلك كلمة الإسلام: لا إله إلا الله، التوحيد، محمد رسول الله، الرسالة، فمعرفة السطر الثاني من كلمة الإسلام جزء من الدين.
 أيها الإخوة الأحباب، لو أن طفلاً حضر خطبة الجمعة، وسأله أبوه بعد حين: ماذا فهمت من هذه الخطبة؟ فلن يذكر إلا القصة، لأن القصة أقرب أسلوب تعبيري للنفس.
 القصة تحفظ، ولا تنسى، لأنها تصف إنساناً بحركته ومواقفه وحواره.
 في القصة بداية وعقدة ونهاية، فالإنسان متعلق بالقصة تعلقًا شديدًا.
 والقصة من ميزاتها أنها حقيقة مع البرهان عليها، فإن أردت أن تعرض الإسلام على إنسان جاهل به، فالقصة أروع أسلوب تعبيري في عرض الإسلام.
 وقد درسنا في الجامعة، أن أرقى طريقة في تعبير اللغة أن تأتي بقصة رائعة مشوقة محبوكة حبكاً جيداً، وأن تقف عند كلماتها، فتعلّم الإملاء والمفردات والصرف والنحو والبلاغة من خلال هذه القصة.
 أنت يمكن إذا علمت أولادك السيرة أن تعلمهم أحكاماً شرعية لا تنتهي:
 مثلاً النبي عليه الصلاة والسلام لماذا سافر إلى المدينة متخفياً؟.
 وسار مساحلاً، واختبأ في غار ثور؟.
 وهيّأ من يمحو الآثار، ومن يأتيه بالأخبار، ومن يأتيه بالزاد؟.
 واستأجر دليلاً رجح فيه الخبرة على الولاء، فلم يكن مسلماً؟، لماذا فعل هذا كله؟
 بينما عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، يبدو لمن هو ذو نظر قصير أنه شجاع جداً، تحدى المشركين، وخرج علانيةً.
 الجواب: لو سلك النبي، صلى الله عليه وسلم، سلوك عمر لعدَّ اقتحام الأخطار واجباً، ولعدَّ أخذ الحيطة حراماً، ولهلكت أمته من بعده.
 نحن نستنبط من سيرة النبي عليه الصلاة والسلام أحكاماً شرعية، وفقهاً قائماً بذاته، وأنا أقول: والله أيها الإخوة لو لم يكن هناك كتاب وسنة، ودرسنا سيرة النبي دراسة دقيقة لكانت سيرته كتاباً وسنة، إنه قرآن يمشي على الأرض.
 لذلك أروع أسلوب تعبيري تقدم فيه الإسلام هو أن تقرأ سيرة سيد الأنام، وأن تعرضها على الناس عرضاً مشوقاً، فإحدى وسائل الدعوة الكبرى إلى الله هي القصة، والسيرة من أروع القصص.

مثال من قصص السيرة:

 أيها الإخوة الأحباب، ورد في الأثر، أن سفانة بنت حاتم طي، وقعت أسيرة في جيش المسلمين، فلما عرض الأسرى على النبي عليه الصلاة والسلام عقب بعض الغزوات وقفت امرأة أسيرة فقالت:
 يا رسول الله، هلك الوالد، وغاب الوافد، فامنن علي منّ الله عليك، وخلِّ عني، ولا تشمت بي أحياء العرب، فإن أبي كان سيد قومه، يفك العاني، ويعفو عن الجاني، ويحفظ الجار، ويحمي الذمار، ويفرج عن المكروب، ويطعم الطعام، ويفشي السلام، ويحمل الكَلّ ويعين على نوائب الدهر، وما أتاه أحد في حاجة فرده خائباً، أنا بنت حاتم طي، فقال عليه الصلاة والسلام:
 (يا جارية هذه صفات المؤمنين حقاً)، ثم قال: (خلّوا عنها، فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق)، وقال: (ارحموا عزيز قوم ذل، وغنيًّا افتقر، وعالمًا ضاع بين الجهال).
 فاستأذنته بالدعاء، وقالت: أصاب الله ببرك مواقع، ولا جعل لك إلى لئيم حاجة، ولا سلب نعمة عن كريم قوم إلا جعلك سبباً في ردها، ورجعت إلى أهلها، وقالت لأخيها عدي الذي هرب من جيش المسلمين، ونسي أخته، قالت: ائتِ هذا الرجل، فإني رأيت هدياً وسمتاً ورأياً يغلب أهل الغلبة، ورأيت فيه خصالاً تعجبني، رأيته يحب الفقير، ويفك الأسير، ويرحم الصغير، ويعرف قدر الكبير، وما رأيت أجود ولا أكرم منه، فإن يكن نبياً فللسابق فضله، وإن يكن ملكاً فما تزال في عز ملكه، قيل: وأسلمت، واستجاب لها أخوها، وقدم المدينة، وهو يظن أنه سيلقى ملكاً فقال:

 

(( أتيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد، فقال القوم: هذا عدي بن حاتم، وكنتُ جئتُ بغير أمان، ولا كتاب، فلما دُفعتُ إليه أخذ بيدي، وقد كان بلغني أنه قال: إني لأرجو أن يجعل الله يدَه في يدي، قال: فقام بي، فلقينا امرأة معها صبيّ، فقالا: إنَّ لنا إليك حاجة، فقام معهما، حتى قضى حاجتهما ثم أخذ بيدي حتى أتى بي داره، فألقت له الوليدة وسَادَة، فجلس عليها وأنا بين يديه، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال لي: يا عديُّ، ما يُفِرُّك من الإسلام؟ أن تقولَ: لا إله إلا الله، فهل تَعْلَمُ من إله سوى الله؟ قال: قلت: لا، ثم تكلّم ساعة، ثم قال: أتفِرُّ من أن يقال: الله أكبر؟ فهل تعلم شيئاً أكبر من الله؟ قال: قلت: لا، قال: اليهودُ مغضوب عليهم، و إنَّ النصارى ضُلاَّل، قلت: فإني حَنِيف مسلم، قال: فرأيتُ وَجْهَهُ تَبَسَّطَ فرحاً ))

[ من حديث صحيح، أخرجه الترمذي ]

 وفي رواية:

 

((وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فلعلك إنما يمنعك عن الإسلام أنك ترى من حولي خصاصة، إنك ترى الناس علينا إلباً، ثم قال: هل رأيت الحيرة؟ قلت: لم أرها وقد عرفت مكانها، قال: فليوشكن أن الظعينة ترحل من الحيرة بغير جوار حتى تطوف بالبيت، وليفتحن علينا كنوز كسرى، قلت: كسرى بن هرمز؟ قال: كسرى بن هرمز، ويوشك أن لا يجد الرجل ماله صدقة))

 

[ من حديث صحيح، أخرجه الحاكم ]

 إخواننا الكرام، الأموال التي يملكها الغرب لا يصدقها العقل، بالبلايين والمليارات، والمسلمون لا يجدون طعاماً يأكلونه..
 وفي عهد عمر بن عبد العزيز كان من أشق الأعمال على الإنسان أن يبحث عن إنسان يقبل زكاة ماله..
 لقد عمّر عدي بن حاتم، فرأى بنفسه كيف تحققت كل بشارات النبي عليه الصلاة والسلام.
 لا تقنطوا من روح الله، الله لا يتخلى عنا، لكنه يؤدبنا، نحن في العناية المشددة، نحن أصحاب رسالة، لقد أوكلنا الله بهذه الرسالة فقصرنا فأُدِّبنا.

خلاصة القول:

 أيها الإخوة الكرام، لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، نخلص من هذه الخطبة إلى أن السيرة تتميز من بين فروع العلوم الإسلامية أنها مثالية واقعية، وواقعية مثالية، وأنها حقيقة مع البرهان عليها، وأنها ألطف طريق تعبيري يحبب الإسلام إلى الناس، ويحبب رسوله صلى الله عليه وسلم لقارئيها، وأن الطفل يحتاج إلى قدوة، الآن شباب المسلمين قدوتهم لاعبو الكرة، قدوتهم الممثلون، لو أننا اعتنينا بأولادنا، وقدمنا لهم هذه السيرة مع أصحاب النبي الكرام الذين كانوا أبطالاً، رهباناً في الليل، فرساناً في النهار، فلعل الله سبحانه وتعالى أن يصلح شأننا.

 

وأخيراً:

 

 أيها الإخوة الكرام، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيّس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني، والحمد لله رب العالمين.

* * *

 الخطبة الثانية:
 الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سينا محمد عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

معجزة انشقاق القمر:

 أيها الإخوة الكرام، في موقع معلوماتي عنوانه: الإعجاز العلمي في الكتاب والسنة، عثرت على هذا النص، وسأقرأه على مسامعكم:
 في مقابلة تلفزيونية مع عالم من علماء المسلمين المتخصصين في الإعجاز العلمي في القرآن والسنة، سأله مقدم البرنامج عن هذه الآية:

 

﴿ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ﴾

 

(سورة القمر: الآية 1)

 هل فيها إعجاز قرآني علمي؟ فأجاب العالم المسلم: هذه الآية لها معي قصة، فمنذ فترة كنت أحاضر في جامعة كارديف في غرب بريطانيا، وكان الحضور خليطاً من المسلمين وغير المسلمين، وكان هناك حوار حيّ للغاية عن الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، وفي أثناء هذا الحوار وقف شاب من المسلمين، وقال: يا سيدي، هل ترى في قول الحق تبارك وتعالى:

﴿ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ﴾

(سورة القمر: الآية 1)

 لمحة من لمحات الإعجاز العلمي في القرآن الكريم؟ فأجابه هذا العالم الجليل المتخصص في الإعجاز العلمي: لا، لأن الإعجاز العلمي يفسره العلم، أما المعجزات فلا يستطيع العلم أن يفسرها، فالمعجزة أمر خارق للعادة لا تستطيع القوانين الأرضية والكونية أن تفسرها، وانشقاق القمر معجزة حدثت لرسول الله صلى الله عليه وسلم، تشهد له بالنبوة والرسالة، والمعجزات الحسية شهادة صدق على من رآها، ولولا ورودها في كتاب الله عز وجل وفي سنة النبي عليه الصلاة والسلام لما كان علينا نحن المسلمين في هذا العصر أن نؤمن بها، ولكننا نؤمن بها لورودها في القرآن الكريم وفي سنة سيد المرسلين.

إسلام داود موسى:

 أيها الإخوة الكرام، وروى هذا العالم النص النبوي عن هذه المعجزة بالتفصيل، يقول هذا العالم: وبعد أن أتممت حديثي وقف شاب مسلم بريطاني عرَّف بنفسه، وقال: داود موسى بيتكوك، رئيس الحزب الإسلامي البريطاني، ثم قال: يا سيدي، هل تسمح لي بإضافة، قلت له: تفضل، قال:
 وأنا أبحث عن الأديان قبل أن أسلم، أهداني أحد الطلاب المسلمين ترجمة لمعاني القرآن الكريم، فشكرته عليها، وأخذتها إلى البيت، وحين فتحت هذه الترجمة هكذا صدفة على أول سورة أطّلعُ عليها، كانت سورة القمر، وقرأت قوله تعالى:

 

﴿ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ﴾

 

(سورة القمر: الآية 1)

 فقلت: هل يعقل هذا الكلام؟ هل يمكن للقمر أن ينشق، ثم يلتحم؟ وأية قوة تستطيع عمل ذلك؟ يقول الرجل: هذه الآية بالذات صدتني عن متابعة قراءة القرآن، وانشغلت بأمور الحياة، ولكن الله عز وجل يعلم مدى إخلاصي في البحث عن الحقيقة، فأجلسني ربي أمام التلفاز البريطاني، وكان هناك حوار يدور بين مذيع بريطاني وثلاثة من علماء الفضاء الأمريكيين، وكان هذا المذيع يعاتب هؤلاء العلماء على الإنفاق الشديد على رحلات الفضاء، في الوقت التي تمتلئ فيه الأرض بمشكلات الجوع والفقر والمرض والتخلف، وكان يقول: لو أن هذا المال الغزير أنفق على عمران الأرض لكان أجدى وأنفع، وجلس هؤلاء العلماء الثلاثة يدافعون عن وجهة نظرهم، ويقولون: إن هذه التقنية تطبق في نواح كثيرة من الحياة، حتى إنها تطبق في الطب والصناعة والزراعة، فهذا المال ليس مالاً أنفق هدراً، لكنه أعاننا على تطوير تقنيات متقدمة للغاية..
 ومن خلال هذا الحوار جاء ذكر رحلة إنزال رجل على سطح القمر باعتبار أنها أكثر رحلات الفضاء كلفة، فقد كلفت أكثر من مئة ألف مليون دولار، فصرخ فيهم المذيع البريطاني، وقال: أيّ سفهٍ هذا؟ مئة ألف مليون دولار كي تضعوا العلَمَ على سطح القمر، فقالوا: لا، لم يكن الهدف وضع العلم فوق سطح القمر، كنا ندرس تركيب القمر الداخلي، فوجدنا حقيقة لو أنفقنا أضعاف هذا المال لإقناع الناس بها لما صدّقنا أحد، فقال لهم: ما هذه الحقيقة؟ قالوا: هذا القمر انشق في يوم من الأيام، ثم التحم، فقال لهم: كيف عرفتم ذلك؟ قالوا: وجدنا حزاماً من الصخور المتحولة تقطع القمر إلى قسمين، فاستشرنا علماء الأرض وعلماء الجيولوجيا فقالوا: لا يمكن أن يكون هذا قد حدث إلا إذا كان هذا القمر قد انشق، ثم التحم.
 يقول هذا الرجل المسلم رئيس الحزب الإسلامي البريطاني: فقفزت من الكرسي الذي أجلس عليه، وقلت: معجزة تحدثُ لمحمد صلى الله عليه وسلم قبل ألف وأربعمئة سنة يسخر الله تعالى الطرف الآخر لإنفاق أكثر من مئة ألف مليون دولار لإثباتها للمسلمين، لا بد أن يكون هذا الدين حقاً، فعدت إلى المصحف، وتلوت سورة القمر، وكانت هذه المحاورة سبب دخولي في الإسلام.

الثناء على العلم إذا وافق القرآن:

 أيها الإخوة الكرام، نحن دائماً وأبداً لا نثني على القرآن إذا وافق العلم، نثني على العلم إذا وافق القرآن، إذا أثنينا على العلم إذا وافق القرآن فالأصل عندنا هو القرآن الكريم، كلما تقدم العلم وكشف عن جانب من جوانب عظمة هذا القرآن الكريم، كان العلم صحيحاً ودقيقاً.
 أيها الإخوة الكرام، تقرأ آية فيها أمر، فمعنى ذلك أنه ينبغي أن تأتمر.
 تقرأ آية فيها نهي، معنى ذلك أنه يجب أن تنتهي.
 تقرأ آية فيها وصف للآخرة، ينبغي أن تعمل للجنة، وأن تتقي النار.
 أما إذا قرأت آية عن خلق السماوات والأرض وهي ألف وثلاثمئة آية، ماذا ينبغي أن تفعل؟
 ينبغي أن تتفكر في خلق السماوات والأرض، قال تعالى:

 

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (*) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾

 

(سورة آل عمران: 190- 191)

الدعاء:

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق، ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك.
 اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت.
 اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين.
 اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك.
 وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018