الدرس : 35 - سورة الأنعام - تفسير الآيتان 97-98 ، الآيات الكونية والقرآنية والتكوينية - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 35 - سورة الأنعام - تفسير الآيتان 97-98 ، الآيات الكونية والقرآنية والتكوينية


2005-08-26

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .
 أيها الأخوة الكرام ، مع الدرس الخامس والثلاثين من دروس سورة الأنعام .

آيات الله ثلاثة أنواع :

 مع الآية السابعة والتسعين ، وهي قوله تعالى :

 

﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (97)﴾

 أيها الأخوة الكرام ، ينبغي أن نعلم أن كلمة آية تعني علامة ، وتعني دلالة ، وتعني بياناً ، وتعني برهاناً ، وآيات الله ثلاثة أنواع : آيات كونية خلقه ، وآيات قرآنية كلامه، وآيات تكوينية أفعاله ، يمكن أن تعرف الله من آياته التكوينية والكونية والقولية أي القرآن .
 لكن لا بد من ملاحظة : وهي أنك إذا بدأت بمعرفة الله من خلال آياته الكونية فالطريق سالك وآمن ، وكلما ازددت تفكراً في خلق السماوات والأرض ازددت تعظيماً لله ومحبة له ، لأن كل ما في الكون ينطق بوجود الله ، ووحدانيته ، وكماله ، فإذا تعمقت بآياته القرآنية تُكشف لك حقائق كثيرة ، والآيات القرآنية تتكامل مع الآيات الكونية ، كيف ؟
 دخلت إلى جامعة ، نظرت إلى أبنيتها ، دهشت لعظمة هذه الأبنية ، ولتناسبها مع وظيفتها ، قاعات محاضرات ، مخابر ، جناح لنوم الطلاب ، جناح للأساتذة ، مدرجات حدائق كي يستمتع الطلاب ، هدوء ، مطاعم ، أنت تستنبط أن الذي صمم هذه الجامعة مهندس قدير ومتخصص بالجامعات ، لكن مهما كنت ذكياً ، ومهما أطلت التفكر في هذه الأبنية لا تستطيع أن تعرف النظام الداخلي لهذه الجامعة ، ولن تستطيع أن تعرف عميد هذه الكليات ، من هو رئيس الجامعة ؟ ما نظامها ؟ ما نظام قبول الطلاب فيها ؟ ما نظام النجاح والرسوب؟ لهذا لا بد من كتاب . الأبنية ، والمخابر ، والمدرجات ، والحدائق ، وأبنية الطلاب ، وأبنية المدرسين ، والأجواء المحيط بالجامعة ، هذه كلها تدلك على أن الذي صممها مهندس قدير ، لكن من هو رئيس الجامعة ؟ من هم عمداء الكليات ؟ ما الأنظمة الداخلية ؟ كيف يُقبَل الطلاب؟ كيف يتخرجون ؟ هذا شيء لا يمكن إلا أن تأخذه تلقياً .

لا بدّ من أن تتكامل الآيات الكونية مع الآيات القرآنية :

 إذاً ولله المثل الأعلى ، هذا الكون يدل على خالق عظيم ، على رب كريم ، على مُسَيِّر حكيم ، أسماؤه حسنى ، صفاته فضلى ، مليار دليل على رحمته ، وقدرته ، وقوته ، وجبروته ، وحلمه ، ولطفه ، لكن لماذا خلقنا ؟ هذا لا يأتي بالتفكر يأتي بالتلقي ، تقرأ القرآن:

 

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)﴾

( سورة الذاريات )

 من الذي خلق الكون ؟ لا بد له من خالق عظيم ، يقول إله القرآن :

 

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ (4)﴾

( سورة السجدة )

 عَلَم على الذات ، شيء جميل .

 

﴿ إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً (27)﴾

( سورة الإنسان )

 إذاً لا بد من أن تتكامل آياته الكونية مع آياته القرآنية ، فالآيات الكونية تدلك على الله عز وجل ، والآيات القرآنية تدلك على سر وجودك ، وعلى غاية وجودك ، وعلى منهجه، إن الله يحب الصادقين ، إن الله يحب المخلصين ، إن الله يحب الطائعين .

 

﴿ وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (1)﴾

( سورة الهمزة )

 وقال :

 

﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ (279)﴾

( سورة البقرة الآية : 279 )

علينا أن نبدأ بآيات الله الكونية ونثني بآياته القرآنية ثم نتفكر في أفعاله :

 لا يكفي الكون ، يجب أن نضم مع القرآن الكون ، آياته الكونية وآياته القرآنية ، الآن أفعاله ، لكن أفعاله حقل ألغام ، كيف ؟ لو بدأت بالتفكر في أفعاله يقفز أمامك مليون سؤال وسؤال ، لماذا الفقر ؟ لماذا القهر ؟ لماذا الأقوياء والضعفاء ؟ لماذا اجتياح الدول القوية للدول الضعيفة ؟ لماذا الموت من الجوع في إفريقيا ؟ لماذا شح الأمطار ؟ لو أنك بدأت بآياته التكوينية لقفز إلى ذهنك مليون سؤال ، لذلك أنصح أن تبدأ بآياته الكونية ، وتثني بآياته القرآنية ، ثم تفكر في أفعاله ، أنت حينما ترى أمة قوية متغطرسة ترتكب كل الحماقات ، وكل المحرمات ، وكل الموبقات ، وتستعلي ، وهي قوية ، ويبدو أنها تفعل ما تقول ، شيء يحير ، تفتح القرآن الكريم :

 

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ (44)﴾

( سورة الأنعام الآية : 44 )

 واضحة :

 

﴿ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً (44)﴾

( سورة الأنعام الآية : 44 )

 أنت حينما ترى فرعون يقتل أبناء بني إسرائيل ، ويستحيي نساءهم ، ويتفنن في تعذيبهم ، وترثي لحال هؤلاء المستضعفين المقهورين ، الذين قُتِل أبناءهم واستُحيت نساءهم ، ثم تقرأ قوله تعالى :

 

﴿ وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5)﴾

( سورة القصص )

إرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة وحكمته المطلقة متعلقة بالخير المطلق :

 إذاً أيها الأخوة ، ابدأ بالتفكر في مخلوقات الله عز وجل ، وإياك ثم إياك أن تتفكر بالخالق :

(( تفكروا في خلق الله ، ولا تفكروا في الله فتهلكوا ))

[ رواه ابن حبان عن أبي ذر ]

 كيف يعلم ما سيكون ؟ تجاوزت الخط الأحمر ، لن تستطيع أن تكشف عدل الله بعقلك إلا بحالة مستحيلة ؛ أن يكون لك علم كعلمه ، ومادام ليس لك علم كعلمه إذاً تؤمن بعدله من خلال كلامه .

 

﴿ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً (49)﴾

( سورة الكهف )

 وقال :

﴿ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً (49)﴾

( سورة الإسراء )

 لا فتيل ، ولا قطمير ، ولا نقير ، ولا حبة من خردل .

 

﴿ وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (47)﴾

( سورة الأنبياء الآية : 47 )

 ينبغي أن نبدأ بالتفكر في خلقه أولاً ، ونثني بقرآنه ثانياً ، ثم إذا تفكرنا في أفعاله نعلم أن كل شيء وقع أراده الله ، وأن كل شيء أراده الله وقع ، وأن إرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة ، وأن حكمته المطلقة متعلقة بالخير المطلق ، عندئذٍ تستسلم ، فلذلك يقول الله عز وجل :

﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ ﴾

أي شيء خلقه الله عز وجل له وظيفتان كبيرتان :

 


 بالمناسبة أيها الأخوة ، وهذا كلام دقيق ، أي شيء خلقه الله عز وجل له وظيفتان كبيرتان ، الوظيفة الأولى : أن تتعرف إلى الله من خلاله ، سواء تفكرت في جسمك ، أم في طعامك ، أم في شرابك ، أم في الجبال ، الوديان ، السهول ، الصحارى ، القفار ، البحار ، البحيرات ، الأنهار ، الينابيع ، النبات ، الأطيار ، الأزهار ، الأسماك ، سواء تفكرت في مخلوقاته أم في ذاتك ، وقد قال الله عز وجل :

 

﴿ سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ (53)﴾

( سورة فصلت الآية : 53 )

 فالوظيفة الأولى أن تعرف الله من خلال هذا الذي خلقه لك ، هذه الوظيفة الأولى وقد عبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم فقال :

(( هِلالٌ خَيْرٍ وَرُشْد ))

[ رواه أبو داود عن قتادة ]

 يرشدني إلى الله وأنتفع به في دنياي ، الخير النفع المادي .
 كنت أضرب مثلاً بشكل متكرر ، أنه إذا كنت فقيراً لا سمح الله ولا قدر فقراً مدقعاً ، ولا يتيح لك دخلك أن تلعق لعقة عسل واحدة ، وقرأت كتاباً عن العسل ، فخشع قبلك لله ، وعظّمته على بديع صنعه ، ولم تلعق لعقة واحدة ، أنت حققت الهدف الأكبر من خلق العسل ، لأنك تعرفت إلى الله من خلاله ، ولو أكلت عسلاً ما شاء لك أن تأكل ، ولم تتفكر في هذا الشفاء للناس كما وصفه الله عز وجل فأنت لم تحقق شيئاً من سبب وجود العسل ،

(( هِلالٌ خَيْرٍ وَرُشْد ))

 العالم الغربي حقق الناحية النفعية في كل شيء ، والمؤمنون في العالم حققوا الناحية التعريفية ، والدليل أن الله سخر هذا الكون تسخير تعريف وتكريم ،

(( هِلالٌ خَيْرٍ وَرُشْد ))

 رشد ؛ تعريف ، خير ؛ تكريم ، إن دلك عليه أكرمك بهذا الشيء ، رد فعلك الطبيعي أن تشكره وأن تؤمن به ، أو أن تؤمن أو أن تشكره ، فإذا آمنت به وشكرته حققت الهدف من وجودك ، فإن آمنت به رد فعل التعريف ، وإن شكرته رد فعل التكريم ، حققت الهدف من وجودك ، وإن حققت الهدف من وجودك تتوقف المعالجة .

 

ينبغي أن تؤمن بالله من خلال آياته وأن تشكره من خلال نعمائه وإحسانه :

 قال تعالى :

 

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ (147)﴾

( سورة النساء الآية : 147 )

 انتهى كل شيء ،

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ ﴾

  إذاً أنت بين آيات كونية ، وآيات قرآنية ، وآيات تكوينية ، ابدأ بالكونية ، وثني بالقرآنية فهما متكاملان ، إن استوعبت الآيات الكونية والقرآنية أمكنك أن تفهم الآيات التكوينية ، لا تعترض عندئذٍ على الله ، لا تقل : في العالم ظلم ، لا تقل : هناك أقوياء وضعفاء ، كل هذه الأسئلة التي يطرحها أهل الدنيا البعيدون عن الله عز وجل لا تطرحها أنت ، إذاً :

﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا ﴾

  هنا في وظيفة محدودة ،

﴿ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ﴾

  لكن هناك آيات أخرى :

﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ (13)﴾

( سورة الجاثية الآية : 13 )

 تسخير تعريف وتكريم ، ينبغي أن تؤمن به من خلال آياته ، وينبغي أن تشكره من خلال نعمائه وإحسانه .

﴿ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾

 والحقيقة النجوم ، ماذا نعلم عن النجوم ؟ بعض الإحصاءات أننا لا نستطيع أن نعد بالعين المجردة أكثر من عشرة آلاف نجم فقط ، بينما أحد المجرات في أحدث موسوعة علمية معتمدة تقريباً ثلاثة آلاف مليار مجرة ، وفي كل مجرة مليون ملْيون نجم ، فالنجوم التي لا نراها لا تعد ولا تحصى ، لذلك قال تعالى :

﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (38)وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (39)﴾

( سورة الجاثية )

الجزء الأخير من القرآن الكريم جزء مكي فيه إرشاد إلى التفكر في الكون :

 ذكرت لكم كثيراً أن بعد الأرض عن الشمس مئة وستة وخمسون مليون كم ، وأن الشمس تستوعب مليون وثلاثمئة ألف أرض ، وأن نجم قلب العقرب يستوعب الشمس والأرض مع المسافة بينهما ، والحديث عن النجوم لا ينتهي ، وقد قال الله عز وجل :

 

﴿ قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ (101)﴾

( سورة يونس الآية : 101 )

 وقال :

 

﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24)﴾

( سورة عبس )

 وقال :

﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (5)﴾

( سورة الطارق )

 وقال :

﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (1)وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (2)﴾

( سورة الشمس )

 وقال :

 

﴿ وَالْفَجْرِ (1)وَلَيَالٍ عَشْرٍ (2)﴾

( سورة الفجر )

 تقريباًَ الجزء الأخير من القرآن الكريم جزء مكي فيه إرشاد إلى التفكر في الكون،

﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾

  أي هذا الذي أراد أن يعلم ينتفع من هذه الآيات .

حينما تتخذ قراراً بالبحث عن الحقيقة أي شيء مهما صغر يدلك على الله :

 أخواننا الكرام ، هناك آيات عديدة تحير ، قال تعالى مثلاً :

 

﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (52)﴾.

( سورة الزمر )

 شيء محير ، يا رب ، أنا إذا فكرت بهذه الآية أؤمن ؟ أم إذا كنت مؤمناً قبلها أنتفع بها ؟ أكثر الآيات :

﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾

 وقد قال بعض أصحاب النبي الكريم : أوتينا الإيمان قبل القرآن ، معنى ذلك أنك حينما تتخذ قراراً بالبحث عن الحقيقة أي شيء مهما صغر يدلك على الله ، بعرة تدل على البعير ، وأقدام تدل على المسير ، وماء يدل على الغدير ، أفسماء ذات أبراج ، وأرض ذات فجاج ، ألا تدلان على الحكيم الخبير ؟
 أعرابي راعي إبل قد يهتدي إلى خالق السماوات والأرض من بعرة جمل ، ومن غدير ماء ، ومن أقدام على الرمال ، وإنسان يجلس في أكبر محطة فضائية ، أو في أكبر محطة أرضية تتلقى معلومات عن الفضاء بتلسكوبات هي من أعظم ما في العالم اليوم ، أو هو على مجهر إلكتروني يرى الخلية بتفاصيلها ، إذا أراد هذا الأعرابي راعي الإبل أن يعرف الله ، وليس أمامه إلا ماء وأقدام وبعرة يصل إلى الله ، وإذا لم يرد هذا الذي في أكبر محطة فضائية ، ويرى المجرات العملاقة ، ويرى بالمجهر الإلكتروني النسج الخلوية ، فالأول يعرف الله بلا وسائل ، والثاني لا يعرفه مع كل هذه الوسائل ، بلا وسائل والثاني لا يعرفه مع كل هذه الوسائل ، لأن طلب الحقيقة يشبه الفيلم في آلة التصوير ، فإن لم تطلب الحقيقة قد تلتقط هذه الآلة آلاف الصور الرائعة ، لكن لأن صاحب هذه الآلة لم يطلب الحقيقة ليس فيها فيلم تنطبع عليه هذه الحقائق ، أما الذي يطلب الحقيقة ، ولو كان يملك أصغر آلة أو أقل آلة تعقيداً إنها تنفعه بل ترشده إلى خالقه ،

﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ .

(من نفس واحدة)لها معنيان :

 الآية التي تليها :

 

﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ(98)﴾

( سورة الأنعام )

﴿ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾

  الآن هناك ستة آلاف مليون ، هؤلاء لعلهم قبل خمسين عاماً كانوا ثلاثة آلاف مليون ، وقبل كانوا أقل ، وأقل ، وأقل إلى أن نصل إلى إنسان واحد ، كان أصل كل هؤلاء البشر سيدنا آدم ، الستة آلاف مليون أصلهم إنسان واحد هو سيدنا آدم ، هذا معنى .
 المعنى الثاني :

﴿ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾

  أي جسم بالأرض تصميمه ، تصميم الدماغ ، الأعصاب ، القلب ، الشرايين ، الأذين ، البطين ، الكليتان ، المعدة ، مسار الأعصاب ، مسار الأوعية بدقة بالغة ، كل البشر بتصميم واحد ، وإلا لا معنى للطب في العالم ، يدرس إنسان الطب في أمريكا ، ويطبق الذي قرأه في الصين ، هذه نعمة كبيرة جداً ، لولا أن بنية البشر واحدة ، وأجهزتهم واحدة ، وخصائصهم واحدة ، وتفاصيل أجهزتهم واحدة، لما أمكن أن يُستَخدم علم في مكان في مكان آخر .
إذاً :

﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾

 تجد غير التشريح ، في الفيزيولوجيا كل جهاز له خصائص ، الكلية مثلاً لو أن الضغط ارتفع لها موقف ، الضغط قل لها موقف ، الملح زاد لها موقف ، مصممة على برامج معقدة جداً ، المعدة كذلك مصممة على برامج معقدة جداً ، هناك إقياء ، وأحياناً في حالات معينة عدم قبول الطعام ، وهناك سعال ، وتثاؤب ، وبكاء ، هناك خصائص في الجسم ، القلب له خصائص يتسرع من ثمانين إلى مئة وثمانين ، وهناك أمر يأتي من ذاته ، أمر للثمانين من ذاته ، وأمر للمئة والثمانين يأتيه من الدماغ عن طريق الكظر إلى القلب ، قد يعقد مؤتمر لأمراض القلب يقول لك : أكثر من خمسة وعشرين ألف طبيب حضر من أنحاء العالم ليستمعوا إلى مئات المحاضرات ، حول القلب فقط ، القلب مجهز بجاهزية عالية جداً ، يُسَد أحد شرايينه ، ينشأ شُرينات قد تصل إلى عشرة ، أحياناً مجموع أقطارها تساوي قطر الشريان المنسد ، من صمم ذلك ؟ شيء لا يصدق .
 تمشي في الطريق تستمع إلى بوق سيارة ، من يصدق أن في الدماغ جهاز يحسب تفاضل وصول الصوتين إلى الأذنين ؟ صوت البوق دخل إلى هذه الأذن قبل هذه الأذن ، التفاضل واحد على(1620) جزءاً من الثانية ، الجهاز بالدماغ يحسب ذلك ، يصدر أمر بالحركة إلى اليمين ، لأن البوق جاء من اليسار ، جهاز بالغ التعقيد .

 

خصائص النفس واحدة تحب الكمال والنوال والجمال :

 إذاً أيها الأخوة ،

﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾

  الآن هذا الجسم بتشريحه ، وبالفيزيولوجيا التي تنطبق عليه ، خصائص الأجهزة ، وخصائص الأنسجة ، أن القرنية تتغذى بالحلول غير القرنية بالشعريات ، تفاصيل طويلة جداً ، هذا الجسم بالغ الدقة مشابه لكل إنسان ، الآن نفس الإنسان النفس الواحدة :

(( يا داود ذكر عبادي إحساني إليهم ))

[ رواه الطبراني عن أبي أمامة ]

(( جُبِلتِ الْقُلُوبُ عَلَى حُبِّ مَنْ أَحْسَنَ إلَيْهَا ، وَبُغْضِ مَنْ أَسَاءَ إِلَيْهَا ))

[ رواه البيهقي عن ابن مسعود ٍ]

 خصائص النفس واحدة تحب الكمال ، تحب النوال ، تحب الجمال ، تحب أن تكون متفوقة ، تجب المحسن ، تكره المسيء ، تحب التعاون ، لها فطرة ، ولها جبلة ، ولها صبغة ، ولها طبع ، من صمم هذا كله ؟ الله عز وجل .

﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ ﴾

، نحن جميعاً كنا مستقرين في ظهر أبينا آدم ، ثم انتقلنا من نسل إلى نسل ، حتى استقرينا في أجهزة آبائنا ، ثم في أرحام أمهاتنا ، ثم أصبحنا على الأرض مستقرين ، ثم نقلنا إلى المستودع ؛ القبر ، القبر مستودع ، مات ، إلى القبر ،

﴿ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ ﴾

 والاستقرار أنواع ،

﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ ﴾

  والاستقرار أنواع كثيرة ، قد تستقر على أرض ، ثم ينقل هذا الإنسان إلى مستودع ليستقر ثانية إما في جنة يدوم نعيمها أو في نار لا ينفذ عذابها ،

﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ ﴾ .

 هناك معنى آخر لمستودع : أنت في الشام ، وقد يكون غذاؤك مستودعه في درعا ، الخبز الذي تأكله مستودعه هناك ، والفاكهة في المكان الفلاني ، لك مستقر ولك مستودع يمدك بالغذاء ،

﴿ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ ﴾ .

الإيمان بأن الله هو الرزاق يدفعك إلى طاعته :

﴿ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ ﴾

  كنت أقول : لو دخلنا إلى بستان في منطقة خارج دمشق ، مزروع بالتفاح مثلاً ، البستان الخامس على اليمين ، الشجرة السابعة ، الغصن الثالث ، التفاحة الرابعة ، هذه لك ، لك أن تأكلها هدية ، ولك أن تأكلها ضيافة ، ولك أن تأكلها شراء ، ولك أن تأكلها لا سمح الله ولا قدر سرقة ، ولك أن تأكلها تسولاً ، طريقة وصولها إليك باختيارك ، أما هي لك ،

﴿ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ ﴾

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ (40)﴾

( سورة الروم الآية : 40 )

 أخواننا الكرام ، على رؤوس جبال هملايا في ينابيع ماء ، معنى ذلك أن هناك قمم أعلى منها مستودعات للماء كي يشرب الوعول في هذه الارتفاعات الشاهقة الماء ،

﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ ﴾

  في بعض البلاد أذكر سبعة آلاف جزيرة ، ثم أنبئت أن الرقم أكبر بكثير ، لكل جزيرة نبع ماء عذب ،

﴿ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ ﴾

 أيها الأخوة ،

﴿ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾

 بُنية ، ووظائف ، وخصائص ،

﴿فَمُسْتَقَرٌّ﴾

 بكل مرحلة كنا مستقرين في مكان ، وفي النهاية ننتقل إلى المستودع وهو القبر ، ثم لنستقر إما في جنة يدوم نعيمها ، أو نار لا ينفذ عذابها ، لا سمح الله ولا قدر .
 الشيء الآخر ، أن المستقر في مكان ، وقد يكون مستودع غذائك في مكان آخر ،

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ﴾

  والرزق لك ، وقد ورد في بعض الأحاديث النبوية قول النبي صلى الله عليه وسلم :

(( إن روح القدس نفث في روعي أن نفساً لن تموت حتى تستكمل رزقها ، فاتقوا الله عباد الله ، وأجملوا في الطلب واستجملوا مهنكم ))

[ رواه أبو نعيم في الحلية عن أبي أمامة ]

 لا تقبل حرفة لا ترضي الله ، لأن الذي لك هو لك ولن يكون لغيرك ، والذي ليس لك لن يكون لك ، الإيمان بأن الله هو الرزاق يدفعك إلى طاعته لا إلى معصيته من أجل الرزق ، وفي درس آخر إن شاء الله نتابع هذا الدرس .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018