الدرس : 34 - سورة الأنعام - تفسير الآيات 95-97 ، الله تعالى عَلَم على الذات - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 34 - سورة الأنعام - تفسير الآيات 95-97 ، الله تعالى عَلَم على الذات


2005-08-19

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .
 أيها الأخوة الأكارم ، مع الدرس الرابع والثلاثين من دروس سورة الأنعام .

أفعاله جلّ جلاله تقتضي صفات كثيرة :

 مع الآية الخامسة والتسعين ، وهي قوله تعالى :

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (95)﴾

 أيها الأخوة الكرام ، بعد أن بيّن الله جل جلاله ما يتعلق بالتوحيد ؛ توحيد الربوبية والألوهية ، وبعدما بيَّن رسالات الأنبياء ، أراد أن يلفت نظرنا إلى ما به استمرار حياتنا ، لأن الله سبحانه وتعالى منحنا نعمة الإيجاد ، ونعمة الإمداد ، ونعمة الهدى والرشاد ، أوجدنا ثم أمدنا بما نحتاج ؛ أمدنا بالهواء ، بالماء ، بالطعام ، بالشراب ، بالمأوى ، بكل ما نحتاج .
 الآن بعد التوحيد ، وبعد الرسالات ننتقل إلى النعم التي أسبغها الله علينا ، النعمة الكبرى :

﴿ إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى ﴾

 أما كلمة :

﴿ اللَّهَ ﴾

 فعَلَم على الذات ، الله عز وجل له أسماء حسنى وصفات فضلى ، هو رحيم ، هو قوي ، هو عليم ، هو خبير ، هو لطيف ، هو قادر ، هو مقتدر ، هو حليم ، هو جبار ، هو متكبر ، تقتضي أفعاله صفات كثيرة ، ففي خلقه حكمة ، وفي خلقه رحمة ، وفي خلقه قوة ، وفي خلقه علم ، وفي خلقه حلم، فأفعاله جل جلاله تقتضي صفات كثيرة ، لأنه الحي القيوم ، هو الخالق وهو القيوم .
 أحياناً تنشئ بيتاً وتتركه ، تصنع طائرة وتبيعها ، تصنع مركبة وتصدرها ، تنشئ مشروعاً وتسلمه ، لكن الله سبحانه وتعالى حي قيوم .

 

﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (62)﴾

( سورة الزمر )

الله عز وجل علم على الذات :

 قال تعالى :

 

﴿ لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ (54)﴾

( سورة الأعراف الآية : 54 )

 طائرة مقاتلة تُباع ، لكن الذي اشترها هو الذي يأمرها ، يأمرها أن تقصف ، ألا تقصف ؟ أن تدمر ، ألا تدمر ؟ فالذي صنعها ، صنعها وسلمها ، صنعها وباعها ، لكن لله المثل الأعلى ، الله عز وجل حي قيوم ، أي مصدر حياة الكون ، وهو قيوم عليه .

 

﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ (123)﴾

( سورة هود الآية : 123 )

﴿ لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ﴾

 إذاً الله عز وجل بتعبير علماء العقيدة علم على الذات ، إن أردت أن تقول : الله رحيم ، غفور ، كريم ، قوي ، حليم ، حكيم ، متكبر ، جبار ، كل هذه الأسماء ، أو تلك الصفات يمكن أن تجمع بالعَلَم على الذات في الله ، فأنت أحياناً يجب أن تقول : بسم الله العليم ، إذا كنت تريد أن تفهم قضية .

 

﴿ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ (79)﴾

( سورة الأنبياء الآية : 79 )

 أحياناً تجابه عدواً شرساً ، تقول : بسم القوي ، وأحياناً تريد رحمة من الله ، تقول: بسم الرحيم ، أما إذا قلت : بسم الله ، فالله سبحانه وتعالى علَم على الذات ، كل الصفات التي يتصف الله بها جمعت في كلمة الله ، إذاً الله عَلَم على الذات .

 

الله عز وجل إذا تحدث عن ذاته العلية جاء الحديث بالمفرد :

 الله عز وجل ما قال : إن الرحيم فالق الحب والنوى ، رحمنا فهيأ لنا طعاماً ، ما قال : إن الرزاق فالق الحب والنوى ، ما قال : إن القوي فالق الحب والنوى ، ما قال : إن العليم فالق الحب والنوى ، قال :

﴿ إِنَّ اللَّهَ ﴾

 لأن فلق الحب والنوى يحتاج إلى إله عظيم ، عليم ، حكيم ، قوي ، مقتدر ، لطيف ، كل صفات الإله عز وجل في خلقه موجودة ، هذا ينقلنا إلى أن الله عز وجل إذا تحدث عن ذاته العلية جاء الحديث بالمفرد .

 

﴿ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14)﴾

( سورة طه )

 أما إذا تحدث عن أفعاله :

 

﴿ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ (43)﴾

( سورة ق الآية : 43 )

 وقال :

 

﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)﴾

( سورة الحجر )

 الله عز وجل يقول :

﴿ إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى ﴾

 كلكم يعلم أن القمح هو الثمرة ، والثمرة نفسها تزرع بأكملها ، فالحب كالقمح والشعير والأرز ، أما النوى فالتمرة لها نواة ، والخوخة لها نواة ، وحب المشمش لها نواة ، يعني لها بزرة ، فإن

﴿ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى ﴾

قضية البذور من أعظم الآيات الدالة على عظمة الله عز وجل :

 أيها الأخوة ، قضية البذور من أعظم الآيات الدالة على عظمة الله عز وجل ، حبة القمح فيها رشيم ، والرشيم كائن حي ، وقد استخرجوا من أهرامات مصر قمحاً مخزناً قبل ستة آلاف عام ، فلما زرع نبت هذا الرشيم ، وهو الجزء الحي من البذرة ، ومن علّم النملة أنها إذا خزنت القمح تأكل الرشيم ؟ لئلا ينبت القمح فيدمر بيوتها ، ومن علّم النملة أيضاً أن بعض البذور لها رشيمان ، تأكل النملة الرشيمين معاً لئلا تنبت ، فالرشيم هو الكائن الحي في البذرة ، لمجرد أن يصيب البذرة رطوبة فلقتا النواة تنشقان عن سويق وجذير ، شعرة خضراء نحو الأعلى ، وأختها نحو الأسفل ، سويق وجذير ، فإن كانت الحبة على صخر من يصدق ذلك ؟ يستطيع هذا الجذير أن يخرق الصخر ، ينتهي الجذير بقلنسوة ، كرة صغيرة جداً تفرز مادة تذيب الصخر ، إذا ذهبت إلى الجبال ترى الصخر قد شق ، وتسللت جذور النبتات في داخله .
 الله عز وجل يفلق الحبة أو النواة ،

﴿ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى ﴾

 من أين يتغذى السويق والجذير ؟ من الحبة نفسها ، الحبة نفسها تغذي السويق والجذير إلى أن يستطيع الجذير أن يأخذ الغذاء من التربة ، حجم الحبة حبة القمح ، أو حبة الشعير ، أو حبة الأرز ، أو حبة الفاصولياء ، أو حبة البازلاء ، هذه الحبة فيها غذاء يكفي لنمو السويق والجذير إلى أن يستطيع الجذير أن يمتص غذاءه من التربة مباشرة ، ويتجه نحو الأعلى ، طبعاً هناك في النبتات ، وفي علم النبتات حقائق مذهلة كثيرة جداً ، هذه بعضها ،

﴿ إِنَّ اللَّهَ ﴾

 صاحب الأسماء الحسنى والصفات الفضلى هو الذي يفلق الحب والنوى .
 الآن حبة جوز الهند كلها بذرة ، وفي الغرام الواحد من هذه البذور سبعون ألف بذرة ، الغرام الواحد من بعض نبتات الزينة فيه سبعون ألف بذرة ، لو أن بلدنا سوريا يحتاج إلى غرام واحد أن يستورده من هذه البذور ، من سبعين ألف بذرة إلى بذرة واحدة ،

﴿ إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى ﴾

 الحديث عن البذور أيها الأخوة شيء لا يصدق ، كل صفات النبات التفصيلية البالغة مئات الألوف مخزونة في الرشيم ، قد لا تنتبهون ، في بلدنا وحده ثلاثمئة نوع من العنب ، القمح عدد أنواع القمح خمسة وأربعون ألفاً ، التفاح مئات الأنواع ، ما معنى أنواع ؟ شيء مبكر ، شيء متأخر ، شيء حلوه كثيف ، شيء للتصدير ، شيء للاستهلاك ، الأنواع منوعة .

 

النبات من أكبر الآيات الدالة على الله :

 أخواننا الكرام ، يكاد النبات يكون أكبر الآيات الدالة على الله ، حتى أنه في بعض سور القرآن كلمة واحدة ، قال تعالى :

 

﴿ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ (99)﴾

( سورة الأنعام الآية : 99 )

 أنت من أجل أن تصبح نظيفاً ، من أجل أن تستخدم شيئاً ينظف جلدك في الحمام نبات ليفي له سطح ناعم ، والخشن له سطح خشن ، من أجل أن تنظف أسنانك هناك نبات خاص لتنظيف الأسنان ، لتنظيف ما بين الأسنان ، وهناك نبات آخر لتنظيف الأسنان ـ السواك ـ ونبات يمكن أن يكون وعاءً ، كالنحاس تماماً ، ونبات يمكن أن يكون سبحة ، كرات مثقوبة ، ونبات يمكن أن يكون ورقاً ، ونبات يمكن أن يكون بين الجسمين القاسيين ـ مطاط ـ ، ونبات كثافته خفيفة جداً ـ الفلين ـ ، ونبات تصنع منه الأدوية ، ونبات يصنع منه الأثاث ، ونبات تصنع منه النوافذ ، والحديث عن النبات لا ينتهي ، حتى إن الله عز وجل قال :

﴿ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾

 فمعظم حاجات الإنسان مشتقة من النبات ، حتى ثيابنا من القطن والكتان ، حتى أدواتنا من النبات ، حتى طعامنا من النبات ، قد تأكل أنت جزراً ، الجزر جذر، وقد تأكل زهرة ، الزهرة زهر وقد تأكل ورقاً ، وقد تأكل جذعاً ، وقد تأكل أغصاناً ، فلذلك :

﴿ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾

﴿ إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى ﴾

 أعطانا مثلاً بين أيدينا ، هذه النواة ، وتلك الحبة كيف انشقت عن سويق وجذير ، وكيف أن هذا الغذاء الذي في الحبة أمد السويق والجذير حتى استطاعا أن يأخذا الغذاء مباشرة من الأرض ، والدليل : ضع حبات القمح على قطن مبلل في البيت وانظر ، ضع بعض حبات الفاصولياء على قطن مبلل كيف ينبت السويق وينبت الجذير ؟

﴿ إِنَّ اللَّهَ ﴾

 بعلمه ، وبحكمته ، وبقوته ، وبرحمته

﴿ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى ﴾

﴿ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ﴾

 قد يسأل سائل :

﴿ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ ﴾

 من أجل التناظر ،

﴿ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ﴾

 نقول له :

﴿ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ﴾

 تقابل الحب والنوى

﴿ إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ﴾

 طبعاً هذا الكلام على مستوى فهم الإنسان ، أنت ترى أن الخشب ميت ، هذا خشب جماد ، الحجر جماد ، البلور جماد ، الماء سائل ، لكن هذه النحلة فيها حياة تطير ، نحن نتوهم أن الشيء الذي يطير ، ويتحرك ، ويتنفس ، ويأكل هو الحي .

 

كل ما في الكون فيه حياة وحركة حتى الجماد :

 إذا قال الله عز وجل :

 

﴿ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ (88)﴾

( سورة القصص الآية : 88 )

 معنى ذلك أن كل شيء فيه حياة ، كيف يهلك الرخام ؟ معنى فيه حياة ، لو تعمقنا أكثر وسألنا علماء الذرة لأعلمونا أن كل شيء في الكون مؤلف من ذرات تدور في مسارات حول نواة ، وإن نظام المجرة كنظام الذرة ، أو إن نظام الذرة كنظام المجرة ، كهارب تدور حول نواة بمسارات متعددة ، وحينما رتبوا عناصر الأرض تبين لهم أن كل عنصر له عدد من الكهارب يدور حول النواة ، وأن بين عنصرين الأول غازي والثاني صلب فرق كهروب واحد ، لذلك الحياة بالمفهوم العميق :

 

﴿ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ (30)﴾

( سورة الأنبياء الآية : 30 )

﴿و كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ ﴾

 إذاً فقد حياته ، فالحجر حي ، الحجر متحرك ، شيء قد يغيب عن الأذهان ، هذا ما يؤكده علماء الذرة ، الأجسام الصلبة فيها حياة وفيها حركة ، والماء فيه حياة وفيه حركة ، لكن نحن أَلِفنا أن الشيء الذي يتحرك ، ويأكل ، ويشرب هو الحي ، لكن الجماد أيضاً هو الحي ،

﴿ إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ ﴾

 أي يخرج نباتاً ينمو من تراب تظنه ميتاً وهو في الحقيقة حي ،

﴿ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ﴾

 لكن حينما نذكر صفات الله عز وجل في الرحيم ، في الودود ، في اللطيف ، في الحكيم ، في الغفور ، في الشكور ، هذه صفات الجمال ، وفي القوي ، وفي الجبار ، وفي المنتقم هذه صفات الجلال ، لذلك قال تعالى :

 

﴿ تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (78)﴾

( سورة الرحمن )

 بقدر ما ينبغي أن تخاف منه بقدر ما ينبغي أن تحبه ، تخافه وتحبه ،

﴿ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾

 لكنك في حياتك تحب ولا تخاف ، وقد تخاف ولا تحب ، قد تحب جهة ولا تخافها ، وقد تخاف جهة ولا تحبها ، ولكن الله عز وجل :

﴿ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾

أرحم مخلوق على الإطلاق هو رسول الله صلى الله عليه وسلم :

﴿ إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ﴾

 هو الذي خلقك ، هو الذي رباك من خلال أبيك وأمك ، ألقى محبتك في قلبيهما ، قصة رمزية : أحد أنبياء الله مشى في الطريق ، فرأى أماً تخبز خبزها على التنور ، ووضعت ابنها على طرف التنور ، فكلما وضعت رغيفاً في التنور ضمت ابنها وشمته وقبلته ، فقال هذا النبي : يا رب ، ما هذه الرحمة التي عند الأم ؟ قال : يا عبدي هي رحمتي أودعتها فيها ، فسأريك ـ القصة رمزية طبعاً ـ فلما نزع الله الرحمة من قلب الأم ألقته في التنور .
 بعض الحيوانات تربي أولادها ثم تأكلهم ، رحمة البشر من عند الرحمن الرحيم ، بل إن أرحم مخلوق على الإطلاق هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال الله له :

 

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ (159)﴾

( سورة آل عمران الآية : 59 )

 وقال :

 

﴿ وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ (58)﴾

( سورة الكهف الآية : 58 )

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ ﴾

 أمر ،

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾

﴿ وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ ﴾

الله عز وجل رحمن في ذاته رحيم في أفعاله :

 أيها الأخوة ، قال عليه الصلاة والسلام ، وقد رأى أماً تقبل ولدها :

(( أَتَرَوْنَ هَذِهِ الْمَرْأَةَ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ ؟ قُلْنَا : لا وَاللَّهِ ، وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لا تَطْرَحَهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اللَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ الْمَرْأَةِ بِوَلَدِهَا ))

[رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي "الصَّحِيحِ" عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنِ الْحُلْوَانِيِّ]

 الله عز وجل رحمن رحيم ، لكن كيف أن الأب يمتلئ قلبه رحمة ومحبة لابنه وهو طبيب ، وقد التهبت الزائدة عند ابنه ، كيف يأمر الأب أن يخدر هذا الابن ، وأن يشق بطنه ، وأن تستأصل الزائدة ، وبعد أن ينتهي مفعول المسكن تنشأ آلام لا تحتمل ؟ لأنه عالم ، قال :

 

﴿ يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ (45)﴾

( سورة مريم الآية : 45 )

 بالمفهوم الساذج الأم إن كانت جاهلة تطعم ولدها طعاماً قد يسهم في مرضه ، لكن الأم المتعلمة تحرم ولدها أطيب الطعام إذا كان يسهم في تفاقم مرضه ، فالله عز وجل رحمن رحيم ، رحمن في ذاته رحيم في أفعاله :

﴿ إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ ﴾

 ذلكم الله ، منحك نعمة الإيجاد ، منحك نعمة الإمداد ، منحك نعمة الهدى والرشاد ، أمرك بيده ، جسمك بيده ، دماغك بيده ، قلبك بيده ، شريانك التاجي بيده ، كبدك بيده ، حركتك بيده ، أقرب الناس إليك بيده ، القوي بيده ، الضعيف بيده ، من كان فوقك بيده ، من كان دونك بيده ، وتعبد غيره ؟!

((إني والجن والإنس في نبأ عظيم : أخلق ويعبد غيري ، وأرزق ويشكر غيري؟! ))

[ رواه البيهقي والحاكم عن معاذ ، والديلمي وابن عساكر عن أبي الدرداء]

(( خيري إلى العباد نازل ، وشرهم إلي صاعد ، أتحبب إليهم بنعمي ، وأنا الغني عنهم ، ويتبغضون إلي بالمعاصي ، وهم أفقر شيء إلي ، من أقبل علي منهم تلقيته من بعيد ، ومن أعرض عني منهم ناديته من قريب ، أهل ذكري أهل مودتي ، أهل شكري أهل زيادتي ، أهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي ، إن تابوا فأنا حبيبهم ، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم ، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب ، الحسنة عندي بعشرة أمثالها وأزيد ، والسيئة بمثلها وأعفو وأنا أرأف بعبدي من الأم بولدها ))

[ رواه البيهقي والحاكم عن معاذ ، والديلمي وابن عساكر عن أبي الدرداء ]

لا يليق بالإنسان أن يكون لغير الله :

﴿ ذَلِكُمُ اللَّهُ ﴾

 الذي خلقنا ، والذي أمدنا ، والذي هدانا ، والذي يربينا ،

﴿ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ﴾

 إلى أين تنصرفون ؟ إلى أين تتجهون ؟ إلى أين تتوجهون ؟ من تحبون غير الله ؟ على من تعتمدون ؟ على من تتكلون ؟ على من تعلقون الآمال ؟ من تخافون ؟ أيعقل أن تخافوا من غير الله ؟ وأن تعقدوا الأمل على غير الله ! وأن يرجو الإنسان غير الله ! وأن يثق بغير الله ! وأن يكون لغير الله !
 أخواننا الكرام ، كلمة دقيقة : إن مما يشينك أن تكون لغير الله ، كم من إنسان محسوب على إنسان آخر ؟ كم من إنسان محسوب على هذه الجهة أو على تلك ؟ هو في خدمتها ، ولاءه لها ، وقته لها ، ذكاءه من أجلها ، طلاقة لسانه لها ، وهي جهة أرضية ، أيليق بالإنسان أن يكون لغير الله ؟!!
 " خلقت لك ما في السماوات والأرض فلا تتعب ، وخلقتك من أجلي فلا تلعب ، فبحقي عليك لا تتشاغل بما ضمنته لك عما افترضته عليك " .
 أيها الأخوة ، قال الله عز وجل في بعض الآثار القدسية : " كن لي كما أريد أكن لك كما تريد ، كن لي كما أريد ولا تعلمني بما يصلحك ، أنت تريد وأنا أريد ، فإذا سلمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد ، وإن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد ثم لا يكون إلا ما أريد ".

﴿ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ﴾

 إلى أين ذاهب ؟ إلى أين ؟ إلى عبد حقير ، إلى عبد فقير ، إلى عبد لئيم ، إلى عبد يحتال عليك ، إلى عبد يبني مجده على أنقاض ، إلى عبد يأخذ منك ما يريد ثم يركلك بقدمه ، إن لم تكن عبداً لله فأنت عبد لعبد لئيم ، الحمد لله الذي أخرجنا من ذل المعصية إلى عز الطاعة ، من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة ، من جور الحكام إلى عدل الإسلام ، هكذا قال بعض صحابة رسول الله ،

﴿ إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ﴾

الحكمة من خلق الليل والنهار :

 قال تعالى :

 

﴿ فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (96)﴾

( سورة الأنعام )

 ظلام ، الظلام مخيف ، وفيه رهبة ، يأتي الصباح ترى كل شيء ، تأنس بكل شيء ، تنطلق إلى عملك ، الذي صمم هذا الجسم صممه ليعمل ثم ليستريح ، فلا بد من حركة يعقبها سكون ، ولكن لا تسكن إذا كان من حولك متحركاً ، لذلك من الصعب جداً أن تنام في النهار ، لكن حكمة الله اقتضت أن الليل يسكن فيه جميع الخلق ، انعدمت الرؤيا ، فخلد كل إنسان إلى بيته ، لكن الحضارة الغربية جعلت الليل نهاراً والنهار ليلاً ، وساعة نوم في أول الليل تزيد في نفعها عن ساعات طويلة في آخر الليل ، فنحن قلبنا نهارنا ليلاً وليلنا نهاراً ،

﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ ﴾

 من صمم أن الأرض كرة ؟ وأنها تدور حول نفسها ، وأن الشمس منبع ضوئي ، من صمم شكل الكرة ؟ لأن الأرض لو كانت مكعبة لجاء الضوء فجأة ، تستيقظ إلى صلاة الفجر الأشياء كلها في ظلام ، يأتي الضوء شيئاً فشيئاً ، وهذا يؤكد اسم اللطيف ، شيئاً فشيئاً إلى أن تشرق الشمس ، فإذا كانت الشمس أمام وجهك كان ضوءها مقبولاً ، تصور الشمس تشرق كما هي في كبد السماء ، لا تحتمل ذلك ، قرص الشمس وهو يغيب أو وهو يشرق لطيف جداً ، تنظر إليها براحة ، هذا اسم اللطيف ،

﴿ فَالِقُ الْإِصْبَاحِ ﴾

 الدنيا مضيئة ، أنت نشيط ، ومن يصدق أن في الإنسان ساعة بيولوجية هذه الساعة مربوطة بقعر العين ، فإذا كان الوقت نهاراً تنبهت هذه الساعة ، ومعها برمجة معقدة جداً ، نبض القلب يزداد في النهار عما هو في الليل ، إفراغ المثانة يزداد في النهار عما هو في الليل ، الضغط يزداد في النهار عما هو في الليل ، هرمونات النمو تزداد في الليل عما هو في النهار ، في برنامج معقد جداً لهذه الساعة .
 لذلك عندما يذهب الإنسان إلى بلد بعيد تضطرب هذه الساعة ، أنت ذهبت إلى أستراليا مثلاً ، فأنت مبرمج على أن هذا الوقت ظلام ، ففي النهار تشعر بحاجة إلى النوم لا تواجه ، فإذا جاء الليل لا تنام أبداً ، لأن برمجة الساعة البيولوجية على دمشق ، فإلى أن تبرمج برمجة جديدة تحتاج إلى أيام ثلاثة ، كل إنسان يسافر إلى بلد بعيد يصبح نهاره ليلاً وليله نهاراً ، تعاني من شدة الميل إلى النوم في النهار لدرجة أنك لا تستطيع أن تفتح عينيك ، فإذا جاء الليل لا تنام أبداً ، إلى أن يمضي ثلاثة أيام فيعاد برمجة هذه الساعة ، من صمم هذه الساعة البيولوجية ؟ ومن أعطاها هذا البرنامج الدقيق ؟!!

 

نظرية أينشتاين :

 عمل الدماغ ، نبض القلب ، ضغط الدم ، المثانة يتوقف عملها في الليل من أجل أن تنام نوماً مريحاً ، وهذا الصمت الليلي للمثانة في النهار لها برنامج آخر ، فكل أجهزة الجسم لها برنامج نهاري وبرنامج ليلي ، هذا مربوط بالساعة البيولوجية ، والساعة البيولوجية مربوطة بقعر العين ، من أجل أن تعلم هذه العين أن الوقت نهار أو ليل .

﴿ فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً ﴾

 القمر يدور حول الأرض دورة كل شهر ، لو أخذنا نقطة هي مركز القمر ، ونقطة هي مركز الأرض وصلنا بينهما بخط ، كان هذا الخط نصف قطر الدائرة التي هي مسار القمر حول الأرض ، طول هذا الخط نأخذه من نصف قطر القمر مضاف إليه نصف قطر الأرض مضاف إليه المسافة بينهما ، هذا نصف القطر لو ضربناه باثنين كان قطر الدائرة التي هي مسار القمر حول الأرض ، لو ضربنا هذا الرقم بـ (3.14) ، النتيجة هي المحيط ، نحن بحساب بسيط نعرف كم يقطع القمر في رحلته حول الأرض في الشهر ، في السنة نضربه بالعدد (12) ، في ألف سنة × 1000 معنا رقم كبير ، هذا الرقم الكبير عدد الكيلومترات التي يقطعها القمر في رحلته حول الأرض في ألف عام ، لو قسمنا هذا الرقم على ثواني اليوم (60 × 60 × 24) النتيجة سرعة الضوء الدقيقة وهي(299752)

﴿ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (5)﴾

( سورة الرحمن )

 هذه نظرية أينشتاين ، السرعة المطلقة في الكون هي سرعة الضوء ، وأي جسم سار مع الضوء أصبح ضوءاً وحجمه لا نهائي ، وكتلته صفر

﴿ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ ﴾

 من يصدق أن أضخم وأدق ساعة في العالم تضبط على مرور نجم ، فقد تزيد ثانية في العام أو تقل ثانية ، لكن النجم لا يزيد ولا ينقص ؟ بالثواني ،

﴿ فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً ﴾

 نظام رياضي دقيق جداً يدور فيه القمر ، لو أن القمر يدور مع الأرض تماماً ما كان هلالاً وبدراً ، الفارق بسيط ، كل يوم خمسون دقيقة ، وبهذا الفارق القمر يأخذ هذه المنازل من محاق ، إلى هلال ، إلى ربع ، إلى بدر ، من نظم هذا النظام ؟ من قنن هذه القوانين ؟!

﴿ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ﴾

إعجاز الله في الكون :

 قال تعالى :

 

﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (97)﴾

 الكون كم مجرة ؟ والله أيها الأخوة شيء يحير العقول ، بموسوعة علمية حديثة ناطقة ثلاثة آلاف مليار مجرة ، وكل مجرة فيها ملايين الملايين من النجوم ، ودرب التبانة مجرة معتدلة متواضعة ،

﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ ﴾

 أي خلقت خصيصاً لكم ، الشمس تتسع لمليون وثلاثمئة ألف أرض ، وبين الشمس والأرض مئة وستة وخمسون مليون كم ، وهناك نجم صغير في برج العقرب يتسع للشمس والأرض مع المسافة بينهما ، الأرض والشمس ومئة وستة وخمسون مليون كم ، والشمس تتسع لمليون وثلاثمئة ألف أرض ، هذه كلها تدخل مع المسافة في نجم اسمه قلب العقرب ، من أجل أن تعرفوا من هو الله ،

﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018