الدرس : 33 - سورة الأنعام - تفسير الآيتان 93-94 ، الإيجاز الغني - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 33 - سورة الأنعام - تفسير الآيتان 93-94 ، الإيجاز الغني


2005-08-12

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .
 أيها الأخوة الكرام ، مع الدرس الثالث والثلاثين من دروس سورة الأنعام .

الإنشاء والخبر :

 مع الآية الثالثة والتسعين ، وهي قوله تعالى :

 

﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آَيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (93)﴾

 أيها الأخوة الكرام ، بادئ ذي بدء ، قال علماء البلاغة : الكلام العربي خبر وإنشاء ، الخبر هو الكلام الذي يصح أن تقول لقائله : صادق أو كاذب ، يقول لك : سافر أخي ، إن سافر أخوه فهو صادق وإن لم يسافر فهو كاذب ، أما حينما أسألك : ما اسمك ؟ لا يصح أن تقول لي : صادق أو كاذب ، أنا أسألك ، فالسؤال ، والاستفهام ، والنداء ، والتمني ، والترجي ، والتعجب ، هذه كلها أساليب الإنشاء ، لأن أفعال هذه الأساليب لم تقع بعد ، فالشيء الذي لم يقع لا يصح أن يوصف بأنه كذب أو صدق ، أما الشيء الذي وقع فتخبر عنه فإن وقع يكون القائل صادقاً ، وإن لم يقع يكون القائل كاذباً .

قد يأتي الخبر محل الإنشاء والعكس صحيح :

 كل الكلام العربي إما أنه خبر أو إنشاء ، لكن أحياناً السياق سياق إنشاء ، فتأتي في القرآن الكريم عبارة بسياق الخبر ، مثلاً : أراد الله عز وجل أن يأمر الوالدات أن يرضعن أولادهن ، لمَ لمْ يقل : يا أيتها الوالدات أرضعن أولادكن ؟ بل قال :

 

﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ (233)﴾

( سورة البقرة الآية : 233 )

 السياق سياق إنشاء ، أمر ، فالأمر ، والاستفهام ، والنداء ، والتمني ، والترجي هذه أساليب الإنشاء ، فجاءت الآية خبراً :

﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ (233)﴾

( سورة البقرة الآية : 233 )

 الحكمة جاءت أيها الأخوة أنك إذا أمرت إنساناً ألا يتأخر أوقعت في روعه أنه يمكن أنه يتأخر ، لكنك تنهاه عن أن يتأخر ، فأي أمر مبطن باحتمال مخالفته ، لو قال أب لابنه : إياك أن تأتي بعد الساعة التاسعة ، معنى ذلك كأن الأب ألقى في روع ابنه أنه بإمكانه أن يأتي الساعة التاسعة ، لكن الأب يغضب ، فكل أمر فيه بذور مخالفته ، فإذا كان الأمر خطيراً جداً يلغى أسلوب الإنشاء أصلاً ، ويحل محله أسلوب الخبر ، شأن الوالدات أن يرضعن أولادهن ، وهذه قضية لا مساومة عليها ، ولا تقبل غير ذلك ، هذه الحكمة أن يأتي الخبر محل الإنشاء ، أحياناً القضية بالعكس ، الذي يفتري على الله ظالم ، هذا خبر ، الآية هنا :

﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً ﴾

  هذا سؤال ، استفهام ، والاستفهام إنشاء ، لكن السياق هنا سياق خبر ، معنى ذلك أن الله يريد أن نفكر أن هؤلاء الذين يكذبون هم أشد كذباً ، إن أشد الناس كذباً لا للذي يفتري على البشر كلاماً ما قالوه ، ولكن الذي يفتري على خالق البشر ، هنا السياق يقتضي الخبر ، لكن جاء عن طريق الاستفهام الإنكاري ، أي لن نجد على وجه الأرض إنساناً أشد ظلماً لنفسه ممن يفتري على خالق السماوات والأرض الكذب .

 

الفرق بين الأمر التكويني والأمر التكليفي :

 أحياناً تأتي آية :

 

﴿ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ (27)﴾

( سورة النور الآية : 26 )

 أي هل هذا من أمر الله التكويني أم التكليفي ؟ وتعلمون أن أمر الله إما أن يكون تكوينياً ، يعني أفعاله ، وإما أن يكون تكليفياً ، يعني أوامره ، عندنا أمر تكويني ، وعندنا أمر تكليفي ، لما اختلف سيدنا موسى مع سيدنا الخضر ، سيدنا الخضر معه الأمر التكويني ، معه حكمة ، أفعال الله عز وجل ، سيدنا موسى معه الأمر التكليفي ، فلما خرق السفينة هذا مخالف للأمر التكليفي ، فاعترض عليه سيدنا موسى ، الآن الله عز وجل حينما قال :

﴿ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ ﴾

  ما المقصود بذلك ؟ ، ألا نجد امرأة طيبة تحت رجل سيئ جداً ؟ ثم ألا نجد رجلاً طيباً معه امرأة سيئة جداً ؟ طبعاً ، إذاً هذا الأمر ليس تكوينياً ، لو كان تكوينيّاً لما كانت قوة على وجه الأرض إلا أن يكون الطيبون للطيبات ، ما دام في الحياة إنسان طيب معه امرأة خبيثة ، أو إنسان خبيث معه امرأة طيبة ، إذاً هذا الأمر ليس أمراً تكوينياً ولكنه أمر تكليفي ، يعني اجعلوا الطيبين للطيبات ، تتسرع في قبول هذا الخاطب ، لا تسأل عن دينه ، لا تسأل عن صلاته ، لا تسأل عن مرجعيته ، لا تسأل عن خوفه من الله ، فإذا تزوجها ، وبالغ في إذلالها ، وفي التنكيل بها تقول : قسمة ونصيب ، هذا كلام غلط ، هناك خطأ في اختيار الزوج ، وخطأ في السؤال عنه ، وخطأ في قبول هذا الزوج زوجاً لابنة مؤمنة طاهرة، إذاً الطيبون للطيبات أي احرصوا على أن يكون الطيبون للطيبات ، هذا أمر تكليفي ، وليس أمراً تكوينياً ، كذلك حينما قال الله عز وجل :

 

﴿ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِناً (97)﴾

( سورة آل عمران الآية : 97 )

 هل هذا أمر تكليفي أم تكويني ، إذا كان أمراً تكوينيّاً لم يكن آمناً بيت الله الحرام في عام ألف وأربعمئة ، حيث قُتِل فيه مئات الأشخاص ، قُتِلوا وهم في الحرم ، فإن كان هذا الأمر أمراً تكوينياً فهذا مستحيل أن يقع فيه قتل ، إذاً هذا أمر تكليفي ، أن يا عبادي اجعلوا هذا البيت الحرام آمناً ، أو ينبغي أن يكون آمناً .

 

الاستفهام الإنكاري أبلغ من النفي :

 أريد أن أضع بين أيديكم بعض الحالات البلاغية ، أن القرآن قد يعدل عن أسلوب الخبر إلى أسلوب الإنشاء لحكمة بالغة ، وقد يعدل عن أسلوب الإنشاء إلى أسلوب الخبر لحكمة بالغة ، هنا كأن الله عز وجل يريد أن يؤكد لنا أن أظلم إنسان على وجه الأرض ليس الذي يفتري على بشر كذباً ، بل الذي يفتري على خالق البشر كذباً ، يقول : أنا نبي ، هو ليس بنبي ، يقول : يوحى إليّ ، هو لا يوحى إليه ، يقول :

﴿ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ ﴾

  ليس معه شيء ، إذاً الله عز وجل عن طريق الاستفهام الإنكاري ـ مثلاً : لو قلنا لإنسان : كان هنا مبلغ من المال ، هل سرقته ؟ هو ماذا يقول لك ؟ لو قال لك : لا ، كلام ليس بليغاً ، يقول لك : أأنا أسرقه ؟! هو استفهام إنكاري ، أأنا أسرقه؟! أيعقل أن أسرقه ؟! فالاستفهام الإنكاري أبلغ من النفي ـ يقول :

﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً ﴾

  أي ليس على وجه الأرض إنسان أشد ظلماً لنفسه وللحقيقة ممن يدعي أنه نبي ، وهو ليس كذلك ، أو يدعي أنه يوحى إليه ، وهو ليس كذلك .
 بالمناسبة أيها الأخوة ، الإنسان حينما يفتري على الله كذباً ، أو حينما يقول على الله ما لا يعلم ، أو حينما يوهم الناس لمصلحة له إرضاءً لقوي ، أو خوفاً من بطشه يقول بخلاف ما يعلم ، هذا يرتكب أكبر معصية على الإطلاق ، لأن الله عز وجل حينما صنف المعاصي والآثام صنفها تصنيفاً تصاعدياً ، فذكر الفحشاء والمنكر ، والإثم والعدوان ، والشرك ، والكفر ، ثم جعل على رأس كل هذه المعاصي :

 

﴿ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (169)﴾

( سورة البقرة الآية : 169 )

 بل إن الله عز وجل حينما قال :

 

﴿ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ (154)﴾

( سورة آل عمران الآية : 154 )

 إذاً أخطر شيء أن تتكلم على الله بغير علم ، لذلك قال بعض العلماء : العوام لأن يرتكبوا الكبائر أفضل من أن يقولوا على الله ما لا يعلمون ، وأنت لا تشعر ، تقول مثلاً بالتعبير الدارج : الله عز وجل يعطي الحلاوة لمن لا أضراس له أي لمن لا يستحقها ، أليس هذا اعتراضاً على حكمة الله ؟ هناك كلمات يقولها العامة خلاف العقيدة الصحيحة ، وكأن فيها بعض الكفر .

 

الافتراء هو الكذب المتعمد :

 إذاً هنا الآية :

﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى ﴾

 الافتراء قال عنه العلماء : هو الكذب المتعمد ، لم يفترِ على بشر ، لم يفترِ على إنسان ، الإنسان حينما يفتري على إنسان يقع في إثم كبير جداً ، أن تفتري على إنسان قولاً ما قاله ، أن تنقل للناس قول إنسان ما قاله ، هذا افتراء كبير ، وهذا إثم عظيم ، فكيف إذا افتريت على خالق السماوات والأرض ؟ كيف إذا اجترأت على خالق السماوات والأرض ؟ فلذلك الافتراء هو الكذب المتعمد ، ولحكمة بالغة هناك أناس عديدون ادعوا النبوة ، منهم مسيلمة الكذاب ، وطليحة الأسدي ، والأسود العنسي ، هؤلاء ادعوا أنهم أنبياء ، فالواحد قال : والطاحنات طحناً ، والعاجنات عجناً ، والخابزات خبزاً ، جاء بقرآن ، وكان ينبغي أن يقول : والزارعات زرعاً ، والحارثات حرثاً ، وكان ينبغي أن يقول : والآكلات أكلاً ، والهاضمات هضماً ، عدد من الرجال ادعوا أنهم من الأنبياء ، لكن الشيء اللطيف أن مسيلمة الكذاب في عهد النبي صلى الله عليه وسلم قبض على صحابيين اثنين ، وقال للأول : أتشهد أني رسول الله ؟ الصحابي قال : ما سمعت شيئاً ، فقطع رأسه فوراً ، وسأل الآخر : أتشهد أني رسول الله ؟ الآخر رأى رأساً مقطوعاً بكلمة قالها الأول ، فقال : أشهد أنك رسول الله ، النبي عليه الصلاة والسلام كان مع أصحابه الكرام فقال : أما الأول فقد أعز دين الله فأعزه الله ، الآن هبط قلبنا على الثاني ، قال : وأما الثاني فقد قبل رخصة الله ، أي ما كلفك الله فوق ما تستطيع ، هذا الإسلام العظيم ، في حالة سمح أن تقول كلمة الكفر ؛ إذا هددت بالقتل ، فقال عليه الصلاة والسلام لعمار : وإن عادوا فعد ، ونزل قرآن أن الذي ينطق بالكفر وقلبه مطمئن بالإيمان لا شيء عليه ، البشر درجات ، لكن الأول أراد أن يكون بطلاً ، والثاني أراد أن يكون ناجياً ، فكلاهما مغطى ، لكن الأول موقفه بطولي .
 ماشطة بنت فرعون يوم سألها فرعون : ألكِ رب غيري ؟ وأمسك ولدها الأول ، وألقاه بالزيت المغلي ، قالت : الله ربي وربك ، ألقى الأول ، وألقى الثاني ، وألقى الثالث ، وألقى الرابع ، لو تسألنا : لو قالت له : أنت ربي ، ونجت من هذا العذاب المحقق ، هل يؤاخذها الله عز وجل ؟ الجواب : لا ، لكنها أرادت أن تكون بطلة ، البطولة مفتوحة ، لو أن أصحاب الأخدود آمنوا بالذي يعذبهم ، وكفروا بالله بلسانهم ، ما كانوا عند الله آثمين ، ولكن الله يريد أن يرينا بعض البطولات من بني البشر .

 

أسباب أن الأنبياء مطالبون بالمعجزات أما مدّعو النبوة فلا :

 أيها الأخوة ، شيء يلفت النظر أن هؤلاء الذين ادعوا النبوة لم يُطَالَبوا بالمعجزات ، لماذا يطالب الناس النبي صلى الله عليه وسلم بالمعجزات ، والآيات كثيرة ؟

 

﴿ وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً (90)أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيراً (91)أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلاً (92)أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَقْرَؤُهُ (93)﴾

( سورة الإسراء )

 لماذا يُطَالَب الأنبياء بالمعجزات ، ولا يطالب مدّعو النبوة بالمعجزات ؟ أليس هذا سؤالاً دقيقاً ؟ الجواب سهل : لأن الذي ادعى النبوة أسقط الصلاة ، والثاني اسقط الزكاة ، فحينما تخفف على الناس يقبلونك على مساوئك ، عندئذٍ لا يطالبونك بالمعجزات ، أقول لكم هذه الحقيقة الدقيقة : الفِرَق الضالة في العالم الإسلامي من بعثة النبي إلى يوم القيامة لها أربعة خصائص ، الخاصة الأولى : تأليه الأشخاص ، أما سيد الخلق:  خطيب قال للنبي : ما شاء الله ، وشئتَ ، فقال عليه الصلاة والسلام :

(( بئس الخطيب أنت ، أجعلتني لله نداً ، قل ما شاء الله كان ، وما لم يشاء لم يكن ))

[ورد في الأثر]

 سيد الخلق وحبيب الحق متواضع ، فلذلك الفرق الضالة من خصائصها تأليه الأشخاص ، شخص يكبر ، ويكبر ، ويكبر حتى يصبح كلامه تشريعاً ، أما النبي عليه الصلاة والسلام قيل له : مثّل بهؤلاء الذين مثلوا بعمك حمزة ، أجاب إجابة لا أنساها ، قال :

(( لا أمثل بهم فيمثل الله بي ولو كنت نبياً ))

[ورد في الأثر]

 ما هذا الخوف من الله عز وجل ؟!!

 

أعظم صفة بالمؤمن أنه يخاف الله :

 أخواننا الكرام ، هناك فرق كبير جداً بين أن توالي ربك ، وبين أن توالي قوياً ، القوي إذا واليته لا يحاسبك ، يهمك أن يكون ولاءك له ، لذلك تفعل بالناس ما تستطيع ، تفعل بالناس كل ما تستطيع من أذى ، أما حينما توالي ربك لا يقبلك ، ولا يتجلى عليك ، ولا يرحمك إلا أن اتقيت أن تعصيه من كل البشر ، أعظم صفة بالمؤمن أنه يخاف الله ، لا يمكن أن يؤذي إنساناً ، أن يبني مجده على أنقاض الناس ، أن يبني حياته على موتهم ، أن يبني عزه على ذلهم ، أن يبني غناه على فقرهم ، مستحيل ، فالذي يوالي خالق السماوات والأرض يحاسبه الله عز وجل لو قتل نملة .

(( عُذِّبَتْ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ حَبَسَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ جُوعاً ، فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ ، قَالَ : فَقَالَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ : لَا أَنْتِ أَطْعَمْتِهَا ، وَلَا سَقَيْتِهَا حِينَ حَبَسْتِهَا ، وَلَا أَنْتِ أَرْسَلْتِهَا فَأَكَلَتْ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ ))

 

[متفق عليه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا]

 

(( قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ فُلَانَةَ يُذْكَرُ مِنْ كَثْرَةِ صَلَاتِهَا ، وَصِيَامِهَا ، وَصَدَقَتِهَا ، غَيْرَ أَنَّهَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا ، قَالَ : هِيَ فِي النَّارِ ، قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَإِنَّ فُلَانَةَ يُذْكَرُ مِنْ قِلَّةِ صِيَامِهَا ، وَصَدَقَتِهَا ، وَصَلَاتِهَا ، وَإِنَّهَا تَصَدَّقُ بِالْأَثْوَارِ مِنْ الْأَقِطِ ، وَلَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا ، قَالَ : هِيَ فِي الْجَنَّةِ ))

[ رواه أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 إن كنت ولياً لله فلا تستطيع أن تؤذي نملة فما فوقها ، لذلك الناس يقولون : الذي يخاف الله لا تخف منه ، مقيد ، مقيد بقيود الإيمان ، الفرنجة حينما غزوا القدس ماذا فعلوا ؟ ذبحوا سبعين ألفاً في يومين من المسلمين ، فلما فتح صلاح الدين رحمه الله القدس لم يسفك دماً ، ولم يرق قطرة دم ، بل سمح لهؤلاء أن يبيعوا متاعهم بأسعارها الحقيقة ، وأن يغادروا وهم سالمون ، من قيد صلاح الدين عن أن يفتك بهم كما فتكوا بالمسلمين ؟ الله عز وجل :

(( الْإِيمَانُ قَيَّدَ الْفَتْكَ ، لَا يَفْتِكُ مُؤْمِنٌ ))

[ أبو داود عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 الفرق صارخ بين من يخاف الله وبين من لا يخافه .

 

الفرق الضالة في العالم الإسلامي لها أربع خصائص :

 أيها الأخوة ، إذاً الفرق الضالة في العالم الإسلامي لها أربع خصائص ، الأولى : تأليه الأشخاص ، والثانية : تخفيف التكاليف ، ما في الدين شيء ، الآن أكثر الديانات الأرضية لها أتباع بمئات الملايين ، ما السبب ؟ ما فيها تكاليف أبداً ، ولاء فقط ، أعلن ولاءك وانتهى الأمر ، مع الولاء عبادات ، تمتمات ، حركات ، سكنات ، رقص ، موسيقا ، غناء ، هذه العبادات تمتمات ، وحركات ، وسكنات ، وإيماءات ، ورقص ، وموسيقا ، وغناء .
 والله حضرت مؤتمراً للأديان في واشنطن ، ثماني عشرة ديناً عرضوا على الناس عباداتهم ، صدقوا أيها الأخوة ثماني عشرة ديناً ، العبادات حتماً وحصراً غناء وموسيقا ورقص ، شيء جميل ، لا فيه تكاليف ، ولا محرمات ، ولا أمر بالمعروف ، ولا نهي عن المنكر ، ولا الخنزير حرام ، ولا الخمر حرام ، ولا إطلاق البصر حرام ، ولا غيبة ، ولا نميمة ، ما فيها شيء إطلاقاً ، حركات ، وسكنات ، وتمتمات ، وإيماءات ، وغناء ، ورقص ، وموسيقا ، لذلك الذين ادعوا النبوة لم يطالبوا بالمعجزات ، ما مِن داعٍ ، مؤمنون نحن سلفاً ، أرحتنا من الصلاة ، والصوم ، والحج ، والزكاة .
 أيها الأخوة ، هناك نقطة دقيقة جداً ، نشاط الطرف الآخر ، من بعثة النبي إلى يوم القيامة آية واحدة ، دققوا فيها :

 

﴿ وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً (73)﴾

( سورة الإسراء )

 أي مسموح لك أن تقيم شعائر الدين ، لكن لا يسمح لك أن يكون اقتصادك إسلامياً ، ولا علاقاتك بالمرأة إسلامياً ، ولا حربك إسلامية ، لك أن تقيم شعائر الدين فقط ، العبادات ما لها قيمة ، شكلية ، فتجد الدول المتفلتة من الدين لها معابد ، ومساجد ، وكنائس ، واحتفالات ، ومؤتمرات ، ومظاهر إسلامية صارخة ، لكن المنهج ليس إسلامياً ، فلذلك :

﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً ﴾

خطة الطرف الآخر الحفاظ على الأطر الإسلامية مع تغيير المضامين :

 يا أيها الأخوة ،

﴿ وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً ﴾

  طبعت العلاقات عندئذٍ .

 

﴿ وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً (74)إِذاً لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً (75)﴾

( سورة الإسراء )

 أيها الأخوة ، أول نقطة : تأليه الأشخاص ، الثانية : تخفيف التكاليف ، إذا خففت التكاليف فلا أحد يسألك عن المعجزات ، الثالثة : اعتماد نصوص موضوعة لم يقلها النبي ، أو اعتماد تأويلات غير صحيحة للقرآن الكريم ، الآن مكر الطرف الآخر إما إلى تأويل غير صحيح لآيات القرآن الكريم ، أو إلى أحاديث موضوعة ما أنزل الله بها من سلطان .
 النقطة الرابعة : النزعة العدوانية ، تأليه الأشخاص ، وتخفيف التكاليف والنصوص غير الصحيحة ، والنزعة العدوانية :

﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ ﴾

 أقول لكم من القلب إلى القلب : خطة الطرف الآخر الحفاظ على الأطر الإسلامية لكن تغيير المضامين ، نمط حياة غربي ، استثمار مال ربوي ، علاقات مع النساء متفلتة ، تحلل ، كل شيء مباح ، أما الصلاة ، والصوم ، والحج ، هذا كله مسموح به ، أما أن تبني مجتمعاً وفق منهج الله فهذا غير مسموح به ، أن تبني حياة اجتماعية على الحجاب ، وعدم الاختلاط ، هذا غير مسموح به في العالم كله ، هذا معنى قوله تعالى :

﴿ وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً ﴾

 أيها الأخوة ، بعد أن سقطت النظم الوضعية لم يبقَ إلا الإسلام ، هناك الآن تفكير من الطرف الآخر أن يقنع المثقفين بقرآن مفرغ من مضمونه ، أي لك أن تسلك أي سلوك إباحي ، وأنت مسلم ، وأنت مؤمن ، مكان فيه رقص ، وفيه دعارة ، وفيه الموبقات كلها ، وخمور ، وفتيات محجبات ، ماذا يقصد من ذلك ؟ شيء طبيعي ، الآن عبارة اجتماعية ، كله عادي ، ملهى ‍، عادي ، مطعم فيه خمور ، عادي ، فحينما يدخل المسلم في كل المجالات المحرمة بزي إسلامي ، أو بزي امرأة مسلمة محجبة ، هذا اسمه خلط الأوراق ، المقاهي تدار فيها الخمور ، وفيها نساء محجبات ، ما المقصود من ذلك ؟ المقصود أن الدين فرغ من مضمونه ، بقي إطاراً ، إطاراً فلكلورياً فقط .
 والله أيها الأخوة ، القلب يعتصر حينما يتلى كتاب الله ، كان هذا قبل عشرين سنة في باريس لا على أنه كتاب مقدس بل على أنه كتاب فلكلوري للشرق الأوسط ، فلكلور ، فلذلك الآن تفريغ الدين من مضمونه هدف الطرف الآخر ، قوى كبيرة تسعى لذلك ، أينما حلوا الاختلاط ، أفلام الجنس ، الإباحية ، تفلت المرأة ، نزع الحجاب ، إقامة دور الملاهي ، هذه كلها من أجل تفكيك المجتمع المتماسك ، فلذلك كانوا يجبروننا بالقوة المسلحة على أن نفعل ما يريدون ، لكنهم الآن يجبروننا بالقوة الناعمة ، بالمرأة على أن نريد ما يريدون .

 

سبب حذف جواب الشرط في الآية التالية :

 الآية الكريمة أيها الأخوة :

 

﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ ﴾

 هذه العبارة فيها نقص بحسب قواعد اللغة ، مثلاً : لو جئتني لأكرمتك ،(لو) شرطية ، فعل الشرط(جئتني) ، جواب الشرط(أكرمتك) ، هكذا اللغة ، فالقرآن الكريم وهو كلام خالق الأكوان ، لماذا حذف جواب الشرط ؟ شيء دقيق جداً ، مثلاً لو قلت لك : لو ترى فلاناً وهو في السجن كيف يُعذَّب ، واضحة ، لو ترى فلاناً وهو في السجن ، هذا فعل الشرط، جواب الشرط : كيف يعذب ؟ أما إذا الذي يعانيه لا يوصف ، ولا تحيط به عبارة ، ولا تحويه إشارة ، أكتفي بفعل الشرط ، ولو ترى فلاناً وهو في السجن ، ما يعانيه تعجز عنه العبارة ، ولا تفي بحقه الإشارة ، هذا المعنى ، يقول الله عز وجل :

﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ﴾

 الذين قالوا : أوحي إلينا ولم يوحَ إليهم ، وقالوا ، وافتروا على الله الكذب ، وقالوا :

﴿ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى ﴾

 هؤلاء

﴿الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾

 شاءت مشيئة الله أن تموتوا ، فإن كنتم آلهة كما تدعون ، وإن كان لكم أنبياء آخرون ، إن كان لكم شركاء لله آخرون ، تفضلوا وخلصوا أنفسكم من هذا العذاب المهين ، فلذلك من السهل أن تضحك أولاً ، ولكن البطولة أن تضحك آخراً .

 

﴿ فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (34)﴾

( سورة المطففين )

الإيجاز الغني :

 قال تعالى :

 

﴿ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آَيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ ﴾

 أحياناً في اللغة تركيب بلاغي اسمه الإيجاز الغني ، لو قلت لأحد : لقد أصابني همٌ ، الذي أصابني همٌ محدود ، أصابني فقر ، أصابني ضيق ، أصابني مرض ، أما إذا قلت: لقد أصابني ما أصابني ، واسعة جداً ، تحتمل كل شيء ، هذا اسمه الإيجاز الغني ، لذلك الله عز وجل لما قال :

﴿ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آَيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ ﴾

 جواب(لو) محذوف ، لأن العبارة لا تفي بالحقيقة ، لأن كل أنواع الأساليب عاجزة عن وصف حالة الإنسان حينما يلقى الله عز وجل وقد افترى على الله كذباً وقال :

﴿ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ ﴾

﴿ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ ﴾

 عذاب الهوان ، هناك عذاب مهين ، وعذاب أليم ، وعذاب عظيم ، كل إنسان يعاقب بعذاب متعلق بنوع معصيته ، فالذي كان متكبراً في الدنيا له عذاب مهين ، والذي كان مستمتعاً فيها له عذاب أليم، والذي ادعى الألوهية له عذاب عظيم ،

﴿ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آَيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ ﴾

بعض من معاني كلمة ( فرادى ): قال تعالى :

﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (94)﴾

 كل إنسان له شأن ، له مكانة ، له قصر ، له بيت ، له مركبة ، له طائرة خاصة أحياناً ، الناس مجتمعون حوله ، مثلاً العدوان على بلد إسلامي ، كل الدول الغربية ناصرت العدوان ، يخافون من هذا القطب الواحد ، ليس هناك قيم ، ولا مبادئ ، لا تستمع إلى كلمة حق ، أو إلى كلمة إنصاف ، لكن في تكتل كبير ، العالم الغربي كله متكتل ضد الإسلام ، والعالم الغربي يرضى أن يباد المسلمون تماماً ، لكن عند الموت قال :

﴿ جِئْتُمُونَا فُرَادَى ﴾

  ليس هناك تكتلات يوم القيامة ، ولا تناصر إعلامي ، ولا تصريحات موافقة ، كل أنواع التناصر والتلازم والتعاون وأن تكون مع الباطل هكذا ينتهي ،

﴿ جِئْتُمُونَا فُرَادَى ﴾

 أحياناً الإنسان يكون له شأن ، بهاتف يحل مليون مشكلة ، في الآخرة لا يوجد مثل هذا ، ليس هناك هاتف أساساً بالآخرة ، ولا تغطية أبداً ،

﴿ جِئْتُمُونَا فُرَادَى ﴾

  ما معك أحد ، ولا زوجتك ، وقد تقع عين الأم على ابنها يوم القيامة ، النبي عليه الصلاة والسلام قال:

(( يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلاً ، قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، النِّسَاءُ وَالرِّجَالُ جَمِيعاً يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ ؟! قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا عَائِشَةُ ، الْأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ ))

[متفق عليه عن عائشة أم المؤمنين ]

 أي إذا أخذت إنساناً للإعدام ورأى امرأة متفلتة في ثيابها ، هل يثيره منظرها ؟ مستحيل ،

﴿ جِئْتُمُونَا فُرَادَى ﴾

  قال : يا أم المؤمنين الأمر أفظع من أن يعنيهم ذلك ، وقتها قد تقع عين الأم على ابنها ، تقول : يا بني جعلت لك حضني وطاء ، وبطني وعاء ، وصدري سقاء ، فهل من حسنة يعود علي خيرها ؟ فيقول ابنها : يا أمي ليتني أستطيع ذلك ، إنما أشكو مما أنت منه تشكين ،

﴿ جِئْتُمُونَا فُرَادَى ﴾

 الآن هناك تكتلات في العالم كبيرة جداً ، أوربا كلها متكتلة ، ينطق بها إنسان واحد ، العالم الغربي ، العالم الشرقي ، الصين ، اليابان في تكتلات كثيرة ، وتناصر على الباطل ، أما يوم القيامة ،

﴿ جِئْتُمُونَا فُرَادَى ﴾

 من معاني فرادى أي جئت بعيداً عن كل ما عندك من أموال ، من تجمعات ، من رجال ، من حواشٍ ،

﴿ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ ﴾

  ترك بيته ، ترك مكانه ، ترك مكتبه التجاري ، ترك رصيده بالمصرف ، ترك مكانته الاجتماعية كل هذا تركه .

 

البطولة أن تبدأ من النهاية :

﴿ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ ﴾

  أين تجمعكم ؟ أين من يناصركم ؟ أين من يصرح معكم دائماً ؟

﴿ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ ﴾

 تقطعت هذه العلاقات ، تقطعت هذه التحالفات في العراق ، تقطعت هذه العلاقات وهذه التحالفات ، تقطع هذا التواصل ، تقطع هذا التجمع ،

﴿ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾

  البطولة أيها الأخوة أن تبدأ من النهاية .

 

﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ (2)﴾

( سورة الملك الآية : 2 )

 بدأ الله بالموت ، لأن الموت أخطر حدث في حياة الإنسان ، أنت حينما تولد أمام خيارات لا تعد ولا تحصى ، أما عند الموت فأمام خيارين لا ثالث لهما :

(( والذي نفسي بيده ما بعد الموت من مستعتب ولا بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار ))

[البيهقي في الشعب من حديث الحسن]

 ابدأ من النهاية ، هذا البيت سوف تتركه ، هذه المركبة سوف تتركها ، هذه الزوجة الجميلة سوف تتركها ، هذا المال الوفير المنقول وغير المنقول ، هذه المكانة ،

﴿جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾

 أخواننا الكرام ، القرآن شفاء للصدور ، شفاء كل ما يؤلمك من أخبار ، كل ما يؤلمك من غطرسة ، من عدوان ، من استعلاء ، من تكبر ، من تجمع على الباطل ، قال عليه الصلاة والسلام : س

(( تُمْلَأُ الْأَرْضُ ظُلْماً وَجَوْراً ، ثُمَّ يَخْرُجُ رَجُلٌ مِنْ عِتْرَتِي يَمْلِكُ سَبْعاً أَوْ تِسْعاً ، فَيَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطاً وَعَدْلاً ))

[ أحمد عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ]

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018