الدرس : 28 - سورة الأنعام - تفسير الآيات 79-83 ، الحُجَّة لا تأتي إلا مع الإيمان - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 28 - سورة الأنعام - تفسير الآيات 79-83 ، الحُجَّة لا تأتي إلا مع الإيمان


2005-07-08

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .
 أيها الأخوة الكرام ، مع الدرس الثامن والعشرين من دروس سورة الأنعام .

ليست العبرة أن تُقر أنه إله واحد ولكن العبرة أن ترجو لقاءه :

 مع الآية التاسعة والسبعين ، وهي قوله تعالى :

 

﴿ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79)﴾

 هذا الدين كله دين التوحيد ، وقد لخصه الله عز وجل بكلمات .

﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً (110)﴾

( سورة الكهف الآية : 110 )

 هنا نقطة دقيقة جداً ، لا يكفي أن تُقر بالتوحيد ينبغي أن تتحرك ،

﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ ﴾

  ليست العبرة أن تُقر أنه إله واحد ولكن العبرة أن ترجو لقاءه ،

﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً﴾

 كنت أضرب مثلاً : في النظام العسكري المجند لا يستطيع أن يقابل قائد الفرقة ، مستحيل ، فوقه مراتب كثيرة جداً ، والنظام العسكري يقتضي التسلسل ، لكن لو أن هذا المجند رأى ابن قائد الفرقة على وشك الغرق فألقى بنفسه وأنقذه ، يستطيع أن يقابله ، ويجلسه إلى جنبه ، ويأتيه بالضيافة ،

﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً ﴾

الشرك الجلي والشرك الخفي :

 أكثر شكوى تأتيني أنه أحواله ضعفت ، صلاته ما فيها خشوع ، يؤدي الأعمال الصالحة من دون أن يشعر بقرب من الله عز وجل ، لكن هذه الآية هي الرد المفحم :

﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ ﴾

  ومعنى لقاء ربه قد يكون هذا في الدنيا ، اللقاء الاتصال ، في الدنيا الاتصال ، في الآخرة دخول الجنة ،

﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ﴾

 هنا :

﴿ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ ﴾

  لا إلى زيد ، ولا إلى عبيد ، ولا إلى فلان ، ولا إلى علان ، ولا إلى الشمس ، ولا إلى القمر ، ولا إلى الحجر ، ولا إلى المدر ، ولا إلى البقر ولا إلى الأصنام ،

﴿ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً ﴾

  لا يكفي أن توجه وجهك إليه ، ينبغي أن تكون مائلاً إليه ، العبادة طاعة طوعية ، ممزوجة بمحبة قلبية ، ما عبد الله من أطاعه ولم يحبه ، وما عبد الله من أحبه ولم يطعه ،

﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾

 مرة ثانية أيها الأخوة ، في العالم الإسلامي ليس مطروحاً الشرك الأكبر وهو الشرك الجلي ، لكن الشرك الخفي موجود في العالم الإسلامي ، هي شهوة خفية ، الشهوة الخفية أنت ألهت شهوتك ، عبدت شهوتك من دون الله ، ولكن شهوة خفية وأعمال لغير الله ، أما إني لست أقول لكم إنكم تعبدون صنماً ولا حجراً ، ولكن شهوة خفية وأعمال لغير الله .

 

﴿ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾

  كلمة إشراك أن تعتمد على غير الله ، أن تعلق الأمل على غير الله ، أن ترجو غير الله ، أن تحب غير الله ، أن تخاف غير الله ، أن تخلص لغير الله ، أن تتجه لغير الله ، أنت حينما تعلم علم اليقين أنه لا رافع ولا خافض ، ولا معطي ولا مانع ، ولا معز ولا مذل إلا الله ، وصلت إلى التوحيد ، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد . الآن :

 

 

﴿ وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (80)﴾

 قومه حاجوه بالشرك أن هذه أصنام تنفع وتضر .

الحجة لا تأتي مع الشرك بل تأتي فقط مع الإيمان :

 أخواننا الكرام ، من المستحيل أن يكون مع الشرك حجة ، الحجة مع الإيمان .

 

﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ (83)﴾

( سورة الأنعام الآية : 83 )

 لا يمكن أن تقوم للباطل حجة ، الحجة ضعيفة ، واهية ، متمزقة ، لا تقف على قدميها ، وإذا أصغيت إلى حجج أهل الدنيا رأيت شيئاً مضحكاً ، حججهم باطلة وداحضة عند الله عز وجل ، الحجة اليقينية القطعية المقنعة القاطعة لا يملكها إلا المؤمن قولاً واحداً .
 بشكل أو بآخر أنا أتمنى لكل واحد منا أن يكون في أعلى درجة من امتلاك الحجة، لكن أقول لكم كلمة لعلها قاسية : ما لم تقم الحجة على المنكرين فإيمانك ليس كافياً ، ما لم تقم الحجة على غير المؤمنين فإيمانك ليس كافياً ، لأن الإيمان في الأصل ليس متداولاً بين المؤمنين ، بين المؤمنين وبين غير المؤمنين .
 مرة حضرت مناقشة دكتوراه ، والكتاب ثمانمئة صفحة ، هي أطروحة ، الدكتور المناقش قال له كلمة ، قال له : هذا الكتاب لا يصلح إلا للمسلمين ، ولكن جهة أخرى إذا قرأته لها عليه ألف مأخذ ومأخذ ، قال له : إنك لا تصب ماء في وعاء فارغ ، إنك تصب ماء في وعاء ملآن .
 أنت ما لم تفكر كيف يفكر هذا الإنسان الآخر ، الآن أكثر شيء مطروح الرأي والرأي الآخر ، وأنت كمؤمن يجب أن تعلم الرأي الأخر ، ويجب أن تملك حجة تدحض الرأي الآخر ، تدحضه بالعلم لا بالصياح والشتم ، هذا ليس من سلوك المؤمنين .

 

الإنسان حينما لا يعلم من هو الله لا يملك الحجة :

 يقول الإمام الغزالي : "ما ناقشني جاهل إلا غلبني ، ولا ناقشت عالماً إلا غلبته "، حجج أهل الدنيا بالصياح والضجيج ، والسّباب والشتائم ، أما الحجة العلمية علم لعلم ، حجة لحجة ، دليل لدليل ، لا يمكن أن تقوم حجة للباطل ، الحق لا يتعدد ، والمؤمن الصادق وحده يملك الحجة ،

﴿ وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ ﴾

 أي حاوروه ، أو ناقشوه ، أو جادلوه ، كلمة حوار كلمة مقبولة ، لكن كلمة جدال غير مقبولة ، حاجه هنا أتوا بحجج واهية ، على الشرك ، على أن هذه الأصنام تنفع وتضر ،

﴿ وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ ﴾

﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (28)﴾

( سورة هود )

 إنسان معه جوهرة ثمنها مئة مليون أمام إنسان يحمل قطعة من الزجاج ثمنها قروش ، فأنت تعلم ماذا تملك ، والحقيقة أنت حينما لا تعلم من هو ربك ، وكيف أن الله سبحانه وتعالى يدافع عنك ، وكيف أن الله سبحانه وتعالى لا يتخلى عنك ، أنت حينما لا تعلم من هو الله لا تملك الحجة .
 الآن نحن في العالم الإسلامي نعاني حالة إحباط سببها الغزو ، والتهديد ، والاحتلال ، والاتهام ، والضغوط ، هذا كله واقع لكن المؤمنين الصادقين لا يتأثرون به أبداً .

 

﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173)فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174)﴾

( سورة آل عمران )

الشرّ في النفوس فقط أما في الأفعال فكل شيء وقع أراده الله تعالى :

 أخواننا الكرام ، يجب ألا ترى مع الله أحداً ، على الشبكية ملايين القوى الجبارة في الأرض ، ملايين القوى الطاغية ، ملايين القوى الظالمة ، على الشبكية الشر ليس إلا في النفوس ، أما في الأفعال فكل شيء وقع أرداه الله وكل شيء أراده الله وقع ، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة ، وحكمته المطلقة متعلقة بالخير المطلق ، ما دام الشيء وقع فقد أراده الله ، والحقيقة الدقيقة أنه لكل واقع حكمة ، وليس كل موقع حكيماً ، قد يكون الموقع مجرماً ، ولكن لأن فعله وقع فهناك حكمة نعرفها أو لا نعرفها ، نكشفها أو لا نكشفها .
 إذاً :

﴿ وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ ﴾

 ـ بآلهتهم ـ

﴿ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ ﴾

 إنسان يأكل العسل ، ويأتي إنسان آخر ما ذاق العسل ، ما ذاق إلا الدبس ، فإذا أقسم هذا الإنسان الآخر أنه ما رأى طعماً أطيب من الدبس فهو صادق ، لأنه لم يذق العسل ، أنا لا أقول : المؤمن متكبر ، لا أبداً ، لكن المؤمن ذاق من أحوال القرب ما لم يذقه أهل الدنيا ، شعر بسعادة القرب من الله لم يشعر بها أهل الدنيا ، من هنا قال بعض العلماء : " في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة ، إنها جنة القرب " ، وقالوا : "ماذا يفعل أعدائي بي ؟ بستاني في صدري ، إن أبعدوني فإبعادي سياحة ، وإن حبسوني فحبسي خلوة ، وإن قتلوني فقتلي شهادة ، فماذا يفعل أعدائي بي ؟ " .
 ما لم تكن سعيداً بما وهبك الله من نعمة التوحيد ، وما لم تكن محاجاً بالحجة اليقينية بما وهبك الله من الحق العتيد ففي الإيمان خلل .

 

موضوع الخوف :

 الآن موضوع الخوف ، قال :

﴿ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ ﴾

  أي هذه الأصنام أحجار ، هذه لا تخيف ، والذي يخاف منها عطل عقله ، والحقيقة أحياناً ترى إنساناً في أعلى مرتبة اجتماعية ، قد يكون رئيس وزارة في العالم الغربي ، يذهب إلى فلكي ليتنبأ له ، معنى ذلك أن ضعف الإنسان يحوجه إلى جهة قوية يعتمد عليها وهذا أصل التدين . قال الله تعالى :

 

﴿ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً (28)﴾

( سورة النساء )

 نحن جميعاً ضعفاء لكن المؤمن قوى ضعفه بالله ، نحن جميعاً فقراء لكن المؤمن قوى فقره بالله عز وجل ، استغنى بالله ، نحن جميعاً جهلاء لكن المؤمن استنار بنور الله ، لذلك حاش يا رب أن نفتقر في غناك ، وأن نضل في هداك ، وأن نضامّ في سلطانك ،

﴿أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ ﴾

  قديماً كانت الأصنام أما الآن فهناك طغاة في العالم ، طغاة ترتعد فرائص الدول منهم ، ليس الأشخاص بل الدول ، طغاة ترتعد فرائص الدول منهم لما عندهم من أسلحة فتاكة ، ولما في قلوبهم من قسوة كالحجر ، لا يعبؤون بالدمار ، مصلحتهم قائمة على الحروب ، هذه الدول القوية أخبرنا الخبراء أن مصالحها لا تتحقق إلا بالحروب ، فالحروب جزء من أنظمتهم ، ودائما عقود الأسلحة عقود إذعان ، قد يكون بمئة ضعف ، بألف ضعف ، لذلك مصالحهم لا تقوم إلا على الحروب ، هذه الجهات القوية التي ترتعد منها فرائص الدول أمام المؤمن ،

﴿وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ ﴾

 بشكل مبسط جداً : وحش مخيف جائع مفترس ، يأكل الإنسان بلقيمات ، لكنه مربوط بزمام بيد جهة قوية حكيمة عادلة رحيمة ، أنت علاقتك مع هذه الجهة ، هذه الجهة لو شاءت لأرخت الزمام ووصل إليك ، ولو شاءت لشدت الزمام وأبعدته عنك ، هذه القصة كلها

﴿ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً ﴾

  أي إلا أن أعاقب بمشيئة الله عن طريق هذا الوحش ، فهذا الوحش أخافه ولا أخافه ، لا أخافه لأنه لا يملك نفعاً ولا ضراً ، وأخافه إن أراد الله لي التأديب فاستخدمه أداة لذلك .
 الفكرة دقيقة ، أنا لا أخاف هذا الطاغية ، لأنه لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضرا ، وأخافه إن شاء الله لي التأديب عن طريقه ، سمح له أن يقترب مني :

 

(( لا يخافن العبد إلا ذنبه ، ولا يخافن إلا ربه ))

 

[مسند الفردوس]

لا ينجي المسلم إلا أن تكون عقيدته تحقيقاً لا تقليداً :

 الآن :

﴿ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً ﴾

  علم الله متعلق بعدله ، مادام الله يعلم والأمر بيده وهو القوي :

 

﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (62)﴾

( سورة الزمر )

 وقال :

 

﴿ لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ (54)﴾

( سورة الأعراف الآية : 54 )

 أنا لا أخاف من هؤلاء الشركاء ،

﴿ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً ﴾

 وربي يعلم ، أجمل كلمة سمعتها مرة الحمد لله على وجود الله ، الله يعلم ، أحياناً الإنسان يُتَهَم تهمة باطلة ، أحياناً الذي بيده أمره لا يعلم حجم عمله ، مثلاً : موظف مخلص ، دؤوب ، يعمل بإخلاص ، بجهد كبير ، فتعب كثيراً ، خرج من مكتبه إلى الممشى ليستنشق الهواء ، خرج المدير العام من مكتبه ، ما هذه الفوضى ؟! لأنه لا يعلم ، لا يعلم حقيقتك إلا الله ، فأنت إذا تعلقت بغير الله تصاب بخيبة أمل كبيرة جداً ، هذا الذي تظنه يعلم لا يعلم ، لأنه بشر مثلك ، لا يرى إلا بعينيه ، لا يرى إلا الظاهر ،

﴿ وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً ﴾

  الآن مثلاً الآية الكريمة :

 

﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ (19)﴾

( سورة محمد الآية : 19 )

 ما قال : فقل ، لو قال : فقل ، لقبلت عقيدة المؤمن تقليداً ، ولو قبلت عقيدة الإنسان تقليداً لكانت كل الفرق الضالة ناجية عند الله ، لماذا ؟ لأنهم سمعوا ممن يقف على توجيههم كلاماً فصدقوه ، إلا أن العقيدة لا تقبل إلا تحقيقاً وتدقيقاً ، مدللة بالأدلة ، معللة بالحكم ، فلو أن العقيدة تقبل تقليداً لانتهى الأمر ، لكن العقيدة لا تقبل إلا تحقيقاً ، لذلك لا ينجي المسلم أن يكون أبوه مسلماً ، وأمه مسلمة ، لا ينجي المسلم إلا أن تكون عقيدته تحقيقاً ، فالآية :

﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾

 لا إله إلا الله الأمر بيده ، هو الرافع ، هو الخافض ، هو المعطي ، هو المانع ، هو المعز ، هو المذل .

 

كل شيء من الله فإذا جاءك من الله ما تكره فابحث عن ذنبك :

 قال تعالى :

 

﴿ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ (19)﴾

( سورة محمد الآية : 19 )

 ما علاقة القسم الثاني بالقسم الأول ؟ أنت حينما يأتيك شيء تكرهه يجب أن توقن أن هذا من فعل الله ، وأن هذا سمح الله به ، وأن هذا أراده الله ، لكن لئلا تتهم الله بالظلم ابحث عن خلل في استقامتك ،

﴿ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ﴾

 بين جزئي الآية تكامل :

﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾

  فإذا جاءك من الله ما تكره ، مادام كل شيء من الله

﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾

 كل شيء من الله فإذا جاءك من الله ما تكره فابحث عن ذنبك .
 هناك قاعدة في الأمن الجنائي لطيفة : في أية جريمة عندهم قاعدة ابحث عن المرأة ، في الأعم الأغلب وراء كل جريمة امرأة ، ليست هي القاتلة ، لكن هي المسببة في القتل ، أنا أقول لكم : طبقوا هذه القاعدة بشكل آخر ، حينما يأتيك ما لا يرضيك ابحث عن الخطأ ، ابحث عن الذنب ، ابحث عن الخلل ، ابحث عن الظلم .

 

أمثلة من الحياة العامة عن تأديب الله لعباده :

 أحد الأخوة الكرام متفوق جداً في اختصاص نادر ، المعامل الضخمة فيها حواسيب صناعية ، هذا الأخ متخصص بإصلاح الحواسيب الصناعية ، ويتلقى أجراً فلكياً ، فمرة استدعي لإصلاح حاسوب لمعمل ، وطلب مبلغاً كبيراً ، فصاحب المعمل جادله كثيراً ، وساومه كثيراً ، حتى ضاق به ذرعاً ، وقال له : أنا لست بحاجة إليك ، أنت بحاجة إلي ، فإن شئت الأجر فأنا جاهز ، وإلا فاسمح لي ، فصاحب المعمل أذعن له ، الأخ صادق ومؤمن ، يغلب على ظني أنه صالح ، ولا أزكي على الله أحداً ، في العادة يستغرق الإصلاح ربع ساعة، نصف ساعة ، ساعة ، أول يوم من الثامنة صباحاً حتى الثامنة مساء ما تبيّن معه شيء ، ثاني يوم بأكمله ، ثالث يوم بأكمله ، رابع يوم ، خامس يوم ، سادس ، سابع يوم ، ثامن يوم ، ما اكتشف الخلل ، والأجر على الإنجاز لا على الساعات ، على الإنجاز ، ثمانية أيام ضاعت من وقته ، ولم يكشف الخلل ، قال لي : عدت إلى البيت في اليوم الثامن عالجت نفسي فيها خلل ، دقق وبحث حتى وصل إلى هذه الكلمة : أنا لست بحاجة إليك ، أنت بحاجة إلي ، إن قبلت بهذا الأجر فأنا آتيك غداً وإلا فاعذرني ، فيها كبر ، فيها اعتداد ، أقسم بالله العظيم في اليوم التاسع خلال ربع ساعة ، طبعاً استغفر ، ودفع صدقة ، واصطلح مع الله ، أقسم بالله العظيم باليوم التاسع بربع ساعة الخلل انكشف ، والمشكلة حُلت ، تأديب .
 أخ ثانٍ عنده معمل ألبسة ، أخ في المسجد علم أن هذا الأخ عنده معمل ألبسة ، واقترب العيد ، فذهب إليه ، وطلب قطعتين لأولاده ، طبعاً شراء ، لكن هذا المعمل يبيع ثلاثين دزينة ، أربعين دزينة ، اعتبر صاحب المعمل أن القطعتين إهانة له ، قال له : أنا لا أبيع بالمفرق ، قال له : لا عليك ، شكراً ، فودعه ، وخرج من معمله ، أقسم بالله العظيم ـ وهو بيننا الآن ـ ما دخل إلى معمله إنسان مدة ثلاثة وثلاثين يوماً ، الله أدبه ، هذه الكلمة كبيرة ، إنسان جاء ليشتري وعنده أولاد ، لكل ولد قطعة ، لا يريد ثلاثمئة دزينة يريد ثلاث قطع فقط ، فأنت كبرت نفسك أن تبيعه هذه القطع الله عز وجل أدبه ، يوجد ملايين من هذه القصص . فحينما تعتد بنفسك ، حينما تقول : أنا ، حينما تتحدث عن خبرتك ، حينما تعجبك نفسك ، خطبة رائعة جداً ، نزل الخطيب الله أكبر ، ونسي الفاتحة ، بدأ بالآية فوراً ، الخطبة رائعة جداً ، نسي أن يقرأ الفاتحة ، والخطبة على الإذاعة أيضاً ، فهذا حينما تقول أنا .

 

إذا أراد ربك إظهار فضله عليك خلق الفضل ونسبه إليك :

 أخواننا الكرام ، درسان في القرآن ، درس بدر ، ودرس حنين ، وهذان الدرسان ينبغي أن تلحظهما كل ساعة في حياتك ، درس بدر :

 

﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ (123)﴾

( سورة آل عمران الآية : 123 )

 معنى أذلة ؛ مفتقرون إلى الله ، اللهم إني تبرأت من حولي وقوتي ، والتجأت إلى حولك وقوتك ، يا ذا القوة المتين ، ادع بهذا الدعاء دائماً .
 كنت مرة بطرابلس أشهر طبيب نسائي وأعلى سعر يتقاضاه هو ، له زميل طبيب زوجته ولادتها صعبة ، فأرسلها إليه كي يصف حالتها ويتولى توليدها ، قال له : هل هي بحاجة إلى طبيب آخر ؟ قال له : أنا أذكى طبيب بكل المنطقة ، باعتداد ما بعده اعتداد ، يبدو أنه بهذه النفسية ارتكب خطأ لا يرتكبه حلاق ، فأول مرة في تاريخ لبنان الحديث تسحب منه شهادته ، ويغرم بمبلغ يفوق كل ممتلكاته ، لأنه أمات المريضة بخطأ شنيع .
 لذلك درس حنين : لن نغلب من قلة ، هذا درس حنين ، هكذا الصحابة قالوا ، خاضوا مع النبي حروباً ، بذلوا له أرواحهم ، وأموالهم .

 

﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ (18)﴾

( سورة الفتح الآية : 18 )

 مع كل هذه الميزات لما قالوا : لن نغلب من قلة ، قال تعالى :

 

﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (25)﴾

( سورة التوبة )

 هناك درسين درس بدر ودرس حنين ، تقول : الله ، يتولاك ، تقول : أنا ، يتخلى عنك ، كلام واضح ، ناصح ، ناصع ، مبين ، مع كلمة (الله) يتولاك ، مع كلمة (أنا) يتخلى عنك ، في حرفتك ، في دراستك ، يا رب ، أنا متقن للحساب أما الجبر فعليك ، مرة قال له : أنا متقن مادة الجبر يا رب فسقط بالجبر ، أحياناً الإنسان تغلق عليه أفكاره .
 أقول لكم مرة ثانية : القصص حول هذا الموضوع لا تعد ولا تحصى ، تقول (أنا) يتخلى عنك ، تقول (الله) يتولاك ، أنا لا أريد مجاملات مع الله ، كله بفضل الله ، أريد حقيقة ، هل ترى أنه فضل الله عليك ؟ هل ترى أنك من دون الله لا شيء ؟ هل ترى أن الله سمح لك بالصحة ؟ سمح لك بالزواج ؟ سمح لك بكسب المال ؟ سمح لك أن تنطق بالحق ؟ إذا أراد ربك إظهار فضله عليك خلق الفضل ونسبه إليك .

 

السلطان في الآية التالية هو الحُجّة :

 أيها الأخوة ، هناك سؤال :

 

﴿ وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81)﴾

( سورة الأنعام )

 هنا السلطان الحُجَّة ، أنت لا تخاف من أنك أشركت بالله صنماً أو جهة لا تملك شيئاً ، ولا تخاف أنك أشركت الله عز وجل ،

﴿ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً ﴾

 وأنا تدعوني أن أخاف من صنم بلا سلطان ، بلا دليل ، ولا تخاف أنك أشركت بالله ما لم ينزل عليك سلطاناً .
 الآن السؤال مرة ثانية : تريدني أن أخاف من صنم ، ليس هناك من حجة أو دليل مقنع على أنه إله ، ولا تخاف أنك جعلت مع خالق السماوات والأرض شريكاً ، ليس هناك سلطان على شركه مع الله عز وجل ،

﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾

 طبعاً إنسان يعتمد على حجر أو على صنم أم إنسان يعتمد على خالق السماوات والأرض ؟!!

 

أي نوع من أنواع الإيمان له من الله حجة :

 قال تعالى :

 

﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81)الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82)﴾

( سورة الأنعام )

 أخواننا الكرام ، مرة الحسن البصري سيد التابعين كان عند والي البصرة ، وهو عنده جاء توجيه من يزيد ، إذا نفذه أغضب الله عز وجل ، وقع هذا الوالي في قلق شديد ، إن أغضب يزيد أزاحه من مكانه ، وإن أغضب الله أدخله النار ، قال له : ماذا أفعل ؟ ـ اسمعوا هذا الجواب يا أخوان ، هذا الجواب يجب أن يكون شعار كل إنسان ـ قال له : إن الله يمنعك من يزيد ، ولكن يزيد لا يمنعك من الله .
 إذا أخلصت لإنسان من دون الله ، وعبدته من دون الله ، لا يمنع عنك الورم الخبيث ، ولا الأمراض الوبيلة ، ولا حادث مروع ، ولكنك إذا كنت مع الله ، وأراد هذا الشريك الذي يدَّعيه الناس شريكاً لله أراد بك شراً فالله يحميك منه ، إن الله يمنعك من يزيد ، ولكن يزيد لا يمنعك من الله ،

﴿ وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً ﴾

  هذا الذي اعتمد على الله ، وهذا الذي اعتمد على صنم ،

﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾

 جاء الجواب :

﴿ الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ ﴾

  قال العلماء : الظلم هنا الشرك ، لقوله تعالى :

 

﴿ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13)﴾

( سورة لقمان )

﴿ الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ ﴾

 وحدهم ، لم يقل أولئك الأمن لهم ،

﴿ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾

﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83)﴾

﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا ﴾

 على أنك مؤمن متواضع ، أي نوع من أنواع الإيمان له من الله حجة ،

﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ ﴾

 فأنت حينما تملك حجة ناصعة واضحة قطعية ، فهذا دليل أنك مؤمن ولله الحمد .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018