الدرس : 27 - سورة الأنعام - تفسيرالآيات 75-80 ، التوحيد ألا تخاف إلا الله - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 27 - سورة الأنعام - تفسيرالآيات 75-80 ، التوحيد ألا تخاف إلا الله


2005-07-01

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
 أيها الأخوة الكرام ، مع الدرس السابع والعشرين من دروس سورة الأنعام .

الفرق بين المُلك والملكوت :

 مع الآية الخامسة والسبعين وما بعدها ، وهي قوله تعالى :

 

﴿ وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75)﴾

 فرق كبير بين المُلك والملكوت ، المُلك ما تراه العين ، العين ترى شمساً وقمراً ونجوماً ، وترى جبلاً ، وبحراً ، وسهلاً ، وترى حيواناً ، وترى إنساناً ، وترى طائراً ، لكن الملكوت أن ترى ما وراء الطبيعة ، أن ترى خالق الكون ، أن ترى أسماءه الحسنى ، أن ترى صفاته العليا ، الملكوت أن تعبر النعمة إلى المنعم ، الخَلق إلى الخالق ، الحكمة إلى الحكيم ، النظام إلى المنظم ، التسيير إلى المسير ، أن ترى أن لهذا الكون إلهاً عظيماً ، بيده كل شيء ، بيده ملكوت كل شيء ، بيده النفع والضر ، والموت والحياة ، بيده أن يرفعك أو أن يخفضك ، أن يعطيك أو أن يمنعك ، أن يعزك أو أن يذلك ، حينما تخرق ما تراه عينك إلى ما يراه عقلك تكون قد رأيت جانباً من الملكوت ، قال تعالى :

﴿ وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

  والسماوات والأرض مصطلح قرآني يعني الكون ، والكون ما سوى الله ، والله عز وجل واجب الوجود ، وما سواه ممكن الوجود ، فلذلك مستحيل أن يكون المؤمن في غفلة ، المؤمن يرى ومعه حجة ، وفي نهاية هذه الآيات :

 

﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ (83)﴾

( سورة الأنعام الآية : 83 )

المؤمن مرتبة جمالية مغموس في سعادة لا يعرفها إلا من ذاقها :

 أيها الأخوة ، خروج طفيف على خط الدرس ، هناك عبادة ، وهناك علم ، العابد مقاومته هشة ، جراء أي ضغط يخرق استقامته ، العابد مقاومته هشة ، جراء أي إغراء يفقد اتصاله بالله عز وجل ، لكن العالم لا يصرفه عن هدفه لا سياط الجلادين اللاذعة ولا سبائك الذهب اللامعة .

(( والله يا عم ، لو وضعوا الشمس في يميني ، والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر ما تركته ، حتى يظهره الله أو أهلك دونه ))

[السيرة النبوية لابن هشام]

 المؤمن رجل مبدأ ، المؤمن رجل قيم ثابتة ، المؤمن مرتبة علمية ، ما اتخذ الله من ولي جاهل ولو اتخذه لعلّمه ، المؤمن مرتبة جمالية مغموس في سعادة لا يعرفها إلا من ذاقها ، من أدق الآيات التي تعبر عن هذه الحقيقة :

 

﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي (28)﴾

( سورة هود الآية : 28 )

 الأمور واضحة ، خلق الكون ، خلق السماوات والأرض ، حقيقة الكون ، حقيقة الحياة الدنيا ، حقيقة الإنسان ، الإنسان لماذا هو مكلف ؟ لماذا هو مخير ؟ لماذا أودع فيه الشهوات ؟ لماذا منحه العقل ؟ لماذا فطره فطرة عالية ؟ لماذا أعطاه التكليف ؟ لماذا أعطاه التشريع ؟

﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي ﴾

 أيها الأخوة ، المؤمن ينعم بنعمة لا تقدر بثمن ، الأمور واضحة ، فلسفة الحياة ، فلسفة الموت ، ماذا بعد الموت ؟ ماذا قبل الحياة ؟ فلسفة الأرزاق ، فلسفة الحظوظ المختلفة ، كيف وزع الله الحظوظ في الدنيا وكيف سيوزعها في الآخرة ؟ توزيع جزاء لا توزيع ابتلاء ،

﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي ﴾

 لا تكفي البينة :

 

﴿ وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ (28)﴾

( سورة هود الآية : 28 )

 هذه الرحمة لو وزنت أموال الدنيا ، لو أن كل ما في الأرض من أموال لك ولم تُمنَح رحمة الله فأنت الخاسر الأكبر .

 

رحمة الله إذا أتيحت لك فأنت أسعد الناس ولو فقدت كل شيء والعكس صحيح :

﴿ وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ ﴾

 لو أن هذه الرحمة حجبت عنك لكنت أشقى الناس ولو ملكت كل شيء ، لو أن هذه الرحمة أتيحت لك لكنت أغنى الناس ولو كنت في المنفردة ، المفارقة حادة ، ولو كنت في المنفردة وقد أتيحت لك رحمة الله فأنت أغنى الناس ، تسعد برحمة الله ، ولو فقدت كل شيء ، أهل الكهف لجؤوا إلى الكهف ، ماذا في الكهف ؟ كانوا في القصور فانتقلوا إلى كهف ليعبدوا الله فيه ، رحمة الله إذا أتيحت لك فأنت أسعد الناس ، ولو فقدت كل شيء .

(( إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني ))

[ متفق عليه عن أبي هريرة ]

 رحمة الله إذا حجبت عنك فأنت أشقى الناس ولو ملكت كل شيء .

 

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ (44)﴾

( سورة الأنعام الآية : 44 )

 خذوا الدنيا ، خذوا الأموال ، خذوا الجمال ، خذوا البترول ، خذوا الثروات ، لكن الذي ملأ الله قلبه بالإيمان ، وأعطاه الحكمة ، وعرف سر وجوده وغاية وجوده ، هذا هو الغني الحقيقي ، الغنى والفقر بعد العرض على الله ، لا يسمى الغني غنياً في الدنيا ولا الفقير فقيراً إلا بعد العرض على الله ،

﴿ وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً (113)﴾

( سورة النساء )

 وقال :

 

﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً (14)﴾

( سورة القصص الآية : 14 )

الغنى الحقيقي :

أخواننا الكرام ، الله أعطى الملك لمن لا يحب ، وأعطاه لمن يحب ، مادام شيئاً واحداً ، إعطاؤه لمن يحب ولمن لا يحب لا يعد دليلاً على قرب الإنسان إلى الله .
 أحياناً إنسان غني يتكلم بسذاجة مضحكة ، أنه إذا طاف بلاد الدنيا الله عز وجل يحبه ، ويفتتح مقولة ما أنزل الله بها من سلطان : الله إذا أحب عبده أنظره ملكه ، سيدنا محمد البحر لم يره ، وقبع في أرض صحراوية ، ما فيها شيء .

 

﴿ بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ (37)﴾

( سورة إبراهيم الآية : 37 )

(( دَخَلَ علَيّ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ : هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ ؟ قُلْنَا : لاَ ، قَالَ : فَإِنّي صَائِمٌ ))

[ مسلم عن عائشة]

 الله عز وجل يقول :

 

﴿ لَقَدْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (18)﴾

( سورة النجم )

﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾

 أعطى الملك لمن لا يحب ، أعطاه لفرعون ، وأعطى المال لمن لا يحب ، أعطاه لقارون ، لكن أنبياءه العظام ماذا أعطاهم ؟

﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً ﴾

  فإذا كان عطاء الله لك من نوع العلم ، من نوع أنك تعرفه ، من نوع أنك تشكره ، من نوع أنك مستقيم على أمره ، من نوع أنك تبتغي رضوانه ، من نوع أن لك عملاً صالحاً تبتغي الله به ، فأنت الغني الحقيقي ، لذلك يروى عن سيدنا الصديق أنه : ما ندم على شيء فاته من الدنيا قط .
 يا رب ماذا فقد من وجدك ، وماذا وجد من فقدك ؟ الذي وجدك لم يفقد شيئاً ، والذي فقدك لم يجد شيئاً ، وإذا كان الله معك فمن عليك ؟ إذا كان الله معك سخر لك أعداءك الألداء ليخدموك ، وإذا كان الله عليك سمح لأقرب الناس إليك أن يتطاول عليك .

 

إذا كنت في كل حال معي  فعن حمل زادي أنا في غنى
***
كن مع الله ترَ الله معـك  و اترك الكل وحاذر طمعـك
وإذا أعطاك من يمنعــه  ثم من يعطي إذا ما منعــك
***

 هذا هو التوحيد ، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد ،

 

﴿ وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

المؤمن وحده في شباب دائم والشباب هو التجدد :

 أخواننا الكرام ، الأنبياء قمم البشر ، قمم ، والمؤمن الموفق يضع نبي الله محمداً صلى الله عليه وسلم قدوة له ، في موقف سيدنا إبراهيم قدوة ، في موقف سيدنا نوح قدوة ، إنسان دخل السجن مظلوماً سيدنا يوسف قدوة ، إنسان له زوجة سيئة سيدنا نوح قدوة ، إنسان له أب مشرك سيدنا إبراهيم قدوة ، هؤلاء الأنبياء قمم البشر لكن كل نبي يمثل حالة إنسانية ، فإذا كنت مع الله فلك في هذا النبي الكريم قدوة حسنة .

 

﴿ وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

 نري الفعل مضارع ، يعني أنت في حياتك الدنيا لك رؤية متجددة ، كل يوم ترى رؤية لم ترها البارحة ، هذا التجدد في رؤيتك ، وهذا التجدد في معرفتك ، والرقي في صلتك بالله عز وجل هو سر السعادة في الدنيا ، الدنيا مملة ، لحكمة بالغةٍ بالغة كل شيء في الدنيا يمل ، لو أن لك بيتاً تزيد مساحته على أربعمئة متر ، وثمنه بعشرات الملايين ، بعد أن تسكنه بشهر أو أكثر يصبح شيئاً عادياً ، لو اقتنيت أغلى مركبة ، لو تزوجت أجمل امرأة ، طبيعة الحياة الدنيا متناقصة ، تألفها ، ثم تملها ، لذلك المؤمن وحده في شباب دائم ، والحقيقة أن الشباب هو التجدد ، فالإنسان حينما لا تتجدد حياته يغدو كهلاً ، ثم يغدو شيخاً كبيراً ، العلم يجدد الحياة ، فكلما ازددت علماً ازددت من الله قرباً ، أنت حينما تفهم آية فهماً عميقاً تحس أنك شاب ، وأنك حصلت على كنز ثمين ، لذلك إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم ، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم ، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم ، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك ، فإذا أعطيته بعضك لم يعطِك شيئاً .

 

 

﴿ وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ﴾

 يقين ، هناك وهم بالمئة ثلاثون ، وشك بالمئة خمسون ، وظن بالمئة تسعون ، وقطع بالمئة مئة ، حقائق الإيمان يجب أن تكون قطعية عندك ، يقينية ، لو أن البشر ، لو أن الستة آلاف مليون كفروا وأنت بلغت حق اليقين لا تكفر معهم ، الناس أحياناً يؤخذون بالكثرة ، هم مع الناس ، هذا الواقع ، أو هذا الوضع النبي عليه الصلاة والسلام ندد به ونهانا عنه :

 

(( لا تكونوا إمعة ، تقولون : إن أحسن الناس أحسنا ، وإن ظلموا ظلمنا ، ولكن وطِّنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا ، وإن أساءوا فلا تظلموا ))

[الترمذي عن حذيفة]

المؤمن تحكمه عقيدته وقيمه ومبادئه :

 المؤمن لا ينساق وراء معطيات البيئة ، لا ينساق وراء ما تعارف الناس عليه ، المؤمن لا يتأثر بالعادات والتقاليد ، المؤمن تحكمه عقيدته وقيمه ومبادئه ، فلذلك شخصية المسلم فذّة ، يرى ما لا يراه الآخرون ، يسمع ما لا يسمعه الآخرون ، يتحرك بطريقة عجيبة، يبتغي رضوان الله ، لأنه آمن بالآخرة فلا بد من أن تنعكس مقاييسه ، يرى الفوز لا في الأخذ بل في العطاء ، يرى الفوز لا في استهلاك جهد الآخرين بل في بذل الجهد للآخرين ، يرى الفوز لا في الراحة بل في التعب ، لا في الإخلاد إلى النوم بل في اليقظة ، يرى الفوز لا في متع الحياة بل في قيم الحياة ،

﴿ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ﴾

 مثلاً : مرة جئت من حلب بمركبة عامة ، وصلت إلى شارع العدوي ، والأمطار كأفواه القِرب ، رأيت رجلاً يركض ، يمارس رياضة الركض أو المشي تحت المطر ، قلت : في الشام خمسة ملايين ، كلهم في بيوتهم وراء المدافئ يأكلون ويشربون ، ماذا في عقل هذا الإنسان من قناعات خالف بها أهل دمشق ؟! قناعته بالرياضة والحركة صيانة لقلبه ودعماً لصحته تفوق قناعات الناس جميعاً ، هذا مثل .
 أنت حينما تؤمن كل من حولك يرى أن الذكاء في الأخذ وتراه أنت في العطاء ، كل من حولك يرى الذكاء في الراحة وتراه في التعب ، أن تأتي إلى مسجد ، وأن تجلس على ركبتيك ، ليس فيه مقعد وثير ، ولا ضيافة ، ولا شيء ، إلا تعريف بكتاب الله عز وجل ، هذا هو الفوز ، لو قبعت في بيتك ، حيث المقعد الوثير ، والزوجة أمامك والأولاد ، وتأكل ما لذ ، وتشتهي ما لذ وطاب ، لا تكون في مقياس أهل الإيمان فالحاً ، الفلاح في أن تتابع فهم كلام الله عز وجل .
 إذاً أيها الأخوة ، العطاء العظيم ، الفوز الكبير ، النجاح ، الفلاح ، الذكاء ، التفوق ، العقل أن تعرف الله ، ابن آدم اطلبني تجدني ، فإذا وجدتني وجدت كل شيء ، وإن فتُّك فاتك كل شيء ، وأنا أحب إليك من كل شيء .
سيدنا إبراهيم رأى ملكوت السماوات والأرض كيف عبر عن هذه الرؤية ؟ قال :

 

﴿ قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75)أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (76)فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي (77)﴾

( سورة الشعراء )

الفرق بين الفرق الضالة والفرق المؤمنة :

 كنت مرة في بلاد بعيدة ، وأخذني صديق إلى معبد لدين آسيوي ، والمعبد أنفق عليه مبالغ فلكية ، ستة ملايين من عملة هذه البلاد أنفقت على هذا المعمل .
 أيها الأخوة ، الأصنام من البرونز ، وصدر الصنم من الماس البرلنت وهذا من أغلى أنواع الماس ، سبحانك يا رب ، يأتي إنسان يحمل شهادة عليا ، يسجد لهذا الصنم انبطاحاً ، قلت : كم كرم الله المسلمين بأنهم يعبدون خالق السماوات والأرض ، كم كرم الله المسلم حينما عرف خالق السماوات والأرض ، ورأيت آلة في مدخل المعبد لكسر جوز الهند، سألتهم : لمَ هذه الآلة هنا ؟ قال : من أجل أن يأكل الآلهة ، يحبون هذه الفاكهة ، أي آلهة ؟ إنسان من البرونز لا ينطق ، ولا يتكلم ، ولا ؟! فهذا الإنسان حينما يعبد صنماً ، حينما يعبد حجراً ، حينما يعبد شمساً وقمراً ، حينما يعبد شخصاً ، حينما يؤلّه شخصاً لا تجد له عقلاً .
 أيها الأخوة ، الدين دين التوحيد ، لكن حتى الأديان السماوية حينما تنحرف تؤلّه أشخاصاً ، لذلك ما من فرقة ضالة في العالم الإسلامي إلا وفيها أربع خصائص ، تأليه الأشخاص ، تخفيف التكاليف ، اعتماد النصوص الموضوعة ، والنزعة العدوانية ، وما من فرقة مؤمنة إلا أساسها التوحيد ، وأساسها الاتباع ، وأساسها التمسك بدقائق الشريعة ،

﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ﴾

﴿ قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ، أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ ، فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ ﴾

 طريق مسدود .
 شخص معه مرض عضال ، جاء إلى حجر وقال له : اشفنيِ ، ائتِ إلى طبيب ، ادخل مستشفى ، اسأل متخصصاً بهذا المرض مثلاً ، ماذا ينفع الحجر ؟

 

﴿ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (77)الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78)﴾

( سورة الشعراء )

﴿ الَّذِي خَلَقَنِي ﴾

  ما قال الذي هو خلقني ، لأنه لا أحد يدّعِي أنه خلق الإنسان أحد ، ولكن عتاة الأرض وطغاة الأرض يدعون أنهم يدلّون على الطريق الصحيح كفرعون ، قال :

 

﴿ قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ (29)﴾

( سورة غافر )

الهدى من الله وحده :

 الخلق لم يدّعه أحد ، فسيدنا إبراهيم قال :

﴿ الَّذِي خَلَقَنِي ﴾

  لكن :

﴿ فَهُوَ يَهْدِينِ ﴾

 يؤكد أن الهدى من الله وحده .

 

﴿ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى (120)﴾

( سورة الأنعام الآية : 71 )

 وقال :

 

﴿ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78)وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79)﴾

( سورة الشعراء )

 أيضاً هناك من يقول لك : لحم كتفك من خيري ، يقول لك : أنا معيل أسرة ، أنت معال ولست معيلاً ، أنت معال مع بقية أفراد الأسرة ، الشيء المتنازع عليه أكده بكلمة

﴿ هُوَ ﴾

 والشيء المقطوع به لم يؤكده بكلمة

﴿ هُوَ ﴾

  قال :

 

﴿ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78)وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79)وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80)﴾

( سورة الشعراء )

 الإنسان قد يذهب إلى طبيب ، وقد يأخذ الدواء ويشفى ، فيتوهم أن الطبيب هو الذي شفاه ، هذا الطبيب عالجه لكن الله هو الذي شفاه ، الشفاء من الله والطبيب يعالج .

 

إن الطبيب لـه علم يدل به  إن كان للناس في آجال تأخير
حتى إذا ما انتهت أيام رحلته  حار الـطبيب وخانته العقاقير
***

 

سيدنا إبراهيم بشَّر بقدوم نبينا محمد عليه الصلاة والسلام :

 من أبلغ العبر أن بعض الأطباء يمرضون باختصاصهم ، فإذا توهموا أنهم متمكنون في اختصاصهم ، ولن يصابوا بمرض من اختصاصهم ، لأنهم يأخذون بالأسباب أخذاً مبالغاً به ، فهؤلاء يؤدَّبون بأن يصابوا بأمراض هي من اختصاصهم .
 والله التقيت مع طبيب متخصص في القلب في بلاد بعيدة ، وجدته مطمئن أنه لن يُصاب بهذا المرض ، وبعد فترة قيل لي : والله أصيب قبل أيام باحتشاء في قلبه وهو في الخامسة والأربعين .

 

﴿ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80)وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (81)﴾

( سورة الشعراء )

 أيها الأخوة ، هذا من رؤية هذا النبي الكريم .

 

﴿ وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً (124)﴾

( سورة البقرة الآية : 124 )

 إذاً سيدنا إبراهيم أبو الأنبياء ، وهو نبي من أولي العزم ، ونبينا عليه الصلاة والسلام من نسله ، سيدنا إبراهيم قال :

 

﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ(129)﴾

( سورة البقرة الآية : 139 )

 سيدنا إبراهيم بشر بهذا النبي الكريم :

(( أنا دعوة أبي إبراهيم ))

[ رواه الطبراني عن العرباض بن سارية ]

الآيات التالية عن قصة الهدى وهي منهج لنا :

 أيها الأخوة ، الآية الكريمة :

 

﴿ وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75)فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآَفِلِينَ (76)﴾

( سورة الأنعام )

 الآن عندنا قصة الهدى ، وقصة الهدى منهج لنا ،

﴿ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً ﴾

  الكوكب شيء ، والنجم شيء آخر ، النجم ملتهب ، والكوكب منطفئ ، الكوكب إن رأيته منيراً فهو يعكس ضوء نجم ، كالشمس والقمر ، الشمس نجم ، أما القمر فهو كوكب ،

﴿ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي ﴾

  هنا إشكال كبير ، أيعقل أن يجري على لسان سيدنا إبراهيم عليه السلام كلام شرك ؟ عندنا أسلوب في الحوار اسمه مجاراة الخصم ، هو أسلوب إنكاري ، مثلاً : لو أن فتاة طويلة جداً ، وخطبها خطيب قصير جداً ، فلما رأته قالت لأمها : هذا خطيبي ؟ هي تنكر ذلك أشد الإنكار ، لا تناسب بينهما أبداً ، هذا خطيبي .
 سيدنا إبراهيم في رأي بعض العلماء حينما قال :

﴿ هَذَا رَبِّي ﴾

  هو يجاري الخصم ، لو سلمنا معكم افتراضاً أن هذا الكوكب إله ، فمن يدير العالم في غيبته ؟ هذا هو المعنى ، هناك من يتهجم ، ويقول : كيف يقول : هذا ربي ؟ هذا كلام فيه ضعف تفكير ،

﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ ﴾

  جن أي ستر ، والمجنون ستر عن الواقع ، والمِجن يسترك عن ضربة السيف ، والجنة وما فيها من سعادة بإقبال أهل الجنة على الله عز وجل لا يعرفها إلا من ذاقها ، أو ما فيها من جنات تجري من تحتها الأنهار قد تحجب المستمتع فيها عن غيره ، هكذا قال علماء اللغة ،

﴿ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ ﴾

  أي ستره الليل ،

﴿ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي ﴾

  مجاراة لكم ،

﴿ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ ﴾

  من أعبده في النهار ؟ هذا في الليل ، لكن من أعبده في النهار ؟ وإذا أفل في النهار من يدير هذا الكون في النهار ؟

﴿ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ ﴾

  أنا أحب إلهاً معي دائماً ، أسأله في أية لحظة ، أدعوه في أي مكان ، أتكل عليه في أي ظرف ، أنا أعبد إلهاً يسمعني إن سألته ، ويجيبني إن دعوته ، ويحفظني إن صدقته .

 

﴿ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (64)﴾

( سورة يوسف )

العقل لا يستقيم مع إله من دون الله عز وجل :

 سيدنا إبراهيم يحاورهم ، هذا اسمه مجاراة الخصم ، هذا ربي ولنفترض أنه إله ، فمن يدير الكون في النهار ؟

﴿ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ ﴾

  تابع معهم الحوار :

 

﴿ فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77)﴾

( سورة الأنعام )

 أي أن تعبد شمساً ، أو قمراً ، أو كوكباً ، حجراً ، أو مدراً ، أو إلهاً من صنع يديك ، من التمر صنعته ، أو من الحجر نحته ، أين عقلك ؟
 أخواننا الكرام ، العقل لا يستقيم مع إله من دون الله عز وجل ، لا يقبل ، والذي يعبد إلهاً من دون الله يصف نفسه بالحمق والغباء ، ماذا يفعل معك هذا الإنسان ؟ يقولون : إن طبيب الميكادو ـ الميكادو عند اليابانيين إله ـ طبيبه أسلم ، لأنه رأى هذا الإله في أواخر أيامه مصاباً بأمراض لا تعد ولا تحصى ، كيف تعبد إلهاً معه قرحة ؟ ومعه شلل ؟ ومعه التهاب مفاصل ؟ فالإنسان عندما يفكر لا يستطيع أن يستقيم عقله أن يعبد إلهاً من دون الله ، أما أن تعبد خالق السماوات والأرض فهذا شيء يتناسب مع العقل الراجح ، لذلك :

(( أرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً .))

[ورد في الأثر]

 المؤمن إذا عزف عن الدنيا لكنه اختار الله عز وجل ، فالذي اختار الله هو أرجح الناس عقلاً ، والذي اختار الآخرة هو أشد الناس طموحاً ، إنسان طموح ! إنسان طموح صار معه مئة مليون ، مئتا مليون ، وبعد ذلك ؟ موت .

 

الذي يضع كل أمله في الدنيا يغامر ويقامر :

 الشيء الذي يحير عقول أهل الدنيا أنهم يمشون في طريق مغلق ، مسدود ، يعمل ليلاً ونهاراً إلى أن يصل إلى ثمرة في الدنيا ، بعد أن يصل إلى هذه الثمرة يأتي ملك الموت ، سمعت عن إنسان بقي يجمع أموالاً ثلاثين عاماً ليشتري بيتاً ، فاشترى بيتاً ـ القصة قديمة جداً في أحد أحياء دمشق المرتفعة ـ هذا البيت له شرفة ، وأنا رأيت هذا البيت ، وله إطلالة على دمشق ، بعد أن جلس في هذه الشرفة ، بعد ثلاثين عاماً وهو يجمع ثمن هذا البيت ، فقال بالحرف الواحد : الآن أمّنتُ مستقبلي ، عاش سبعة أيام بعد هذه الكلمة .
 كل إنسان يضع أمله كله في الدنيا فهو يقامر ويغامر ، الإنسان يدفن تحت الأرض خلال دقيقة ، لا يشكو شيئاً ، وهذه الحوادث تكثر الآن ، لا يشكو شيئاً ، بين عشية أو ضحاها صار مرحوماً من أهل القبور ، فهذا الذي يضع كل مكتسباته في الدنيا يغامر ويقامر .

 

﴿ فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغاً ـ مشرقاً ـ قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي ﴾

  قصْده أنه لا يعقل أن يكون الكوكب إلهاً ، من يدير الكون في النهار ؟ الآن رأى كوكباً أكبر ، القمر كوكب أكبر ،

 

﴿ فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ ﴾

  ليس هذا إلهاً ، ولا هذا إلهاً ، فكيف تعبد إلهاً يغيب عنك ؟

﴿ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ ﴾

 أحياناً تحصل في الدنيا ، علقت آمالاً كبيرة على إنسان ، وأوهمك أن بيده كل شيء ، بيده أن ينقذك عند المحنة والشدة ، ومعك رقم هاتفه ، وبإمكانه أن يطال أي إنسان في بلدك ، فإذا لجأت إليه في ساعة حرجة قال لك : أنا لا أستطيع أن أفعل شيئاً ، ألا يصاب الإنسان بإحباط شديد ، إحباط شديد جداً ، لذلك كل من علق أمله بمخلوق وقع في إحباط شديد وقد ورد في الأثر القدسي :

(( وما من عبد يعتصم بمخلوق دوني أعرف ذلك من نيته إلا قطعت أسباب السماوات بين يديه ، وأرسخت الهوى من تحت قدميه ، وما من عبد يطيعني إلا وأنا معطيه قبل أن يسألني ، وغافر له قبل أن يستغفرني ، ما من عبد يعتصم بي دون خلقي أعرف ذلك من نيته فتكيده السماوات بمن فيها إلا جعلت له من بين ذلك مخرجاً ))

[ابن عساكر عن كعب بن مالك ]

سيدنا إبراهيم يعلمنا أساليب الحوار :

 قال تعالى :

 

﴿قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ(77)فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ(78)﴾

﴿ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً ﴾

  الآن في النهار ، كنا في الليل ، وفي النهار تغيب هذه الكواكب والنجوم ، الآن في النهار ،

﴿ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ ﴾

  نستنبط أن هناك بحثاً عن الحقيقة ، نستنبط أن هناك تفكراً في ملكوت السماوات والأرض ، نستنبط أن هناك قلقاً يجب أن نعرف من هو الله ؟ من هو الذي خلقني ؟ من هو الذي يطعمني ويسقيني ؟ من هو الذي يشفيني ؟ .
أيها الأخوة ،

﴿ قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ ﴾

  الشمس ، وفي النهار

﴿ فَلَمَّا أَفَلَتْ ـ فلما غابت ـ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ﴾

  كله شرك في شرك ،

﴿ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ﴾

  هذا يسمونه أن تُجَاري الخصم ثم تضع الخصم في محنة كبيرة فكرية ، أسلوب من أساليب الحوار ، فسيدنا إبراهيم يعلمنا أساليب الحوار ، أنت أحياناً تجاري خصمك حتى يرتاح ، أنا أسلم لك أن هذا الذي تقوله صحيح ، فكيف نفسر هذه المشكلة ؟ وهذه المشكلة ؟ وكيف نحل هذه المشكلة ؟ ثم يعطي هذا النبي الكريم الكلمة الفاصلة :

 

﴿ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79)﴾

 أنا لا أعبد شمساً ، ولا قمراً ، ولا نجماً ، ولا حجراً ، ولا مدراً ، ولا بقرةً ، ولا شخصاً أظنه أنه يعطي أو يمنع ، يرفع أو يخفض ، يعز أو يذل ، وما أكثر من يعبد أشخاصاً من دون الله ، وما أكثر من يعامل أشخاصاً كأنهم آلهة ، يطيعهم ويعصي الله ، يرضيهم ويغضب الله عز وجل ، إذا كانت عبادة الأصنام غير موجودة في العالم الإسلامي فعبادة الأشخاص موجودة دون أن تقول : إله ، لكنك تعامله كإله ، ترى أن طاعته أكبر من طاعة الله ، ترى أن رضاه أعظم من رضى الله عز وجل .

الشرك فيما مضى شرك عبادة الأصنام أما الشرك هذه الأيام فهو شرك عبادة الأشخاص :

 من أطاع مخلوقاً وعصى خالقاً ما قال : الله أكبر ولا مرة ولو رددها بلسانه ألف مرة ، الألف مليون مسلم في اليوم الواحد يقولون : الله أكبر ، دقق في هذا الكلام ، إذا أطعت مخلوقاً وعصيت خالقك فأنت ما قلت : الله أكبر ولا مرة ولو رددتها بلسانك ألف مرة ، إذا غششت المسلمين ، وخالفت منهج رب العالمين ، وطمعت في مبلغ كبير من جراء هذا الغش فأنت ما قلت : الله أكبر ولا مرة ولو رددتها بلسانك ألف مرة ، لأنك تتوهم أن هذا المبلغ الكبير الذي نلته من غش المسلمين أكبر عندك من طاعة رب العالمين ، من أطاع زوجته وعصى خالقه ، ما قال : الله أكبر ولا مرة ولو رددها بلسانه ألف مرة ، لأنه رأى متوهماً أن طاعة الزوجة ورضاءها أفضل عنده من طاعة الله ورضائه .
 إذاً إذا كان الشرك فيما مضى شرك عبادة أصنام فإن الشرك في العصور المتأخرة هو شرك عبادة الأشخاص ،

﴿ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً ﴾

  الطاعة هي طاعة طوعية ، ممزوجة بمحبة قلبية ، أساسها معرفة يقينية ، تفضي إلى سعادة أبدية ،

﴿ وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً ﴾

  مائلاً ، من عبد الله ولم يحبه فما عبده ، ومن أحب الله ولم يعبده فما عبده ، من أطاع الله ولم يحبه فما عبده ، ومن أحب الله ولم يطعه فما عبده

﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً﴾

 مائلاً ،

﴿ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾

 الذي توهم أن جهة في الأرض لها فعل ، ولها عطاء ، ولها منع ، طبعاً على الشبكية هناك أشخاص في الأرض يعطون ويمنعون ، وأشخاص يرفعون ويخفضون ، وأشخاص إذا رضوا عنك تسعد برضائهم لأنهم أقوياء ، وأشخاص إذا هددوك لا تنام الليل لأنهم أقوياء ، هذا من الشرك .

 

﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (106)﴾

( سورة يوسف )

الإنسان إذا كان مشركاً يعطيه الله عز وجل مهلة ليتوب فإذا تاب غفر الله له شركه :

 قال تعالى :

﴿ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79)وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (80)﴾

﴿ وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ ﴾

  يروى أن سيدنا موسى استسقى ربه ، فقال الله له ـ وهو كليم الحق ـ : إن فيكم عاصياً ، أي لا أستجيب لكم لأن فيكم عاصياً ، فقال موسى عليه السلام : فليغادرنا ، لم يغادر أحد ، والمطر انهمرت على قوم موسى ، فقال : يا رب ، من هذا الذي يعصيك ؟ فورد في هذه الآثار : أن عجبت لك يا موسى ، أستره وهو عاصٍ لي وأفضحه وهو تائب ، يبدو أنه تاب ، فالإنسان إذا كان مشركاً يعطيه الله عز وجل مهلة ليتوب ، فإذا تاب غفر الله له شركه ،

﴿ وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ ﴾

 الآن دققوا الآن مغزى الدرس كله :

﴿ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً ﴾

  أي أنا لا أخاف من شيء .

 

المؤمن لا يخاف إلا الله :

 أخواننا الكرام ، الآن هناك قضية في التوحيد مهمة جداً ، عندنا فيروسات للأمراض ، عندنا أقوياء ، عندنا حيوانات مؤذية جداً لدغتها قاتلة كالحية والعقرب ، هناك أشياء مخيفة جداً ، زلازل ، براكين ، حروب أهلية ، حكام ظُلَّام ، فالإنسان ينبغي ألا يخاف أم يخاف ؟ قال الله عز وجل على لسان سيدنا إبراهيم :

﴿ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً ﴾

 أوضح مثلٍ : لو أن وحشاً مخيفاً جائعاً يمكن أن يلتهم الإنسان في دقيقتين مربوط بزمام محكم بيد جهة قوية ، وبينك وبينه مسافة ، لكن هذا الزمام إذا أرخي وصل إليك ، وإذا شد أبعد عنك ، أنت علاقتك مع من ؟ مع الذي بيده الزمام ، وهذا معنى قوله تعالى :

 

﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (55)إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (56)﴾

( سورة هود )

 المؤمن لا يخاف من الوحوش ، ولا من الأقوياء ، ولا من الظُلَّام ، ولا من الحيوانات القاتلة ، ولا من الأمراض ، ولا من الفيروسات ، الأخطار لا تعد ولا تحصى ، السيوف المسلطة على الإنسان في الدنيا لا تعد ولا تحصى ، الأخطار كبيرة جداً ، ومتعددة جداً ، ومتنوعة جداً ، لكن المؤمن لا يخاف إلا الله ، ويخاف من هذه الأشياء في حالة أن يسمح الله لها أن تصل إليك ، مثلاً هذا القوي أنا أخافه ولا أخافه ، أنا لا أخافه لأنه بيد الله .

 

﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (62)﴾

( سورة الزمر )

 لكنني أخافه إذا سمح الله له أن يصل إلي ، لذلك من أدق الأحاديث الصحيحة :

(( لا يخافن العبد إلا ذنبه ، ولا يرجون إلا ربه ))

[الفردوس بمأثور الخطاب]

 لا تخف من أحد ، خف من نفسك ، خف أن تعصي الله فيستحق هذا الإنسان العاصي التأديب ، فيسمح الله لقوي أن ينال منك .

 

معنى التوحيد :

 أدق ما في الدرس هو :

﴿ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ ﴾

  هذا هو التوحيد .

 

﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213)وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214)وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215)فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (216)وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (217)الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (218)﴾

( سورة الشعراء )

 قال تعالى :

 

﴿ وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81)الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82)﴾

 في درس آخر إن شاء الله نشرح هذه الآيات المتعلقة بالأمن .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018