الدرس : 24 - سورة الأنعام - تفسير الآيات 70-72 ، الدنيا مزرعة الآخرة - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 24 - سورة الأنعام - تفسير الآيات 70-72 ، الدنيا مزرعة الآخرة


2005-06-10

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
أيها الأخوة المؤمنون ، مع الدرس الرابع والعشرين من دروس سورة الأنعام .

اللعب هو كل عمل عابث لا جدوى منه :

مع الآية السبعين ، وهي قوله تعالى :

 

﴿ وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (70)﴾

أيها الأخوة الكرام ، في هذه الآية مصطلحات كثيرة ومعانٍ دقيقة ، والإنسان في أمسّ الحاجة إليها .
اللعب عمل لا غاية له
النقطة الأولى في هذه الآية : أن اللعب عمل لا غاية له ، عمل عابث ، شأن الصغار أن يلعبوا ، وكأن الذي خلقهم رسم لهم هذا اللعب لتنمو أجسامهم ، لكن طبيعة اللعب عمل لا هدف له ولا جدوى منه ، وعمل عابث ، هذا الأمر يقودنا إلى شيء في العقيدة ، نحن لماذا خلقنا ؟ لو أن الإنسان غفل عن غاية وجوده يظن أن المال كل شيء ، فكل شيء يفعله من أجل تحصيل المال ، وكل شيء يفعله بالمال يأتي ملك الموت وينهي حياته في ثانية فكل الذي حصَّله تركه وراءه .
إذاً : من دون أن تؤمن أن هناك حياةً أبدية ، من دون أن تؤمن أنك مخلوق للجنة فكل النشاط في الأرض مهما بدا عظيماً ، ما دام قاصراً على الحياة الدنيا فهو لعب ، لو وصلت إلى قمة الغنى ، ثم ماذا ؟ الموت ، لو وصلت إلى قمة السلطة ، ثم ماذا ؟ الموت ، لو انغمست في متع حسية تفوق حد الخيال ، ثم ماذا ؟ الموت ، لو جبت أطراف الدنيا ، واطلعت على القارات الخمس ، ونزلت في أفخر الفنادق ، وحققت كل الأهداف السياحية في الحياة ، ثم ماذا ؟ الموت ، لو بنيت أجمل قصر ، ثم ماذا ؟ الموت .

الدنيا بأكملها ليست غاية بل هي وسيلة فمن جعلها غاية كان عمله لعباً :

الموضوع دقيق جداً ، ما لم تؤمن أنك مخلوق لغاية ما بعدها غاية ، فكل شيء بعد شيء وسيلة ، بعد الغنى الموت ، بعد القوة الموت ، بعد الصحة الموت ، بعد الوسامة والجمال الموت ، بعد المتع الحسية الموت ، إذاً الدنيا بأكملها بالنسبة للعقلاء ليست غاية ، بل هي وسيلة ، فمن جعلها غاية كان يلعب وكان عمله لعباً ، الذي يؤكد هذه الحقيقة قوله تعالى :

 

الموت ينهي كل شيء في الدنيا

 

﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ (20)﴾

 

( سورة الحديد الآية : 20 )

هذه حقيقة الدنيا من عند خالق الدنيا ، من عند خالق الكون ، لذلك أيها الأخوة الكرام ، الآية التي تقصم الظهر :

 

﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً (103)الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً (104)﴾

( سورة الكهف )

الدنيا بكل ما فيها ، لو عشت فيها عمر نوح ، ألف سنة ، لو ملكت ثروة قارون ، لو وصلت إلى أعلى منصب فيها ، لو تمتعت بصحة إلى ساعة المغادرة ، لو استمتعت بكل الشهوات الحسية في أعلى درجة من المتعة ، يأتي الموت فينهي كل شيء ، فالموت ينهي قوة القوي ، وضعف الضعيف ، وغنى الغني ، وفقر الفقير ، وذكاء الذكي ، ومحدودية المحدود ، ويلغي صحة الصحيح ، ومرض المريض ، الموت يوحد البشر جميعاً .

 

التكريم أصل الحياة الآخرة :

أيها الأخوة ، الموضوع في هذه الآية دقيق ، أنت حينما تؤمن أنك مخلوق للآخرة تأتي حركاتك في الدنيا متناسقة مع هذا الهدف ، تصور إنساناً جاء إلى باريس ، أو إلى لندن لينال الدكتوراه ، حينما يكون هدفه واضحاً تماماً تأتي حركته اليومية بجزئيات حركته ، بتفاصيل حركاته وسكناته متفقة مع هذا الهدف ، يمكن أن يعمل في هاتين المدينتين مليون عمل لا تتصل بهدف مجيئه لهذه البلدة ، أما لو أن الهدف واضح فأول شيء : يستأجر بيتاً قريباً من الجامعة ، يوفر المال والوقت والجهد ، الشيء الثاني : يصاحب صديقاً يتقن اللغة الفرنسية ، يتعلم منه النطق ، الشيء الثالث : يأكل طعام يعينه على الدراسة ، يشتري مجلة من جنس اختصاصه ، يمكن أن أذكر لك مئة تصرف لهذا الإنسان الذي هدفه واضح ، كل هذه التصرفات نابعة من إيمانه أنه جاء إلى هذه البلدة كي ينال الدكتوراه .
لا بد أن تكون كل أفعالك في الدنيا لخدمة هدفك
لكن إنساناً ذهب إلى هناك ، ونسي الهدف ، مرة بالمسرح ، مرة بالسينما ، مرة في سباق الخيل ، مرة يتنزه في الغابات ، مرة تسقط قدمه بالفواحش والموبقات ، ضائع .
نحن في الدنيا ، أنت حينما تعرف أنك فيها لوقت محدود ، وأن هذه الدنيا سماها الله حياة دنيا تهيئة لحياة عليا ، وأن الحياة العليا التي فيها مالا عين رأت ، ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، وأن أصل الحياة الآخرة هي التكريم :

 

﴿ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا (35)﴾

( سورة ق )

أنها إلى أبد الآبدين ، وأن هذه الحياة ليس فيها مرض ، ولا فقر ، ولا قهر ، ولا اجتياح ، ولا نقص مواد ، ولا نقص مياه ، ولا ابن عاق ، ولا زوجة سيئة ، ولا دخل قليل ، ولا اغتصاب ، ما فيها شيء سيء ،

﴿ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا ﴾

وأنها إلى أبد الآبدين ، وكل يوم تكون فيه أسعد من اليوم الذي سبق ، لكن هذا الثمن الباهظ يدفع في الدنيا ، فأنت حينما تؤمن هذا الإيمان تختار زوجتك لتعينك على هذا الهدف ، تختار حرفتك لتعينك على هذا الهدف ، تعتني بصحتك لتعينك على هذا الهدف ، تربي أولادك لتكون أعمالهم في صحيفتك يوم القيامة ، يمكن أن ينشأ من هذا الاعتقاد ولا أبالغ مليون تصرف كلها نابعة من إيمانك بالآخرة .

 

الحياة الدنيا هي مزرعة الآخرة :

لذلك ما اقترن ركنان من أركان الإيمان في القرآن كما اقترن ركن الإيمان بالله والإيمان باليوم الآخر ، الإيمان بالله يحملك على طاعته ، والإيمان باليوم الآخر يحملك على ألا تؤذي مخلوقاً كائناً من كان ، لذلك أقول لكم : الذي لم يدخل اليوم الآخر في حسابه لم يستقم على أمر الله .

 

﴿ وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ (74)﴾

(سورة المؤمنين الآية :74)

الدنيا مزرعة الآخرة
أيها الأخوة ، هذه الحياة الدنيا هي مزرعة الآخرة ، والحياة الدنيا جنة إذا عرفت الله ، لأنه عن طريق الحياة الدنيا تكتسب آلية دخول الجنة بعباداتك ، بطاعاتك ، بإنفاقك ، بتربية أولادك ، بالدعوة إلى الله ، بخدمة الفقراء ، برعاية المساكين ، الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق ، لذلك ربنا عز وجل أمرنا أن نكون مع المؤمنين فقال :

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119)﴾

(سورة التوبة الآية:119 )

الآية هنا تقول :

﴿ وَذَرِ الَّذِينَ ﴾

هؤلاء دعهم ، لا تجلس معهم ، لا تصاحبهم إلا لهدف نبيل ، إن أردت أن تصاحبهم لكي تأخذ بأيديهم إلى الله ، إن أردت أن تصاحبهم من أجل أن تقنعهم بأحقية هذا الدين والشرع ، أما إذا أصروا على ما هم فيه دعك منهم ولا تلتفت إليهم ، فاعل الشر شر من الشر

﴿ وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً ﴾

نصف اللعب عند الصغار ، لكن الكبار يلعبون ، حينما تكون المتعة هدفاً فهذا لعب ، حينما تكون المرأة هدفاً فهو لعب ، حينما تكون الثروة هدفاً لعب ، حينما تكون الدنيا هدفاً لعب ، كلام دقيق ، الدنيا بأكملها ، هذه الإنجازات العظيمة التي جاء بها بعض النخب من البشر هي للدنيا وماتوا وتركوها ، وهذه الإنجازات انتفع الناس بها في الدنيا وانتهت ، لذلك يقول الإمام علي رضي الله عنه : " فاعل الخير خير من الخير ـ حتى الإنجازات الخيرية تنتهي يوم القيامة ، ما الذي يبقى ؟ الذي فعلها ، الذي فعلها يسعد بها إلى أبد الآبدين ، وحتى الأعمال الإجرامية التي فعلها بعض الطغاة حينما قصفت مدينتين في اليابان ومات ثلاثمئة ألف في ثوان ـ وفاعل الشر شر من الشر" ، آثار هذا القصف انتهت يوم القيامة لكن الذي فعل هذا الشر سيخلد في عذاب النار إلى أبد الآبدين ، هو شر من الشر .

 

مفهوم الدين :

لذلك أيها الأخوة ، الآية تقول : الناس رجلان ، مؤمن وغير مؤمن ، المؤمن له أن يلتقي مع غير المؤمن بنية هدايته ، بنية إقناعه ، بنية الأخذ بيده إلى الله ، أما حينما يرى أن الأمل معدوم دعه وشأنه والتفت إلى ربك ،

﴿ وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ ﴾

معنى دينهم ؛ أنت تدين لهذا الشيء تخضع له ، كل إنسان له دين ، لكن دين الله يعني الخضوع لله ، هذا يحب المرأة ، يقال عنه عند الناس : هو زير النساء ، دينه المرأة ، وهذا دينه المال ، وهذا دينه العلو في الأرض ، وهذا دينه السيطرة ، وهذا دينه المتعة ، كل إنسان الشيء الذي يتوجه إليه حقيقة هو دينه ، فهناك من يتخذ اللهو ديناً ، عنده ميل للمغنيات بحيث أنه يعرف كل أغنية متى ألقيت ، وفي أي مكان ، والفرق الدقيق بين المغنيين والمغنيات ، الأحياء منهم والأموات ، دينه الغناء ، دينه الجنس ، دينه المال ، دينه السيطرة ، دينه العلو في الأرض ، دينه المديح ، دينه أن يظهر أمام الناس بمظهر كبير ، هذا الدين ، والمؤمن دينه الله ، أن يخضعوا لله ، دينه أي الجهة التي يتجه إليها ، لذلك الله عز وجل عدّ هذا ديناً ، والدليل لكم أيها الكفار :

 

﴿ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (6)﴾

( سورة الكافرون )

اتجاه الكافر إلى الدنيا هذا دين ، ينطلق من فلسفة

﴿ وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً ﴾

يعني جعل الدنيا همه .

(( من أصبح وهمه الدنيا شتت الله عليه أمره ، وفرق عليه ضيعته ، وجعل فقره بين عينيه ، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له ، ومن أصبح وهمه الآخرة جمع الله له همه ، وحفظ عليه ضيعته ، وجعل غناء في قلبه ، وأتته الدنيا وهي راغمة ))

[أخرجه ابن ماجه من حديث زيد بن ثابت بسند جيد والترمذي من حديث أنس ]

(( يا ابن عمر ، دينك ، دينك ، إنما هو لحمك ودمك ، فانظر عمن تأخذ ، خذ الدين عن الذين استقاموا ، ولا تأخذ عن الذين قالوا ))

[ مسند الفردوس عن ابن عمر ]

(( إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم ))

[ أخرجه الحاكم في المستدرك عن أنس]

الدين مصير إلى أبد الآبدين فإذا خسرت دينك خسرت الأبد :

أي أن الدين مصير إلى أبد الآبدين ، يمكن أن تخطئ في مليون موضوع إلا إذا أخطأت في الدين معنى ذلك أنك خسرت الأبد ، قد تخسر مالك كله ، وقد تخسر معملك كله ، وقد تخسر أهلك ، لكنك إذا خسرت دينك معنى ذلك أنك خسرت الأبد ، خسرت الذي خلقت من أجله ، خسرت الحياة الأبدية التي خلقت من أجلها ،

﴿ وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً ﴾

فاللعب عمل لا طائل منه ، الطالب بالصيف يلعب ، لكن ما من طالب أشد حمقاً من الذي يلعب يوم الامتحان ، بدل أن يدرس يلعب . فإذا شغلك اللعب عن هدف كبير ، وعن عمل عظيم فهذا فضلاً عن أنه لعب فهو لهو ، فقد صرفك عن النفيس وهو خسيس .
لو أن إنساناً يغوص في أعماق البحار ، وكل لؤلؤة ثمنها ألوف مؤلفة ، فاشتغل عن أخذ اللؤلؤ بأخذ الأصداف ، ولا قيمة لها إطلاقاً ، فقد اشتغل عن النفيس بالخسيس .
إذاً :

﴿ وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً ﴾

الصفة الثالثة :

﴿ وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ﴾

توهمها بحجم أكبر من حجمها ، والشيء الثابت أيها الأخوة أن الإنسان في البدايات الدنيا كبيرة أمامه ، المال ، النساء ، البيت الفخم ، المركبة ، المنصب ، في منتصف العمر يرى هذه الأشياء جيدة ، لكنها ليست كل شيء ، عنده فراغ ، هذا الفراغ ما ملأه المال ، ولا ملأه المنصب ، ولا ملأته الزوجة ، بل ما ملأته المرأة أصلاً ، لكن قبل أن يغادر الدنيا يرى أن الدنيا ليست بشيء .

(( الدُّنْيَا جيفَةٌ ، والنَّاسُ كِلاَبُهَا ))

(( الدنيا دار من لا دار له ، ومال من لا مال له ، ولها يجمع من لا عقل له ))

[أخرجه أحمد من حديث عائشة وزاد ابن أبي الدنيا والبيهقي بإسناده جيد ]

هي هينة على الله ، مر النبي الكريم مع أصحابه ، في أحد طرق المدينة رأى النبي شاة ميتة ، فقال :

(( أترون هذه هانت على أهلها ؟ فقالوا : من هوانها ألقوها هنا ، قال : والذي نفسي بيده للدنيا على الله عز وجل أهون من هذه على أهلها ))

[ رواه البزار عن أنس رضي الله عنهما ]

(( لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافر منها شربة ماء ))

[ أخرجه الترمذي عن سهل بن سعد ]

سيدنا علي يقول : " فلينظر ناظر بعقله أن الله أكرم محمداً عليه الصلاة والسلام أم أهانه حين زوى عنه الدنيا ، فإن قال : أهانه فقد كذب ، وإن قال : أكرمه فلقد أهان غيره حيث أعطاه الدنيا " .

 

الشيطان دائماً مهمته أن يدفع الإنسان ليغتر بالحياة الدنيا :

من يكتفي بمنجزات العلم ويعبدها بعيد عن جوهر الحياة
الإنسان يتوهم أننا عندنا خلوي ، عندنا كمبيوتر ، عندنا اتصالات ، عندنا مركبات ، عندنا طائرات ، يرى الحضارة شيئاً ثميناً جداً ، هذه الحضارة لو أنها ثمينة جداً لِمَ يحرمُها الأنبياء من قبل ، الذي بلغت رسالته ما بلغ الليل والنهار ، لم تكن هناك لا أجهزة اتصال ، ولا هواتف محمولة ، ولا كمبيوترات ، ولا فضائيات ، ولا شيء ، أنا لا أقلل من قيمة هذه المنجزات ، لكن الذي يكتفي بها ويعبدها من دون الله ، ويعبد الذين اخترعوها من دون الله بعيد عن حقيقة جوهر الحياة الدنيا .

﴿ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً ﴾

عمل عابث لا فائدة منه ، إن اقتصرت على الدنيا ورأيت الدنيا محط الرحال ونهاية الآمال فأنت تلعب ، كل الحروب هدفها الآن النفط ، الشيء المبطن الحقيقي النفط ، لأن عصب الحياة هو الطاقة ، كل هذه المنجزات لا قيمة لها من دون طاقة ، لكن هؤلاء الطغاة الأقوياء الذين افتعلوا هذه الحروب ، وجلسوا على منابع النفط ، ماذا قدموا للبشرية ؟ ما قدموا شيئاً ، لكن الأنبياء قدموا كل شيء ، قدموا فضيلة ، قدموا معرفة بالله ، قدموا سعادة ، قدموا سبباً لحياة أبدية لا نهاية لها .

﴿ وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ﴾

أن تغتر أي أن تظن هذه قطعة ذهب فإذا هي قطعة نحاس ، أن تظن أن هذه ماس فإذا هي في الحقيقة بلور ، أن تظن أن هذا الشيك فيه مبلغ كبير وهو في الحقيقة مزور ، هذا غرور أن تعطي الشيء حجماً لا يملكه ، والشيطان دائماً مهمته أن يدفع الإنسان ليغتر بالحياة الدنيا ، قال تعالى :

 

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (5)﴾

( سورة فاطر )

حدثتكم عن قصة في الدرس الماضي ، عن هذا الذي يضع قمامة المحل التجاري في علبة ، يلفها بورق ثمين ، وشريط أحمر جميل ، يضعها على طرف المحل ، يراها إنسان يمر أمام المحل فيأخذها ، يعجب بها ، يظن بها حلياً غالية الثمن ، بعد مئة متر يفك الشريط ، بعد مئة متر آخر يفك الورق ، بعد مئة متر ثالثة يفتح العلبة فإذا هي قمامة المحل فيسب ويلعن . وهكذا الإنسان حينما يكون على فراش الموت ، يرى أنه خسر كل شيء ، وليس أمامه شيء يسعده إلا حساب دقيق .

 

بمنظور الآخرة ليس على وجه الأرض أناس أغبى من الطغاة :

قال تعالى :

 

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92)عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93)﴾

( سورة الحجر )

كرواية رمزية : أن رجلاً ثرياً توفي في مصر ، أولاده من إشفاقهم عليه رجوا رجلاً فقيراً جداً أن ينام معه في القبر ليؤنس وحشته ، فقبل هذا الفقير ، القصة طبعاً رمزية ، فجاء الملكان فإذا في القبر رجلان ، استغربا ‍، الحي تحركت رجله فانتبه الملكان ، بدؤوا به ، من شدة فقره جاء بكيس خيش وفتحه من أعلى ليُدخِل رأسه ، ومن الطرفين ليُدخِل يديه ، وربطه بحبل ، هل هناك أفقر من هذا ؟ كيس خيش وحبل ، بدؤوا بالحبل ، من أين أتيت به ؟ قال : من بستان ، قال : كيف دخلت البستان ؟ تعثر في الكلام ، فانهالوا عليه ضرباً حتى فقد صوابه ، وفي الصباح خرج من القبر ، وقال : الله يعين أباكم ، لأنه ضُرِب ضرباً مبرحاً بسبب حبل !

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (7)وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ (8)﴾

( سورة الزلزلة )

والله أيها الأخوة ، بمنظور الآخرة ليس على وجه الأرض أناس أغبى من الطغاة كيف ؟ ستالين قتل خمسين مليوناً ، هؤلاء البشر لا قيمة لهم ، يقتلهم ويقول : هم تحرشوا بنا، الآن كلما تحصل إبادة جماعية يقولون : أطلقوا النار ، إعلامياً تغطى بإطلاق النار ، لكن تأكدوا أيها الأخوة أنه ما من قطرة دم تراق إلا ويتحملها إنسان يوم القيامة ، ويظل المؤمن بخير ما لم يسفك دماً ، الآلاف تموت كل يوم بلا سبب وبلا جريمة .

 

الإنسان كلما ازداد عقله ازداد خوفه من الله :

لذلك أيها الأخوة ، الإنسان كلما ازداد عقله ازداد خوفه من الله :

((رَأْسُ الْحِكْمَةِ مَخَافَةُ اللّهِ ))

[ رواه ابن لال عن ابن مسعود رضي اللّه تعالى عنه ]

﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42)﴾

( سورة إبراهيم )

بل إن الله عز وجل حينما قال :

 

﴿ وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا (71)﴾

( سورة مريم الآية : 71 )

قال علماء التفسير : ورود النار غير دخولها ، ورود النار لا يتأثر من يردها ولا حتى بوهجها ، لكن ليرى عدل الله في الكون ، لأن أسماء الله الحسنى كلها محققة إلا اسم العدل فمحقق جزئياً ، فالله عز وجل يعاقب بعض المسيئين ردعاً للباقين ، ويكافئ بعض المحسنين ردعاً للباقين ، ولكن ختام الحساب يوم القيامة :

 

﴿ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (185)﴾

( سورة آل عمران الآية : 185 )

هؤلاء

﴿ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً ﴾

عمل عابث بلا طائل ، ثم لعب ، ثم لهو يلهو به عن الثمين ،

﴿ وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ﴾

رأوها كل شيء فاستغنوا بطلبها عن طاعة الله .

 

الفرق بين المؤمن وغير المؤمن كما ورد في القرآن الكريم :

الآية الدقيقة جداً في هذا الموضوع :

 

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5)وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6)﴾

( سورة الليل )

صدق أنه مخلوق للجنة فاتقى أن يعصي الله ، وبنى حياته على العطاء ، المؤمن عجيب أيها الأخوة ، همه الأول أن يعطي لا أن يأخذ ، لأنه يعد نفسه للآخرة ، لأنه يعد عملاً صالحاً يلقى الله به ، تجد عطاءه عجيباً يعطي كل شيء ، يقابله غير المؤمن يأخذ كل شيء ، لأنه أيقن أنه مخلوق للدنيا لا للآخرة .

 

﴿ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8)وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9)﴾

( سورة الليل )

لأنه كذب بالحسنى وهي الجنة وآمن بالدنيا استغنى عن طاعة الله ، وبنى حياته على الأخذ ،

﴿ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى ، وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ﴾

والأول

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾

هذا التقسيم الحقيقي للبشر على اختلاف مللهم ، ونحلهم ، وانتماءاتهم ، وأعراقهم ، وأنسابهم ، وطوائفهم ، ومذاهبهم ، وأعراقهم هم رجلان :

﴿ أَعْطَى وَاتَّقَى ، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾

﴿ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى ، وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ﴾

قال :

﴿ وَذَكِّرْ بِهِ ﴾

على من تعود الهاء ؟ بالقرآن .

 

﴿ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآَنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ (45)﴾

( سورة ق )

﴿ وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ ﴾

أن تمنع من الهدف الذي خلقت من أجله ، أن تمنع من سعادة الآخرة ، أن تمنع من الأبد ، أن تمنع من جنة عرضها السماوات والأرض ،

﴿ وَذَكِّرْ بِهِ ﴾

القرآن يبين ماذا بعد الموت ؟ يقدم مشاهد من يوم القيامة ،

﴿وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ ﴾

كسبت بفعلها .

 

ما من جهة في الكون يمكن أن تنقذك مما أنت فيه يوم القيامة :

بالمناسبة هناك كسبت وهناك اكتسبت ، أنت حينما تأخذ مالك كسبت ، أما حينما تأخذ ما ليس لك اكتسبت .

 

﴿ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ (286)﴾

( سورة البقرة الآية : 286 )

لكن الجاهل يتوهم أن الذي يكتسبه ظلماً وعدواناً هو كسبه ، وهو عنده صحيح ، وهذا شيء واقع عند الناس ، عمله مبني على إيذاء الناس ، يرتاح لدخله ، عمله مبني على تخويف الناس ، يرتاح لدخله الكبير ، عمله مبني على ابتزاز أموال الناس ، يرتاح لهذا الدخل وكأنه دخل مشروع ، يبني مجده على أنقاض الآخرين ، يبني حياته على موتهم ، يبني غناه على فقرهم ، يبني أمنه على خوفهم ، يبني عزه على ذلهم ، وهو مرتاح ، فربنا عز وجل عدل عن اكتسب بكسب ، لأن هذا الذي يكتسب الآثام والمعاصي والجرائم يتوهم أنه يحقق سعادته في الدنيا .

﴿ وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ ﴾

يوم القيامة ، نحن في الدنيا في علاقات، في اتصالات ، في تجمعات ، هكذا الحياة الدنيا ، مجموع كبير يقف مع إنسان منحرف ، هذا منا ، من جماعتنا ، على خطأ ، في الدنيا في علاقات ، تجمعات ، حينما اعتدي على العراق الدول الغربية في البداية أنكرت ، لكن لما رأت أن النفط أصبح بيد هذه الدولة المحتلة أيدت ، في الدنيا تجمعات ، توافقات ، مظالم عامة ، أما الآخرة دقق :

﴿ وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ ﴾

الولي هو الذي ينصرك عند الأزمة ، لا إله آخر في الآخرة ، جهة قوية ، لجوء سياسي فرضاً ، تعتمد على جهة قوية مناوئة لمن يطالبك ، لا

﴿ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ ﴾

ما من جهة في الكون يمكن أن تنقذك مما أنت فيه ،

﴿ وَلَا شَفِيعٌ ﴾

أحياناً يكون الإنسان قوياً جداً يلغي لك العقوبة لأنه قوي ، إن لم يكن قوياً بالحد المطلوب يتوسط لك عند واحد قوي ،

﴿ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ ﴾

الولي من يملك إلغاء العقوبة ، والشفيع من يتوصل إلى من يملك إلغاء العقوبة ، ففي الدنيا هناك أولياء .

 

الرابح الوحيد من ينجو من عذاب جهنم يوم القيامة :

قال تعالى :

 

﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ (73)﴾

( سورة الأنفال الآية : 73 )

يتعاونون ، هناك بين دول الغرب مشكلات لا تعد ولا تحصى ، لكنهم متعاونون على الشرق ، متفقون على محاربة الإسلام ، على اختلاف قومياتهم واتجاهاتهم ، ففي الدنيا تعاون بين الكفار ، الآخرة

﴿ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ ﴾

أي يلغي عقابهم الأبدي

﴿وَلَا شَفِيعٌ ﴾

يتوسط لمن يملك إلغاء عقابهم الأبدي وليس هناك من يقبض مبلغاً يلغي هذه العقوبة.

﴿ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا ﴾

احتمالات ثلاثة ، قوي ينقذك مما أنت فيه ، أو صديق يتوسط لدى قوي أن يلغي ما أنت فيه من أزمة خطيرة ، أو أن يأخذوا منك مبلغاً من المال تلغى به العقوبة ،

﴿ وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا ﴾

لو تقدم العدل الفدية ، لو تقدم أكبر فدية ،

﴿ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا ﴾

أي حرموا سعادة الأبد بما كسبوا في الدنيا ، معنى ذلك أن الذي ينجو عند الموت من عذاب جهنم ، أن الذي يموت على الإيمان مستقيماً على أمر الله ، مقبلاً عليه ، مطبقاً لأمره ، هو أعظم إنسان على وجه الأرض ولو كان فقيراً .

(( رب أشعث أغبر ذي طمرين ، تنبو عنه أعين الناس ، لو أقسم على الله لأبره ))

[أخرجه الحاكم في المستدرك وأبو نعيم في الحلية عن أبي هريرة ]

﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ ﴾

شراب كلمة ممتعة ، لكن من حميم ، ماء يغلي .

 

﴿ لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (6)لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (7)﴾

( سورة الغاشية )

﴿ لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ ﴾

أخواننا الكرام ، الإنسان لا يتمتع بذرة من العقل لو غفل عن المصير ، لو غفل عما ينتظره في المستقبل ، لذلك أكبر مشكلة يعاني منها المسلمون اليوم أنهم يعيشون لحظتهم، هم إمعة ، هم مع الناس ، إن أحسن الناس أحسنوا ، وإن أساؤوا أَساؤوا ، كل شيء يأتينا من الغرب ، لو دخلوا جحر ضب لدخلناه ، نلغي ديننا ، نلغي قيمنا ، نلغي هويتنا ، نلغي حضارتنا ، نلغي خصوصياتنا أمام تقليد أعدائنا ،

﴿ كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ ﴾

الله أودع فينا الشهوات ، لكن لو نظر الإنسان إلى زوجته وتمتع بجمالها النظرة مشروعة ، أما لو نظر إلى ما لا تحل له اكتسب إثماً ، إذا نظر إلى من تحل له كسب خيراً ، يعني عف نفسه بها عن الحرام ، والله عز وجل سمح له أن ينطلق بهذه القناة النظيفة ، أما لو نظر إلى من لا تحل له وقع في الإثم ، لو أخذ مالاً من كسبه المشروع كسب به ، لو أخذ مالاً ليس له اكتسبه إثماً لذلك ،

﴿ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ﴾

﴿ لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ ﴾

ليس فقط منعوا ، دقق ليس فقط منع ، الإنسان أحياناً يمنعك من خير لكن لا يعذبك ، هنا مشكلتان ، منع الجنة وعذاب جهنم ،

﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ ﴾

قديماً كانت تُعبَد الأصنام أما الآن فتُعبَد الشهوات :

الآية الثانية :

 

﴿ قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (71)﴾

( سورة الأنعام )

معقول أن تعبد جهة لا تملك لك نفعاً ولا ضراً ، طبعاً في الجاهلية كانوا يعبدون الأصنام ، معقول حجر منحوت تعبده من دون الله ، معقول قبيلة تصنع من التمر إلهاً فلما جاعت أكلته ، معقول إله تقف أمامه متذللاً ، قطعة حجر ، فيأتي الثعلب فيبول على رأسه ، وتعبده أنت من دون الله ؟! هذا قديماً ، أما حديثاً فتعبَد الشهوات الآن .

 

أرأيت من اتخذ إلهه هواه

 

﴿ أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ (43)﴾

 

( سورة الفرقان الآية : 43 )

قلت قبل قليل : فلان يعبد المرأة من دون الله ، فلان يعبد المال ، فلان يعبد السياحة ، يعبد المتعة ، يعبد الشهرة ، يعبد المكانة ، يعبد السيطرة ، هذه آلهة كلها ، أو إنسان قوي يعبده من دون الله لأنه يتوهم أن رضاء هذا الإنسان عنه كل الخير في ذلك ، وأن غضبه فيه كل الشر ، لهذا أنا أقول دائماً : الذي يقول : الله أكبر قبل أن يصلي ، ويطيع مخلوقاً ويعصي خالقاً ، ما قال الله أكبر ولا مرة ولو رددها بلسانه ألف مرة ، من يقول : الله أكبر ، ويطيع زوجته في معصية ما قالها ولا مرة ولو رددها بلسانه ألف مرة ، من يغش المسلمين من أجل مبلغ يأتيه من هذا الغش ، هو ماذا رأى ؟ رأى أن هذا المبلغ أكبر عنده من طاعة الله ، إذاً ما قال الله أكبر ولا مرة ولو رددها بلسانه ألف مرة .

 

الشيطان يستخدم سلاح الشهوات :

﴿ قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ ﴾

هنا حالة جديدة ، أن إنساناً وصل إلى الله ، عرف أن الله هو خالقنا ، ومسيرنا ، وأنه لا إله إلا الله ، لكن الشهوات أغرته ، دخل في صراع .
قال :

﴿ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ ﴾

طبعاً الهوى هو الشهوة ، الميل ، هناك الهوي والهوى ، الهوي هو السقوط ، هوى يهوي هوياً ، سقط يسقط سقوطاً ، هوى يهوى هوىً ، أحب يحب حباً ، فعندنا الهوي وعندنا الهوى ، الهوى من الهوى أي السقوط من الحب أحياناً ، الإنسان يهوى ما لا يحل له فيسقط عند الله ، ولأن يسقط الإنسان من السماء إلى الأرض فتتحطم أضلاعه أهون من أن يسقط من عين الله ، الشيطان يستخدم سلاح الشهوات ، وسلاح الشهوات قصير جداً ، وأحقر إنسان ممكن أن يصرف ألف شاب عن دينه بصور إباحية ، بفيلم ، بموقع معين ، فسلاح الشهوة خطير جداً لذلك يستخدمه الشيطان ، الآن الغرب كله يحارب المسلمين ، أنتم ترون الطائرات ، لا ، والصواريخ ، لا ، وحاملات الطائرات والغواصات ، لا ، يحارب المسلمين بالمرأة فقط .
في الخمسينات لو أن الإنسان شاهد ما يشاهده المسلمون جميعاً في بيوتهم لأدبه أبوه تأديباً لا يوصف ، كل بيوت المسلمين أصبح فيها ملاهٍ عبر هذه الفضائيات ، هذه حرب مركزة ، حرب ، أقوى شيء عند المسلمين دينهم ، فإذا ضاع دينهم عن طريق معاصيهم انتهوا ، وأصبحوا ضعافاً .
فيا أيها الأخوة ،

﴿ قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ ﴾

محتار ، الفتن في أبهى صورة ، الآن الدنيا ترقص أيها الأخوة ترقص ، الشهوات مستعرة ، الفتن في كل مكان.

 

كل شيء يقربك من الله مشروع وكل شيء يبعدك عنه غير مشروع وهذا أصل الدين :

﴿ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾

ربنا جل جلاله يصف حالة بشرية ، يصف إنساناً يرتكب المعصية ، وهو يعلم أساساً في الفاتحة :

 

﴿ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)﴾

( سورة الفاتحة )

من هم المغضوب عليهم ؟ الذين عرفوا وانحرفوا ، من هم الضالون ؟ الذين انحرفوا وما عرفوا ، فالذي يعرف أن لهذا الكون إلهاً ، وأن بعد الحياة الدنيا جنة أو ناراً ، وأن المنهج الإلهي هو الطريق الصحيح لبلوغ الجنة ثم تستهويه الشياطين ، يدعونه إلى الشهوة ، إلى الهوى ، إلى الانحراف ،

﴿ قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا ﴾

كعقيدة هذا الذي تعبده من دون الله لا ينفع ولا يضر .

﴿ وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا ﴾

أي ننتكس ،

﴿ بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾

الهدى واحد ، والحق واحد ، وطريق السعادة واحد وهو ما عند الله عز وجل ، وما في جهة أخرى تسعد إلا الله .

 

﴿ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28)﴾

( سورة الرعد )

كل شيء يقربك من الله مشروع ، وكل شيء يبعدك عنه غير مشروع ، هذا أصل الدين ،

﴿ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى ﴾

والهدى الوحيد ،

﴿ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾

الطاعة طريق إقامة الصلاة والمعصية طريق البعد عن الله :

الطاعة طريق إقامة الصلاة
الآية الأخيرة :

 

﴿ وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (72)﴾

( سورة الأنعام )

﴿ وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ ﴾

بعد هذا الشرح ، بعد هذا التوضيح ،

﴿ وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ ﴾

طريق إقامة الصلاة أن تطيعه ، الطاعة طريق إقامة الصلاة ، والمعصية طريق البعد عن الله ،

﴿ وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾

﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25)ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (26)﴾

( سورة الغاشية )

في النهاية نحن سوف نحشر إلى الله ، أحياناً يكون الموظف عنده شيء من الذكاء يتنبأ بمن سيأتي بعد رئيسه في الدائرة ، فيبدأ بالتقرب إليه قبل أن يأتيه ، هذا نوع من الذكاء ، الآن نحن في النهاية سوف نحشر إلى الله ، ينبغي أن تقيم علاقة طيبة معه من الآن ، حتى إذا حشرت إليه رُحّب بك هناك :

 

﴿ وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً (71)﴾

( سورة الزمر الآية : 71 )

وقال :

 

﴿ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (24)﴾

( سورة الرعد )

شيء منطقي جداً ، من باب الذكاء أن المصير إلى الله ، وكثير من الأشخاص عنده حاسة سادسة ، يتقرب إلى الجهة القادمة في وزارته ، في دائرته ، في مؤسسته ، يشعر أنه سيأتي واحد ويتسلّم ، قبل سنتين يقدم له هدايا ، يزوره ، يتفقد صحته ، هذا نوع من الذكاء ، الله عز وجل قال :

﴿ وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾

قال تعالى :

 

﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25)ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (26)﴾

( سورة الغاشية )

هناك إنسان كان معارضاً ، القصة من عشرين سنة ، فكتب مقالات ضد الذي يعارضه ، الذي يعارضه قوي ، تمكنوا أن يخدرونه ، وأن يأتوا به ، فانتهى مفعول التخدير أمام هذا الذي ينتقده في الصحف ، أو يعارضه في بلد بعيد ، صعق ،

﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ﴾

فيا أيها الأخوة ، هذا الكلام كلام مصيري ، يتعلق بسلامتنا وسعادتنا في الدنيا والآخرة ، والعاقبة لمن اتعظ بغيره ، والشقي لا يتعظ إلا بنفسه .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018