الدرس : 23 - سورة الأنعام - تفسير الآيات 66-70 ، الحق هو الشيء الثابت والمستقر - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 23 - سورة الأنعام - تفسير الآيات 66-70 ، الحق هو الشيء الثابت والمستقر


2005-06-03

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
 أيها الأخوة الكرام ، مع الدرس الثالث والعشرين من دروس سورة الأنعام .

الفرق بين الخبر والنبأ :

 مع الآية السادسة والستين ، وهي قوله تعالى :

 

﴿ وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (66)﴾

 لا إكراه في الدين ، النبي صلى الله عليه وسلم مبلّغ .

﴿ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21)لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ (22)﴾

( سورة الغاشية )

 أيها الأخوة ، ثم يقول الله عز وجل :

 

﴿ لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (67)﴾

 ما النبأ ؟ النبأ شيء ، والخبر شيء آخر ، قد يكون الخبر تافهاً ، لكن النبأ شيء مهم ، عظيم ، والدليل :

﴿ عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (1)عَنِ النَّبَأِ الْعَظِيمِ (2)﴾

( سورة النبأ )

 رسالة الله إلى البشر هذا نبأ عظيم ، قيام الساعة نبأ عظيم ، محاسبة الطواغيت نبأ عظيم .

 

﴿ قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (67)أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (68)﴾

( سورة ص)

الأمور تتغير لكن في النهاية لا تستقر إلا على الحق :

 يختلف النبأ عن الخبر في أن الخبر يتناول أي موضوع ، ولو كان تافهاً ، لكن النبأ يتناول الموضوعات الخطيرة ، أو بتعبير آخر ؛ المصيرية

﴿ لِكُلِّ نَبَإٍ ﴾

 الخبر العظيم الموضوع الخطير ، الحدث المصيري ،

﴿ لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ ﴾

 هذا الحدث المصيري ، النبأ العظيم ، الخبر الخطير لا بد من أن يستقر في مكان ولا بد من أن يضله زمان ، هو مستقر في زمان مستقر ، وفي مكان مستقر ، الخبر يصبح واقعاً ، النبأ يصبح حقيقة ، الشيء الواقع الذي له زمان ، والذي له مكان ، كان خبراً فأصبح حقيقة ،

﴿ لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ ﴾

 هذا معنى .
 أما المعنى الآخر فيتضح : لو أن كرةً وضعنا في داخلها قطعة رصاص ودحرجناها ، مهما تدحرجت فلا تستقر إلا وقطعة الرصاص في الأسفل .
 الأمور تتغير ، يعلو أناس ، ينخفض أناس ، يعز أناس ، يذل أناس ، يقوى أناس، يضعف أناس ، في النهاية الأمور لا تستقر إلا على الحق .

 

﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ (12)﴾

( سورة آل عمران الآية : 12 )

 وقال :

 

﴿ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (128)﴾

( سورة الأعراف )

 هؤلاء الذين عارضوا النبي صلى الله عليه وسلم ، وحاربوه ، ونكلوا بأصحابه ، وسخروا منه ، أين هم الآن ؟ في مزابل التاريخ ، هؤلاء الضعاف ، الفقراء ، المستضعفون ، الذين عُذبوا ، وضُربوا ، وجُلدوا ، وهاجروا ، وفروا بدينهم ، أين هم الآن ؟ في أعلى عليين، الأمور لا تستقر إلا على ما هو صحيح ، وهذا معنى قوله تعالى :

﴿ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾

  النبأ العظيم لا بد من أن يكون مستقراً ، في مكان يحويه ، وفي زمان يظله ، أو أن الأمور مهما اضطربت ، ومهما اختلفت ، ومهما اعتورها ظروف صعبة ، ففي النهاية لا تستقر إلى على ما هو صحيح .

 

الباطل له جولات ولكنه في النهاية زهوق :

 أحياناً يصدر قانون يمنع شيئاً طبيعياً ، فطرياً ، من حق الإنسان ، يثار حول هذا القانون جدل كبير ، يناقش ، في النهاية يلغى ، الأمور لا تستقر إلا على ما هو صحيح ، ولكن تضطرب ، ولكن لحكمة أرادها الله ، الباطل له جولات ، ولكنه في النهاية زهوق ، هؤلاء الذين بنوا كيانهم على إنكار وجود الله ، وصالوا وجالوا ، واخترعوا القنابل النووية ، وامتلكوا قنابل يمكن أن تفني القارات الخمس ، ما مصيرهم ؟ تداعوا من الداخل ، وبقي الإسلام شامخاً .
 مرةً زرت في بلد إسلامي متحفاً ، فإذا ساعة واقفة على رقم معين ، التاسعة وخمس دقائق ، فسألت الذين معي : لمَ هذه الساعة واقفة ؟ قال : هذه الساعة أوقفت مع موت من أراد إلغاء الإسلام في بلده إلغاءه كلياً ، وكان علمانياً ، وحارب المساجد ، والأئمة ، والخطباء ، وألغى المدارس ، وأمر الفتيات بالسفور والتفلت ليقنع الغرب أنه علماني مثلهم ، قلت هذه الكلمة وقتها : ألف طاغية يريدون إلغاء الإسلام يفطسون ، والإسلام باقٍ شامخ كالجبل .
 والله قبل سنوات زرت هذا البلد ، الشيء الذي يلفت النظر لا يصدق ، أن تسعين بالمئة من النساء محجبات ، الإسلام لا يستطيع إنسان على وجه الأرض أن يلغيه ، بل إن الله سبحانه وتعالى بيّن وقال :

 

﴿ يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ (32)﴾

( سورة التوبة الآية : 32 )

 بربك لو توجه إنسان إلى الشمس ، ونفخ فلعلها تنطفئ ، أين مكانه الصحيح ؟ في مستشفى المجانين ، ضوء الشمس لا يمكن أن يطفأ بنفخة من رجل ، فكيف بنور الله عز وجل ،

﴿ يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ ﴾

 وأنا أطمئنكم ، وأطمئن نفسي أن الطغاة في الأرض لا يستطيعون إلغاء هداية الله لخلقه ، يتكلمون ، يهددون ، يتوعدون ، يغلقون ثانويات شرعية ، يبدلون المناهج ، يدنسون المصحف ، لكن نحن السبب في تدنيس المصحف نحن هجرناه ، فلما هجرناه ضعفنا ، فلما ضعفنا تطاولوا علينا ، نحن السبب ، جريمة تعطيل كتاب الله أعظم بكثير من جريمة تدنيسه ، تدنيسه تحصيل حاصل ، أما تعطيله فهو الجريمة .

 

البطل هو الذي يصل إلى الشيء بعقله قبل أن يصل إلى الشيء واقعاً :

 يا أيها الأخوة ،

﴿ لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ ﴾

  هذا النبأ يصبح حقيقة ، في الخمسينيات في هذه البلاد مُنِع الدخول إلى المساجد إلا لكبار السن فقط ، ثمانون عاماً فما فوق ، ادخل إلى أي مسجد في بلادنا الآن ، شباب ، الأمر واضح جداً ، أسود أو أبيض ، الألوان الرمادية بدأت تختفي بين هذين اللونين ، إباحي ، وليّ ، عفيف ، زان ، أمين ، خائن ، مستقيم ، منحرف ، يؤمن بالآخرة ، يؤمن بالدنيا ، يؤمن بالقيم يؤمن بالشهوة ، يبيع دينه بعرض قليل ، يموت من أجل دينه ، هذا كله بفضل الأحداث الأخيرة التي وضعت المسلمين في امتحان صعب ، فإما أن يكونوا مع الله والله يتولى حمايتهم ، وأعداؤهم أقوياء جداً ، يريدون أن يبيدوهم عن آخرهم ،

﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾

  هنا التهديد :

﴿وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾

﴿ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (3)ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (4)﴾

( سورة التكاثر )

 لذلك البطل هو الذي يصل إلى الشيء بعقله قبل أن يصل إلى الشيء واقعاً ، نحن كمؤمنين بطولتنا أن نؤمن بالموت ، وأن نستعد له قبل أن يأتي ، فإذا جاء فقد جاء ما هو متوقع ، وأنت مستعد له بتوبة نصوح ، وبعمل صالح ، أما الذي يعطل عقله ويفاجأ بالموت يعيش لحظته ، يعيش وقته ، ولا يخطط للمستقبل ،

﴿ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾

﴿ وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ (159)﴾

( سورة النساء الآية : 159 )

 سيعود السيد المسيح ، وسيؤمن المؤمنون به على أنه رسول الله ،

﴿ لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾

 سوف نعلم أن الله لن يتخلى عن المؤمنين ، وسوف نعلم أن للباطل جولة ثم يضمحل .

 

الحق هو الشيء الثابت والمستقر أما الباطل فلا بد أن يضمحل :

 قال تعالى :

 

﴿ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً (81)﴾

( سورة الإسراء )

 لكن أقول دائماً : إننا أمام امتحانين صعبين ، الأول الله عز وجل يقوي أعداءه ، يقويهم إلى أن يبدو أنهم آلهة الأرض ، دمروا فيدمرون ، اقتلوا فيقتلون ، احتلوا فيحتلون ، إلى أن يقول ضعيف الإيمان : أين الله ؟ ثم يظهر آياته ، حتى يقول هؤلاء الجاحدون : لا إله إلا الله .

 

﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139)﴾

( سورة آل عمران )

﴿ لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ ﴾

  الشيء الباطل :

 

﴿ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً (81)﴾

( سورة الإسراء )

 الزهوق صيغة مبالغة ، يعني أكبر باطل سوف يضمحل ، ومليون باطل سوف يضمحل ، صيغ المبالغة في اللغة تعني النوع أو العدد ، مليون باطل ، اعتقادي ، وسلوكي ، وقولي ، وعملي ، وغربي ، وشرقي ، سوف يضمحل ، ثم أكبر باطل لا بد من أن يضمحل ،

﴿ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً ﴾

  ومعنى الحق الشيء الثابت والمستقر .

 

﴿ وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ (22)﴾

( سورة الجاثية الآية : 22 )

 أي إن الحق لابس خلق السماوات والأرض .

 

معنى كلمة ( يخوض ):

 كشاهد على ذلك يشاع في الغرب في كل مكان أن الشاذ في سلوكه الجنسي جيناته مختلفة ، إذاً لا إثم عليه ، إذاً لا تثريب عليه ، هذه فكرة تروق للشاذين ، هم بشر أسوياء ، لكن جيناتهم خاصة ، إلى أن اكتشفت الخارطة الجينية قبل سنوات ، وأعلن كلينتون هذه الخارطة ، وأخطر ما في إعلانه أن الجينات لا علاقة لها بالسلوك إطلاقاً ،

﴿ لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ ﴾

  هذا الباطل الذي شاع في الغرب انتهى بالخارطة الجينية ، مستحيل وألف ألف مستحيل أن يُخلق الإنسان على نحو شاذ ثم يحاسب على شذوذه ، هذا مستحيل .
 أيها الأخوة :

 

﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (68)﴾

( سورة الأنعام )

﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ﴾

 يخوض ، خاض ، يعني مشى في الماء ، والماء العكر لا يكشف لك قعره ، عندما يمشي الإنسان بمركبته في بركة ماء يخاف ، لعلها حفرة ، لعلها مفاجأة ، لعلها صخرة ، لا يرى شيئاً ، الماء يحجب عمن يخوض في قعره ، كأن الله عز وجل يريد أن يقول :

﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ ﴾

 أي يغامرون ، يعالجون موضوعات ليسوا متمكنين منها ، يخوضون ، يمشي في بركة ماء فيها مفاجئات ، قد يكون في هذه البركة حفرة تقضي على من يمشي في الماء ، قد يكون فيها حيوان مؤذٍ ، قد يكون فيها صخرة تعيق حركة المركبة ،

﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ ﴾

 هذه الصورة المادية تشبه الذي يتحدث عن يوم القيامة ، يتحدث عن القضاء والقدر ، لماذا خلق هذا أعمى ؟ هكذا ، لمَ لم يخلقنا الله من دون شهوة ؟ إذاً لا نعصيه ، يخوض في آياتنا .

 

الله عز وجل لا يريدنا أن نقاطع الشاردين مقاطعة تامة حتى لا يضلوا :

﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾

 هذا الذي يتكلم بلا دليل، يتكلم بلا تعليل ، يتكلم من غير علم ، يتكلم من غير هدى ، يتكلم من غير كتاب منير ، يتكلم فيما يتراءى له ، هذا الذي يخوض .

 

﴿ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45)وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46)﴾

( سورة المدثر )

 كلمة يخوض رائعة ، المتمكن من اللغة يُدرك أبعاد هذه الكلمة ،

﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾

  تنبيهاً لهم ، تنبيهاً لتطاولهم على الله عز وجل، تنبيهاً لجهلهم ، تنبيهاً لضعف أدلتهم ، تنبيهاً لتسرعهم ، الآن في أي جلسة الإنسان يرى نفسه محور العالم ، يصحح ولا يصحح ، يصدق ولا يصدق ، بلا دليل ، الشيء الذي يعجبه يقبله وما يتعارض مع شهوته يرفضه ، كم من أشياء في أصل الشرع يقول لك : هذه عادات وتقاليد لم تكن على عهد النبي عليه الصلاة والسلام ، هكذا من عنده ، بلا دليل .

 

يقولون هذا عندنا غير جائز  فمن أنتمُ حتى يكون لكم عند
***

 من أنتم ؟

 

﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا ﴾

  تجد أي إنسان بثقافة ، بإطلاع ضعيف جداً ، لم يقرأ ، لم يبحث ، لم يمحص ، لم يدقق ، يتكلم في القضاء والقدر براحة تامة ، وينفي شيء ، ويثبت شيئاً ، وينفي حكماً شرعيّاً ، وينفي الحجاب في الإسلام ، وينفي بعض الأوامر الشرعية التي وردتنا في الكتاب والسنة ، هكذا ،

﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾

  أشعرهم أنهم على باطل ، أشعرهم أن هذا الخوض من دون أدلة تطاول على الله عز وجل ، لكن يوجد في الآية ملمح دقيق جداً .
 أنا حينما أقاطع الشارد مقاطعة تامة أنى له أن يهتدي ؟ أنا حرمته من الهدى ، فالله عز وجل يريدنا ألا تكون المقاطعة تامة ،

﴿ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ﴾

  لو خاضوا في حديث غيره فاجلس معهم ، بيّن لهم ، وضّح لهم ، اِئتهم بالدليل ، قدم لهم ما في هذا الكتاب العظيم ، إذاً الله عز وجل لا يريدنا أن نقاطع الشاردين مقاطعة تامة .

 

استدل ثم اعتقد لأن منهج الله كلٌّ لا يتجزأ :

 

 

أنا أحياناً يسألني أخ : لي أخت متفلتة قاطعتها كلياً ، قلت له : هذا لمصلحتها ، إن كان هناك صلة بينك وبينها لعلها تستحيي قليلاً ، لعلها تحسب حساباً لك ، لعلها تعتذر ، لعلها تفكر ، لعلها تراجع نفسها ، أما حينما تقاطعها مقاطعة تامة فهذا الذي تريده قد حصل .
 لذلك أنا لا أرى أن يقاطع الإنسان الطرف الآخر مقاطعة تامة ، والدليل هذه الآية

﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾

، أي أعرض عنهم مؤقتاً ، أعرض عنهم ماداموا يخوضون في آيات الله عز وجل بغير علم ، ولا هدى ، ولا كتاب منير ، من دون دليل ولا تعليل .
 الحقيقة الفكر المنهجي رائع جداً ، لا تجلس مع إنسان ، ينفي بلا دليل ، ويقبل بلا دليل ، بعقله الباطن الشيء الذي يحقق مصلحته أو يروي شهوته يقبله ، والشيء الذي يبعده عن مصالحه وعن شهواته يرفضه دون أن يشعر ، أو أنه يعتقد أولاً ثم يبحث عن دليل ثانياً ، وهذا خطأ كبير ، استدل ثم اعتقد ، استدل أولاً ثم اعتقد ، لا أن تعتقد ثم تستدل ، الذي يعتقد ثم يستدل يصنف في علم المنطق انتقائيّاً ، والانتقائي وصمة عار ، ينتقي من الدين ما يعجبه ويرفض ما لا يعجبه ، ومنهج الله كلٌ لا يتجزأ ، لن تقطف ثماره إلا إذا أحطته من كل جوانبه ،

﴿ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ﴾

 الإعراض موقف ، فرق كبير بين أن تُعرض ، كان عليه الصلاة والسلام إذا غضب أعرض وأشاح ، هناك إنسان إذا غضب يسبّ ، ويشتم ، ويبالغ في الإساءة ، كان عليه الصلاة والسلام إذا غضب أعرض وأشاح ، إعراضه دليل عدم ارتياحه لما يقال .
 الآن في جلسة فرضاً إنسان بذيء اللسان ، تكلم بطرفة جنسية ، ينبغي ألا تضحك ، إن ضحكت أقررته على هذا الكلام الفاحش ، ينبغي ألا تضحك ، ينبغي أن تبقى صامتاً ومقطباً ، هذا الإعراض درس بليغ له ، أن هذا الكلام لا يليق في هذا المجلس .

 

لا تجد فرقاً بين المؤمن وغير المؤمن الآن إلا في العبادات الشعائرية فقط :

﴿ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾

  قالوا : الإنسان له حافظة تخزن له المعلومات ، وله حافظة تذكره بما هو مخزن ، وله حافظة تعينه على التخيل ، فيه مستودع ، ومعالج ، وتصور ، هذه الملكات ، لكن ثبت في علم النفس أن الإنسان لا يستطيع أن ينصرف إلى شيئين في وقت واحد ، لو أن الإنسان يتذكر فلا ينسى مستحيل أن ترد فكرة على فكرة ، لا بد من أن تنسى الفكرة الأولى حتى تأتي الثانية ، إذاً هذا نسيان طبيعي ، والدليل : ضع مسجلة على نافذة ، والبيت على الطريق ، واجلس مع صديق حميم ، وأدر معه حديثاً مهماً ، وبعد نصف ساعة افتح المسجلة ، كل الأصوات التي سجلتها أنت لم تسمعها أبداً ، شيء عجيب ، لأنك منصرف إلى موضوع ، والنفس البشرية لا تحتمل أن تنصرف إلى موضوعين معاً ، والذي يوهمك أنه يعالج قضيتين في وقت واحد عند هذا الإنسان ملكة اسمها سرعة الانتقال من موضوع إلى موضوع ، أما في وقت واحد لا تستطيع أن تنصرف إلا إلى شيء واحد .
 الإنسان ينسى حتى يُدخل على منطقة المعالجة شيئاً جديداً ، النبي الكريم أو أصحابه الكرام يكونون مع الشاردين ، يخوضون فيما لا يعرفون ، فسواء أعرضوا ، أي خرجوا من المجلس أم تابعوا موضوعاً دون أن يذكروا أنهم مكلفون بالإعراض عن هؤلاء سواء فعلوا أم لم يفعلوا فالله عز وجل يقول :

﴿فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى﴾

  بعد أن تتذكر ،

﴿ مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾

  لا بد من أن يتمايز الناس ، ما دام المؤمن مع الطرف الآخر ، مع الشارد بالمقاصف ، بالمتنزهات ، باللقاءات ، بالحفلات ، لا تجد فرقاً بين المؤمن وغير المؤمن الآن إلا في الصلاة فقط ، المؤمن يصلي ، أما أن تجد فرقاً صارخاً ، نزهة المؤمن متميزة ، ما فيها اختلاط ، ما فيها أغانٍ ، ما فيها أماكن مزدحمة ، ولا فيها أن تجلس وحولك النساء كاسيات عاريات ، والأغاني تصدح ، والخمور توزع على طاولة أخرى ، هذا ليس مكانك ، فلا بد من التمايز ، المؤمن وليمته من نوع آخر ، إن جلس مع أخوانه فالحديث متميز ، حديث رصين جاد ، يعالج قضايا مهمة ، وأنا أخشى ما أخشاه أن يبقى الفرق بين المؤمن وغير المؤمن هذه العبادات الشعائرية ، لا ، هناك قيم ، ومبادئ ، وتصورات ، واهتمامات .

 

يجب أن يكون الفرق بين المؤمن وغير المؤمن صارخاً :

 يجب أن يكون الفرق بين المؤمن وغير المؤمن صارخاً ، للتقريب : إنسان درس الطب في بلد غربي ، ونال أعلى شهادة هناك ، البورد ، وجاء إلى بلده هذا ، ماذا يرتدي في العيادة ؟ ثوباً أبيض ، ويضع نظارة على عينيه ، وقد يضع ميزان حرارة في صدره ، وقد يضع سماعة حول رقبته استعداداً لقياس نبض القلب ، أما الشكل فهو إنسان يرتدي ثوباً أبيض ونظارة على عينيه ، ميزان حرارة في جيبه ، سماعة على رقبته ، لو جئنا بإنسان أمّي لا يقرأ ولا يكتب ، ألبسناه ثوباً أبيض ، وضعنا على عينيه نظارة ، وفي الأيسر ميزان حرارة ، وعلى قلبه سماعة قلب ، هل صار هذا طبيباً ؟
 إن شاء الله لا أبالغ : الفرق بين الصحابة الكرام وبيننا هذا نفس الفرق ، المنظر واحد ، جامع ، صلاة ، وركوع ، وسجود ، وحج ، وعمرة ، لكن أين الثرى من الثريا ؟ واحد كألف ، وألف كأف .
 سيدنا خالد يستنجد بسيدنا أبي بكر أن يمده بخمسين ألفاً ، يرسل له القعقاع بن عمرو ! ومعه كتاب ، قرأ الكتاب : والله يا خالد إن جيشاً فيه القعقاع لا يهزم ، ما هذا ؟
 تجد ملياراً وثلاثمئة مليون مسلم الآن لا وزن لهم عند الله ، ليس أمرهم بيدهم ، عندهم مواقع مهمة جداً ، عندهم بترول ، عندهم ألماس ، عندهم ذهب ، عندهم عقدة مواصلات ، عندهم كل شيء ، ولغتهم واحدة ، ودينهم واحد ، وإلههم واحد ، وهم ممزقون مشتتون في الأرض ، فواحد كألف وألف كأف ، الحديث الذي في البخاري ، وقد لا تصدقون، افتراضي طبعاً :

(( لن تغلب أمتي من اثني عشر ألفاً من قلة ))

 اثنا عشر ألفاً لم يغلبوا في الأرض ، أما المليار والثلاثمئة مليون ، والله خطيب كبير وعالم جليل في الشام توفي قبل أشهر رحمه الله ، والله من فمه إلى أذني من غير وسيط بيننا قال لي : أنا ذهبت إلى بلد في أوربة ، أصله من هناك ، وألقى كلمة في أضخم جامع هناك ، قال لي : من عشرين إلى ثلاثين ألفاً من التأثر بخطبته جميع المصلين بكوا ، فلما تأثروا كثيراً أخرجوا من جيوبهم زجاجات خمر وشربوها ، متأثرين جداً ، ما هذه الخطبة ؟ والله من فمه إلى أذني .

 

﴿ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً (105)﴾

( سورة الكهف )

 مشكلة ، عدد كبير ، والمسلمون كثر ، بعد أن سقطت بغداد ، وأصيب المسلمون بخيبة أمل ، وإحباط لا يوصف ، همّ المجتمع بالشرق الأوسط أن يختار إحدى مغنيتين ، ستة وثمانون مليون اتصال ، في بلد آخر همه أن يتصل ببرنامج خمسة وستون مليون اتصال في عشرين يوماً ، وهذه المبالغ بالمليارات .

 

وعود الله عز وجل محققة لذلك يجب أن نعتب على أنفسنا لا على الله عز وجل :

 لذلك لا تعتبوا على الله أيها الأخوة ، لا تعتبوا على الله ، اعتبوا على أنفسكم ، وعود الله عز وجل محققة ، وزوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين ، وإذا لم تستطع أن تغير غيّر نفسك ، أقم الإسلام في نفسك وبيتك وعملك ، وانتهى الأمر ، وأنت لست مكلفاً بأكثر من ذلك ، أنا أطمئنكم ، قال تعالى :

 

﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا (286)﴾

( سورة البقرة الآية : 286 )

 أنت لست مكلفاً إلا أن تقيم الإسلام في نفسك ، وفي بيتك ، وفي عملك ، بيتك مملكتك ، وعملك مملكتك ، ونفسك أنت مكلف بها .

 

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9)﴾

( سورة الشمس )

 هذا الذي أمامنا ، والذي أتمناه أيضاً أيها الأخوة في هذه الأيام الصعبة أن نكف عن الكلام وأن نعمل ، وطرق العمل الصالح لا تعد ولا تحصى ، في أصعب الظروف ، في أشد المحن يمكن أن تفعل مليون شيء ، وشيء مسموح به ولا تؤاخذ عليه ، من يؤاخذك لو كنت صادقاً ؟ من يؤاخذك إن كنت أميناً ؟ لو كنت منصفاً ، لو اعتنيت بأولادك ، لو ربيت أسرة طيبة طاهرة ، لو أعنت زوجتك على أن تكون مؤمنة كبيرة ، من يمنعك ؟ من يمنعك أن تتقن عملك ؟ الأشياء الذي نطالب بها بين أيدينا ، لكن الإنسان ما هو مكلف به ، وما هو مطالب به يقصر في تحقيقه ، وما فوق طاقته يبحث عنه ، فتجد المسلم يتساءل : ماذا نفعل ما بيدنا شيء الآن ؟ بيدنا أولادنا ، بيدنا أن نربي أنفسنا ، أن نعود إلى ربنا ونصطلح معه .

 

البطولة أن ننقل الحق إلى الناس :

 هذه الآية تبين علاقتك بالطرف الآخر ، إذا خاضوا في أمور الدين بلا دليل ، بلا وعي ، بلا إدراك ، بلا عمق ، بلا كتاب ، بلا سنة ، بلا نور ، بلا عقل ، أعرض عنهم ، أشعرهم أنهم مخطئون ، لكن لا تعرض عنهم كلياً ، من لهم غيرك ؟ لك أخ ، أخي أنا قاطعته، لم تفعل شيئاً ، لك أخت قاطعتها ، لا ، قاطعتها إن خاضت فيما لا ينبغي ، أما إن تحدثت عن أمور عادية ، أقم معها علاقة لعلها تهتدي بهديك ، كونك تجلس مع إنسان شارد تتذكر أنه يخوض في حديث لا يعنيك تقوم أو تنسى فتقعد ، ليست هذه المشكلة ، البطولة أن تنقل هذا الحق إلى الناس ، لأنه :

 

﴿ وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً (32)﴾

( سورة المائدة الآية : 32 )

 ثم يقول الله تعالى :

 

﴿ وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (69)﴾

 هم حينما يخوضون بما لا يعرفون ، حينما يخوضون بأمور عقدية كبيرة جداً بلا دليل ، بلا اهتمام ، بلا وقار ، بلا أدب ، بلا خشوع ، بلا تعظيم لحرمات الله ، حينما يخوضون هذا الخوض الله يطمئن المؤمنين أنكم لن تحاسبون عنهم ،

﴿ وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ ﴾

 كل إنسان يتحمل فعله .

 

﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (164)﴾

( سورة الأنعام )

 الله عز وجل يطمئنك أنك إذا كنت في مكان ، وتكلم أحد كلاماً لا يليق فقمت عنه فهذا الكلام أنت لست محاسباً عليه ، فقد تجد أحياناً ورعاً في غير محله ، أنت لست محاسباً إذا قيل كلام في حضرتك ، وهذا الكلام لا يرضي الله عز وجل .

 

المؤمن مكلف أن يذكر من حوله بمعرفة الله عز وجل أولاً وبطاعته ثانياً :

 هناك دليل آخر :

﴿ وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾

 أهم شيء في مثل هذه المجالس أن تذكرهم بالتقوى ، بطاعة الله ، أن تذكرهم بوجود الله ، بوحدانيته ، بكماله ، بأحقية هذا الدين ، هذه طمأنة من الله عز وجل .
 الوسوسة أحياناً : واحد يطوف حول الكعبة رأى لوزة ، فرفعها إلى الأعلى ، وصاح بأعلى صوته ، وشوَّش على الحجاج طوافهم ، وسعيهم ، وإقبالهم ، من صاحب هذه اللوزة ؟ فكان سيدنا عمر موجوداً ، قال له : كُلْها يا صاحب الورع الكاذب .
 تجد إنساناً يسأل سؤالاً ، أنا مؤاخذ إذا ما صلى إنسان ؟ لا ، لست مؤاخذاً ، يخترع ورعاً لا يصدق .

 

﴿ وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ (63)﴾

( سورة المؤمنين الآية : 63 )

 هناك تعبير عامي معبر ، يبلع الثور ويغص بالذيل ، يسأل سؤالاً غير معقول ، أنه بقيت حبة سمسم بين أسنانه ، يا ترى أفطر ؟ لا حول ولا قوة إلا بالله ، تجده في البيع يكذب ، ويحتال ، ويدلس ، ويملأ عينيه من الحرام ، وعنده قلق شديد أنه بقيت حبة سمسم ، أكل في السحور وبقيت حبة سمسم بين أسنانه لم ينتبه لها ، يا ترى أفطر أم لم يفطر ؟ حالات بالمجتمع الإسلامي كهذه الحالات ، هذه فيها نوع من الدجل .
 إذاً :

﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾

 يعني هذا التوجيه أنك مكلف أن تذكر من حولك بطاعة الله عز وجل ، بمعرفته أولاً ، وبطاعته ثانياً .

 

اللعب عمل عابث لا طائل منه :

 ثم يقول الله عز وجل :

 

﴿ وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (70)﴾

 أخواننا الكرام ، اللعب عمل عابث لا طائل منه ، الطفل أحياناً قبل أن يبلغ يمسك مركبة صغيرة حجمها بحجم بعض أصابعه ، ويمررها على الأثاث ، ويرافق التمرير صوت بالجهة الصاعدة يرفع صوته ، وبعد ذلك يخفض ، وبعد ذلك يصيبه حادث ، يعيش في عالم السيارة الصغيرة ، فلما صورته وقد أصبح طبيباً ، ومسؤولاً كبيراً ، أطلعته على هذا الفيلم ، لاستصغر نفسه ، كيف كان يلهو بهذا ؟!
 اللعب عمل لا جدوى منه إطلاقاً ، عمل عابث لا هدف له ولا جدوى ولا فائدة ، هو قتل للوقت ، والآن في بعض البرامج الكمبيوترية لو أن الإنسان عاش مئتا سنة عنده كل سنة برنامج ، تستهلك الوقت والجهد بلا طائل ، أمة عابثة ، مقهى الانترنت ، ألعاب الكمبيوتر ، الأجانب يتفننون في أن يبيعونا أشياء لا تنفعنا ، فضلاً عن أنها تضرنا ، أحياناً الإباحية بلعب صغيرة ، كلما خلع قطعة عن جسم هذه اللعبة نال درجة ، بعض الألعاب إلى أن ينزع كل ثيابها ، هذه اللعبة أساسها فيها إباحية أو إلحاد ، حتى الألعاب نستوردها كي نفسد عقائدنا ، وكي نفسد ديننا ، للطفل مقبول لكن لغير الأطفال تجده إلى الساعة الثالثة بالليل يلعب النرد ، هذا أليس لعباً ؟ ماذا تفعل ؟

﴿ وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً ﴾

 انظر لمعنى دينهم ، الدين ما تبين به ، ما تميل إليه ، همه الطاولة ، همه النرد ، همه أشياء لا ترضي الله عز وجل ، همه الغيبة والنميمة ، همه يشتري تحفاً ،

﴿ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً ﴾

 اللعب عمل عابث .

 

اللهو أشد من اللعب لأن اللهو أن تشتغل بالخسيس وتنسى النفيس :

 قال تعالى :

 

﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (16)﴾

( سورة الأنبياء )

 وقال :

 

﴿ ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا (27)﴾

( سورة ص الآية : 27 )

 وقال :

 

﴿ مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (39)﴾

( سورة الدخان )

 أما اللهو فهو أشد من اللعب ، اللهو أن تشتغل بالخسيس وتنسى النفيس ، اللهو أن تشتغل عن النفيس بالخسيس ، هؤلاء الذين اتجهوا إلى اللعب وإلى اللهو ، ذر هؤلاء ،

﴿ وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً ﴾

 بشكل صريح ، ادرس حالة أسرة ما فيها همّ كبير ، همّ الأكل ، والشرب ، والسياحة ، والسرور ، والنوم المريح ، والحديث والخوض في فضائح الناس ، والفخر بما تملك ، وبما تعمل ، وبما تتمتع به في الحياة الدنيا ، هؤلاء إذا كان دينهم لعباً ولهواً ذرهم ، لماذا ؟ لأنهم غرتهم الحياة الدنيا ، معنى غرتهم ؛ وجدوها أكبر من حجمها .
 لي صديق توفي رحمه الله ، لما كان شاباً كان يعمل موظفاً في محل تجاري في سوق الحميدية ، عنده دعابة لكن خشنة ، كان يكنس المحل ، ويجمع القمامة في علبة ، ويلفّها بورق ثمين ، يضع لها شريطاً ، ووردة ، يضعها على طرف المحل ، ويتغافل عنها ، يأتي إنسان فيأخذها ، ويسرع ، يلحقه ، بعد مئة متر يفك الشريط الأحمر والوردة ، بعد مئة متر ثانية يفك الورق ، بعد مئة متر ثالثة يفتح فيجد قمامة المحل ، يلعن ، ويسب ، هذا المثل مع أنه صارخ فهو الدنيا .

 

أهم شيء في الحياة أن تعرف الله وتعمل صالحاً :

 في البدايات المال كل شيء ، المرأة كل شيء ، بمنتصف الحياة شيء لكن ليست كل شيء ، على فراش الموت ليست بشيء ، الشيء أن تعرف الله ، الشيء العمل الصالح .

 

﴿ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (24)فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (25)﴾

( سورة الفجر )

 لذلك أيها الأخوة ، هؤلاء :

﴿ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً ﴾

 قال لي أحدهم : نكسو بيتاً لإنسان ، قال لي : ستة أشهر لم يعتمد على جهاز التسخين ، تمديده داخلي أم خارجي ، قال لي : داخلي خاف أن يفسد بعد عشرين سنة ، فيضطر إلى تكسير البلاط ، والخارجي ليس أنيقاً ، قال لي : بقينا ستة أشهر دون أن يتخذ قراراً ، ثم اتخذ قراراً أن يجعله داخلياً ، فإذا فسد مدده خارجياً ، وتابعنا العمل ، الأمل في الحياة طويل جداً .
 والله أحد أخواننا توفي ، فكنت على القبر ، فتحة القبر البلاطة التي توضع فوقها فيها فرق عشرة سنتيمترات ، وضعوا أحجاراً ، ثم أهالوا التراب ، هذا المصير ، مهما اعتنيت بالبيت ، وانتبهت للفروق الدقيقة ، وحاسبت الذي تعهد كسوة البيت على أخطاء بالمليمترات فالقبر عشرة سنتيمترات ، أحجار وضعت ، وأهيل التراب ، إذاً :

﴿ وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ﴾

  لذلك الله عز وجل قال :

 

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (5)﴾

( سورة فاطر )

دين الناس في أيام التخلف الديني لعب ولهو لأن الدنيا غرتهم :

 لا تراها بحجم أكبر من حجمها ، لا تراها كل شيء ، سيدنا علي قال : " طلقتكِ بالثلاث ، غري غيري يا دنيا " .

 

(( إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء ، ودار ترح لا دار فرح فمن عرفها لم يفرح لرخاء ، ولم يحزن لشدة ، ألا وإن الله تعالى خلق الدنيا دار بلوى ، والآخرة دار عقبى ، فجعل بلوى الدنيا لثواب الآخرة ، وثواب الآخرة من بلوى الدنيا عوضا ، فيأخذ ويبتلي ليجزي ))

 

[ أخرجه الديلمي عن ابن عمر ]

 إذاً دين الناس في أيام التخلف الديني لعب ولهو ، لأن الدنيا غرتهم ، لكن الآية تقول :

 

﴿ وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (33)﴾

( سورة لقمان )

 من هو الغرور ؟ الشيطان ، مثلاً يقول لك : النبي يشفع لنا ، الله عز وجل يقول:

 

﴿ أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (19)﴾

( سورة الزمر )

(( يا عباس عم رسول الله ، يا فاطمة بنت محمد ، أنقذا نفسيكما من النار ، أنا لا أغني عنكما من الله شيئاً ))

[ مسلم عن أبي هريرة ]

(( من يبطئ به عمله لم يسرع به نسبه ))

[ أحمد عن أبي هريرة]

(( لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم ))

[ أحمد عن أبي هريرة]

إياك أن تصل مع الله إلى طريق مسدود :

﴿ وَذَكِّرْ بِهِ ﴾

 القرآن ، يا محمد ،

﴿ وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ ﴾

 أي أن تُحرم ،

﴿نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ ﴾

  أن تُحرم السعادة الأبدية ، أن تُحرم الأبد ، أن تُحرم جنة عرضها السماوات والأرض .

 

((إن في الجنة ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ))

 

[ البخاري عن أبي هريرة]

﴿ وَذَكِّرْ ﴾

 بالقرآن

﴿ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ ﴾

  أن تُحرم هذا العطاء العظيم بسبب اختيارها للدنيا ، لأنها اتخذت دينها لعباً ، ولهواً ، وغرتها الحياة الدنيا ،

﴿ وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ ﴾

  لا أحد يواليها ، ولا أحد يشفع لها ، وسوف تلقى عملها ، أنا أقول دائماً هذه الكلمة : إياك أن تصل في علاقتك مع الله إلى طريق مسدود ، كيف ؟
 إنسان ارتكب جريمة ، وحكم عليه بالإعدام ، في محكمة الجنايات ، رفع الحكم إلى محكمة النقض فصدق ، ثم رفع إلى القصر فصدق ، ثم كان يوم الإعدام ، ثم سيق هذا المجرم إلى المشنقة ، الآن يحب أن يتجلد ، يحب أن يبكي ، يحب أن يضحك ، أن يهتم ، يحب ألا يهتم ، الحكم قائم ، نقول : هذا المجرم وصل إلى طريق مسدود .
 أنا أقول : إياك أن تصل مع الله إلى طريق مسدود ،

﴿ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا ﴾

  لو أن الدنيا بأكملها تملكها وافتديت بها لا تغنيك عن عذاب الله عز وجل .
 أخواننا الكرام ، بقية الآية :

﴿ وَذَكِّرْ بِهِ ﴾

 بالقرآن

﴿ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ ﴾

 لا بد من عودة لهذه الآية في الدرس القادم إن شاء الله .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018