الخطبة : 1052 - قوانين القرآن الكريم - قانون الالتفاف والانفضاض - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 1052 - قوانين القرآن الكريم - قانون الالتفاف والانفضاض


2007-10-12

الخطبة الأولى

    الحمد لله نحمده، ونستعين به، ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله، سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِ وسلم، وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريته ومن والاه، ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، و اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

لله في خلقه سنن وقوانين لا تبدل

     أيها الإخوة الكرام، في القرآن الكريم بضع آيات تشير إلى أن لله في خلقه سنناً، أي قوانين، هذه السنن لن تجد لها تبديلا، ولن تجدل لها تحويلا، لا تتبدل، ولا تتغير، ولا تعدّل، ولا تجمّد، ولا تطوى، ولا تلغى، قال تعالى:

 

﴿ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً ﴾

( سورة الأحزاب )

﴿ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلاً ﴾

( سورة فاطر )

     هي قواعد مطّردة، وشاملة لكل زمان ومكان.
     والمؤمن أيها الإخوة حينما يتعامل مع الله بقواعد ثابتة، وقوانين محكمة، وسنن راسخة، فيرتاح في علاقته مع الله، وهناك مقدمات، وهناك نتائج، فمن قدم المقدمات نال النتائج.

من سنن الله في التعامل مع الخلق

1 – قانون الالتفاف الانفضاض:

     أيها الإخوة الكرام، من هذه القوانين ما يسمى بقانون الالتفاف وقانون الانفضاض، متى يلتف الناس حولك ؟ ومتى ينفضون عنك ؟ هل القضية مزاجية أن القضية علمية، هذا القانون ورد في قوله تعالى:

 

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾

( سورة آل عمران )

     أي: بسبب رحمة استقرت في قلبك يا محمد من خلال اتصالك بنا كنت ليناً لهم، فلما كنت ليناً لهم التفوا حولك، وأقبلوا عليك، وأصغوا إليك، وانصاعوا لأمرك، ولو كنت منقطعاً عنا لامتلأ القلب قسوة، وانعكست القسوة غلظة، فانفضوا من حولك، فهذا القانون اتصال ورحمة ولين، والتفاف فانقطاع فقسوة فغلظة فانفضاض.

من يحتاج هذا القانون ؟

     من يحتاج هذا القانون ؟
     يحتاجه الأب حتى يلتف أولادُه حوله، حتى يخضعوا لتوجيهاته، حتى يقتدوا به.
     من يحتاج هذا القانون ؟ الأم.
     من يحتاج هذا القانون ؟ المعلم.
     إنّ أيّ منصب قيادي صاحبه يحتاج إلى هذا القانون، إذا كان قلبه من خلال اتصاله بالله ممتلئاً رحمة تنعكس هذه الرحمة في السلوك ليناً، وهذا اللين يجذب الناس إليك، فيلتفون حولك، ويتأثرون بدعوتك، فيقتدون بك، وينصاعون لك، قال تعالى:

 

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾

( سورة آل عمران)

     أيها الإخوة الكرام، كل أب في الثقافة الإسلامية محترم، ولكن ليس كل أب يُحَبّ، لا يُحَبّ إلا إذا كان كاملاً، إذا أردت أن تأخذ بيد أولادك إلى الله ورسوله، إن أردت أن يكون أولادك صالحين، إن أردت أن يكون أولادك قرة عين لك ولأمهم فأحكم اتصالك بالله، من أجل أن يمتلأ قلبك رحمة، من أجل أن تنعكس الرحمة ليناً، من أجل أن يلتف أولادك حولك.
     مدير المؤسسة، مدير المستشفى، مدير الجامعة، رئيس الدائرة، صاحب المعمل، صاحب المنشأة، صاحب المزرعة، أي إنسان تحت يده بعض الأشخاص، برحمته ولينه يلتف الناس حوله، وبقسوته وغلظته ينفض الناس من حوله.

2 – قانون الأمن:

     أيها الإخوة الكرام، مِن هذه السنن الثابتة قانون الأمن، وأعظم نعمتين على الإطلاق نعمة الشبع، ونعمة الأمن، قال تعالى:

 

﴿ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ﴾

( سورة قريش )

     أما البلدة التي تكثر فيها المعاصي فما هي أشد العقوبات عند الله لها ؟
     قال تعالى:

 

﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴾

( سورة النحل )

     أنت من خوف الفقر في فقر، ومن خوف المرض في مرض، وتوقع المصيبة مصيبة أكبر منها، نعمة الأمن لا تعدلها نعمة على الإطلاق.

الأمن للمؤمن ، والخوف للمشرك

     نعمة الأمن لا تكون إلا عند المؤمن حصراً وقصراً، الدليل، قال تعالى:

 

﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ *الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾

( سورة الأنعام )

     أما الذي أشرك بالله فإن من لوازم الشرك الخوفَ والرعبَ، قال تعالى:

 

﴿ سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا ﴾

( سورة آل عمران الراية: 151 )

     هذا قانون، هذه سنة ثابتة، إن كنت مؤمناً، ولم تضف إلى إيمانك ظلماً نعمت بنعمة الأمن، وإن لم تكن كذلك فلا بد من أن يأكل الخوف قلبك:

 

﴿ سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا ﴾

( سورة آل عمران الراية: 151 )

     أما المؤمن:

 

﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾

( سورة الأنعام )

﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا ﴾

(سورة التوبة)

     كتب لنا لصالحنا، لخيرنا، هذه ثقة المؤمن بالله، قال تعالى:

 

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ ﴾

( سورة فصلت )

     نعمة الأمن لا تعدلها نعمة، نعمة الأمن من خصائص المؤمن، قال تعالى:

 

﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴾

( سورة الشعراء )

من لوازم الشرك العذاب النفسي

     أحد أكبر أسباب العذاب النفسي أن تدعو مع الله إلهاً آخر، ليس معنى هذه الآية أن تعبد صنماً، ليس في العالم الإسلامي مكان للشرك الجلي، ولكن العالم الإسلامي ممتلئ بالشرك الخفي، عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَتَخَوَّفُ عَلَى أُمَّتِي الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، أَمَا إِنِّي لَسْتُ أَقُولُ: يَعْبُدُونَ شَمْسًا، وَلَا قَمَرًا، وَلَا وَثَنًا، وَلَكِنْ أَعْمَالًا لِغَيْرِ اللَّهِ، وَشَهْوَةً خَفِيَّةً ))

[ ابن ماجه ]

     أيها الإخوة الكرام، إن أردت نعمة الأمن، إن أردت نعمة الاستقرار، إن أردت نعمة السكينة، إن أردت نعمة الرضا فآمن بالله الإيمان الذي يحملك على طاعته، وآمن باليوم الآخر الإيمان الذي يمنعك أن تؤذي نملة، وعندئذ تمتع بنعمة الأمن، هذه النعمة لا تعدلها نعمة على الإطلاق.

3 – قانون التيسير والتعسير:

     أيها الإخوة الكرام، مَن منا لا يحب التيسير، ومن منا لا يؤلمه التعسير، هناك كلمات يرددها العوام، كلمات شيطانية لا معنى لها إطلاقاً، يقول أحدهم: لقد قلب لي الدهر ظهر المجن، ما الدهر ؟ عرف الدهر، يسبني ابن آدم، إذ يسب الدهر، وأنا الدهر، أقلّبه كيف أشاء.
     سخر القدر مني، هذا الإنسان يده خضراء، هذه البنت لا حظ لها مسكينة، كله كلام لا معنى له، الكلام الفصل، قال تعالى:

 

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾

( سورة الليل )

     صدق أنه مخلوق للجنة، وأن هذه الدنيا ممر، وليست مقراً، هي دار تكليف، وليست دار تشريف، هي دار عمل، وليست دار أمل، هي دار طاعة، وليست دار جزاء.

 

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾

( سورة الليل )

     الحسنى هي الجنة، صدق أنه مخلوق للجنة، وبناء على هذا التصديق اتقى أن يعصي الله، وبناء على هذا التصديق بنى حياته على العطاء، صدق بالحسنى اتقى أن يعصيه بنى حياته على العطاء، فما الرد الإلهي له ما تكريم الله له ؟ قال تعالى:

 

﴿ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ﴾

( سورة الليل )

     التوفيق والنصر والتأييد والتيسير، هذه مكافأة الذي آمن بالحسنى، واتقى أن يعصي الله، وبنى حياته على العطاء، إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان الله عليك فمن معك، ويا رب، ماذا فقد من وجدك ؟ وماذا وجد من فقدك ؟
     ما من مخلوق يعتصم بي من دون خلقي أعرف ذلك من نيته فتكيده أهل السماوات والأرض إلا جعلت له من بين ذلك مخرجا، وما من مخلوق يعتصم بمخلوق دوني أعرف ذلك من نيته إلا جعلت الأرض هوياً تحت قدميه، وقطعت أسباب السماء بين يديه.

التيسير قانونه الإيمان بالله

     التيسير ثمنه بل قانونه أن تؤمن أنك مخلوق للجنة، هذا الإيمان يدفعك إلى أن تبتعد عن معصية الله، وأن تبني حياتك على العطاء، أما إذا كذب بالحسنى، وآمن بالدنيا استغنى عن طاعة الله، وبنى حياته على الأخذ عندئذ:

 

﴿ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ﴾

( سورة الليل )

     هذه الآية قانون التيسير والتعسير، إن أردت التيسير، إن أردت أن توفق، إن أردت أن تنجح، إن أردت أن تحفظ، إن أردت أن تنصر، إن أردت ما تتمنى إليه فطبق هذه الآية:

 

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى* وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ﴾

( سورة الليل )

     أيها الإخوة الكرام، لذلك يقع على رأس الهرم البشري زمرتان الأقوياء والأنبياء، الأقوياء أخذوا ولم يعطوا، الأنبياء أعطوا ولم يأخذوا، الأقوياء ملكوا الرقاب، والأنبياء ملكوا القلوب، الأقوياء عاش الناس لهم، والأنبياء عاشوا للناس، والناس جميعاً أتباع نبي أو قوي، الذي يتبع القوي يستخدم قوته لأخذ ما ليس له، أما الذي يتبع النبي فيستخدم كماله لامتلاك القلوب، والناس جميعاً تبع لقوي أو نبي، لذلك أحب الناس الأنبياء، وخافوا من الأقوياء.

4 – قانون الحياة الطيبة والمعيشة الضنك:

     أيها الإخوة الكرام، قانون رابع، وسنة رابعة، هي الحياة الطيبة والمعيشة الضنك، سنة الله والقانون والعلاقة الثابتة المطّردة في كل زمان، في كل مكان، في كل عصر، في كل مصر، قال تعالى:

 

﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى ﴾

( سورة النحل)

     المرأة كالرجل مساوية له تماماً في التكليف وفي التشريف وفي المسؤولية، قال تعالى:

 

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾

( سورة النحل)

     هذا وعد الله عز وجل، ولزوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين .
     الحياة الطيبة في أي زمان، في أي مكان، في أي عصر، في أي مصر، من حق المؤمن، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: بَيْنَا أَنَا رَدِيفُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ إِلَّا أَخِرَةُ الرَّحْلِ، فَقَالَ:

(( يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: يَا مُعَاذُ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: يَا مُعَاذُ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ،

قَالَ: حَقُّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، فَقَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ إِذَا فَعَلُوهُ ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ ))

[ البخاري ]

     استنبط الإمام الشافعي من هذا الحديث أن الله لا يعذب من عبَده وأخلص له، أنشأ الله حقاً عليه، وهذا قانون الحياة الطيبة.

فلو شاهد عيناك من حسننا الذي      رأوه لما وليت عنـــــا لغيرنا
ولـو سمعت أذناك حسن خطابنا      خلعت عنك ثياب الـعجب و جئتنا
و لـو ذقت من طعم المحبة ذرة      عذرت الــذي أضحى قتيلاً بحبنا
و لـو نسمت من قربنا لك نسمة      لــــمت غريباً و اشتياقاً لقربنا
و لو لاح مـن أنوارنا لـك لائح      تركت جميع الكائنات لأجلنـــا
فـما حبنا سهل وكل من ادعى      سهولته قـــــلنا له قد جهلتنا
***

     أيها الإخوة الكرام، أما من أعرض عن ذكر فقد قال تعالى:

 

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً ﴾

( سورة طه)

     قويا كان أو غنياً، بأي وضع في الدنيا، ومن أعرض عن ذكري قانون وسنة ثابتة لا تتبدل ولا تتغير عبر الزمان والمكان، قال تعالى:

 

﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى *قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى ﴾

( سورة طه)

     الإنسان أيها الإخوة حينما يعاني ما يعاني يجب أن يتهم نفسه، ففي الحديث القدسي الصحيح:

(( يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَسَأَلُونِي، فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ، يَا عِبَادِي، إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا،

فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ ))

[ مسلم ]

     قال تعالى:

 

﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴾

( سورة الشورى)

(( ما من عثرة، ولا اختلاج عرق، ولا خدش عود إلا بما قدمت أيديكم، وما يغفر الله أكثر ))

[ أخرجه ابن العساكر عن البراء ]

5 – قانون العز والذل:

     قانون خامس، وسنة إلهية خامسة، متى يشعر الإنسان بالعزة ؟ ومتى يشعر بالذل ؟ إنه قانون العز والذل.

الإحسان يجلب العز

     أيها الإخوة الكرام، الله عز وجل يجيب عن هذا السؤال، قال تعالى:

 

﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ ﴾

(سورة يونس)

     ما دمت محسناً، أنت أب محسن، عزيز النفس.
     أنت امرأة محسنة عزيزة النفس.
     أنت موظف محسن في دوامك، وفي خدمة المواطنين، لك شأن كبير، أنت عزيز النفس.
     أنت مدرس محسن، تعطي طلابك حقهم، أنت عزيز النفس عند أولياء الأمور، وعند الإدارة، وعند الطلاب.
     أنت طبيب محسن تعطي المريض حقه، لا تبتز ماله، لا تغشه، أنت محسن.
     الإحسان كلمة شاملة، تصدق على الأبوين والجارين، والأخوين والصديقين، وأصحاب الحرف وأصحاب المهمات.

(( إنَّ اللَّهَ تَعالى كَتَبَ الإِحْسانَ على كُلَ شَيْءٍ، فإذَا قَتَلْتُمْ فأحْسِنُوا القِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فأحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ ))

[ رواه مسلم عن شداد بن أوس ]

     الله عز وجل يقول:

 

﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾

( سورة يونس)

المعصية تجلب الذل

     بالمقابل متى يشعر الإنسان بالذل ؟ متى يحرج ؟ متى يضيق عليه ؟ متى يحجَّم ؟ قال تعالى:

 

﴿ وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ﴾

( سورة يونس)

     أخطأت في عملك، لم تقم بواجبك، قصرت في معالجة هذا المريض، فيشتكي عليك المريض، ويكتب عنك في الصحف، هذا الذي أصابك بسبب خطأ منك، قال تعالى:

 

﴿ وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ ﴾

( سورة يونس)

     لذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام:

(( إياك وكلّ ما يعتذر منه ))

[ الجامع الصغير عن أنس بسند حسن ]

     الموقف الذي تضطر أن تعتذر منه إياك أن تفعله، حتى تبقى رافع الرأس، تبقى عزيز النفس، ابتغوا الحوائج بعز الأنفس، فإن الأمور تجري بالمقادير، ولا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه.

6 – قانون المحبة:

     أيها الإخوة الكرام، قانون محبة الله عز وجل محبة الله يدعيها كل إنسان:

وكلٌّ يدَّعي وصلاً بليلى      وليلى لا تقرّ لهم بذاكا
***

     كثر مدَّعو المحبة، خاضوا بحار الهوى دعوى وما ابتلوا، لأنه كثر مدّعو المحبة طولبوا بالدليل، الدليل:

 

﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ﴾

( سورة آل عمران)

     ما لم تتبع منهج النبي عليه الصلاة والسلام فلن تكون محباً، بنص هذه الآية، لذلك عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ ))

[ متفق عليه ]

أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما

     ما معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا ))

     قال علماء شروح الحديث: أن يكون الله في قرآنه، الأمر القرآني والنهي القرآني، أن يكون الله ورسوله، والرسول في سنته، الأمر النبوي، والنهي النبوي، أحب إليه مما سواهما عند التعارض، أي حينما تتعارض مصلحتك مع النص الشرعي، حينما تتعارض مصلحتك المتوهمة مع النص الشرعي، وتقف إلى جانب النص الشرعي، ولا تعبأ بهذه المصلحة المتوهمة تكون قد دفعت ثمن حلاوة الإيمان، وحلاوة الإيمان شيء، وحقائق الإيمان شيء آخر، حقائق الإيمان كمن يملك خارطة لقصر، وليس عنده كوخ، لكن معه خارطة، كمن يملك صورة لمركبة فارهة، وكمن ينطق بألف مليون، كلمة، وليس في جيبه قرش واحد، أما حلاوة الإيمان فأن تمتلك ذلك القصر، وأن تسكنه، وأن تمتلك هذه المركبة، وأن تركبها، وأن تمتلك هذا المبلغ، فلذلك حلاوة الإيمان ثمنها باهظ ؛ أن تلتزم جانب الشرع، ولو ضحيت بمصلحتك.
     أيها الإخوة الكرام، إذا قرأتم القرآن الكريم، وينبغي أن تقرءوه كل يوم، دققوا في الآيات التي تعبّر عن قانون، ففي الأعم الأغلب هناك اسم أو حرف شرط جازم، وفعل شرط، وجواب شرط، قال تعالى:

 

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً ﴾

( سورة طه)

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾

 

( سورة النحل الآية: 97 )

     جملة الشرط: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا ﴾، وجواب الشرط: ﴿ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾، الآيات التي تأخذ شكل صيغة الشرط، فعل الشرط وجواب شرط واسم أو حرف شرط، هذه الآيات تعد في القرآن الكريم قوانين، فتعامل معها.
     أيها الإخوة الكرام، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيّس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني، والحمد لله رب العالمين.

 

 

* * *

الخطبة الثانية
     الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

من شعائر العيد التكبير

     أيها الإخوة الكرام، غداً عيد الفطر السعيد، كل عام وأنتم بخير، والله عز وجل في آيات الصيام يقول:

 

﴿ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ ﴾

( سورة البقرة)

     المتوقع أنك اهتديت إلى الله في رمضان، من شدة الفرح، من شدة الفوز، " إذا رجع العبد إلى الله نادى منادٍ في السماوات والأرض أن هنئوا فقد اصطلح مع الله ".

[ ورد في الأثر ]

 

1 – يجب أن تقول: الله أكبر، كما ينبغي:

     لذلك من شعائر العيد أن تكبر ؛ أن تقول: الله أكبر، ولكن هذه الكلمة يرددها المسلمون في شتى بقاع الأرض، يرددها في أيام العيدين مليار ونصف، وليس كلمتهم هي العليا، وليس أمرهم بيدهم، وللطرف الآخر عليهم ألف سبيل وسبيل، لماذا ؟ لأنهم ما قالوا الله أكبر كما ينبغي، دققوا الذي يغش المسلمين في بضاعتهم ماذا رأى ؟ رأى أن هذا المبلغ الذي يحصله من هذا الغش ومن إيذاء المسلمين أكبر عنده من الله فما قال الله أكبر ولا مرة ولو رددها بلسانه ألف مرة.

 

 

2 – المطيع لغيره في معصية الله لم يكبِّر حقيقة:

     الذي يطيع زوجته في معصية، ويعصي الله ما قال: الله أكبر، ولا مرة، لأنه رأى أن إرضاء زوجته أكبر من إرضاء الله، هذه كلمة خطيرة، إذا قلت: الله أكبر، ينبغي ألا تأخذك في الله لومة لائم، إذا قلت: الله أكبر، ينبغي ألا تطيع مخلوقاً، وتعصي خالقاً، إن قلت: الله أكبر، ينبغي ألا تفعل شيئاً يؤذي المسلمين.

 

 

3 – كيف انفصل الدين عن الحياة العامة والخاصة !؟

     يا أيها الإخوة الكرام، كيف انفصل الدين عن الحياة ؟ كيف أصبح الإسلام في المسجد فقط، أما في الأسواق فكذب وتدليس، وغش وأيمان كاذبة، كيف ؟ لذلك دقق فيما تقول، إذا قلت: الله أكبر، لمجرد أن تؤذي المسلمين مقابل ربح كبير فأنت رأيت أن هذا المال أكبر عندك من طاعة الله، وأنك رأيت إرضاء الزوجة أكبر عندك من إرضاء الله، فما قال: الله أكبر، ولا مرة، ولو رددها بلسانه ألف مرة، من أطاع مخلوقاً وعصى خالقاً، ما قال: الله أكبر، ولا مرة، ولو رددها بلسانه ألف مرة.

 

 

4 – إنها مجرّد كلمات مفرغة من حقائقها:

     لذلك أصبحت الكلمات الكبرى في حياة المسلمين كلمات مفرغة من مضمونها، وهذه مشكلة كبيرة، تقول: الله أكبر، من كل شيء، من أي عمل، من أي لقاء، إذا قال المؤذن: الله أكبر، فهي دعوة إلى الصلاة، هذه الدعوة أكبر عندك من أي شيء، لذلك وأنتم غداً ترددون الله أكبر، تنبهوا إلى أن الإنسان إذا أطاع مخلوقاً، وعصى خالقاً، إذا أساء في معاملته للآخرين، ما الذي رآه فعلاً ؟ رأى أن هذا المبلغ أكبر عنده من الله، لذلك قالوا: هناك لسان المقال، وهناك لسان الحال، وقد يتناقض لسان المقال مع لسان الحال.

 

 

العبادة الأولى في العيد صلة الأرحام

     أيها الإخوة الكرام، شيء آخر، العبادة الأولى في العيد صلة الأرحام.

 

 

ماذا تعني صلة الرحم ؟

     ماذا يعني أن تصلها ؟ أصبح الوضع أنك تتفضل على هذا القريب بأن تطرق بابه، وتتمنى ألا تجده في البيت، فتضع له البطاقة، وانتهى الأمر، ليست هذه صلة الرحم، صلة الرحم أن تتصل به، صلة الرحم أن تزوره، صلة الرحم أن تتفقد شؤونه، صلة الرحم أن تمد له يد العون، إن كنت أقوى منه فأعنه بقوتك، وإن كنت أغنى منه فأعنه بمالك، وإن كنت أعلم منه فأعنه بعلمك.
     صلة الرحم عمل صالح، صلة الرحم تضامن اجتماعي، صلة الرحم مؤانسة، وقد أجمع العلماء على أن جميع الأقارب من جهة الأب ومن جهة الأم هم الأرحام، صلة الرحم تعني زيارة، وتفقدا، ومساعدة، لكن قمة هذه العبادة التعاملية أن تأخذ بيد قريبك إلى الله، أن تدله على الله، أن تأخذه إلى مسجدك، أن تعطيه شريطاً، أن تقنعه بالاستقامة، صلة الرحم من أعظم القربات من الله عز وجل.
     لذلك أيها الإخوة الكرام، نحن في العيد هناك لقاءات كثيرة في البيوت، ما الذي يحصل ؟ كلام فارغ، قال تعالى:

 

 

﴿ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ﴾

( سورة المؤمنون)

     إنه كلام فارغ، ومعلومات يعرفها الجميع، أسمعت هذا الخبر ؟ يقول لك: سمعته، الحديث عن الطقس والأسعار، وأسعار العملات الأجنبية، والوضع العام، والوضع السياسي، هذا كلام يعرفه الجميع، لأن الأخبار لا تترك شيئاً، لكنك ماذا سمعت في رمضان من ذكر ؟      ماذا سمعت من آيات ؟ من أحاديث ؟ ما الذي لفت نظرك في صلاة التراويح ؟ ما الذي لفت نظرك في خطب الجمعة ؟
     قال تعالى:

 

﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ﴾

( سورة البقرة )

     عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى:

(( أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً ))

[ متفق عليه ]

     أنت إذا ذكرت الله قمت بواجب العبودية له، لكن الله إذا ذكرك ماذا يمنحك ؟ يمنحك الحكمة، قال تعالى:

 

﴿ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ﴾

( سورة البقرة )

     لكن الله إذا ذكرك ماذا يمنحك ؟ يمنحك نعمة الأمن، لكن الله إذا ذكرك ماذا يمنحك ؟ يمنحك الرضا، لكن الله إذا ذكرك ماذا يمنحك ؟ يمنحك السعادة، لكن الله إذا ذكرك ماذا يمنحك ؟ يمنحك السكينة التي تسعد بها ولو فقدت كل شيء، وتشقى بفقدها ولو ملكت كل شيء.
     أيها الإخوة الكرام، صلوا أرحامكم، وحدثوهم عن ربكم، وعاونوهم إن كانوا أفقر منكم، وأعينوهم إن كانوا أضعف منكم، وعلموهم إن لم ينالوا العلم، خذوا بيدهم إلى الله، حدثوهم عن الله، قال تعالى:

 

﴿ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾

[ سورة الرعد]

(( وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمْ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ ))

[ أخرجه مسلم عن أبي هريرة ]

(( مَا مِنْ قَوْمٍ يَقُومُونَ مِنْ مَجْلسٍ لا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَعالى فِيهِ إِلاَّ قامُوا عَنْ مثْلِ جِيفَةِ حِمارٍ وكانَ لَهُمْ حَسْرَةً ))

[ رواه أبو داود وغيره عن أبي هريرة رضي اللّه عنه ]

     ثلاثة أيام العيد زيارات ولقاءات، وأحاديث اجعل حديثك عن الله عز وجل.

(( أمرني ربي بتسع خشية الله في السر والعلانية، كلمة العدل في الغضب والرضا، القصد في الفقر والغنى، وأن أصل من قطعني، وأن أعفو عمن ظلمني، وأن أعطي من حرمني، وأن يكون صمتي فكراً، ونطقي ذكراً، ونظري عبرة ))

[ ورد في الأثر ]

خاتمة

     أيها الإخوة الكرام، أسأل الله لي ولكم أن تكون أيام العيد أيام عمل صالح بعيداً عن الغيبة والنميمة، بعيداً عن اللغو الذي لا يقدم ولا يؤخر، قريباً من ذكر الله، وأن تصل الأرحام بالدرجة الأولى التي لا تصلها إلا في العيدين، هناك من تعيش معه كل يوم، الأولى في العيد أن تزور الذي لا تراه إلا في العيد، لأن هذه الصلة تزيد في الرزق، وتنسأ في الأجل، ومن مكافئة الله عز وجل لمن يصل أرحامه في العيد وفي غير العيد أن هذه الصلة تزيد في رزقه، وتؤخر في أجله.

الدعاء

     اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق، ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك و نتوب إليك، اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعز المسلمين، وأذل الشرك والمشركين، خذ بيد ولاة المسلمين لما تحب وترضى يا رب العالمين، إنك على ما تشاء قدير، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، لا تأخذنا بالسنين، ولا تعاملنا بفعل المسيئين يا رب العالمين، اللهم اسقنا الغيث، ولا تجعلنا من القانطين، اللهم اسقنا الغيث، ولا تجعلنا من القانطين، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعز المسلمين، وأذل الشرك والمشركين، دمر أعداءك أعداء الدين اجعل تدميرهم في تدبيرهم، اجعل الدائرة تدور عليهم يا رب العالمين، انصر عبادك المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها، وفي شمالها وجنوبها، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018