الدرس : 21 - سورة الأنعام - تفسير الآيتان 61-62 ، عبد القهر وعبد الشكر - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 21 - سورة الأنعام - تفسير الآيتان 61-62 ، عبد القهر وعبد الشكر


2005-05-20

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
 أيها الأخوة الكرام ، مع الدرس الواحد والعشرين من دروس سورة الأنعام .

الكون كله مسيّر إلا الإنس والجن :

 مع الآية الواحدة والستين ، وهي قوله تعالى :

 

﴿ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (61)﴾

﴿ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ﴾

 أي أن أمره نافذ .

 

﴿ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (21)﴾

( سورة يوسف )

(( ما شَاءَ الله كَانَ ، وَما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكْن ))

[ رواه ابن السني عن بريدة ]

﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ (123)﴾

( سورة هود الآية : 123 )

 لكن قد يسأل سائل : إذا كان أمر الله عز وجل هو النافذ في ملكوت السماوات والأرض ، فلماذا في الأرض كفار يعصونه ؟ ولماذا في الأرض كفار يتحدونه ؟ الإجابة عن هذا السؤال بسيطة ، وهي أن الكون كله مسيّر ، إلا الإنس والجن ، مخلوقات ، لما عُرضت الأمانة على السماوات والأرض والجبال أبين أن يحملنها ، فاستسلموا لله عز وجل ، ورضوا أن يكونوا طائعين من دون تكليف ، ومن دون مسؤولية ، ومن دون حساب ، ومن دون جنة أو نار ، فركب الملك من عقل بلا شهوة ، وركب الحيوان من شهوة بلا عقل ، وركب الإنسان من كليهما .

 

الإنسان فيه قبضة من تراب الأرض وفيه نفخة من روح الله :

 حينما قال الله عز وجل :

 

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ (72)﴾

( سورة الأحزاب الآية : 72 )

 الإنسان قَبِل حمل الأمانة ، قبل أن يكون فيه شيء من المَلَك وشيء من المخلوقات الدنيا من حيث الشهوات ، فيه قبضة من تراب الأرض وفيه نفخة من روح الله ، عنده قيم ، ومبادئ ، وفي كيانه شهوات ، الإنسان مخلوق متميز ، بإمكانه أن يصل إلى ما فوق الملائكة وبإمكانه أن يصل إلى ما دون الحيوان .

 

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (7)﴾

( سورة البينة )

 قال :

 

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (6)﴾

( سورة البينة )

الله عز وجل جعل الإنسان مخيراً بين طريقين :

 الله عز وجل قاهر ،

﴿ فَوْقَ عِبَادِهِ ﴾

 أمره هو النافذ ،

(( ما شَاءَ الله كَانَ ، وَما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكْن ))

﴿ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

 ولكنه خلق نموذجين ، خلق الإنسان ، أعطاه الحرية ، هوية الإنسان أنه مخير ، بإمكانه أن يطيع الله وبإمكانه أن يعصيه ، بإمكانه أن يستجيب لله وبإمكانه ألا يستجيب ، بإمكانه أن يتبع عقله فيطيع ربه وبإمكانه أن يتبع شهوته فيعصي ربه ، بإمكانه أن يسمو وبإمكانه أن يسفل ، بإمكانه أن يستقيم وبإمكانه أن ينحرف ، له أن يصدق وله أن يكذب ، له أن يؤمن وله أن يكفر ، له أن ينصف وله أن يجحد ، هو مخير ، بل إن الله عز وجل أعطى الإنسان شيئاً من صفاته ، والله عز وجل مُريد ، والإنسان أعطاه حرية الاختيار .
 أيها الأخوة ، هذا سؤال دقيق ، الذي يعصي ، يعصي لأنه اختار المعصية ، لكن الله يمده بقوة كي يعصي الله بها ، الذي يذهب إلى الملاهي يتحرك بقوة الله ، لكن هوية الإنسان أساسها أنه مخير ، أوضح لكم ذلك :
إنسان عنده صيدلية ، أراد أن يعين موظفاً ليعينه بعد الظهر على إدارة هذه الصيدلية ، أراد أن يختبره ، وضع له على الطاولة مجموعة من الأدوية ، بعضها فيتامينات، بعضها مضادات حيوية ، بعضها مقويات ، بعضها مضادات للسموم ، وبيّن له أماكن الأدوية في الصيدلية ، وقال له : ضع كل دواء في مكانه ، الآن هذا الموظف في طور الامتحان ، فلو أمسك دواء السموم ، واتجه إلى خزانة الفيتامينات هل يمنعه ؟ إذا منعه ألغى امتحانه ، نحن في الدنيا مخيرون .

 

﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ (29)﴾

( سورة الكهف الآية : 29 )

 وقال :

 

﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً (3)﴾

( سورة الإنسان )

 وقال :

 

﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ (148)﴾

( سورة البقرة الآية : 148 )

 الذي يعصي لا يعصي لأن الله ليس قاهراً على عباده ، يعصي لأن الله منحه حرية الاختيار ، وهذه الحرية سوف يدفع ثمنها باهظاً يوم القيامة .

 

الاختيار أبرز خصائص الإنسان :

 أيها الأخوة ، قضية دقيقة جداً ، أنت حينما تختار أن تصلي ، وتنبعث إلى الصلاة يمدك الله بقوة كي تصلي ، وحينما تختار أن تذهب إلى مكان لا يرضي الله يمدك بقوة كي تصل إلى هذا المكان ، لأن الاختيار هو أبرز خصائص الإنسان .
 لكن الإنسان وهو مخير ، وهذا أدق ما سأقوله ، الإنسان وهو مخير ، والإنسان يتحرك بخلاف أمر الله لا يمكن أن تكون هذه الحرية على حساب الآخرين ، الله عز وجل ينسق :

 

﴿ وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (129)﴾

( سورة الأنعام )

 الظالم سوط الله ينتقم به ثم ينتقم منه ، لك الحرية أن تضرب ، ولكن ليست لك الحرية أن تضرب من تشاء ، هذا الذي أراد أن يضرب يسوقه الله إلى من يكون الضرب في حقه حكمة ، إما ليمتحنه ، أو ليؤدبه ، أو ليحجمه ، أو ليذكره ، أو ليرقى به أحياناً .
 إذاً : الله عز وجل ينسق ، قال تعالى :

 

﴿ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً (49)﴾

( سورة النساء )

 الذي يجري في العالم اليوم ، كل إنسان قوي يأخذ أبعاده ، لكن لا على حساب الآخرين ، كلام دقيق ، وأتمنى أن يكون واضحاً عندكم .

(( لَوْ أَنّ أَوّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنّكُمْ ، قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي ، فَأَعْطَيْتُ كُلّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمّا عِنْدِي إِلاّ كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ ))

[ رواه مسلم عن أبي ذر ]

 ذلك لأن عطائي كلام ، وأخذي كلام ، كن فيكون ، زل فيزول .

(( فمن وجد خيراً فليحمد الله ، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ))

[ أخرجه مسلم عن أبي ذر ]

على الإنسان ألا يخاف إلا من ذنبه :

 هناك أقوياء ، وهناك طغاة ، وهناك مجرمون ، وهناك كائنات توقع الأذى في الآخرين ، ولكن ليس إلا الله .

 

﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (55)إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (56)﴾

( سورة هود )

 هذا الذي يلقي الأمن في قلب المؤمن .

 

﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (62)﴾

( سورة الزمر )

﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾

  لذلك في الحديث الجامع المانع الموجز المحكم :

(( لا يرجو عبد إلا ربه ، ولا يخافن إلا ذنبه ))

[مسند الفردوس عن علي بن أبي طالب]

 الجهات القوية في الأرض لا تعد ولا تحصى ، والجهات المجرمة لا تعد ولا تحصى ، والجهات المؤذية لا تعد ولا تحصى ، ولكن ينبغي ألا تخاف من كل هذه الجهات ، ينبغي أن تخاف من ذنبك فقط ، فإن أذنبت وصلت إليك ، وسلطت عليك ، وإن كنت طاهراً مستقيماً أبعدها الله عنك .

 

﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88)﴾

( سورة الأنبياء )

الأشياء لا يقع تأثيرها إلا عند إرادة الله :

 لا يتناقض قول الله عز وجل ،

﴿ وهو الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ﴾

 لا يتناقض هذا مع وجود من يعصيه ، ومن يتحداه ، ومن يبث الضلال ، ومن يبث الفزع والجزع في قلوب الآخرين ، هو يتحرك بأمر الله ، وعلماء العقيدة أعطوا جواباً موجزاً لهذا الموضوع فقالوا : عندها ، لا بها ، الأشياء لا يقع تأثيرها إلا عند إرادة الله ، لا بقوتها الذاتية ، ولهم تعبير آخر: أراد بمعنى سمح ، لم يأمر ، ولم يرد ، ولم يرضَ ، نهانا عن الزنا ، وأمرنا بالعفة ، فإذا زنى الزاني نقول : أراد بمعنى سمح الله له ، وسمح الله له لأنه مخير ، وقد أضيف سمح الله له بعد أن أصر على أن يفعل هذه الفعلة ، ولم يفعلها مع من يريد فعلها بل مع من أراد الله أن يفعلها معها ، ما في ظلم ، ثم إن الله سبحانه وتعالى لم يأمر بالزنا ، ولم يرضه ، إنسان أراد أن يسرق نقول : أراد أن يسرق ، أصر على السرقة ، حذره الله ، نبهه ، أصر على ذلك سمح له ، سمح له لا أن يسرق ممن يشاء ، بل سمح له أن يسرق ممن يكون أخذ ماله إما تأديباً ، أو تطبيباً ، أو معالجة ، أو امتحاناً ، أو ترقية .
 صحابي جليل سُرِق بعض ماله ، قال : " يا رب ، إن كان هذا الذي أخذ المال عن حاجة فبارك له فيه ، وإن كان قد أخذه بطراً فاجعله آخر ذنوبه " ، الصحابي امتحن ، ونجح في الامتحان . فيجب أن تعلم أن الله عز وجل حينما قال في آية الكرسي :

 

﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (255)﴾

( سورة البقرة )

 لا معبود بحق إلا هو ، لا خالق إلا هو ، لا مسير إلا هو ، لا مانع إلا هو ، لا معطي إلا هو ، لا رافع إلا هو ، لا خافض إلا هو ، لا معز إلا هو ، لا مذل إلا هو .

 

﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ (255)﴾

( سورة البقرة )

 يملك الكون كله .

 

﴿ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ (255)﴾

( سورة البقرة )

 يملكها خلقاً ، وتصرفاً ، ومصيراً ، وهذا أوسع أنواع الملك يملكها خلقاً ، ويملكها تصرفاً ، ويملكها مصيراً .

 

الآية التالية من أوسع الآيات في القرآن الكريم أي لا يقع شيء إلا بإذن الله :

 دققوا الآن :

 

﴿ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255)﴾

( سورة البقرة )

 معنى يشفع يعني أن يجتمع أي عنصر في الأرض مع أي شيء يحتاج إلى إذن الله عز وجل ، أن يدخل الفيروس إلى جسم الإنسان ، الفيروس دخل إلى جسم الإنسان ، هذا يحتاج إلى موافقة الله عز وجل ، أن تُحرق بالنار تحتاج إلى إذن الله عز وجل ،

﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ ﴾

 لعلي أقول : ما من آية في كتاب الله أوسع من هذه الآية :

﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عنده ﴾

  يعني أي شيئين على الإطلاق من الجماد ، أو الحيوان ، أو النبات ، أو الإنسان ، لا يلتقي لص بمن يسرق منه إلا بإذن الله ، لا يلتقي إنسان يؤذي الآخرين مع الذي وقع الأذى عليه إلا بإذن الله ، من أوسع الآيات في القرآن الكريم :

﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ﴾

 يعني لا يقع شيء إلا بإذنه ، لا يلتقي شيئان ، لا يؤثر الدواء ، لا يفعل الجرثوم فعله إلا بإذنه ، ومن باب أولى أن القوي لا يسلط على الضعيف إلا بإذنه ، وأن العدو لا ينال من عدوه إلا بإذنه ،

﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ﴾

العباد نوعان ؛ عبد يجمع على عباد وعبد يجمع على عبيد :

 إذاً

﴿ وهو الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ﴾

 قهره ، و

﴿ فَوْقَ ﴾

 هنا ليست فوقية مكانية بل فوقية العلو ، يعني أمر الخلق بيد الله ، البشر جميعاً في قبضة الله ، الأقوياء في قبضة الله ، الطغاة في قبضة الله .

(( أنا الله ، لا إله إلا أنا ، مالك الملوك ، وملك الملوك ، قلوب الملوك بيدي ، وإن العباد إذا أطاعوني حولت قلوب ملوكهم عليهم بالرأفة والرحمة ، وإن العباد إذا عصوني حولت قلوبهم عليهم بالسخط والنقمة ، فساموهم سوء العذاب ، فلا تشغلوا أنفسكم بالدعاء على الملوك ، ولكن اشغلوا أنفسكم بالذكر والتضرع ، أكفكم ملوككم ))

[ رواه الطبراني في الأوسط وفيه وهب بن راشد ]

 أيها الأخوة ، الموضوع دقيق جداً ، الله عز وجل ،

﴿ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ﴾

  ولكن العباد مخيرون ، لا تجد فساداً في الكون إلا من بني البشر ومن الجن فقط ، ما سوى هذين النموذجين الكون كله منصاع لأمر الله عز وجل ،

﴿ وهو الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ﴾

  أما العباد فنوعان ، عبد يجمع على عباد ، وعبد يجمع على عبيد ، فالعبد الذي يجمع على عبيد هو عبد القهر ، الإنسان مقهور بصحته ، يكون ملك تتجمد قطرة دم في أحد شاريين دماغه ، فيصاب بالشلل ، لو أتى بأطباء أهل الأرض لا ينجو من هذا المرض ، فكل إنسان مقهور بالمرض ، بأي لحظة يفقد الإنسان نطقه ، هذه النقطة التي لا ترى بالعين إذا تجمدت في وعاء من أوعية الدماغ لفقد الإنسان نطقه ، وفي وعاء آخر يفقد رؤيته ، وفي وعاء ثالث يفقد ذاكرته ، وفي وعاء رابع يفقد عقله ، وهذا القلب هناك سكتة قلبية فجأة ، احتشاء بالأربعين ، انتهى ، نام فلم يستيقظ ، فالإنسان مقهور بصحته ، مقهور بأي جهاز من أجهزته ، تارة تنمو الخلايا نمواً عشوائياً ، انتهى ، ألف نوع للسرطان ، في الدم ، والدماغ ، وجهاز الهضم ، والعضلات ، والعين ، والجلد ، وتارةً تجمد الدم في بعض أوعية الدماغ ، أو في أي وعاء آخر ، وتارة ضيق في الشريان التاجي ، قطر هذا الشريان ميلي وربع ، إذا ضاق دخل الإنسان في متاعب لا تنتهي ، يحتاج إلى قسطرة ، ويحتاج إلى عملية فتح قلب ، وزرع شريان ، ومئات الألوف ، وقد لا يتحسن ، وقد يعطب ، الإنسان مقهور ، مقهور في رزقه ، قد يفقد كل ماله بحريق ، قد يفقد كل حريته بطاغية يودعه في السجن ، قد يفقد أولاده بحادث الإنسان مقهور ، مقهور في صحته ، مقهور في رزقه ، وفي أهله ، تكون زوجة في ريعان الشباب ، وهي في أعلى درجة من الجمال ، وضمن طموح زوجها ، ورم خبيث ، تنتهي في ريعان الشباب ، الإنسان مقهور في صحته ، مقهور برزقه ، مقهور بزوجته ، مقهور بأولاده، مقهور بمجتمعه ، قد يقع حادث سير ينقطع عموده الفقري ، فالعبد الذي جمعه عبيد هو عبد القهر ، لذلك الملحد عبد لله ، عبد قهر في قبضة الله عز وجل ، ما لم تشعر أنك في قبضة الله فلست عبداً لله ، كان عليه الصلاة والسلام إذا استيقظ من منامه صباحاً يقول :

(( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانِي فِي جَسَدِي وَرَدَّ عَلَيَّ رُوحِي ))

[ الترمذي عن أبي هريرة ]

عبد القهر و عبد الشكر :

 الإنسان قد ينام فلا يستيقظ ، وقد يخرج من بيته فلا يعود ، وقد يدخل البيت فلا يخرج منه على قدمين ، بل في نعش ، وقد يسافر ويأتي كبضاعة في نعش ، له أوراق ، وتخليص ، وضرائب ورسوم ، وينتظر توقيع المعاملات ، كان يركب على مقعد الطائرة ، فإذا هو مع حقائب الركاب ، فالعبد الذي جمعه عبيد هو عبد القهر ، أما العبد الذي جمعه عباد فهو عبد الشكر ، هذا العبد الذي عرف الله فأطاعه طواعية ، وأقبل عليه محبة ، وأعطى عباده تقرباً ، هذا عبد الشكر جمعه عباد .

 

﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً (63)﴾

( سورة الفرقان الآية : 63 )

 وقال تعالى :

 

﴿ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (46)﴾

( سورة فصلت )

 وقال تعالى :

 

﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً (63)﴾

( سورة الفرقان)

يوم القيامة يُنشر كتاب الإنسان فكل أعماله وحركاته وسكناته وأفعاله وانحرافه مسجل :

 إذاً :

﴿ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ﴾

﴿ فَوْقَ ﴾

 لا تعني فوقية مكانية ، بل تعني فوقية العلو ،

﴿ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً ﴾

﴿ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18)﴾

( سورة ق )

 هيأ الله ملكين ، ملكاً يكتب الحسنات ، وملكاً آخر يكتب السيئات ، وجعل ملك الحسنات أميراً على ملك السيئات ، وأنت حينما تسلم في صلاتك تقول : السلام عليكم ورحمة الله ، السلام عليكم ورحمة الله ، ويوم القيامة يُنشر كتاب الإنسان ، كل أعماله ، وكل حركاته، وكل سكناته ، وكل أفعاله ، وكل انحرافه مسجل ، إن أردنا العبارة الحديثة مسجل صورةً وصوتاً وبالألوان .

 

﴿ اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً (14)﴾

( سورة الإسراء )

 الآن من أحدث طرق التحقيق في الدول المتقدمة أن هذا الإنسان يصور ؛ مثلاً تصور مركبته وهي تخالف ، يبلغ المخالفة ، فإذا قال : أنا لم أكن في هذا الطريق في هذا التاريخ ، يدخل إلى مكان المحفوظات يُرى صورته ومركبته في أثناء المخالفة ، وعندئذٍ يدفع المخالفة مضاعفة لأنه لم يصدق ، أن تُريه مخالفته هذا شيء مُسكت ،

﴿ اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً ﴾

 لذلك الإنسان حينما يغفل عن يوم نأتي ربنا فرادى ، أحياناً الإنسان يموت ملايين تشيعه ، ولكنه في الحقيقة يأتي ربه وحده ،

﴿ اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً ﴾

أفضل إيمان الرجل أن يعلم أن الله معه وهذه المعية من أرقى مستويات الإيمان :

 بالمناسبة أيها الأخوة ، أسماء الله الحسنى كلها محققة في الدنيا ، إلا اسم العدل فهذا محقق جزئياً في الدنيا وليس كلياً ، الله عز وجل يكافئ بعض المحسنين لتكون هذه المكافئة تشجيعاً لباقي المحسنين ، ويعاقب بعض المسيئين ليكون هذا العقاب ردعاً لبقية المسيئين ، ولكن عدله التام يتحقق يوم القيامة .

 

﴿ وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ (27)﴾

( سورة الروم الآية : 27 )

 وقال تعالى :

 

﴿ لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (15)﴾

( سورة طه )

 نحن في دار ابتلاء ، وقد تجد إنساناً وهو في أعلى درجات الطاعة وفي أدنى درجات السلم الاجتماعي ، وقد تجد إنساناً يعصي الله جهاراً ونهاراً وهو في أعلى درجات السلم الاجتماعي .

 

﴿ إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (1)لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (2)خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (3)﴾

( سورة الواقعة )

 الذي كان لا يؤبه له أشعث أغبر ذي طمرين تراه يوم القيامة في أعلى عليين ، والذي كان في أعلى درجات العلو في الأرض قد تجده يوم القيامة في أسفل السافلين ،

﴿ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾

 هؤلاء يحفظون كل الأعمال بشكل واقعي ، لو علمت أن خطك الهاتفي مراقب كيف تتكلم ؟ هل تنطق بكلمة سلاح ؟ مستحيل ‍، هل تنطق باسم إنسان معادٍ للنظام ؟ مستحيل ، إذا علمت أن هاتفك مراقب ، فإذا علمت أنه

﴿ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾

 عندئذٍ تعلم أن الله معك ، وأفضل إيمان الرجل أن يعلم أن الله معه ، وهذه المعية من أرقى مستويات الإيمان ، أُعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ،

﴿ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾

نحن في الدنيا محكوم علينا جميعاً بالموت مع وقف التنفيذ :

 أيها الأخوة ، نحن في الدنيا محكوم علينا بالموت جميعاً مع وقف التنفيذ ، كل واحد له أجل ، ولا يدري أحدنا متى الأجل ، قد يكون بعد ساعة ، بعض الأخوة الكرام جاء إلى هذا المسجد ليصلي صلاة الجمعة فمات في القاعة ، وهو يستمع إلى الخطبة ، بعض الأخوة نام فلم يستيقظ .
 تروى القصة التالية لعلها رمزية : سيدنا سليمان كان عنده ملك الموت ، وملك الموت صار يحد النظر إلى إنسان من جلسائه ، هذا الإنسان سأل سيدنا سليمان : من هذا الذي يحد النظر فيّ ؟ قال : هو ملك الموت ، فانخلع قلبه خوفاً ، فرجا سليمان الحكيم أن يأخذه إلى بلاد الهند ، على بساط الريح ، " قصة رمزية " ، نقله إلى هناك ، هناك مات ، فالتقى بملك الموت ، قال له : لماذا كنت تحد النظر فيه ، قال : عجيب أن معي أمر بقبض روحه بالهند ، ما الذي جاء به إلى هنا ؟
 الإنسان قد تكون أكفانه نسجت وهو لا يدري ، خِطط ، ومشاريع ، ونوى أن يعمر بيتاً ، ويبني معملاً ، يأتي الموت بغتة ، لذلك قال بعض العلماء : الموت سهم متجه إلى كل واحد منا ، ساعة منيته وقت وصول السهم إليه ،

﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾

 أحياناً الإنسان يهرب من الموت ، يصاب بأزمة قلبية ، فكل ظنه أنه سيموت بسبب قلبه ، ويتوقع الموت من قلبه فقط ، يعتني ، يمشي ، يخفف وزنه ، يتناول أطعمة صحية ، يأخذ الدواء بدقة بالغة ، لكنه ينتظر الموت من قلبه ، فإذا الموت يفاجئه بحادث لم يكن في الحسبان .

 

﴿ قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (11)﴾

( سورة السجدة الآية : 11 )

المرض والصحة لا علاقة لهما بالأجل لأن الأجل محدود :

 أيها الأخوة :

 

﴿ قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ (8)﴾

( سورة الجمعة الآية : 8 )

 إذا كان الإنسان هارباً من جهة قوية وراءه ، المفاجئة الصاعقة أن يراها أمامه ، وهذا يحدث في الموت ،

﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾

 بالمناسبة أيها الأخوة ، قضية الموت لا علاقة لها بالصحة إطلاقاً ، لك عند الله وقت لا يزيد ولا ينقص ، مثلاً : ثلاث وسبعون سنة ، وسبعة أشهر ، و ثمانية عشر يوماً ، وأربع ساعات ، و ست دقائق ، و سبع ثوان ، أما هذا العمر فيمضيه الإنسان إما مستلقياً على فراشه مريضاً مشلولاً ، أو قائماً متحركاً نشيطاً ، هذا بحسب أن يطبق السنة النبوية في حركته اليومية ، المرض والصحة لا علاقة لهما بالأجل ، الأجل محدود ، إذا الله عز وجل يقول :

﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ ﴾

 الموت يأتي ، الله عز وجل يقول :

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102)﴾

( سورة آل عمران )

 الموت بأيدينا حتى لا نموت إلا ونحن مسلمون ، قال علماء التفسير : لا ، معنى الآية الموت ليس بأيديكم ، ولكن احرصوا ألا يأتينكم الموت إلا وأنتم على طاعة لله عز وجل.
 والله أيها الأخوة ، ليس على وجه الأرض من إنسان أعقل وأذكى ممن يعد لساعة الموت التي لا بد منها ، وأنا ذكرت لكم ، وأذكر كثيراً هذا المثل : الفرق بين المؤمن وغير المؤمن ، أن المؤمن يتعامل مع النص ، وأن غير المؤمن يتعامل مع الواقع ، هؤلاء الناس الشاردون عن الله عز وجل عايش ، يأكل ، ويشرب ، ويستمتع ، وينام ، ويسهر ، ويتسامر ، ويتنزه ، ويستعلي ، ويستكبر ، ويعصي ، ويغفل ، ولا يصلي ، في الواقع ليس هناك شيء مقلق ، صحته جيدة ، ماله وفير ، زوجته أمامه ، أولاده أمامه ، مركبته جاهزة ، الوقت صيف يعمل نزهات ، الوقت شتاء يكون في أماكن شتوية ، هذا يعيش الواقع ، هذا يصعق بالموت ، يصعق لأنه لم يحسب له حساباً ، لأنه لم يدخله في برنامجه اليومي ، المؤمن يتعامل مع النص ، يقرأ القرآن :

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ (9)﴾

( سورة المنافقون الآية : 9 )

غير المؤمن يتعامل بالواقع والمؤمن يتعامل بالنص :

 غير المؤمن يتعامل بالواقع ، والمؤمن يتعامل بالنص ، تماماً كالمثل الشهير ، إنسان أراد أن يسافر إلى حمص في أيام الشتاء القارصة ، رأى لوحة خارج دمشق كتب عليها : " الطريق إلى حمص مغلقة بسبب تراكم الثلوج في النبك " ، أما الطريق في ظاهر دمشق جاف ، والشمس ساطعة ، إن تعاملت مع الواقع تابعت السير ، وإن تعاملت مع النص رجعت من ظاهر دمشق ، الآن : العاقل قرأ اللوحة يرجع ، هدفه حمص والطريق مغلق ، أما الدابة فتمشي ، لا تقف إلا عند الثلج ، فالذي يتعامل مع الواقع دابة ، أما الذي يتعامل مع النص إنسان .
 أيها الأخوة ، دائماً وأبداً العاقل لا يندم لأنه توقع ما سيكون ، حالة المؤمن حينما يأتيه ملك الموت وهو على طاعة الله ، وقد أنفق ماله في سبيل الله ، وقد ربى أولاده تربية صحيحة ، وقد عامل زوجته معاملة راقية ، وقد أمر أهله بالحجاب ، وقد أقام الإسلام في نفسه ، وفي بيته ، وفي عمله ، وقد بذل الغالي والرخيص في سبيل ربه ، هذا الإنسان حينما يأتيه ملك الموت ينادى :

 

﴿ قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26)بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (27)﴾

( سورة يس )

 والثاني الذي غفل عن الله ، إذا جاءه ملك الموت يصيح صيحة لو سمعها أهل الأرض لصعقوا ، من شدة الندم .

 

﴿ ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (62)﴾

﴿ ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾

  هو المولى ، هو الذي يوليك ، هو الذي يربيك ، هو الذي يرعاك ، هو الذي يهديك ، كنت عنده ، جاء بك إلى الدنيا .

 

هناك موتان وإحياءان :

 قال تعالى :

 

﴿ قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ (11)﴾

( سورة غافر الآية : 11 )

 الموت الأول موت العدم .

 

﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً (1)﴾

( سورة الإنسان )

 والموت الثاني الموت في نهاية الحياة الدنيا ، والإحياء الأول إحياء الإنسان في الدنيا ، والإحياء الثاني إحياء الإنسان يوم القيامة ،

﴿ ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾

 معنى الحق ، الشيء المستقر ، تقريباً ما يقال في العالم معظمه كذب ، ومعظمه ليس حقيقياً ، أما أي شيءٍ قاله الله عز وجل فهو حق لأنه واقع لا محالة ، لذلك في القرآن إشارات لطيفة مثلاً:

 

﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (1)﴾

( سورة الفيل )

 لم يرَ أحد هذا الذي ذكر الله عز وجل ، لكن الله أراد منا أن نتلقى إخباره وكأننا رأيناها .

 

﴿ أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ (1)﴾

( سورة النحل الآية : 1 )

 معنى ذلك أنه لم يأتِ ، لكن لأن الله وعد به فكأنه أتى .

 

إذا كان الله مولاك فهذه من نعم الله العظمى عليك :

 قال تعالى :

 

﴿ وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ (116)﴾

( سورة المائدة الآية : 116 )

﴿ قَالَ ﴾

 فعل ماض ، لم يقع هذا الحدث ، لكن كل شيء وعد الله به أو أخبر به يجب أن تتلقاه وكأنه وقع ،

﴿ ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾

 لذلك :

 

﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ (257)﴾

( سورة البقرة الآية : 257 )

 وقال :

 

﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (11)﴾

( سورة محمد )

 إذا كان الله مولاك فهذه من نعم الله العظمى عليك ، ومعنى مولاك يربيك ، ومعنى مولاك يؤدبك ، ومعنى مولاك يحاسبك ، ومعنى مولاك يعجل لك العقوبة في الدنيا أحياناً .

ربنا عز وجل هو أسرع الحاسبين :

 إذا رأى الواحد أن الله يعالجه ، ويؤدبه ، ويعاتبه ، ويسوق له بعض الشدائد على أخطائه ، وينتظر منه أن يتوب إليه ، فهذه نعمة لا تعدلها نعمة ، لكن المصاب الكبير أن يعطي الله الإنسان سؤله وهو في معصيته .

 

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44)﴾

( سورة الأنعام )

﴿ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ ﴾

  الأمر له ، لو أن الله قال : ألا الحكم له ، أي له ولغيره ،

﴿أَلَا لَهُ الْحُكْمُ ﴾

 له وحده .
 الآن دول ، وقوى ، وحروب ، وخطط ، ومؤامرات ، وكل إنسان يدعي أنه يعمل لصالح الأمة ، وكل إنسان يدعي أنه يعمل لصالح البشرية ، لكن الله سبحانه وتعالى يفصل بينهم يوم القيامة والحكم له وحده ،

﴿ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ ﴾

 وقد سمح الله جل جلاله لذاته العلية أن يوازنها مع عباده ، إنسان يحسب ، حاسب ، والله عز وجل أسرع الحاسبين ، هو تبارك الله أحسن الخالقين ، وأسرع الحاسبين ، فحساب الله عز وجل يكاد يختفي الزمن منه ، أنت الآن أمام حاسوب ، بمستوى رفيع جداً ، حديث جداً ، تعطي الأمر ترى على الشاشة النتيجة فوراً ، يكاد الزمن يختفي ، سرعته عالية جداً ، المعالج قوي جداً ، فإذا كان خالق الأكوان يقول : كن فيكون ، قال علماء التفسير : حتى كن فيكون للتقريب ، لأن كن تحتاج إلى زمن ، كن ثانيتين ، حتى كلمة كن للتقريب ، لكن بين الأمر والتنفيذ ليس هناك زمن إطلاقاً ، بين الحساب والنتيجة ليس هناك زمن إطلاقاً ، أحياناً تعطي إنسان مسألة يستغرق حلها ساعات طويلة ، أما ربنا عز وجل فهو أسرع الحاسبين ، فهذا كلام يعرفنا بذات الله جل جلاله ، وهذا يقتضي أن نكون كما أراد الله عز وجل من عبيد الشكر ، لا من عبيد القهر .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018