الدرس : 20 - سورة الأنعام - تفسير الآية 60 ، النوم رحمة وعبادة - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 20 - سورة الأنعام - تفسير الآية 60 ، النوم رحمة وعبادة


2005-05-13

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
 أيها الأخوة الكرام ، مع الدرس العشرين من دروس سورة الأنعام .

النوم من نعم الله العظمى على الإنسان :

 مع الآية الستين من هذه السورة ، وهي قوله تعالى :

 

﴿ وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (60)﴾

 أولاً : من نعم الله العظمى على الإنسان :

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ (23)﴾

( سورة الروم الآية : 33 )

 النوم يعطي الجسد راحة يستعيد بها نشاطه ، وقد فُسرت حقيقة النوم لأن الأعصاب في الجسم تتباعد وتقارب ، الخلية العصبية هي نواة واستطالة ، تأتي الخلية الثانية نواة واستطالة ، فإذا أراد الإنسان أن ينام ، أو حينما يدركه النوم تتباعد هذه الأعصاب عن بعضها فتنقطع السيالة العصبية ، لكن الأصوات الحادة تجعل السيالة تقفز هذه المسافة بين العصبين فجميع المهدئات تباعد هذه المسافات ، وجميع المنشطات تقرب هذه المسافات ، أما أن ينام الإنسان فترتاح أجهزته وأعصابه فهذه من نعم الله الكبرى .
 أنا أعرف شاباً ، أنا أتصور لو يملك أحدنا مئة مليون يدفعها بلا تردد مقابل أن ينام ليلة واحدة ، حار به الأطباء ، لا ينام أبداً .

 

قد يأتي الأمن عن طريق النوم :

 النوم من نعم الله الكبرى ، والحقيقة النوم مرتبط بشكل أو بآخر بحالة الإنسان النفسية ، فالإنسان حينما يقترف جريمة ، أو يقترف إثماً ، أو حينما تحاسبه نفسه حساباً عسيراً ، أو حينما يخرج عن مبادئ فطرته ، يكون بعده عن النوم وكأنه عقاب ، لذلك بعض الفنادق في أوربة كتبت لوحة على كل سرير : " إن لم تستطع أن تنام فالعلة ليست في فُرشنا، إنها وثيرة ، ولكن العلة في ذنوبك " .
 الإنسان المؤمن لأنه لم يبنِ مجده على أنقاض الآخرين ، ولم يبنِ غناه على فقرهم ، ولم يبنِ حياته على موتهم ، ولم يبنِ أمنه على خوفهم ، ولم يبنِ عزه على ذلهم ، ينام نوماً عميقاً ، والنوم من نعم الله العظمى .

 

﴿ ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاساً يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ (154)﴾

( سورة آل عمران الآية : 154 )

 هذا الأمن قد يأتي عن طريق النوم ، شيء آخر ، هو أن الله سبحانه وتعالى :

 

﴿ وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً (10)وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً (11)﴾

( سورة النبأ )

 طاعته لله تكون في الليل أحياناً ، قيامه في الليل ، صلاته في الفجر ، هذا وقت راحة للناس ، إن أردت جواً صافياً لا إزعاج ، ولا اتصال ، ولا هاتف ، ولا بكاء ، ولا صراخ ، ولا ضجيج ، ولا شارع مزدحم ، ولا أبواق سيارات ، إن أردت جواً صافياً فعليك بوقت الفجر ، وبعد العشاء ، لقد ورد في بعض الأحاديث :

(( ولو يعلم الناس ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبواً ))

[ أخرجه مالك وأحمد والبخاري ومسلم والنسائي عن أبي هريرة ]

الله سبحانه وتعالى جعل النوم نوعاً من الموت المؤقت :

 إذاً الآية الكريمة :

﴿ وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾

  والحقيقة النوم ليس اختيارياً ، هو من خلق الله عز وجل ، إما أن تطلب النوم فلا تجده ، وإما أن يأتيك ضيفاً فيريحك ، النوم يأتي أما إذا طلبته قد لا يأتِ ، لذلك في الصيدليات أدوية تعين على النوم ، مسكنات ، مهدئات ، هذا كله من ضعف الإنسان أمام هذه الحالة ، ضعيف أمام النوم ، قد ينام وهو يقود سيارة فيدمر ، وقد يريد أن ينام فلا ينام ، لذلك قالوا : النوم ضيف إن طلبته أتعبك ، وإن طلبك أراحك .
 الشيء الذي نتصوره جميعاً أن الإنسان نفس وجسم ، فمادامت النفس في الجسم فهي تفعل ما تريد ، أنت مخير ، تقف ، تمشي ، تجلس ، تأكل ، تشرب ، تخرج من البيت ، تعود إلى البيت ، تقوم بهذا العمل ، لا تقوم بهذا العمل ، لكن الله سبحانه وتعالى جعل النوم نوعاً من الموت المؤقت ،

﴿ وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾

  ونفسك في جسمك ، وروحك في جسمك وأنت لا تستطيع أن تفعل شيئاً ، فالنوم موت مؤقت ، والموت موت مستمر ، النوم والموت مترابطان ، الآية الكريمة :

﴿ وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾

﴿ إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ (55)﴾

( سورة آل عمران الآية : 55 )

 معنى ذلك لم يمت سيدنا عيسى .

 

﴿ وَآَوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ (50)﴾

( سورة المؤمنين الآية : 50 )

 فالنوم عملية قسرية يخلقها الله ، وقد يطمأن الإنسان بالنوم ، وقد يدمر بالنوم ، ولاسيما في أثناء قيادة مركبة ، النوم يعني دمار كامل ، بشكل أو بآخر الإنسان بيد الله عز وجل ، الله رب العالمين طليق الإرادة ، قادر أن يكرمك بالنوم ، وقادر أن يدمرك بالنوم ، وقادر أن تطلبه فلا تجده ، وقادر أنه إذا جاءك يكون لك عوناً على مشقة النهار ، لكن بشكل أو بآخر الإنسان الذي لم يبنِ مجده على أنقاض الآخرين ، ولم يبنِ حياته على موتهم ، ولا غناه على فقرهم ، ولا أمنه على خوفهم ، هذا الإنسان ينام ، والنوم مكافئة له .

 

دقة صنعة الله عز وجل :

 إذاً : يمكن أن تكون النفس في الجسم وهي معطلة عن فعل شيء ، لكن أيها الأخوة دققوا في دقة صنعة الله عز وجل ، نحن في النهار نتنفس ، والتنفس عند الأطباء تنفس غير إرادي ، وقد يكون إرادي ، وأنت في يقظتك تقول شهيق زفير ، هذا تنفس إرادي ، لكن إذا خلدت إلى النوم لو أن التنفس إرادي ماذا تفعل ، النوم يعني الموت ، لذلك الله عز وجل رحمة بالعباد يعني يصيب حالات نادرة جداً .
 في طبيب بهذا البلد توفي رحمه الله ، كان لا ينام أبداً ، فاختُرِع دواء في بلاد الغرب غالٍ جداً ، فوق طاقة الغني ، هذا الدواء يمكن أن تنام ، ولكن يجب أن تأخذ حبة كل ساعة في الليل ، تضبط المنبه على الساعة الثانية عشرة تستيقظ تأخذ حبة ، ثم تضبط المنبه على الواحدة ، وعلى الساعة الثانية ، وعلى الثالثة والرابعة والخامسة ، هذا الطبيب اشترى هذا الدواء وجاء ابنه من أمريكا ، وفرح به ، وكان مجهز أربع منبهات معاً ، أربع منبهات إلى جنب أذنه ، المنبهات الأربعة رنت أجراسها فلم يستيقظ ، فاستيقظ أهله فوجوده ميتاً .
 لو أن الله أسلم التنفس إلينا النوم يعني الموت ، لو أسلم نبض القلب إلينا النوم يعني الموت ، لو أسلم عمل الكليتين إلينا النوم يعني الموت ، لو أسلم عملية الهضم إلينا النوم يعني الموت ، تأكل وتنام ، والمعدة ، والأمعاء ، والبنكرياس ، والصفراء ، وحركة الأمعاء ، والعصارات ، هذا كله يعمل بانتظام وأنت نائم ، والقلب ينبض ، والرئتان تتحركان ، فضلاً عن ذلك وأنت نائم وغارق في النوم ما الذي يحصل ؟ يجتمع اللعاب في فمك تصدر إشارة من الفم إلى الدماغ ، الدماغ يأمر لسان المزمار أن يغلق فتحة التنفس ، ويفتح فتحة المريء فتبلع ريقك ، تبلع اللعاب الذي في فمك ، وهذا يتضح لكم عند طبيب الأسنان ، إذا أراد أن يعمل عملاً طويلاً وفمك مفتوح لا بد من أنبوب يسحب اللعاب من فمك ، هذا أيضاً أيها الأخوة من دقة صنع الله ، وأنت نائم مستغرق في النوم وزن العضلات التي فوق الهيكل العظمي ، ووزن العضلات ووزن الهيكل العظمي يضغط على العضلات التي تحت الهيكل العظمي ، هذا الضغط من نتائجه أنه يضيق أوعية الدم ، فتصاب هذه العضلات بما يسمى بنقص التروية فتشعر بخدر في النوم ، وأنت نائم محل الضغط في نقاط التحسس في الضغط ترسل للدماغ إشارة ، الدماغ يأمر الجسم فينقلب على شق آخر ، قال تعالى :

 

﴿ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ (18)﴾

( سورة الكهف الآية : 18 )

 لولا هذا التقليب لتفسخت عضلاتنا وجلودنا ، لذلك أي إنسان يصاب بالثبات يحتاج إلى من يقلبه ، وإلا اللحم ينزع باليد من جسمه ، والآن في أَسِّرة تقلب المريض آلياً ، الله قال :

﴿ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾

 فأنت نائم تُقلب .

 

بعض الآيات الدالة على عظمة الله عز وجل :

 أنت نائم لسان المزمار يعمل عملاً معقداً جداً ، وأنت نائم القلب يعمل ، وأنت نائم الرئتان تتحركان ، وأنت نائم الكليتان تعملان ، لكن وأنت نائم المثانة تكون بحالة ثبات ، من أجل أن ترتاح ، المثانة تعمل في النهار أضعاف عملها في الليل لئلا تقوم إلى الحمام كل ساعة ، المثانة تنام في الليل معك حتى تنام نوماً عميقاً وطويلاً .
 أرأيتم إلى هذه الآيات الدالة على عظمة الله عز وجل ،

﴿ وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ ﴾

 والإنسان مهما كان متعباً ينام ساعات طويلة فيصبح كالحصان في نشاطه ، الحصان رمز النشاط إذا نام ساعات مريحة ، لذلك من نعمة الله عز وجل على الإنسان أنه ينام ، الآية :

 

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (23)﴾

( سورة الروم )

 يقول الأطباء : إن ساعة في أول الليل لا تعدلها ثلاث ساعات في آخر الليل ، لذلك :

(( بورك لأمتي في بكورها ))

[ أخرجه الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة ]

 أمة محمد صلى الله عليه وسلم تنام باكراً وتستيقظ باكراً ، لكن الشيء المؤسف أن عالم الغرب في الساعة الرابعة صباحاً الطرقات ممتلئة بالحركة ، لكننا في بلاد الشرق لا ينجز عمل قبل الساعة الحادية عشرة ، المحلات مفتوحة إلى أنصاف الليل في السهر ، وهذا السهر الطويل يتناقض مع التصميم الإلهي ، كان السلف الصالح عقب صلاة العشاء يخلدون إلى النوم ، ويستيقظون ، يعني أنت أحياناً تنام باكراً الساعة التاسعة أو العاشرة ، تستيقظ على صلاة الفجر وكأنك حصان ، ممكن أن تقرأ القرآن ، ممكن أن تصلي قيام الليل ، ممكن أن تذكر الله عز وجل ، ممكن أن تتفكر في خلق السماوات والأرض ، لذلك أراد العالم الغربي أن يعمم ثقافته في الحياة اليومية على الشعوب كلها ، فجعل الليل يقظاناً ، وجعل النهار للنوم والله قال :

 

﴿ وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً (10)وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً (11)﴾

( سورة النبأ )

الساعة البيولوجية :

 لكن لو فرضنا إنساناً حارساً يجب ألا ينام في الليل ، الله عز وجل سمح للإنسان أن ينام في النهار ، وهذه أيضاً نعمة كبرى ، أحياناً الإنسان يسافر فينام في النهار .
 النقطة الدقيقة أيها الأخوة أن في الإنسان ساعة بيولوجية ، هذه الساعة مرتبطة بقعر العين ، ما دام بقعر العين ضوء فهذا الضوء يصل إلى هذه الساعة البيولوجية ، أنت في النهار في عدد من الأجهزة كبير يحتاج أن يعمل عملاً خاصاً ، فالضغط في النهار يرتفع ، نبض القلب يزيد عشر درجات في النهار عنه في الليل ، لو أن إنساناً استيقظ باكراً ، وقاس نبضه يجده ستين نبضة ، في النهار يجده ثمانين ، فأنت بحاجة إلى نبض عال في النهار ، وضغط عال في النهار ، بحاجة إلى أن تعمل هرمونات النمو في الليل لا في النهار ، هرمون النمو يعمل في الليل ، أما هرمون الدرق يعمل في النهار ، الموضوع طويل ، جميع الغدد والأجهزة بدءاً من القلب والرئتين والمعدة والأمعاء وجهاز إفراز الكلية والمثانة ، هذه الأجهزة لها نظام في النهار ونظام في الليل ، الآن بعض المقاسم يتبرمج برمجة نهار وبرمجة ليل ، فالجسم هكذا مبرمج ، مبرمج بعمل في النهار وعمل في الليل ، ما الجهاز الذي يأمر الجسم أن يطبق برنامج النهار ؟ الساعة البيولوجية ، وما الجهاز الذي يأمر الجسم أن يطبق برنامج الليل ؟ الساعة البيولوجية ، هذه الساعة مرتبطة بقعر العين ، فإذا في ضوء بالعين يطبق برنامج النهار ، وإذا ما في ضوء يطبق برنامج الليل .
 الإنسان أحياناً يسافر من الشرق الأوسط إلى أمريكا هناك ظاهرة عجيبة ، أول يومين ثلاثة لا ينام بالليل أبداً ، ينام في النهار ، لأن هذه الساعة مبرمجة على دمشق ، فهذا الوقت وقت ليل ، بالنهار تكاد تموت من شدة الرغبة في النوم ، وفي الليل لا تنام أبداً ، حتى مضي ثلاثة أيام أي حتى تبرمج الساعة برمجة جديدة حتى تنام في الليل وتستيقظ في النهار ، فإذا عدت إلى الشام مرة ثانية أيضاً عندك ثلاثة أيام تنام في النهار وتستيقظ في الليل ، هذا متعلق بالساعة البيولوجية .

 

الإنسان بين حالين :

 إذاً قضية النوم قضية من أدق نعم الله عز وجل ،

﴿ وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾

 لذلك الإنسان بالليل لا يحاسب ، لأنه فقد الإرادة ، النوم موت مؤقت ،

﴿ وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾

  نوم مؤقت ، والموت نوم دائم ، الله عز وجل طليق الإرادة ، بمعنى أنك في النهار أعطاك حرية الحركة ، أعطاك اختياراً ، أعطاك قوة ، لكنك في الليل لا تملك شيئاً ، فكل ما يجري في الليل لا تحاسب عليه ، لأنه خارج عن إرادتك ، لكن أحياناً الإنسان في الليل يرى رؤى متعلقة بحالاته في النهار ، فمن كان عقله الباطن الذي يتجلى فيما يرى من رؤى ، إذا رأى في الليل هو في طاعة ، وفي عمل صالح فهذه بشارة على أن عقله الباطن منسجم مع عقله الواعي ، وإذا رأى نفسه في معصية كبيرة ، أو في عمل لا يرضِي الله فهذا تحذير من الله أن عقله الباطن لم يرقَ إلى مستوى عقله الظاهر .
 الآن :

﴿ وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ ﴾

  الاستيقاظ بعث ، لذلك كان عليه الصلاة والسلام إذا استيقظ يقول :

(( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانِي فِي جَسَدِي وَرَدَّ عَلَيَّ رُوحِي ))

[ الترمذي عن أبي هريرة ]

 كان من الممكن ألا يستيقظ .
 أنا وصل إلى علمي أشخاص عديدون من هذا المسجد ، أخلد إلى النوم ، زوجته في أثناء الليل مست يدها يده فرأتها باردة ، فانتفضت مذعورة ، فإذا هو ميت ، لذلك كان عليه الصلاة والسلام إذا آوى إلى فراشه يقول يا رب :

(( إنْ أمْسَكْتَ نَفْسِي فارْحَمْها ، وَإِنْ أرْسَلْتَها فاحْفَظْها ))

[ رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه ]

 ممكن للإنسان إذا آوى إلى فراشه ألا يستيقظ ، أحد أخواننا من عادته أن يصلي الفجر في المسجد ، قد يصلي وأهله لا يزالون في النوم ، ففي الصباح الساعة التاسعة قالت الأم لابنها : أيقظ أباك كي يأكل طعام الإفطار ، فتح الباب وجده ميتاً .
 صديق لي دكتور في الجامعة دخل إلى غرفته ليكتب ، ويؤلف ، استيقظ أهله صباحاً فإذا هو منكب على المكتب ، وقد توفاه الله عز وجل ، لذلك كان يقول عليه الصلاة والسلام :

(( إنْ أمْسَكْتَ نَفْسِي فارْحَمْها ، وَإِنْ أرْسَلْتَها فاحْفَظْها ))

 أنت بين حالين ، لذلك ممكن لإنسان ينام ولا يستيقظ ، ممكن يستيقظ ولا ينام ، ممكن أن يخرج من البيت ولا يرجع ، ممكن يرجع وما يخرج قائماً ، يخرج بنعش ، ممكن يدخل المسجد ليصلي ، أو ليحضر درساً ، ممكن يدخل ليصلّى عليه .

 

من عدّ غداً من أجله فقد أساء صحبة الموت :

 أحد أخواننا قال لي : أحد الأخوة المصلين لطيف المعشر ، كل يوم عقب صلاة الفجر وهو في الطريق إلى البيت يتحفهم بطرفة كل يوم ، قال لي : والله صلينا الفجر معاً ، والعصر صلينا عليه في الجامع نفسه ، وقد توفاه الله وقت صلاة الظهر ، ولا يشكو شيئاً ، لذلك قالوا : من عدّ غداً من أجله فقد أساء صحبة الموت ،

﴿ وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾

 لذلك قال عليه الصلاة والسلام في بعض خطبه :

(( إنكم لتموتن كما تنامون ، ولتبعثن كما تستيقظون ، ولا يجزون بالإحسان إحساناً وبالسوء سوءاً ، وإنها لجنة أبدأً أو لنار أبداً ))

[ورد في الأثر]

 هذه من خطب النبي عليه الصلاة والسلام .
 أيها الأخوة الكرام ، الله عز وجل طليق الإرادة ، الإنسان ممكن أن ينام وهو في أشد الحاجة إلى اليقظة ، حدثني صديق قال لي : أنا في طريقي من حمص إلى دمشق أخذتني سنة من النوم ، وأنا أقود مركبتي فوق المئة ، ورأيت مناماً ، لكن الله حفظني ، وهذا من فضل الله عليه ، لكن أحياناً أنا أضرب مثلاً : أبو لهب نزل قوله تعالى :

 

﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1)مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (2)سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ (3)وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (4)فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (5)﴾

( سورة المسد )

 لو أن أبا لهب ، ذهب إلى النبي منافقاً ، وقال : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أنك رسول الله لألغى الآية ، أليس كذلك ؟ وأنت في قبضة الله بكل شيء .

 

الرؤى تؤكد أن للإنسان حياة نفسية لا علاقة لها بالجسم إطلاقاً :

 قال تعالى :

 

﴿ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا (142)﴾

( سورة البقرة الآية : 142 )

 الله عز وجل يبين أن هؤلاء الذين سيقولون كذا وكذا ، سفهاء ، لو أنهم فكروا لسكتوا ، لألغوا الآية ، أنت في قبضة الله ، أنت مريد وحر في اختيارك ، لكن أي شيء أراده الله يكون ، فأنت في قبضته ، أكثر شيء يؤكد هذه الحقيقة أنك في النوم ، الآن وأنت نائم قد ترى أنك في مكة المكرمة ، قد ترى أنك في المدينة وأمام مقام النبي ، وتبكي وتناجي النبي ، وكأنك في جنة ، وقد ترى رؤيا تبقى شهراً أو أكثر وأنت مغموس في سعادة لا توصف ، وقد ينام أخوك إلى جانبك ، ويرى نفسه في المنام يتبعه ثعبان كبير ، فيصرخ من شدة الخوف الظروف واحدة ، الغرفة واحدة ، الجو واحد ، الحرارة واحدة ، الفراش واحد إنسان كان كأنه في جنة ، وإنسان كان كأنه في نار ، هذه الرؤى تؤكد أن للإنسان حياة نفسية لا علاقة لها بالجسم إطلاقاً ، والرؤى تبين هذه الحقيقة .
 أيها الأخوة الكرام ، كنت أقول دائماً وأكرر : إن لم تكن طرفاً في مؤامرة قذرة هدفها إفقار المسلمين ، أو إضلالهم ، أو إذلالهم ، أو إفسادهم ، أو إبادتهم ، فأنت في سلامة ما بعدها سلامة ، لذلك الإنسان لو كان يشكو من ضيق وضعه الاجتماعي ، يشكو من قلة دخله ، لكن لم يكن طرف في مؤامرة قذرة ينام ملء العين ، العوام يقولون : ينام على ريش نعام ، النوم العميق دليل حسن العلاقة مع الله عز وجل ، بل إن النائم المؤمن له عند الله أجر لأنه ينام ليتقوى على طاعة الله ، فالنوم رحمة والنوم عبادة ، لكن النوم مؤشر أنه أنت على شيء من الطهارة والاستقامة ، لأن الانهيار الداخلي ، والقلق الشديد ، والخوف هذا يلغي النوم في حياة الإنسان .

 

الإنسان إذا استقام وكان على صلة بالله متينة وعلى ود مع الله عز وجل فنومه عبادة :

 حدثني أخ ، القصة جرت في بيروت ، قال لي : سائق سيارة شاب دهس طفلاً بعد الساعة الثانية ليلاً ، وتابع السير ، ولا يمكن أن يُعرف هذا الذي قتل الطفل ، سجل الضبط ضد مجهول ، وانتهى الأمر ، يقول هذا السائق : مضى عليه أكثر من ثلاثين يوماً ما عرف طعم النوم ، إلى أن التقى بطبيب نفسي ، فالطبيب النفسي أشار عليه أن يدفع دية مجزية لوالده حتى ينام ففعل هذا ، الحادث خطأ ليس قتلاً متعمداً ، والحادث الخطأ يقابله دية.

 

﴿ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ (92)﴾

( سورة النساء الآية : 92 )

 لما دفع هذه الدية استطاع أن ينام ، فالإنسان إذا استقام ، وكان على صلة بالله متينة ، وكان على ود مع الله عز وجل ، فنومه عبادة لأنه لا يستحق أن يتقلب بالفراش ولا ينام ، فأنت في النوم معفى من الحساب ، لكن إن رأيت رؤيا لا ترضِي الله فهذا مؤشر ليس في صالحك ، وإن رأيت رؤيا ترضي الله فهذا مؤشر مبشر لصالحك ، فعلامة أن الإنسان له مع الله علاقة متينة أنه ينام هنيئاً ،

﴿ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾

 في برنامج كمبيوتري تعطيه تاريخ ولادتك يقول لك بالجواب : عمرك ست وستون سنة ، وثمانية أشهر ، وستة عشر يوماً ، وأربع ساعات ، وخمس دقائق ، وثلاث ثوان ، فأنت يجب أن تعرف أن لك عند الله عمر ، كم ؟ الله أعلم .
 لذلك مرة كنت في زيارة مدير ثانوية ، وحدثني عن مشاريعه المستقبلية فقدم طلباً ليعار إلى الجزائر كمدرس معار ، والراتب مضاعف ، قال لي : سأذهب إلى هناك ، وسأمضي خمس سنوات هناك ، ولن آتي إلى دمشق في أثناء العطل الصيفية ، قلت له : لماذا؟ قال لي : أريد أن أقضي صيفاً في فرنسا ، وصيفاً في بريطانيا ، وصيفاً في إسبانيا ، وصيفاً في إيطاليا ، قال لي : بعد أن أعود إلى الشام أقدم استقالتي من العمل التدريسي ، وأحصل على التقاعد والتعويضات ، وأفتح محلاً ، قال لي : أبيع فيه التحف ، هذه لا علاقة لها بالتموين ، ولا تفسد مع مضي الوقت ، وأولادي يجلسون في هذا المحل التجاري ، وأجعله منتدى ، وحدثني !! أنا والله الذي أذكره تحدث عن عشرين سنة قادمة وانتهى اللقاء ، وذهبت إلى البيت ، وعندي عمل في مركز المدينة ، أردت أن أعود إلى البيت مشياً على الأقدام ، فإذا بنعوته على الجدران في اليوم نفسه ، لذلك قالوا : من عدا غداً من أجله فقد أساء صحبة الموت .

 

الفرق بين النوم والموت أن النائم يستيقظ لكن الميت لا يستيقظ :

 كم حالة وفاة يرى أنه سيعيش طويلاً ؟ أحد أصدقاء أحد أقربائي كان مرحاً ورشيقاً ، وصحته جيدة جداً ، وأكله مدروس دراسة دقيقة ، الخبز ، السَّلطات ، المشي ، الروح المرحة ، ففي سهرة قال : أنا أطيل لأموت ، فسألوه : ما السبب ؟ قال لهم : إني رشيق ، ومرح ، وأكلي منتظم ، والرياضة يومية ، يمشي ساعة كل يوم ، وتمرينات سويدية، اللقاء الأسبوعي كل سبت ، السبت الثاني كان مدفوناً تحت الأرض ، الأجل لا أحد يملكه .
مرة أخ دعانا إلى مزرعة خارج دمشق ، قال لي : لك أن تأتي بعشرة أخوة ، فأنا اخترت عشرة أخوة ، كان أخ كريم رئيس محكمة دستورية يجلس هناك ، اخترته أحد المدعوين ، دفناه الخميس ، وخرجنا السبت من دونه ، من يعلم متى سيموت ؟ لذلك :

 

كل مخلوق يمــــــوت ولا يبقَ  إلا ذو الـــــــعزة والجبروت
* * *
والليل مهما طال فلا بد من طلوع الفجر  والعمر مهما طال فلا بد من نزول القبر
* * *
وكل ابن أنثى وإن طالت سلامته يوماً  على آلة حــــــــدباء محمول
فإذا حملت إلى القبور جنـــــازة  فاعلم بأنك بعـــــــدها محمول
* * *

 الإنسان يموت كل يوم بالنوم ، النوم قريب من الموت ، لكن الفرق بين النوم والموت أن النائم يستيقظ ، الميت لا يستيقظ ،

 

(( إنكم لتموتن كما تنامون ، ولتبعثن كما تستيقظون ، ولا يجزون بالإحسان إحساناً وبالسوء سوءاً ، وإنها لجنة أبدأً أو لنار أبداً ))

﴿ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ﴾

 لذلك قالوا : لا علاقة بين العمر وبين الصحة .
 سألني أخ كريم : ما جدوى إذاً الصحة أي الرياضة ، والمشي ، والجري ، والدقة في تناول الطعام والشراب ، وكل شيء مدروس ؟ قلت له : مع الإشارة ، لك عند الله سبع وستون عاماً ، إن اعتنيت بصحتك تمضيها واقفاً ومتحركاً ونشيطاً ، وإن لم تعتنِ بها تمضيها على الفراش ، فالرياضة والاهتمام بالطعام والشراب يكون مدروساً من أجل أن تمضي هذا الوقت الذي لك عند الله وأنت معافى صحيح وتتحرك ، لكن سبحان الله أي إنسان يؤله الرياضة يصاب بخيبة أمل فيها .
 طبيب بأمريكا كان يرى أن الجري هو الوقاية الوحيدة للقلب ، يجري في اليوم عشرين كيلومتراً ، وألَّف مقالات ، وعمل مناظرات ، وندوات في التلفزيون ، وألف كتباً ، يرى أن الجري هو الوقاية الوحيدة للقلب ، فمات وهو يجري في السادسة والأربعين من عمره .

 

الإيمان الحقيقي هو الذي يدعو إلى التوكل على الله عز وجل :

 قال بعضهم : أنا هوايتي الوحيدة أن أمشي في جنائز الرياضيين ، الحقيقة الرياضة ضرورية جداً ، لكن إياك أن تؤلهها ، إياك أن تظن أنك بالرياضة لن تموت ، أو سيتأخر الموت كثيراً ، الأجل ما له علاقة بالصحة أبداً ، لكن بين أن تمضي هذا العمر وأنت نشيط تقف على قدمين ، تتحرك ، أو أن يمضي هذا العمر وأنت طريح الفراش لا سمح الله ولا قدر هذه واحدة .
 شيء آخر يمس الموضوع ، أحياناً يكون طبيب مختص بالجهاز الهضمي عنده إحساس عام أنه لن يمرض بجهازه الهضمي ، لأنه طبيب ، اختصاصه ، أستاذ في الجامعة ، يعطي توجيهات للمرضى كل يوم مئات المرات ، الذي ينسى أن الحافظ هو الله ، من أغرب ما أسمع من حين لآخر أن الأطباء الذين يعتمدون على علمهم دون الاعتماد على ربهم في وقاية أجسامهم في الأعم الأغلب يمرضون باختصاصهم ، لأنهم توهموا أن اختصاصهم يحميهم أن يمرضوا في موضوع اختصاصهم ، لذلك ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد .
 مرة زرنا طبيباً في أمريكا في بيته ، بيته شيء يصعب وصفه ، دخلُ الطبيب هناك أعلى دخل في البلاد كلها ، فهو دون الخمسين ، جالس جلسة فيها كآبة ، سألت ؟ فقيل لي : معه احتشاء بقلبه ، طبيب قلب ، عاش بما يسمى جنة ، ومع ذلك يصاب الإنسان باختصاصه ، لا تظنوا أنني أقلل من أن تعتني بصحتك ، وأن تعتني باختصاصك ، لا ، إياك أن تعتقد أن صحتك مرتبطة باختصاصك ، الموت لا علاقة له لا بالاختصاص ولا بالعلم ، والإيمان الحقيقي هو الذي يدعو إلى التوكل على الله عز وجل .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018