الدرس : 19 - سورة الأنعام - تفسير الآيتان 58-59 ، أنواع الغيب - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 19 - سورة الأنعام - تفسير الآيتان 58-59 ، أنواع الغيب


2005-05-06

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
 أيها الأخوة الكرام ، مع الدرس التاسع عشر من دروس سورة الأنعام .

خصائص النبي عليه الصلاة والسلام :

 مع الآية الثامنة والخمسين ، وهي قوله تعالى :

 

﴿ قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ (58)﴾

 هم استعجلوا عذاب الله ، وعذاب الله ليس بيد رسول الله ، هذه الآية تبين أن النبي بشر ، وأنه لا يملك نفعاً ولا ضراً لأحد ، بل لا يملك نفعاً ولا ضراً لنفسه ، فلأن لا يملك لغيره نفعاً ولا ضراً من باب أولى ، وهو لا يعلم الغيب ، وهو يخاف إن عصى ربه عذاب يوم عظيم ، عدة آيات في القرآن الكريم تبين حقيقة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، هو يعرف الحق ، ويعرف الله ، ويعرف الطريق الموصل إليه ، فبلسانه يهديك إلى الله ، وإن أحببته ارتقيت بمحبته إلى الله ، فحاله يهديك ، لكنه لا يعلم الغيب ، إذا كانت هذه خصائص النبوة ، وقد وصف الله بها نبيه الكريم ، وكان سيد الخلق وحبيب الحق ، وبلغ أعلى درجات الكمال البشري ، هل يستطيع أحد على وجه الأرض كائناً من كان أن يدّعي صفات فوق هذه الصفات ، يكون كاذباً ودجالاً ومحتالاً ، هذه خصائص النبي عليه الصلاة والسلام .
 لكن قد يسأل سائل : ما الحكمة أن الله سبحانه وتعالى يجعل أنبيائه معظمهم ضعفاء ؟ أيعقل أن يقف النبي أمام عمار بن ياسر ، وهو يعذب ، ولا يملك أن يوقف العذاب عنه فيقول : صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة ؟!!

الحكمة من جعل الأنبياء ضعفاء :

 الحقيقة أن الله أعطى القوة لأناس هم طغاة أحياناً ، لا يحبهم الله أبداً ، طغاة العالم كما ترون وتسمعون يَقتلون ، ويستبيحون الحرمات ، وينهبون الأموال ، ويفعلون كل شيءٍ لا يرضي الله عز وجل ، ومع ذلك هم أقوياء جداً ، يبدو لقصير النظر أنهم يفعلون ما يشاؤون ، ما الحكمة من أن أنبياء الله كانوا ضعفاء ؟! الحكمة أن الإيمان بالنبي القوي إيمان مشبوه ، لأن الأقوياء إذا طلبوا شيئاً فالكل ينفذ من دون تردد ، هؤلاء الناس يستجيبون لنبي قوي ، لا لأنه نبي ، بل لأنه قوي ، يستجيبون له خوفاً أو طمعاً ، ولكن الله يريد من الإنسان أن يؤمن طواعية من دون ضغط ولا إغراء ، لذلك لحكمة أرادها الله كان النبي ضعيفاً ، وكان الإيمان به منزهاً عن خوف أو عن طمع ، ومنزهاً عن أي غرض ، فالإيمان الحقيقي هو أن تؤمن بإنسان لا يملك لك نفعاً ولا ضراً ، ولا موتاً ولا حياةً ، ولا رفعةً ولا انخفاضاً .
 إذاً لحكمة بالغةٍ بالغة كان النبي صلى الله عليه وسلم ضعيفاً ، تطلبون العذاب بشكل فيه تحدٍّ ، أو تستخفون بهذه الدعوة ، فإن كنت كما تدّعي رسول فلينثر علينا ربك حجارة من السماء ، ائتنا بعذاب الله إن كنت صادقاً ، فكان الرد النبوي المتأدب مع الله ، رد النبي الذي هو عبد لله :

﴿ قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ﴾

 لو أملك قوة وأنتم تتحدون خالق السماوات والأرض لعاقبتكم غيرة على هذا الدين ، وتقرباً إلى الله رب العالمين ، وانتهى الأمر بيننا ، ولكنني عبد مثلكم ، لا أملك لكم نفعاً ولا ضراً ، كما لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً ، في صفات تتبدى بالضعف ، قد تغيب عن بعض الناس ، وقد لا أبالغ إذا قلت : إن أكثر مكارم الأخلاق لا تتبدى إلا في حالات الضعف ، وأنت في أشد حالات الضعف ترجو الله ، وتحبه ، وتؤثر طاعته على سلامتك ، لذلك قالوا : الحزن خلاق ، البطولات أحياناً تأتي من ضعف ، التفوق الدراسي أحياناً يأتي من فقر ، ولو علم الناس ما في الضعف أحياناً من إيجابيات قد لا يرونها لتمنوا أن يكونوا ضعافاً .
 أوضح مثل : ابن إنسان غني جداً ، لا يحتمل ، لا في سلوكه ، ولا في أخلاقه ، الابن الذي لا سند له ، وأبوه قد توفي ، وهو يتيم ، وليس شيءٌ في يده تجد منه بطولات وتفوق يفوق حد الخيال ، لعل الضعف والفقر سبب كبير من أسباب التفوق .

 

المفهوم السلبي للقضاء والقدر مفهوم مرفوض :

 إذاً الله عز وجل حينما يختار لك أن تكون ضعيفاً في مجتمع الأقوياء ، وحينما يختار لك أن تكون فقيراً في مجتمع الأغنياء ، لكن إياكم ثم إياكم أن تفهموا من هذا الكلام أن ترضى بالضعف ، وأن ترضى بالفقر ، أما حينما تبذل كل ما تملك ، ويصل بك جهدك إلى هذا المستوى ينبغي أن ترضى عن الله عز وجل ، لأن حكمة بالغةً أرادها الله عز وجل قد تخفى عنك الآن ، لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

(( إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَيَحْمِي عَبْدَهُ الْمُؤْمِنَ مِنْ الدُّنْيَا وَهُوَ يَحْمِيهِ كَمَا تَحْمُونَ مَرِيضَكُمْ مِنْ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ تَخَافُونَهُ عَلَيْهِ ))

[أحمد من حديث محمود بن لبيد ]

(( إن الله تعالى يحمي عبده المؤمن كما يحمي الراعي الشفيق غنمه عن مراتع الهلكة ))

[البيهقي في شعب الإيمان عن حذيفة ]

 إذاً العبرة أن ترضى عن الله ، لا تناقض بين أن ترضى عن الله وبين أن تسعى لرفع مستواك الثقافي والعلمي والاقتصادي والمعيشي ، لأنه ليس مطلوباً منك أن تقبل بمقدر عليك ، وأوضح مثل : أنه لو دخل إلى البيت لص هل تقول : سبحان الله ! هذا قضاء الله وقدره ، وتستسلم له ، أم تتحرك ، وتقاوم ، وتقبض عليه ، وتسلمه إلى الجهات المسؤولة ؟
 إذاً المفهوم السلبي للقضاء والقدر مفهوم مرفوض ، لكن حينما تبذل كل ما تستطيع ، حينما تسعى إلى أقصى درجة ، ويصل بك السعي إلى هذا المكان ، بعد كل سعيك أصبحت إنساناً ذا دخل محدود ، وبعد كل سعيك أصبحت إنساناً بحسب مبادئك وقيمك ، وأن الإيمان قيد يمنعك أن تنافق ، يمنعك أن تكذب ، يمنعك أن تتسول إلى هدف مشروع بوسيلة غير مشروعة ، إذا انتهى سعيك إلى أن تكون ضعيفاً وذا دخل محدود ، فاعلم علم اليقين أن هذا الذي اختاره الله لك هو أبدع ما يكون ، عبَّرَ عن هذه الحقيقة الإمام الغزالي رحمه الله تعالى فقال : " ليس بإمكاني أبدع مما أعطاني " .
 مرة ثانية أتمنى ألا تفهموا هذا أن ترضى عن واقع بإمكانك أن تغيره ، أو أن ترضى عن دخل بإمكانك أن تحسنه وفق منهج الله ، أو أن ترضى عن مكانة بإمكانك أن ترتقي إلى أعلى منها وفق منهج الله ، فلذلك هذه حقيقة ، الله عز وجل حينما يختار لإنسان ضعفاً ، أو دخلاً محدوداً ، فلحكمة لو كشف الغطاء لاخترت الواقع ، وللإمام علي رضي الله عنه كلمة رائعة يقول : " والله لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً " ، وله قول آخر ليس أقل منه روعة : " والله لو علمت أن غداً أجلي ما قدرت أن أزيد في عملي " ، لأنه بلغ أعلى سرعة في السير إلى الله عز وجل .

 

كفاك نصراً على عدوك أنه في معصية الله :

 إذاً الآية تشير :

 

﴿ قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ ﴾

 أي يكفيك قوةً ألا تكون ظالماً ، يكفيك قوةً أن تكون في طاعة ، وقد قيل مرة : كفاك نصراً على عدوك أنه في معصية الله ، وهذا سماه العلماء النصر المبدئي ، في هذه الحروب الطاحنة التي توجه ضد المسلمين ، لو أن إنساناً في بيت صغير يعرف الله ، ويعبده عبادة متقنة ، ودخله حلال ، وربى أولاده ، وبيته إسلامي ، وعقيدته سليمة ، وجاءته قنبلة فأودت بحياته ، أنت تقول : مسكين ، مات بشظية طائشة ، لا ! ما دام مات وهو مؤمن فقد مات وهو موحّد ، فهو المنتصر ، لذلك يقول سيدنا علي رضي الله عنه : " لا أخوض حرباً المنتصر فيها شر من المنهزم " ، أحياناً المنتصر هو الشرير ، أنا لا أدعو إلى الضعف ، ولا أدعو إلى الفقر ، ولا أدعو إلى الاستسلام ، ولكن أدعو إلى الرضا عن الله عز وجل ، أدعو أن ترضى عن الله ، أدعو أن تعلم أن لله حكمة جليلة لو كشفت لرضيت بها ، أدعو إلى أن الله سبحانه وتعالى بيده كل شيء ، أدعو إلى أن الله سبحانه وتعالى يخبرنا أنه :

 

﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌ لَّكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾

( سورة البقرة الآية : 216 )

 لو بسطنا هذه الحقائق على ما يعانيه المسلمون في العالم كله الآن ، الحقيقة أن كل شيء وقع أراده الله ، هذه الأحداث والتداعيات بدأت من الحادي عشر من أيلول ، وقد قامت حروب ضد المسلمين في البقاع كلها .

 

هناك إقبال على الدين لأن في الإسلام خلاص العالم :

 النقطة الأولى أيها الأخوة ، هو أن هذه الحروب ، وهذه المضايقات ، وهذه الحصارات الاقتصادية ، هذا كله يؤدي إلى صحوة ، يؤدي إلى عودة إلى الله ، نحن مقصرون ، وأقول دائماً : هان أمر الله علينا فهنّا على الله ، فلذلك الله عز وجل يعالجنا ، ونحن في العناية المشددة ، وأقول لكم مرة ثانية : إن هناك مكتسبات ما كان يخطر على بال أحد أن تكون ، منها أن الإسلام قفز في العالم كله إلى بؤرة الاهتمام ، وأن العالم كله يراقب هذه الحرب الشعواء على المسلمين ، وهو يسأل : ما الإسلام ؟ هل تصدقون أن هذا الدين الإسلامي في العالم من حيث نموه هو أول دين في العالم ينمو ، والشيء الذي لا يصدق أنه بعد عشرين عاماً تقريباً يتوقع الخبراء أن يكون الإسلام هو الدين الأول في أوروبة ، فهناك إقبال على الدين ، لأن في الإسلام خلاص العالم .
 النقطة الدقيقة أيها الأخوة ، أن العالم قبل خمسين عاماً تقريباً كان فيه ثلاث كتل من القيم ، كتل الشرق ، وكتل الغرب ، والإسلام ، الشرق تداعى من الداخل ، والغرب بعد الحادي عشر من أيلول سقط كحضارة وبقي كقوة غاشمة ، الآن ليس على الساحة إلا الإسلام مع أننا ضعاف ، ومع أننا مستهدفون ، ومع أن العالم كله يحاربنا ، ولكن في الإسلام خلاص العالم ، هذا يدعونا إلى أن نستفيد من هذه الفرصة الذهبية ، وأن نقدم الإسلام في أبهى حلة ، وأن نطبقه ، وأن نعرضه أحسن عرض على الطرف الآخر ، وكل واحد منا هو مسلم ، هو سفير لهذا الدين ، هذا عن قوله تعالى :

 

﴿ قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ ﴾

 الآية التي بعدها :

 

﴿ وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (59)﴾

 أخواننا الكرام ، هذه الآية فيها دلالات كبيرة جداً ، أولاً مفاتح جمع مِفتح على وزن مِفعل ، مِبرد ، آلة الفتح ، أو مفتاح ، ومفاتح جمع مَفتح ، المكان الذي يُفتح ، يعني أداة الفتحِ اسمها مِفتح ، والخزانة الحديدية اسمها مَفتح ، فجمع مِفتح ، أو مَفتح مفاتح ، أو مفاتيح ، الله عز وجل يقول :

﴿ وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ ﴾

  لم يقل : مفاتح الغيب عنده ، لو قال : مفاتح الغيب عنده ، أي عنده وعند غيره ، هذه صياغة قصر :

﴿ وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ ﴾

 الغيب الذي غاب عنك ، هناك غيب الماضي ، وغيب الحاضر ، وغيب المستقبل ، أنت لا تعلم ماذا يجري الآن في حَلَب بالضبط ؟ لا تعلم ، هذا غيب الحاضر .

 

أنواع الغيب :

 قال تعالى :

 

﴿ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ (44)﴾

( سورة آل عمران الآية : 44 )

 وأنت لا تعلم أيضاً ماذا جرى قبل ألف عام في مكان ما من العالم ، ثم إنك لا تعلم ما سيكون بعد حين ، هذا غيب الحاضر والماضي والمستقبل ، غيب إخباري ، غيب الماضي وغيب المستقبل شيء ، وغيب الحاضر شيء آخر ، غيب الماضي وغيب المستقبل بُعده زماني ، أما غيب الحاضر فبُعده مكاني ، الآن ماذا يجري في أحد أحياء حلب ؟ لا ندري ، أما الغيب المطلق ، كما قال العلماء : هو غيب ذو نوعين ، غيب غاب عنك ويعرفه غيرك ، أوضح مثل لهذا أنك أضعت مفتاحاً وإنسان أخذه ، أنت لا تعلم أين هذا المفتاح ؟ غاب عنك مكانه ، لكن الذي أخذه يعلم مكانه ، هذا غيب إضافي ، فهناك غيب غاب عنك ويعلمه غيرك ، هذا غيب ، وهناك غيب غاب عنك ، وغاب عن غيرك ، ولكن الله سمح أن تعلمه بأسباب ، جميع المكتشفات العلمية ، وجميع القوانين التي اكتشفت هي غيب كانت ، لكن الله سبحانه وتعالى قال :

 

﴿ وَعَلَامَاتٍ (16)﴾

( سورة النحل )

 جعل لكل شيء غاب عنك علامة ، أنت لا تعلم أين الماء في باطن الأرض ؟ لكن هناك علامات تقليدية ، يأتون بقضيب رمان ، وهناك علامات حديثة ، هناك وسائل لمعرفة ماذا في باطن الأرض ، وقس على هذا كثيراً ، هناك أشياء غابت عنك وعني ، وشيء غاب عني ولم يغب عنك ، هذا نوع من الغيب ، وهناك غيب غاب عنك وعني ، لكن الله سبحانه وتعالى سمح أن نعرفه ، وجعل لهذه المعرفة وسائل ، فمن أخذ بها كشف هذا الغيب ، وجميع المخترعات والمكتشفات ، وجميع الومضات الإبداعية في العالم وفي تاريخ البشرية ، من هذا القبيل ، ولكن هناك غيب مطلق يغيب عنا جميعاً ، وليس له وسائل نعرفه ، وقد أراد الله ألا نعرفه ، فأنت بين غيب مضاف ، وغيب مشترك لكن له وسائل ، وبين غيب مطلق لا يعلمه إلا الله .

 

مصير كل إنسان غيب اختصّ الله به ذاته :

 لذلك أيها الأخوة ، أنت حينما تتقن هذه الحقائق لا تدخل نفسك في متاهة تقييم الأشخاص ، مصير كل إنسان لا يعلمه إلا الله ، أن توزع ألقاب الكفر والإيمان على من تشاء وعلى من تحب هذا تطاول على الله ، وهذا سماه العلماء تألّياً على الله ، هذا الآن إنسان عاصٍ ، غير مسلم ، وقد يدخل في دين الله ، وقد يكون أفضل منك عند الله في المستقبل .
 مصير كل إنسان غيب اختص الله به ذاته ، ولم يسمح لأحد أن يصل إليه ، والصحابة الكرام حينما لم يصلوا إلى مكة في صلح الحديبية وعادوا ، تألموا ألماً لا حدود له لكن الله رد عليهم فقال :

 

﴿ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ (25)﴾

( سورة الفتح الآية : 25 )

 أي يوجد في مكة أناس آمنوا ولكن كتموا إيمانهم ، ونساء آمنّ بالله وكتمن إيمانهن ، فأنتم إذا وصلتم إلى مكة قتلتموهم وأنتم لا تعلمون ، فشاءت حكمة الله ، وهو يعلم الغيب ، ويعلم أن هذا الإنسان مؤمن ، أو سوف يؤمن ، أو أنه قريب من الإيمان ، فأنت حينما تعرف أن هناك غيباً مطلقاً لا يمكن أن تعرفه لا أنت ولا غيرك هذا يجعلك مؤدباً ، وأوضح مثل على ذلك :

(( أَنَّ أُمَّ الْعَلَاءِ امْرَأَةً مِنْ الْأَنْصَارِ بَايَعَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهُ اقْتُسِمَ الْمُهَاجِرُونَ قُرْعَةً فَطَارَ لَنَا عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ ، فَأَنْزَلْنَاهُ فِي أَبْيَاتِنَا ، فَوَجِعَ وَجَعَهُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ ، وَغُسِّلَ ، وَكُفِّنَ فِي أَثْوَابِهِ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقُلْتُ : رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ أَبَا السَّائِبِ ، فَشَهَادَتِي عَلَيْكَ لَقَدْ أَكْرَمَكَ اللَّهُ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَمَا يُدْرِيكِ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَكْرَمَهُ ؟ فَقُلْتُ : بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَمَنْ يُكْرِمُهُ اللَّهُ ؟ فَقَالَ : أَمَّا هُوَ فَقَدْ جَاءَهُ الْيَقِينُ ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو لَهُ الْخَيْرَ ـ هذا الهدف ـ وَاللَّهِ مَا أَدْرِي وَأَنَا رَسُولُ اللَّهِ مَا يُفْعَلُ بِي ، قَالَتْ : فَوَ اللَّهِ لَا أُزَكِّي أَحَداً بَعْدَهُ أَبَداً ))

[البخاري عن ابن شهاب]

الله عز وجل لا يسمح لجهة أن تتألّه إلى أمد بعيد :

 إذاً هناك غيب يغيب عنك ولا يغيب عن غيرك ، هذا من شؤون حياتنا الدنيا ، وهناك غيب يغيب عنك وعن غيرك ولكن الله شاء أن تعرفه ، وضع له أسباباً ، وعلامات ، ووسائل عليمة ، فالغرب في هذا الباب تفوقوا علينا كثيراً ، كشفوا القوانين ، ووصلوا إلى المجرات ، وغاصوا في أعماق البحار ، ووصفوا ، وقالوا ، وألّفوا ، هذا التفوق ولا شك ، ونحن في حاجة إلى هذا العلم ، لكن هناك شيء استأثر الله به ، الآن ماذا يبنى على هذا الكلام ؟ أنا أقول لكم من دون حرج : إن الذي يتابع مثلاً برامج حول الأبراج يعد في نص كلام رسول الله كافراً :

(( مَنْ أَتَى كَاهِناً أَوْ عَرَّافاً فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ))

[أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالْحَسَنِ]

 من يتابع هذه البرامج للتسلية لم تقبل له صلاة أربعين صباحاً ولا أربعين ليلة :

(( مَنْ أَتَى عَرَّافاً فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ))

[مسلم عَنْ صَفِيَّةَ]

 ذلك لأنه يتوهم أن جهة تقول له في المستقبل : سوف تكون غنياً أو فقيراً ، من كان يظن أن هذا العملاق الشرقي الذي يملك من القنابل النووية ما يكفي لتدمير القارات الخمس خمس مرات ، كلام دقيق ، الكتلة الشرقية حينما كانت في أوجها ، وحينما كان هناك توازن قوى بين الكتلتين ، وكانت هذه نعمة ما عرفناها وقتها أبداً ، لا يستطيع معسكر أن يحرك غواصة ، يتصدى له المعسكر الثاني ، وهؤلاء الضعاف في العالم محميون بفضل هذا التنافس وهذا التوازن , وقد قال الله عز وجل :

 

﴿ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ (251)﴾

( سورة البقرة الآية : 251 )

 إلى آخر الآية ، أما الآن فالقطب واحد ، لا قيم ، ولا مبادئ ، ولا إنسانية ، ولا شيء من هذا القبيل ، يتفننون في إذلال الشعوب الضعيفة ، هذا من نتائج أن أصبح القطب واحداً مكان توازن القوى ، فلذلك هذا العملاق الشرقي الذي يملك من القنابل النووية ما يدمر بها القارات الخمس خمس مرات من كان يصدق أنه سيتداعى من الداخل ؟ ويصبح من أضعف الدول في العالم ، من كان يصدق ؟

((الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي ، وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي ، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِداً مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ ))

[أحمد في مسنده وأبو داود وابن ماجة عن أبي هريرة]

 لا تقنطوا من روح الله ، الله عز وجل لا يسمح لجهة أن تتألّه إلى أمد بعيد ، لها جولة وجولات ، ولكن لا بد لها من مصير أسود ، لأن الظلم ظلمات يوم القيامة ، أما نحن كوننا مسلمين :

 

﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139)﴾

( سورة آل عمران )

مهام المسلمين اليوم :

 قد تقول لي : كيف الخلاص ؟ أقول لك : ليس هناك حل أرضي الآن بحسب المدى المنظور ، لكن كيف أن الله عز وجل أنهى قوة في العالم تعد من أقوى القوى في التاريخ الحديث ، تلاشت من دون حروب ، من دون خسائر ، من الداخل ، فلعل الله سبحانه وتعالى يهيئ لهذا القطب الذي يتفنن في إذلال الشعوب ، وفي استباحة دمائهم ، وأعراضهم ، وأموالهم ، وثرواتهم سبباً لدماره ، على كلٍّ الآية التي تناسبنا الآن :

 

﴿ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (66)﴾

( سورة الزمر )

 مهمتك أن تعبد الله ، وأن تنتظر الخير منه كي تشكره عليه ، وانتهى الأمر ، وأن نعمل لتخفيف أعباء المسلمين بحمل همومهم ، لتحسين أوضاعهم ، لتزويج شبابهم ، لمعالجة مرضاهم ، لتأمين فرص عمل .
 أخواننا الكرام ، من بديهيات العقيدة أن الطرف الآخر إذا أراد إفقارنا ، العبادة الأولى كسب المال الحلال وإنفاقه في مصالح المسلمين ، والطرف الآخر إذا أراد إضلالنا ، العبادة الأولى ترسيخ معالم الدين ، والطرف الآخر إذا أراد إفسادنا ، العبادة الأولى صيانة شباب المسلمين وشابات المسلمين ، والطرف الآخر إذا أراد إذلالنا ، ينبغي أن نضحي بالغالي والرخيص ، والنفس والنفيس .

 

ما لم يكن انتماؤك إلى مجموع المؤمنين فلست مؤمناً :

 أيها الأخوة الكرام ، قلت مرةً لبعض الأخوة الكرام في جلسة : استمعوا إلى الأخبار ما شئتم ، وتابعوا دقائق الأخبار ، واستمعوا إلى تحليل الأخبار ، واستمعوا إلى ما بين السطور ، وما بين الكواليس ، ولكن لا تنسوا ثانية واحدة أن الله موجود وأنه بيده كل شيء ، وأن الله قادر على أن يقلب كل هذه الموازنات ، وكل هذه المعادلات في ثانية واحدة ، ولعل الله سبحانه وتعالى يخبئ لنا نصراً من عنده لا نرى أسبابه الآن ، لكن علينا أن نستقيم على أمر الله ، علينا أن نصلح شأننا ، أن نصلح بيوتنا ، علينا أن نربي أولادنا ، علينا أن نتعاون ، ذكرت لكم كيف أن المسلمين في فرقة ، وفي تشتت ، ينبغي أن نتعاون ، وأن نلغي هذه الخلافات فيما بيننا ، ينبغي أن نعد أنفسنا أمة واحدة ، قال تعالى :

 

﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌَ (10)﴾

( سورة الحجرات الآية : 10 )

 ما قال : إن جماعة فلان إخوة ، ولا قال : إن المذهب الفلاني إخوة ، قال :

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾

  وأنا أقول ، وأؤكد على هذا القول : ما لم يكن انتماؤك إلى مجموع المؤمنين فلست مؤمناً . إذاً :

 

﴿ وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ﴾

 مرة تروي القصص الطريفة أن ملكاً جباراً في العصور القديمة نقم على أحد الناس ، وكان يعمل نجاراً ، بل كان شيخ النجارين ، نقم عليه نقمة ما بعدها نقمة ، وطالبه بشيء لا يستطيع أن يقدمه ، طالبه بمئة كيس نشارة خلال عشر ساعات ، وهذه لا تجتمع لديه في خمس وعشرين سنة ، فإن لم يأتِ بها قتله ، فهم ـ كما يجري الآن أن ذئباً التقى بحمل في حمام ماء وبلاط ، فقال الذئب للحمل : أنت تغبّر عليّ ، قال : تعال كُلني وأرحني ، أين الغبرة ، بلاط وماء فقط ، قال له : أنت تغبّر عليّ ، فقال له : تعال كُلني وأرحني ـ فهذا الملك الجبار الطاغية أراد أن يفتك بهذا النجار ، طالبه بشيء فوق طاقته ، كما يجري معنا الآن ، كلما خرجنا من تهمة تأتي تهمة ثانية ، فهو فهم أنه في قتل محقق صباحاً ، كتب وصية ، وودع أولاده وأقرباءه ، وأنهى كل شيء ، طبعاً في الفجر طرقوا بابه ليقتلوه ، جهز نفسه ، قالوا له : تعال ، فقد مات السلطان ، تعال اصنع تابوتاً له . هذه قصة رمزية ، لكن لها معنى ، تعال اصنع تابوتاً له .

 

نحن في عهدة الله عز وجل وفي رعايته فعلينا أن نطيع الله :

 ذات مرة ـ أيضاً قصة رمزية ـ امرأة متقدمة في السن على مشارف الموت ، التقت بسيدنا نوح عليه السلام ، قالت له : يا نوح ، متى الطوفان ؟ لا تنساني عند الطوفان ، يبدو أن هذا النبي الكريم ـ والقصة رمزية ـ جاء الطوفان ونسيها ، والسفينة في أمواج عاتية تذكر هذه المرأة ، طبعاً أيقن أنها ماتت ، فلما انتهى الطوفان جاءته ، وقالت : يا نوح متى الطوفان ؟ فإذا كان سيدنا نوح نسي فالله لا ينسى ، فنحن في عهدة الله عز وجل ، وفي رعايته ، فعلينا أن نطيع الله ، علينا أن نقدم سبب الحفظ ، الله يحفظ بلادنا .
 أخواننا الكرام ، الذي يجري في العراق لا يصدق ، لا أمن ، ولا طعام ، ولا شراب ، ولا كهرباء ، ولا وقود ، ولا شيء إطلاقاً ، قتل يومي ، وترون وتسمعون ، ادعوا الله أن يحفظ بلادنا من الفتن .

 

﴿ وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ﴾

 طبعاً ماذا في البر ؟ تجد بلاداً فقيرة يكاد أهلها يموتون من الجوع ، فجأة يكتشف فيها النفط ، صار عندهم غنى يفوق حد الخيال ، هذا شيء ملموس ، أنا مرة سافرت إلى بلد إفريقي فقير جداً ، لا طعام ، ولا شراب ، ولا كساء ، ولا تعليم ، وهذا الشيء في جنوب السودان ، وسافرت بعد أسبوعين لحكمة أرادها الله إلى بلد نفطي ، رأيت من ألوان البذخ ما لا يتصور ، وهذا البلد النفطي كان فقيراً كجنوب السودان ، اكتشف النفط فصار هناك غنى ،

 

﴿ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ﴾

  والآية الكريمة :

 

﴿ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (6)﴾

( سورة طه )

 أحيانا تكشف ثروات تفوق حد الخيال ، إذاً :

﴿ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ ﴾

 في الأمر حكمة ، سبحان الله ‍‍‍‍! هذه البلاد غير المتعلمة الجاهلة المتخلفة عندها ثروات كبيرة جداً ، والبلاد الذكية جداً والمتعلمة جداً ما عندها ثروات ، لو كانت الثروات عندهم لمتنا جميعاً ، لكن الله عز وجل يقيم توازناً ، يعطي هؤلاء المقصرين بعض الثروات ، ويعطي هؤلاء المتفوقين قلة الثروات ، فهؤلاء يعطون إلى هؤلاء ، وهكذا .

 

كل ما يجري في العالم يعلمه الله مهما كان صغيراً :

 

 

الآية الكريمة :

 

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا (13)﴾

( سورة الحجرات الآية : 13 )

 أما الذي حصل : لتتقاتلوا ، الآية لتعارفوا ، لا لتتقاتلوا ،

﴿ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ﴾

 البحر الآن هناك مليون نوع من السمك ، لا زال البحر فيه عجائب قد لا تصدق ، البحر شيء مذهل ، فيه ملح مثلاً ، لو جفف هذا الملح ووضع على اليابسة في كل أنحاء اليابسة في الخمس القارات لكانت سماكة الملح مئة وتسعة وخمسون متراً ، في الخمس قارات، السماء ينزل منها ثمانية عشر مليار طن في كل ثانية على مدار العام ماء ،

﴿ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ﴾

  ونحن نجد أن الأمطار دون المعدل ، الآن مئة وسبعون ومعدلنا مئتان واثنا عشر ، اكتشفوا سحباً في الفضاء الخارجي يمكن أن تملأ المحيطات الأرضية كلها ستين مرة في أربع وعشرين ساعة بالماء العذب ، لذلك :

 

﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (21)﴾

( سورة الحجر الآية : 21 )

﴿ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ﴾

  لكن هناك ملمح دقيق في الآية :

﴿ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا ﴾

  ورقة زيتون أدت مهمتها ، وجاء دور سقوطها ، وسقطت ، كيف سقطت ؟ وكيف اتجهت ؟ وكيف ساقتها الرياح إلى مكان آخر ؟ يعلمها ، ما الحكمة من هذه الآية ؟ ورقة زيتون إذا سقطت لا تقدم ولا تؤخر ، أو أي ورقة ، في الخريف الأوراق كلها تسقط ، ورقة سقطت ، ما الذي حدث ؟ لا شيء أبداً ، هذه يعلمها ، وما يجري في العالم من حروب لا يعلمها الله ؟! وما يجري من عدوانات لا يعلمها الله ؟! ما يعانيه البشر أحياناً من فقر لا يعلمه الله ؟! ما يعانونه من قهر لا يعلمه الله ؟! الله عز وجل أراد أن يخبرنا أنه إذا كان يعلم سقوط ورقة فما قولك فيما فوقها ؟! وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله ، إذا كان سقوط ورقة يعلمها ، فكيف بالحادي عشر من أيلول ، مثلاً ، يعلمه ، غزو أفغانستان يعلمه ، غزو العراق يعلمه ، ما يجري في فلسطين يعلمه ، الله عز وجل يقرب لك ، هذا الشيء الذي لا يقدم ولا يؤخر ، وليس له أي معنى ، ولا حكم شرعي ، ولا ظلم فيه ، ورقة تسقط يعلمها ، إذا فكيف بما فوقها ؟!!

 

خالق هذا الكون لا يعقل أن يدع عباده من دون تصفية حسابات :

 قال عليه الصلاة والسلام :

(( دَخَلَتْ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا ، فَلَمْ تُطْعِمْهَا ، وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ ))

[متفق عليه عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا]

 علق على هذا الحديث الشريف الصحيح ، فما قولكم فيما فوق الهرة ؟ هرة حُبست ، لم تقتل فماتت جوعاً ، فصاحبة هذه الهرة سوف تدخل النار ، فالذي يبيد الشعوب ، ويقصف البلاد باليورانيوم المخصب ، الذي يبقى تأثيره المؤذي أربعمئة وخمسين ألف عام ، يؤثر في الطعام والشراب والنباتات ، وهذا الإنسان الذي أمر بهذا القصف لا يحاسب ؟!

 

﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (36)﴾

( سورة الواقعة الآية : 36 )

 وقال :

 

﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115)﴾

( سورة المؤمنون الآية : 115 )

 لذلك رحم الله ابن القيم الجوزية هو وحده يرى أن الإيمان باليوم الآخر دليله عقلي لا نقلي ، خالق هذا الكون لا يعقل أن يدع عباده من دون تصفية حسابات .

 

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92)عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93)﴾

( سورة الحجر)

 وقال :

 

﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42)﴾

( سورة إبراهيم)

علامة ضعف الإيمان الشكوى :

 لذلك أيها الأخوة ، أقدم لكم بشارة : إن لم تكن طَرفاً في مؤامرة قذرة هدفها إفقار المسلمين ، أو إضلالهم ، أو إفسادهم ، أو إذلالهم ، أو إبادتهم ، فأنت ملك ، إذا لم تكن لك علاقة بما يجري الآن من انتهاك للحرمات ، ومن نهب للثروات ، ومن أعمال يندى لها الجبين ، فأنت من الناجين إن شاء الله ، وإنْ لم يكن لك شأن كبير في المجتمع .
 قال ملك لوزيره : " من الملك ؟ قال له : أنت ، ملك جبار ، قال له : لا ، الملك رجل لا نعرفه ولا يعرفنا ، له بيت يؤويه ، وزوجة ترضيه ، ورزق يكفيه ، إنه إذا عرفنا جهد في استرضائنا ، وإن عرفنا جهدنا في إحراجه " ، فإذا كنت تتمتع بصحة ، ولك دخل يغطي نفقاتك فقط فأنت ملك .
 واللهِ كنت قبل يومين في عيادة إنسان أصابه مرض عضال ، وهو في ريعان الشباب ، خرجت من عنده والله الذي لا إله إلا هو ، وقلت : لو أن الله أتم عليك الصحة ، ولا تملك من الدنيا شيئاً إلا رغيف خبز تأكله ظهراً من دون إدام لكنت ملِكاً .
 نعمة الصحة لا تعدلها نعمة على الإطلاق ، تأتي بعد الهدى ، الهدى ، فالصحة ، فالكفاية ، لذلك وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ :

(( مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِناً فِي سِرْبِهِ ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا ))

[الترمذي وابن ماجه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مِحْصَنٍ الْخَطْمِيِّ]

 الشيطان حينما يأتي الإنسان ، يقول الله عز وجل :

 

﴿ ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ (17)﴾

( سورة الأعراف الآية : 17 )

 لكن النقطة الدقيقة :

 

﴿ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17)﴾

( سورة الأعراف )

 علامة ضعف الإيمان الشكوى دائماً ، يكون عنده بيت ، وله زوجة وأولاد ، وله دخل ، عنده عدة مشكلات ، دائماً يشكو ، ويتأفف ، ويتبرم ، وهذا الذي يشكو ضعيف الإيمان اشكر ما أعطاك الله أولاً ، وانظر ما الذي ينقصك ثانياً ، قال تعالى :

 

﴿ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾

 الرطب أيّ شيء فيه حياة ، واليابس ما ليس فيه حياة ، الحي وغير الحي يعلمه الله عز وجل ،

﴿ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾

  كل كائن حي ، نبات أو حيوان أو إنسان ، وكل جماد هو في علم الله ، والله عز وجل يبيّن ذلك ، لا تقلق ، إذا كان سقوط ورقة في علم الله فما قولك بما فوق الورقة ؟ زواجك ، صحتك ، مستقبلك ، عملك ، هذه أشياء أهم بكثير ، يبين لك أن سقوط الورقة في علم الله ، ألا يعلم وضعك المادي ؟ ألا يعلم أنك بحاجة إلى زواج ؟ ألا يعلم أنه ليس لك عمل ولا دخل ، ألا يعلم أنك محمل بأعباء كبيرة ؟ أنت حينما تعلم أن الله يعلم تنزاح عنك معظم الهموم .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018