الدرس : 16 - سورة الأنعام - تفسير الآيات 51-53 ، ابتغوا الرفعة عند الله - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 16 - سورة الأنعام - تفسير الآيات 51-53 ، ابتغوا الرفعة عند الله


2005-04-08

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
أيها الأخوة الكرام ، مع الدرس السادس عشر من دروس سورة الأنعام .

الذي أغلق سمعه وبصره عن الحق هذا لا سبيل إلى هدايته لأنه قرّر ألا يؤمن :

مع الآية الواحدة والخمسين ، وهي قوله تعالى :

 

﴿ وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (51)﴾

أيها الأخوة الكرام ، لأن الله سبحانه وتعالى قال :

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6)﴾

( سورة البقرة )

الذي أغلق سمعه وبصره ، أغلق سمعه عن سماع الحق ، وجعل على بصره غشاوة عن رؤية الحق ، هذا لا سبيل إلى هدايته ، لأنه قرّر أن لا يؤمن ، وقد قال بعض المفكرين : لم أجد أشد صمماً من الذي يريد ألا يسمع .

 

﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً (43)﴾

( سورة الرعد الآية : 43 )

إذاً : الإنسان حينما يبحث عن الحقيقة ، حينما يحاسب نفسه ، حينما يسأل : من أين ؟ وإلى أين ؟ ولماذا ؟ حينما يبحث عن سر وجوده ، لماذا أنا في الدنيا ؟ ماذا يراد مني ؟ ماذا بعد الموت ؟ ما الذي يرضي الذي خلقني ؟ حينما يبحث الإنسان عن إجابات لأسئلة كبيرة ، هذا أنذره يا محمد ، هذا ينتظر أن يستجيب لك .

 

آيات تؤكد أنه يستحيل أن تعرف الحقيقة وأنت لا تطلبها :

الذي يبحث عن شهوته فقط هذا جعل على بصره غشاوة وجعل في أذنيه وقراً ، والقرآن كما قال الله عز وجل :

 

﴿ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى (44)﴾

( سورة فصلت الآية : 44 )

وقال :

 

﴿ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَاراً (82)﴾

( سورة الإسراء )

وقال :

 

﴿ وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (198)فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (199)﴾

( سورة الشعراء )

إذاً يستحيل أن تعرف الحقيقة وأنت لا تطلبها ، يستحيل أن تضع يدك على الحق وأنت لا تبحث عنه ، وهذا المعنى الدقيق تؤكده آيات كثيرة :

 

﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (49)﴾

( سورة آل عمران الآية : 49 )

قد يقول أحدكم : أنا أؤمن بالآيات أما إذا كنتُ مؤمناً من قبل أنتفع بهذه الآيات ، ما معنى هذا الكلام ؟ معنى هذا الكلام أنه ما لم تتخذ قراراً بمحض اختيارك في البحث عن الحقيقة فلن تنتفع بالحقيقة ، فلذلك أنا أشبه الإنسان الذي لا يفهم الحقيقة بآلة تصوير غالية جداً التقطتَ بها أجمل المناظر ، ولكن هذه الآلة ليس فيها فيلماً يستقبل هذه الصور .

 

الله عز وجل تولى هداية كل باحث عن الحقيقة :

بعض المسلمين يريد أن يقول : إن هؤلاء الذين اخترعوا هذه المنجزات حتماً هم في الجنة ، من جعلك وصياً على البشر ؟ هو أراد الثروة فقط ، أراد الشهوة فقط ، أراد التفوق في الدنيا فقط ، لماذا تحمِّله ما لا يطلب ؟ لماذا تقحمه فيما لا يريد ، لست وصياً على أحد ، تقييم العباد من شأن خالق العباد ، استرح وأرح ، نحن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر ، لذلك يقول الله عز وجل :

﴿ وَأَنْذِرْ بِهِ ﴾

أي بالقرآن ،

﴿ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ ﴾

قال بعض أصحاب النبي رضوان الله تعالى عليهم : " أوتينا الإيمان قبل القرآن " أي بحثنا عن الحقيقة فوصلنا إليها ، من هذا يتضح أن الله عز وجل حينما قال :

 

﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69)﴾

( سورة العنكبوت )

أنت حينما تسأل : يا رب أين الحق ؟ يتولى الله أن يهديك إليه ، هذا الطلب العميق ، هذا الطلب تنطوي عليه ، الله عز وجل تولى هدايتك ، قال تعالى :

 

﴿ إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (12)﴾

( سورة الليل )

الله عز وجل تولى هداية كل باحث عن الحقيقة ، فلذلك مما يطمئن الإنسان قوله تعالى :

 

﴿ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ (23)﴾

( سورة الأنفال الآية : 23 )

لا تقلق على البشر ، لو أن إنساناً في أطراف الدنيا طلب الحقيقة لساقه الله إليها ، أو لساقها إليه ، هذه حقيقة مقطوع بها ، لأن الله تولى هداية الخلق ، هو خلقهم ليسعدهم ، خلقهم ليهديهم إليه ، خلقهم ليدفعهم إلى بابه ، خلقهم ليكونوا سعداء في الدنيا والآخرة ، قال تعالى :

 

﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ (119)﴾

( سورة هود الآية : 119 )

معنى التوحيد :

لا تصغوا إلى من يقول : الله عز وجل خلقنا ليعذبنا ، هذا كلام الشيطان ، هذا كلام مرفوض ، الله عز وجل خلقنا ليسعدنا ، خلقنا ليهدينا إليه .
" إني والإنس والجن في نبأ عظيم ، أخلق ويعبد غيري ، وأرزق ويشكر سواي، خيري إلى العباد نازل ، وشرهم إلي صاعد ، أتحبب إليهم بنعمي ، وأنا الغني عنهم ، ويتبغضون إلي بالمعاصي ، وهم أفقر شيء إلي ، من أقبل علي منهم تلقيته من بعيد ، ومن أعرض علي منهم ناديته من قريب ، أهل ذكري أهل مودتي ، أهل شكري أهل زيادتي ، أهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي ، إن تابوا فأنا حبيبهم ، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم ، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب ، الحسنة عندي بعشرة أمثالها ، وأزيد ، والسيئة بمثلها وأعفو ، وأنا أرأف بعبدي من الأم بولدها " .

[ورد في الأثر]

إذاً أيها الأخوة ،

﴿ وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ ﴾

هؤلاء يصغون إليك ، هؤلاء يرجى أن يستجيبوا ، هؤلاء يرجى لهم أن ينجو من عذاب الدنيا وعذاب الآخرة ،

﴿ وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ ﴾

هذا هو التوحيد ، هم يعلمون علم اليقين أن الله وحده هو الذي يحفظهم ، وأنك مهما كنت قوياً ومهما كنت غنياً فلا ينفعك غناك ولا قوتك عند الله عز وجل ، لا ينفعك إلا استقامتك وإتباعك للحق ، لذلك الله عز وجل وحده لا منجى منه إلا إليه .
نعوذ برضاك من سخطك ، لا منجى منه إلا إليه ،

﴿ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ ﴾

يتولى أمرهم ،

﴿ وَلَا شَفِيعٌ ﴾

يشفع لهم ، لذلك يوم القيامة يأتي الناس فرادى ، أما في الدنيا فيتواطئون ، ويتآمرون ، ويدعمون بعضهم على باطل .

 

المؤمن وقَّاف عند كتاب الله تعالى :

ذكرت اليوم أن بيتين من الشعر يفسران تناقضات العالم اليوم :

قتلُ امرئ في غابة جـريمة لا تغتفر
وقـتلُ شعب مسلم مـسألة فيها نظر
***

الناس يتواطئون مع القوي ، يخافون بطشه ، أو يرجون ما عنده ، فيضعون تحت أقدامهم قناعاتهم ، لكن يوم القيامة يأتي الناس فرادى ، كل إنسان سوف يأتي ربه فرداً ، لا معين ، ولا نصير ، ولا ولي ، وقد ورد في بعض الآثار " أنه قد تقع عين الأم على ولدها يوم القيامة ، تقول : يا بني ، قد جعلت لك بطني وعاءً ، وصدري سقاءً ، وحجري غطاءً ، فهل من حسنة يعود خيرها علي اليوم ؟ يقول : ليتني أستطيع ذلك يا أماه ، إنما أشكو مما أنت منه تشكين " .
لذلك :

﴿ وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ ﴾

هذه النفس اللوامة ، هذه النفس التي تقلق لذنب ألمت به ، هذه النفس التي تحاسب ذاتها ، هذا الذي يتحرك حركة عشوائية ، هو دابة عند الله عز وجل ، أما المؤمن فوقّاف عند كتاب الله ، النفس اللوامة تحاسب نفسها حساباً عسيراً ، ومن حاسب نفسه في الدنيا حساباً عسيراً كان حسابه يوم القيامة يسيراً ، ومن حاسب نفسه في الدنيا حساباً يسيراً كان حسابه يوم القيامة عسيراً ، لذلك رأس الحكمة مخافة الله ، كلما ازددت علماً بالله ازددت خوفاً منه ، لأنك تعرف عن عدالته شيئاً كثيراً ، تعرف أنه الحق ، وأنه العدل ، وأن الناس يوم القيامة تسوى حساباتهم ، يؤخذ للمظلوم من الظالم ، ولو يعلم الظالم في الدنيا كم سيأخذ المظلوم من الله لما ظلمه .
مرةً قال أحدهم لشخص : لقد اغتبتني ، قال : ومن أنت حتى أغتابك ؟ من أنت ؟ لو كنت مغتاباً أحداً لاغتبت أبي وأمي ، لأنهم أولى بحسناتي منك .
الظالم لو علم يوم القيامة ما سيأخذ هذا المظلوم من الله لظن أنه سيظلمه في الدنيا .

 

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92)عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93)﴾

( سورة الحجر )

(( لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ مِنْ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ ))

[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 

لو أن شاة قرناء نطحت شاة جلحاء بلا قرون لأُخِذ حقها يوم القيامة ، لو أن إنساناً اصطاد عصفوراً ـ دققوا ـ لغير مأكلة ، للتسلية ، لأن هوايته الصيد ، أتى يوم القيامة له دوي تحت العرش ، يقول : يا رب ، سله لمَ قتلني ؟

 

العبرة أن تكون عند الله مرضياً :

والله أيها الأخوة ، لو يعلم الناس ماذا ينتظرهم من حساب دقيق لعدوا للمليار قبل أن يظلموا مخلوقاً ، شعوب تُقتل بأكملها ، في آخر الزمان ظلم لا يعلمه إلا الله ، أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم :

(( تُمْلَأُ الْأَرْضُ جَوْراً وَظُلْماً ، فَيَخْرُجُ رَجُلٌ مِنْ عِتْرَتِي يَمْلِكُ سَبْعاً أَوْ تِسْعاً ، فَيَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطاً وَعَدْلاً ))

[ أحمد عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ] .

أيها الأخوة ، هذا الذي يخاف أن يُحشر إلى الله فيسأل ، هذا مظنة خير ، يا محمد، توجّه لهذا الإنسان ، وقد قال الله عز وجل :

﴿ فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (9)﴾

( سورة الأعلى )

لقد أسمعت لو ناديت حيـاً ولكن لا حياة لمن تنادي
ولو ناراً نفخت بها أضاءت ولكنك تنفخ في رمـادِ
***

المؤمن يرى أن الأمر بيد الله وحده ، وأن كل الناس لو أثنوا عليك ولم تكن عند الله مرضياً فلا قيمة لثنائهم ، ولو أن الناس جميعاً غضبوا عليك ولم تكن عند الله مغضوباً لما أثّروا عليك إطلاقاً ، العبرة أن تكون عند الله مرضياً .

 

﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (54)فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (55)﴾

( سورة القمر )

سبب نزول الآية التالية :

أيها الأخوة ، الآن في هذه الآية التالية :

 

﴿ وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (52)﴾

( سورة الأنعام )

زعماء قريش ، سادة قريش ، عليةُ القوم في قريش ، لما رأوا أن الذين حول النبي e فقراء ، من دهماء الناس ، ومن سُوقتهم ، من المستضعفين ، وهناك مصطلح جاهلي من الصعاليك ، يعني الإنسان الفقير ، إنساناً في الدرجة الدنيا في المجتمع ، لا يأبه له ، لا يفتقد إذا غاب ، ولا يعرف إذا حضر ، أشعث أغبر ذو طمرين ، مدفوع بالأبواب ، لما رأى سادة قريش ، وزعماء قريش ، وكبراء قريش ، الأقوياء ، الأغنياء ، الذين أتاهم الله مالاً ، وجاهاً ، وشأناً ، وقوةً ، رأوا ضعافاً حول النبي e من أراذل القوم ، أي من فقرائهم .

 

﴿ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ (27)﴾

( سورة هود الآية : 27 )

أبوا أن يجلسوا في مجلس النبي e ، وقالوا : يا محمد ، إن أردت أن نأتيك فينبغي أن تطرد هؤلاء ، لأننا لا نجتمع وإياهم في مكان واحد ، أو لأن اجتماعنا بهم يزري بنا ، ويذهب هيبتنا ، نحن في مستوى رفيع ، وهم في مستوى وضيع ، فيا محمد ، إن أردت أن نأتيك فاطرد هؤلاء ،

﴿ وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ ﴾

فلما أبى النبي e ذلك ، هؤلاء أرادوا وجه الله عز وجل ، أعطوه حلاً وسطاً ، إن أردت أن نأتي إليك فاجعل لنا وقتاً ولهم وقتاً ، إن خرجنا من عندك فاسمح لهم بالدخول إليك ، النبي عليه الصلاة والسلام لشدة حرصه على هداية الخلق ، ولأنه تصور وهو أحب الخلق جميعاً أن هؤلاء الكبار إذا أسلموا كل أتباعهم سيُسلمون ، فكأنه مال إلى أن يقبل حلهم الوسط ، أن يكون لهؤلاء الكبراء مجلس ولهؤلاء الضعفاء والفقراء مجلس آخر ، لكن جاء العتاب الإلهي .

 

عتاب الله عز وجل نوعان :

يجب أن نعلم علم اليقين أن عتاب الله عز وجل نوعان ، عتاب لك ، وعتاب عليك ، ما معنى عتاب لك ؟
لو أن أباً رأى ابنه يدرس ، ويدرس ، ويدرس حتى وصل في الدراسة إلى درجة أنه لم ينَمْ ، يعتب عليه ، يقول له : يا بني ، ينبغي أن تنام قليلاً ، ينبغي أن تتلطف بجسمك ، هو مطيتك ، هو يعتب عليه أم يعتب له ؟ يعتب له ، وثمة فرق كبير ، أما لو رآه لا يدرس إطلاقاً ، يضيع وقته ، يمشي في الطرقات ، يهمل واجباته المدرسية ، يعتب عليه ، فإذا عتب الله على النبي صلى الله عليه وسلم فهو يعتب له ، فلشدة حرص النبي e على هداية قومه ، لحرصه الكبير على أن يأخذ بيدهم إلى الله ، لطمع النبي e أن هؤلاء الكبار إذا أسلموا لَحِقهم في الإسلام أتباعهم ، من هنا بدا للنبي صلى الله عليه وسلم أن يقبل العرض الثاني ، ولكن الله عتب له ، وقال : يا محمد دعك منهم ، لا خير فيهم ، اشتغل لهؤلاء الفقراء ، لهؤلاء الذين يريدون وجه الله عز وجل .
لذلك نحن في الدنيا أخواننا الكرام من حركة الحياة ظهرت قيم اصطلح الناس عليها في الدنيا ، الغني يُعظم ولو ارتكب أخطاء كبيرة ، والقوي يُعظم ، والذكي يُعظم ، والوسيم يُعظم ، والصحيح يُعظم ، الذكاء ، والوسامة ، والصحة ، والقوة ، والغنى ، هذه قيم البشر اصطلح الناس على أن يقيّموا بعضهم بها ، ولكن القرآن الكريم لم يعتمد هذه القيم ، اعتمد قيماً أخرى ، قال تعالى :

 

﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ (11)﴾

( سورة المجادلة الآية : 11 )

وقال :

 

﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً (113)﴾

( سورة النساء )

وقال :

 

﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا (132)﴾

( سورة الأنعام الآية : 132 )

قيمتان لا ثالث لهما ، قيمة العلم وقيمة العمل ، هذه القيم التي اعتمدها القرآن الكريم في الترجيح بين الخلق ، لذلك ينبغي أن نقول : لا يمكن أن تنهض أمة إلا إذا اعتمدت قيم القرآن ، أما قيم الحسب والنسب ، وقيم المال والغنى ، وقيم القوة والبطش ، فهذه قيم لم يعتمدها القرآن ، ولم يقبلها .

 

ابتغوا الرفعة عند الله :

قال تعالى :

 

﴿ وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ﴾

يريدون وجه الله ، يريدون ذاته ، إلهي أنت مقصودي ورضاك مطلوبي ، يريدون ما عنده من نعيم مقيم ، يريدون رضوانه ، يريدون قربه ، يريدون أن يرضى عنهم ، هؤلاء لو كانوا بالمقياس الأرضي في الدرجة الدنيا من السلم الاجتماعي هم عند الله في أعلى مكان ، وفي أعلى مرتبة لذلك : ابتغوا الرفعة عند الله .

(( كَمْ مِنْ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ ، لَا يُؤْبَهُ لَهُ ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ ))

[الترمذي عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]

واللهِ مرة كنت في مؤتمر في المغرب ، وهذا المؤتمر في فندق من أرقى الفنادق هناك ، استمعت صباحاً إلى صلاة جهرية ، إلى صلاة فجر من مستخدَم في الفندق ، وقد آتاه الله صوتاً شجياً ، صلى الفجر بصوت مرتفع ، واستمعت إليه ، جاءني خاطر ، قلت : لعل هذا الإنسان الذي لا يؤبه له في هذا الفندق الذي فيه كبراء القوم أن تكون قلامة ظفره عند الله تعدل ألف رجل من كبراء الدنيا .

الفرق بين الكفار والمؤمنين كما وردت في القرآن الكريم :

أخواننا الكرام ، مقاييس الدنيا لا يعبأ الله بها ، لذلك آتى قارون المال وهو لا يحبه ، وآتى فرعون الملك وهو لا يحبه ، فماذا آتى الأنبياء ؟ آتاهم العلم والحكمة .

 

﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (16)﴾

( سورة القصص )

لذلك يقول الله عز وجل :

 

﴿ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (9)﴾

( سورة الزمر الآية : 9 )

والله عز وجل يقول :

 

﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ (18)﴾

( سورة السجدة )

ويقول الله عز وجل :

 

﴿ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35)﴾

( سورة القلم )

ويقول :

 

﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (61)﴾

( سورة القصص )

وقال :

 

﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ (21)﴾

( سورة الجاثية الآية : 21 )

الدنيا مزرعة الآخرة فمن عرف ربه واستقام على منهجه وسعى إلى مرضاته فهو الفائز :

أنا أتمنى أن هذا المؤمن المطيع لله أن تكون معنوياته في أعلى درجة ، هو عبد لله صالح .

 

﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139)﴾

( سورة آل عمران )

ينبغي ألا نعجب لا بأموالهم ولا بأولادهم ، هؤلاء الذين شردوا عن الله عز وجل وتغطرسوا ، واستعلوا ، واستكبروا ، ونظروا بازدراء إلى المؤمن ، ينبغي ألا نعبأ لا بقوتهم، ولا بجبروتهم ، ولا بأموالهم ، ولا بما عندهم من إنجازات حضارية ، ينبغي أن نعلم علم اليقين أن هذه الدنيا مزرعة الآخرة ، فمن عرف ربه ، واستقام على منهجه ، وسعى إلى مرضاته فهو الفائز ، قال تعالى :

 

﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً (71)﴾

( سورة الأحزاب )

وقال :

 

﴿ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (185)﴾

( سورة آل عمران )

إذاً يا محمد ، أنت اجتهدت لحرصك على هداية الخلق ، اجتهدت أن هؤلاء الكبراء لعلهم يسلمون ، لعلهم يؤمنون ، لأنهم كبراء لعل من حولهم يقلدونهم ، ولكن لا تعبأ بهم ، احرص على هؤلاء الضعاف ، على هؤلاء الفقراء ، هم يبتغون وجه الله عز وجل .

 

دع تقييم الناس لله وحده لا تحاسَبُ عنهم ولا يحاسبون عنك :

أحياناً الغني إن أراد أن يستمع إلى الحق يضيف إلى متعه متعة روحية ، هو لا يغيّر ولا يبدّل ، ولا يدع المعاصي والآثام ، لكن يريد أن يضيف إلى أمجاده أنه في عقد قران ابنته دعا فلاناً ، وألقى كلمة ، قد يكون ماله حراماً ، وقد تكون علاقاته ليست كما ينبغي ، الإنسان ما لم يستجب لله عز وجل ولرسوله فلا شأن لهذا الإنسان ولو كان غنياً أو قوياً .
مرة أقيم عرس في فندق كبير ، وكلف بضع عشرات من الملايين ، وقد وزع الخمر ، وجيء بالراقصات ، إلى ما لا نهاية من المعاصي والآثام ، وعلى بطاقة الدعوة كُتِبَ " الطيبون للطيبات " !!

 

﴿ وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾

إن عليك إلا البلاغ ، أنت لست مكلفاً أن تحاسبهم ، لأن هناك من يقول : إن هؤلاء الضعاف مظلومون ، لجؤوا إليك كي تحل مشكلاتهم ، من يعلم ذلك ؟ قد يأتي إنسان إلى مسجد ، فيقول إنسان خصم له : ما جاء إلا لينتفع ، من قال لك ذلك ؟ أنت شققت على صدره ؟ تعلم الغيب ؟ تعلم ما أخفاه الله عن كل الخلق ؟ لا تكن وصياً على الخلق ، دع تقييم الناس لله وحده ، لا تحاسَبُ عنهم ، ولا يحاسبون عنك ، لا تُحاسَب عنهم لأن الله أمرك أن تقيِّم الناس بالظاهر والله يتولى السرائر .

 

كلمة فتنة ليست مذمومة لذاتها بل مذمومة لنتائجها :

أيها الأخوة ، قال تعالى :

 

﴿ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (52)وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (53)﴾

( سورة الأنعام )

الله عز وجل منح إنساناً صحة وابتلى إنساناً بالمرض ، الصحيح يفتن بصحته والمريض يفتن بمرضه ، الصحيح يفتن بصحته فيشكر الله على نعمة الصحة ، والمريض يفتن بمرضه فيصبر ، ابتلى إنساناً بالغنى وإنساناً بالفقر ، كلمة فتنة ليست مذمومة لذاتها ، بل مذمومة لنتائجها ، فتنة أي امتحان ، قال تعالى يخاطب سيدنا موسى :

 

﴿ وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً (40)﴾

( سورة طه الآية : 40 )

امتحنت فنجحت ، فالإنسان ممتحن في شيئين ؛ ممتحن فيما أوتي ، وممتحن فيما زُوِيَ عنه ، إن كان غنياً فهو ممتحن بالغنى ، وإن كان فقيراً فهو ممتحن بالفقر ، وإن كان قوياً فهو ممتحن بالقوة ، وإن كان ضعيفاً فهو ممتحن بالضعف ، فأنت ممتحن فيما زُوِيَ عنك وممتحن فيما أوتيتَ ، ممتحن مرتين ، فلذلك الغني قد ينجح في الامتحان وقد لا ينجح ، والفقير قد ينجح وقد لا ينجح ، فالعبرة ليست في الامتحان بل في النتيجة ، ربما نجح الفقير في امتحان الفقر ولم ينجح الغني في امتحان الغنى ، فاستحق الفقير جنة عرضها السماوات والأرض ، واستحق الغني الذي لم ينجح في امتحان الغنى عذاباً أليماً إلى أبد الآبدين ، فالعبرة ليست في نوع الفتنة بل في نتيجة الفتنة ؛ النجاح ،

﴿ وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ ﴾

إذاً نحن ممتحنون فيما زُوِيَ عنا ، وفيما منحنا إياه ، من هنا من أدعية النبي صلى الله عليه وسلم :

(( اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي حُبَّكَ ، وَحُبَّ مَنْ يَنْفَعُنِي حُبُّهُ عِنْدَكَ ، اللَّهُمَّ مَا رَزَقْتَنِي مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ قُوَّةً لِي فِيمَا تُحِبُّ ، اللَّهُمَّ وَمَا زَوَيْتَ عَنِّي مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ فَرَاغاً لِي فِيمَا تُحِبُّ ))

[ الترمذي عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْخَطْمِيِّ الْأَنْصَارِيِّ] .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018