الخطبة : 1053 - الوضع الإسلامي في هذه الأيام - سلبيات هذا الوضع - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 1053 - الوضع الإسلامي في هذه الأيام - سلبيات هذا الوضع


2007-10-19

الخطبة الاولى
     الحمد لله نحمده، ونستعين به، ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله، سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِ وسلم، وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريته ومن والاه، ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، و اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

مقدمة

1 – وضْعنا أسوأُ الأوضاع:

     أيها الإخوة الكرام، من التوفيق أن تضع يدك على علة التخلف الإسلامي، هناك وضع إسلامي لا يرضي، ولا نحسد عليه، ليس أمرنا بيدنا، وللطرف الآخر علينا ألف سبيل وسبيل، ويمكن أن نقول: إن البلاد الإسلامية من أغنى البلاد، وشعوبها من أفقر الشعوب، وأنها تقع على رأس قائمة المستوردين، وفي ذيل قائمة المصدرين، وأن نسب البطالة والأمية والفقر والعنوسة عالية جداً، وأن بأسها بينها وسلمها لأعدائها، هذا واقع مؤلم جداً.
     الذي أتمنى أن يكون واضحاً السبب الذي يعزى إليه هذا التخلف، الحديث في السلبيات الآن أصبح ضرورياً، الإيجابيات ليس مختلف بها، لماذا هكذا نحن ؟

2 – معرفة الآمر قبل معرفة الأمر:

     الحقيقة أن أمر الله واضح بيننا جميعاً، لكننا مقصرون في معرفة الآمر، إن عرفت الآمر، ثم عرفت الأمر تفانيت في طاعة الآمر، كشأن الصحابة الكرام والتابعين وتابعي التابعين، أما حينما يكون الأمر واضحاً جداً، ولا تعرف الآمر تتفنن في التفلت من الأمر، وهذا واقع المسلمين اليوم، قال تعالى:

 

﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً﴾

( سورة مريم )

     وقد لقينا ذلك الغي، من ثلاثين عاماً بفضل الله عز وجل وأنا أؤكد أن أصل الدين معرفة الله، إن عرفته كان أصغر الذنوب كالجبل جاثماً على صدرك، وإن لم تعرفه كان أكبر الذنوب كذبابة لا تعبأ بها، لمجرد أن يعصي الإنسان ربه يحجب عنه، قال تعالى:

 

﴿ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾

( سورة التوبة)

     دققوا قرآن:

 

﴿وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾

( سورة التوبة)

3 – حينما يكون هذا فلا يكون النصر أبدا:

     يصلون وينفقون، وهم عند الله كافرون بما قال عنه العلماء كفر دون كفر، حينما لا يرى أن منهج الله صالح لهذا الوقت فهذا نوع من الكفر، حينما يرى أن إلغاء الربا مشكلة كبيرة، ويقول: هذا مال له قيمة، لا بد من أن يستثمر في بنوك ربوية هذا نوع من الكفر، حينما ترى أنه لا بد من الاختلاط، وأنه من حضارة، المرأة نصف المجتمع، وينبغي أن تبدو بكل مفاتنها أمام كل الناس هذا كفر دون كفر، حينما تقترح على الله حلاً آخر هذا كفر دون كفر.
     يقول الله عز وجل في آية محكمة:

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾

( سورة الحجرات)

4 – لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ

     في حياة النبي لهذه الآية معنى، لكن بعد انتقال النبي للرفيق الأعلى هناك معنًى آخر، فحينما تضع حلاً غير إسلامي لمشكلة معنى ذلك أنك لا تعتقد أن الحل الإسلامي هو الصحيح، وهذا كفر دون كفر، قال تعالى:

 

﴿ وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾

( سورة الإسراء)

     دقق:

 

﴿ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ﴾

( سورة الإسراء)

     الإسلام كطقوس عند الطرف الآخر، وجوامع، وفن إسلامي، وسلوك إسلامي، وخلفية إسلامية، وأرضية إسلامية، واهتمامات إسلامية، ونزعة إسلامية، وثقافة إسلامية، الإسلام كشكل ما عندهم مانع فيه أبداً، ولكن الخطورة في المنهج الإسلامي:

 

﴿ وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً * وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً *إِذاً لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾

( سورة الإسراء)

     لذلك فتنة الطرف الآخر أن تغير منهج الله من بعثة النبي عليه الصلاة والسلام وإلى يوم القيامة، مشكلتنا مع الطرف الآخر أن منهج الله ينبغي أن يغير، وحافظْ على كل إطار إسلامي، ومع ذلك فليسوا مع تطبيق منهج الله عز وجل.
     لذلك أيها الإخوة، الذي أقوله من ثلاثين عاماً: إن أصل الدين معرفة الله، معرفة الآمر قبل معرفة الأمر، إنك إن عرفت الآمر تفانيت في طاعته، وإنك إن عرفت الأمر ولم تعرف الآمر تفننت في التفلت من الأمر.

كيف نعرف الأمر

1 – الكونُ:

     أيها الإخوة الكرام، كيف نعرف الآمر ؟ من طريق الكون، قال تعالى:

 

﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

( سورة آل عمران )

     ومن طريق أفعال الله، قال تعالى:

 

﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾

( سورة الأنعام )

2 – تدبُّر كلام الله:

     ومن خلال تدبر كلام الله، قال تعالى:

 

﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾

( سورة محمد )

3 – معرفة أسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى:

     ويقع في مقدمة أبحاث العقيدة، وفي مقدمة أبواب معرفة الله معرفة أسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى.
     دققوا:

(( إنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ ))

( متفق عليه)

معنى : الباقيات الصالحات

     دقق في هذه الآية:

 

﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ﴾

( سورة الكهف)

     لأن مالاً من دون بنين مشكلة كبيرة، ولأن البنين من دون مال مشكلة أكبر:

 

﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ﴾

( سورة الكهف)

     إذاً المال والبنون زائلان، وقد وصف الله المال والبنين بطريقة لطيفة جداً:

 

﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾

( سورة الكهف)

المعنى الأول:

     بعضهم فسر الباقيات الصالحات بأنها الأعمال الصالحة، وهذا تفسير رائع، لأن العمل يبقى بعد الموت.
     عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ ))

[ مسلم عن أبي هريرة ]

المعنى الثاني:

     والمعنى الآخر، قال بعض علماء التفسير: والباقيات الصالحات سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، فإنك إن سبحته فقد نزّهته عن كل نقص، وإنك إن مجدته، وإنك إن أطعته فقد نزّهته، هذا التفسير جيّد، فهو تنزيه وتمجيد وطاعة، وحمدته في السراء والضراء، وعلمت أن كل شيء من عند الله، وأن لكل شيء حقيقة، وما بلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وحمدته في السراء والضراء.

تعرف الى الله في الرخاء والشدة

     عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ:

(( بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي الْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ... ))

[ متفق عليه ]

     قبل الزواج وبعد الزواج، قبل شراء بيت وبعد شراء بيت، قبل تأمين عمل وبعد تأمين عمل، في الصحة والمرض، في إقبال الدنيا وفي إدبارها، لأن الإنسان حينما يتعامل مع الله في الرخاء فقط تنطبق عليه الآية الكريمة، ونحن قريبون منها:

 

﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾

( سورة الأحزاب )

     إنّ الملايين من المسلمين يقولون: انتهى الإسلام، أعداءه أقوياء جداً، أرادوا إلغاء الإسلام، أرادوا إلغاء العمل الخيري، أرادوا إلغاء الدعوة إلى الله، ومن مسلَّمات الإيمان أن جهة مهما تكن قوية، مهما تكن متمكنة، مهما يكن سلاحها فتاكاً، مهما تكن معلوماتها دقيقة، مهما ملكت من الأقمار الصناعية، مهما ملكت من حاملات الطائرات، ومن الصواريخ العابرة للقارات، ومن القنابل الذكية والانشطارية، مهما ملكت من أسباب القوة فلا تستطيع أن تفسد على الله هدايته لخلقه، بل إنها إذا بنت مجدها على أنقاض الشعوب، بنت رخائها على إفقار الشعوب، بنت أمنها على إخافة الشعوب، بنت ترسيخ هويتها على محو ثقافة الشعوب، أن تنجح خططها على المدى البعيد هذا يتناقض مع وجود الله، مع وجوده لا مع عدالته فحسب، لأن الله عز وجل يقول:

 

﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ﴾

( سورة الأعراف)

     وإن شاء الله أوشك أن ينتهي أجلها، لأن خطها البياني في انحدار شديد، ولأن المسلمين في شتى بقاع الأرض تنبهوا إلى عظمة دينهم، تنبهوا إلى عظمة منهجهم، تنبهوا إلى كمال نبيهم، هم حينما لم يصدقوا الله فيما مضى قال تعالى:

 

﴿ هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ ﴾

( سورة آل عمران)

     هم أحبوهم، فرأوا منهم العجب العجاب.

معرفة أسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى

1 – شرف العلم من شرفِ المعلوم:

     أيها الإخوة الكرام، يقع على رأس موضوعات العقيدة معرفة أسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى، قالوا: شرف العلم من شرف المعلوم، وفضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه، هذا الذي يعرِف في العلم الأرضي، في الفيزياء، في الكيمياء علم، والعلم جيد، ونحن بحاجة إليه، لكن وازن بين من يعرف علماً أرضياً وبين من يعرف خالق السماوات والأرض.
     كنت أضرب هذا المثل مراراً وتكراراً، إذا قال طفل: أنا معي مبلغ عظيم، ووالده مدرّس، كم يقدر هذا المبلغ ؟ مئتي ليرة، إذا قال موظف في البنتاغون: أعددنا لحرب العراق مبلغاً عظيماً، كم يقدر ؟ مئتين مليار ! الآن الكلمة واحدة، قالها طفل فقدرناها بمئتي ليرة، وقالها إنسان آخر فقدرناها بمئتي مليار، فإذا قال ملك الملوك ومالك الملوك، فإذا قالها قيوم السماوات والأرض، فإذا قال رب العالمين:

 

﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾

(سورة النساء)

2 ـ معرفةُ الله وتوحيدُه أعظمُ شيء في الحياة:

     أعظم شيء في حياتك أن تعرف الله، وفي الأثر:

(( ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء ))

[ ورد في الأثر ]

     يا رب، ماذا فَقَد من وجدك، وماذا وجد من فقدك ؟ وإذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك من معك ؟ ما من مخلوق، ونحن في أشد الحاجة إلى هذا النص، ما من مخلوق يعتصم بي من دون خلقي أعرف ذلك من نيته فتكيده أهل السماوات والأرض إلا جعلت له من بين ذلك مخرجا، وما من مخلوق يعتصم بمخلوق دوني، كما يفعل معظم المسلمون اليوم يعتصمون بمخلوق دون الله عز وجل، قوي جداً، وفي وهمهم أنه إذا رضي عنهم، ودعمهم، وما من مخلوق يعتصم بمخلوق دوني أعرف ذلك من نيته إلا جعلت الأرض هوياً تحت قدميه، وقطعت أسباب السماء بين يديه.
     عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( مَنْ كَانَتْ الْآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتْ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنْ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ ))

البشر نوعان:

     البشر نوعان:

 

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى* وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ﴾

(سورة الليل)

     أشرف باب في العلم أن تعرف الله، إنك عن عرفته عرفت كل شيء، وأشرف فصل في هذا الباب أن تعرف أسماءه الحسنى وصفاته الفضلى.

إن لله تسعة وتسعين اسما ، مائة إلا واحداً ، من أحصاها دخل الجنة

     شيء آخر أيها الإخوة الكرام، في الحديث الصحيح الذي ورد في صحيح البخاري ومسلم:

(( إنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ ))

[ متفق عليه]

     قال تعالى:

 

﴿ لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً﴾

(سورة مريم)

1 – الفرق بين العدّ والإحصاء:

     فرَّق العلماء بين العد والإحصاء، أنت معلم، عندك ثلاثون طالبًا، عدُّهم سهل جداً، قرأ التفقد، عرف من غاب ومن حضر، هذا هو العد، أما الإحصاء فطالبا طالبا، وضعه النفسي، علاقته مع ربه، مدى تفوقه في المواد، علاقته في أهله، يا ترى والدته مطلقة، مقيمة مع الأب، موظفة، متفرغة، الأب مثقف، غير مثقف، كيف يمضي أوقات فراغه، حينما تحصي كل المعلومات عن الطالب نقول عندئذ: هذا المعلم أحصى طلابه إحصاءً، أمّا عدُّهم عداً فشيء سهل جداً، ولا يكلف شيئًا.

 

﴿ لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً﴾

(سورة مريم)

((إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ ))

(متفق عليه)

2 – بقدْر خضوعك لله يرفع شأنك:

     إذا عرفت الرحيم، عرفت القدير، عرفت الغني عرفت اللطيف، عرفت الحكيم، عرفت المقتدر، عرفت الجبال، عرفت المنتقم، إن عرفت الله عرفت كل شيء، لأن فضل العلم من فضل المعلوم.
     أيها الإخوة الكرام، كلما افتقرت إلى الله أغناك الله، وعلّمك ما لم تكن تعلم، وقوّاك، بقدر ما تخضع لله، بقدر ما تتذلل، بقدر ما تمرغ جبهتك في أعتابه يرفع الله لك شأنك، قال تعالى:

 

﴿ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾

( سورة الشرح )

     ما من مخلوق على وجه الأرض ارتفع ذكره كرسول الله، قال تعالى:

 

﴿ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾

( سورة الشرح)

     اسمه يذكر مع الله عز وجل، دائماً وأبداً: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وما من مخلوق أقسم الله بحياته إلا رسول الله، قال تعالى:

 

﴿ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾

( سورة الحجر)

     ما من مخلوق بلغ سدرة المنتهى إلا رسول الله، قال تعالى:

 

﴿ فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾

( سورة النجم )

     ما من مخلوق أكثر عبودية لله من رسول الله، لذلك العلاقة عكسية، كلما خضعت له، كلما استسلمت لأمره، كلما أحببته، كلما تفانيت في طاعته، كلما وضعت نفسك في المكان الأدنى إعلاءً لعظمة الله وجدت أكثر من ذلك عند الله، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى:

(( أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً ))

[ متفق عليه ]

     هل هو شيء قليل أن يرفع الله ذكرك ؟ أنت حينما تمجد الله، وتسبح الله تدعو إلى الله، وتعرف الناس بالله فأنت في أعلى درجة عند الله، الدليل، وليس في الدين رأي شخصي، قال تعالى:

 

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾

( سورة فصلت: الآية 33)

ومن أحسن قولاً ممن دعا الى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين

     ليس عند الله إنسان من آدم إلى يوم القيامة أرفع مقاماً عند الله ممن دعا إلى الله، وعمل صالحاً، وقال: إنني من المسلمين، إن أردت أن تفهم النص القرآني والنص النبوي فهماً دقيقاً فإنه يكون ما يلي:

(( لَأَنْ يُهْدَى بِكَ رَجُلٌ وَاحِدٌ خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ ))

     في الدنيا شاب عمره بين الأربعين والخمسين ( بيل غيت ) معه تسعون مليار دولار، فإذا قدّر الله على يد رجل هداية إنسان فبنص الحديث الشريف: (( لَأَنْ يُهْدَى بِكَ رَجُلٌ وَاحِدٌ خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ ))، هو أفضل إنسان.
     أعظم عطاء أن يستخدمك الله في هداية الخلق إليه، لا تقلقوا على هذا الدين، إنه دين الله اقلقوا على أنفسكم، فلنقلق على أنفسنا ما إذا سمح الله لنا أو لم يسمح أن نكون جنوداً لهذا الدين، هذا الدين الله ينصره، وقد ينصره على يد أعدائه.
     بناء ضخم في نيويورك ( أندرستيت )، بدِئ ببنائه عام ألف وتسعمئة وثمانية وعشرين، وله إضاءات خاصة، أضيء ثلاث مرات في تاريخه، ثلاثة أحداث تاريخية خطيرة جداً، في أيام العيد أضيء تكريماً للإسلام، هذا الخبر أذاعته كل وكالات الأنباء، وصدر قرار عن الكونغرس أن الإسلام دين سماوي عظيم، الله عز وجل قادر أن ينصر دينه على يد أعداء الدين، القلق لا على هذا الدين، القلق على أنفسنا هل سمح لك أن تكون جنديا، أو سمح لك تخفف من أعباء المسلمين، أو سمح لك أن تكون موضحا لحقائق الدين، هنا القلق، لا تقلق على هذا الدين.

3 – لا تضجر إذا كان الباطل قوياً:

     شيء آخر، لا تضجر إذا كان الباطل قوياً، الباطل قوي جداً، لكن أنت قوي، وهذا سر ضعفك، وأنا ضعيف، وهذا سر قوتي، القوي البعيد عن الله يوكل إلى نفسه، فيرتكب حماقات تلو حماقات، كما تسمعون وترون، فألف ومئتا مليار كلفة حرب العراق لو أنفقت على الشعوب الفقيرة ما الذي يكون ؟ أنفقت على التدمير والقتل، لذلك ترى كراهية لهذه البلاد لا يعلمها إلا الله، هذا هو الحمق، قال تعالى:

 

﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾

( سورة محمد)

     مستحيل وألف ألف مستحيل أن يكون الكافر حكيماً يرتكب حماقة تلو حماقة مع أنه قد يكون في أعلى مستوى من الذكاء، لذلك قالوا: ما كل ذكي بعاقل، والحكمة من أعظم عطايا الإله، قال تعالى:

 

﴿ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾

( سورة البقرة)

     أيها الإخوة الكرام، إذاً: أسماء الله الحسنى أحد أكبر أبواب معرفة الله عز وجل، وهي مبذولة بأشرطة وفي الفضائيات وفي الكتب، وبأي مكان، فخصّص جزءًا من وقتك لمعرفة أسماء الله الحسنى، وصفاته الفضلى، هذا أبرز باب في معرفة الله.

اسم الله الأعظم

     أيها الإخوة الكرام، ولكن هناك من يقول: أيّ اسم من أسماء الله الحسنى هو الاسمُ الأعظم ؟ الذي إذا دعوت به أجابك.
     الحقيقة هذا موضوع خلافي، بعضهم قال: اسم الله الأعظم هو ( الرحمن )، وبعضهم قال: ( الله ) علَمٌ على الذات، ولكن هناك رأي دقيق جداً: لكل واحد منا عنده، وبحسب حاله اسم الله الأعظم، الفقير اسم الله الأعظم له ( المغني )، والمظلوم اسم الله الأعظم له ( العدل )، والضعيف اسم الله الأعظم له ( القوي )، والذي يعدّ أخرق غير حكيم اسم الله الأعظم هو ( الحكيم )، والمنهزم اسم الله الأعظم له ( الناصر )، فلكل واحد منا اسم الله الأعظم، قال تعالى:

 

﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾

( سورة الأعراف)

     حينما تثق أن الله على كل شيء قدير، وأن قوى الطرف الآخر لا قيمة لها، وأن الله قادر أن ينصرك، وأنت ضعيف، وأن الله على كل شيء قدير، وتعلقت قدرته بكل شيء، فهذه المعلومات تعينك على أن تسأله.
     نور الدين الشهيد لما واجه التتار سجد، وقال: يا رب، مَن هو نور الدين حتى تنصره ؟ من أنا يا رب ؟ انصر دينك يا رب، وانتصر على التتار، وصلاح الدين انتصر على سبعة وعشرين جيشا أوربيا، وعندنا أمجاد تاريخية تهيّج القلب، ولما دخل سيدنا صلاح الدين إلى القدس ألقى خطيب دمشق أول خطبة بدأها بقوله تعالى:

 

﴿ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾

( سورة الأنعام )

فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا

     المسلمون مفتقدون إلى النصر، تاريخهم الحديث شكّل عندهم ثقافة الهزيمة، صارت ثقافة لا يصدقون خبراً إيجابياً أبداً، أي خبر إيجابي يكذبونه، ثقافتهم ثقافة هزيمة، لكن والله الذي لا إله إلا هو الكرة في ملعبنا، واللهِ نصرنا في يدنا بالصلح مع الله.
     أنا أروي هذه القصة مرات كثيرة، لا أرتوي منها، وفد من علية القوم جاء الحسنَ البصري، قالوا: يا إمام، ما تقول في فلان ؟ فلان من أقوى حكامهم، وكان بطاشاً، قال: تعرفون رأيي فيه، وهو الحجاج، قال: ولهذا أتيناك، قال: لا تخرجوا عليه، هل هذا فكر انهزامي، لا، قال: لأن ظلم الأقوياء نقمة الله عز وجل، ونقم الله لا ترد بالسيوف، تردّ بالصلح مع الله، هذه حقيقة صارخة، وهي ملخص الملخص، أمة انحرفت، قال تعالى:

 

﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً﴾

( سورة مريم)

     قيّض الله لها عدواً بعيداً فأخذ ما في أيديها، أموال فلكية تذهب من الشرق إلى الغرب، وأحدث تصريح لقائد القوات الأمريكية في العراق قبل يومين قال: حرب العراق من أجل النفط فقط، وكل ما قيل بخلافه كذب، وقال: هو كابوس ليس له نهاية، هذه أمة انحرفت بنص القرآن الكريم:

 

﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً﴾

( سورة مريم)

إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ

     الغرب قوي جداً، يمكن لغرفة نوم في بغداد تقصف من إيطالية، عندهم أسلحة فتاكة تفوق حد الخيال، الغرب قوي جداً، وهذه القوة تتلاشى إذا اصطلحنا مع الله، لأن هناك انحرافات، فاصطلح مع الله لتتلاشى، وظلم الأقوياء نقمة الله، ونقمة الله لا ترد بالسيوف وحدها، بل ترد بالصلح مع الله، لذلك الآية الصارخة:

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾

( سورة الرعد)

     الأمر بيدنا، أي: يا عبادي أنتم متألمون، غيِّروا حتى أغيّر، إلاّ تغيروا لا أغيّر.
     ملخص الملخص: عظمة هذا الدين أنه دين جماعي فردي في آن واحد، لو الناس شردوا عنه، وأنت أطعتَ الله:

أطع أمرنا نرفع لأجـلك حجبنا      فإنا منحنا بالرضا من أحـبنـــا
و لذ بحمانا واحـتــم بجنابنا      لنحميك مما فيه أشرار خلقــنــا
و عن ذكرنا لا يشغلنك شاغـل      و أخلص لنا تلقَ المسرة والـــهنا
و سلم إلينا الأمر في كل ما يكن      فما القرب والإبعاد إلا بأمــــرنا
***

     إذا اصطلح الناس مع الله فهذه نعمة كبرى لا تعدلها نعمة، وإذا لم يصطلحوا، وتابعوا الفن الرخيص، حيث ستة وثمانون مليون اتصال لمحطة فضائية في عشرين يوما، إذا كان المسلمون هكذا فاصطلح أنت مع الله، ألاَ تستطيع أن تقيم الإسلام في بيتك ؟ من يمنعك ؟ في أي مكان، وأي زمان، من يمنعك أن تكون صادقاً أميناً عفيفاً ؟ من يمنعك أن تربي أولادك وبناتك ؟ من يمنعك أن تكون في عملك مستقيماً ؟ هذا الجهاد البنائي، هذا الجهاد ممدوح صاحبه.
     الكرة في ملعبنا أيها الإخوة،

(( إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ ))

كل شئ بيد الله وحده

     أول معنى: حينما تعلم أن الله قوي، بيده كل شيء، والله هناك أمراض وبيلة تحيّر الأطباء من شفاء تام لأصحابها، فسموه الشفاء الذاتي، لأنه لا تفسير له عندهم، أما عند الله فهناك تفسير، لأنك دعوته الله الذي على كل شيء قدير.
     أعرف صديقا أصابه مرض خبيث في رئتيه، والله أنا على اطلاع دقيق بالتحليلات، مخبر بدمشق، أخذت خزعات إلى مَخبر بلندن، كان قرار الأطباء بالإجماع: لا أمل من شفائه، والقصة من اثنتين وعشرين سنة، والآن هو حي يرزق، والله شفي شفاء تاما، وعندما تعرف أن الله على كل شيء قدير تدعو القدير، ولا تنافق للقوي من بني البشر.

(( إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ ))

     والآية الدقيقة:

 

﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾

( سورة الأعراف)

     تعرّف عليها، تعرّف من هو الرحيم، من هو العدل.

1 – لا يذهب ظلم الظالم سدى بغير حساب ولا عقاب:

     والله الذي لا إله إلا هو وألقى الله بهذا، ما من قطرة دم تراق في القارات الخمس من آدم إلى يوم القيامة إلا ويتحملها المسؤول يوم القيامة، قال تعالى:

 

﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾

( سورة القيامة)

﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾

(سورة المؤمنون)

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾

( سورة الحجر)

     هذا القتل الذي يجري حولنا يذهب هكذا بلا عقاب، بلا مسؤولية، بلا محاسبة، بلا جزاء، أين العدل ؟

2 – أسماء الله الحسنى كلها محققة في الدنيا إلا اسم العدل فهو محقَّق جزئياً:

     أسماء الله الحسنى كلها محققة في الدنيا إلا اسم العدل فهو محقق جزئياً، الله عز وجل يكافئ بعض المحسنين تشجيعاً للباقين، ويعاقب بعض المسيئين ردعاً للباقين، ولكن الحساب الختامي، قال تعالى:

 

﴿ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾

( سورة آل عمران)

     لذلك، قال تعالى:

 

﴿ وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾

( سورة مريم)

     ورود النار غير دخولها، يجب أن ترى مصير الظُّلاّم الذين قهروا الشعوب، ودمروا الشعوب، ونهبوا ثروات الشعوب، وقتلوا شباب الشعوب، وتصدروا الشاشات، وتبجحوا من أجل الحرية والديمقراطية، وهو كلام لا معنى له إطلاقاً، فلذلك أيها الإخوة الكرام، البطولة أن تكون مستقيماً على أمر الله.
     أيها الإخوة الكرام، كل واحد منا له اسم الله الأعظم الذي يناسبه، والموضوع طويل.
     أيها الإخوة الكرام، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيّس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني، والحمد لله رب العالمين.

 

* * *

الخطبة الثانية
     الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

وجود المخلوقات تابع لوجود الله

     أيها الإخوة الكرام، لابن القيم كلام رائع في أسماء الله الحسنى، يقول: " وكما أن كل موجود سواه فبإيجاده وجد ".

العلم بالله أعظم علم

     أنت موجود، وأنا موجود، هذا الوجود من إيجاد الله لنا، وكما أن كل موجود سواه فبإيجاده وجد، فوجود سواه تابع لوجوده، فكذلك العلم به أصل لكل العلوم.
إنّ أعلى علم أن تعرف الله، يقال: فلان معه دكتوراه دولة في الفيزياء النووية، في الكيمياء العضوية، في الفضاء الخارجي، إلى آخره، أعلى شهادة في الأرض ليست بشيء أمام أن تعرف الله، لأن شهادات الأرض علم بمخلوقاته، أما أن تعرف الله فهو علم بذاته، وفرق كبير بين أن تعرف مخلوقاته، مع أن معرفة مخلوقاته ـ دققوا ـ فرض كفاية على كل مسلم، فنحن نحتاج إلى خبراء أجانب يضحكون علينا أحياناً، ويعطوننا أموراً خلاف الواقع، ونحن لسنا عندنا خبراء في هذا العلم، العلوم الأرضية أصل في صلاح الدنيا، وهو فرض كفاية على مجتمع المسلمين، إذا امتنع الكل عن هذا العلم أثموا جميعاً، هو أصل في صلاح الدنيا، ولكن الموازنة بعد الموت في العلم بالله.
     أعلى شهادة أرضية ينتهي علم صاحبها بعد الموت، أما الذي عرف الله فيسعد بهذه المعرفة إلى أبد الآبدين، لذلك قال ابن القيم: " فالعلم بأسمائه، وإحصاؤها أصل لسائر العلوم، فمن أحصى أسماءه كما ينبغي للمخلوق أحصى جميع العلوم، إذ إحصاء أسمائه أصل لإحصاء كل معلوم، لأن المعلومات هي من مقتضاها، ومرتبطة بها، وتأمل صدور الخلق، والأمر عن علمه، وحكمته تعالى، لذلك لا تجد فيها خللاً ولا تفاوتاً، لأن الخلل الواقع فيما يأمر به العبد إما أن يكون لجهل، أو لعدم حكمة، أما الرب تعالى فهو العليم الحكيم فلا يلحق فعلَه ولا أمرَه خللٌ، ولا تفاوت، ولا تناقض ".
     لذلك لو أن الإنسان خصص من وقته جزءاً لمعرفة أسماء الله الحسنى لأفلح.
     والله حدثني طبيب مقيم في أمريكا لا أعرفه، ولا يعرفني، عثر على شرح أسماء الله الحسنى هناك من مدينة فيها مؤتمر إسلامي يعقد كل سنة، قال لي: والله سمعتها في طريقي من بيتي إلى عملي ذهاباً وإياباً، أقسم لي بالله، وقد زارني في البيت في الشام، وأوصى أهله أن يستمعوا لهذه الأسماء، قال: والله قلبت حياتي مئة وثمانين درجة من السلب إلى الإيجاب، من الضياع إلى الوجدان، من القلق إلى الطمأنينة، من الخرق إلى الحكمة، فأن تعرف الله شيء ثمين جداً.
     أردت من هذه الخطبة أن تعرفوا قيمة أسماء الله الحسنى، وهو أحد أكبر فروع العقيدة.

الدعاء

     اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق، ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك و نتوب إليك، اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعز المسلمين، وأذل الشرك والمشركين، خذ بيد ولاة المسلمين لما تحب وترضى يا رب العالمين، إنك على ما تشاء قدير، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، لا تأخذنا بالسنين، ولا تعاملنا بفعل المسيئين يا رب العالمين، اللهم اسقنا الغيث، ولا تجعلنا من القانطين، اللهم اسقنا الغيث، ولا تجعلنا من القانطين، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعز المسلمين، وأذل الشرك والمشركين، دمر أعداءك أعداء الدين اجعل تدميرهم في تدبيرهم، اجعل الدائرة تدور عليهم يا رب العالمين، انصر عبادك المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها، وفي شمالها وجنوبها، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018