الدرس : 14 - سورة الأنعام - تفسير الآيتان 47-48 ، تطبيق الحكم الإسلامي - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 14 - سورة الأنعام - تفسير الآيتان 47-48 ، تطبيق الحكم الإسلامي


2005-03-25

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
 أيها الأخوة المؤمنون ، مع الدرس الرابع عشر من دروس سورة الأنعام .

تأديب الله تعالى للمؤمن :

 مع الآية السابعة والأربعين ، وهي قوله تعالى :

 

﴿ قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (47)﴾

 كما يتوهم بعض الجهلة أن المصائب تأتي عشوائياً ، والعوام لهم كلمة ؛ أن الرحمة خاصة والبلاء يعم ، وهذا الكلام لا أصل له في الدين ،

﴿ قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً ﴾

  قد يأتي بغتة كما قال عليه الصلاة والسلام ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ : كَانَ مِنْ دُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ ، وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ ، وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ ، وَجَمِيعِ سَخَطِكَ ))

[مسلم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ]

 أحياناً يأتي البلاء فجأة ، خثرة بالدماغ تسبب شللاً ، ترك منصبه ، وتجارته ، وبيته ، ونشاطاته ، وسفره ، واستمتاعه بالحياة ، انتهى كل شيء ، أحياناً حادث

﴿ قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً ﴾

 هناك عذاب بينك وبين الله ، وهناك عذاب مهين تحت سمع البشر ونظرهم ، ولعل الله أحياناً يكرّم عبده المؤمن بتأديبه بينه وبينه ، بين الله وبين المؤمن ، مثلاً : كيف يؤدَّب المؤمن ؟ بالحجب أحياناً ، له مكانته ، وله سمعته ، وله احترامه بين الناس ، ولكن يصلي فلا يشعر بشيء ، يقرأ القرآن فلا يتأثر ، يذكر الله فلا يبكي ، يُكسر بالتعبير المألوف يُضام ، هذا تأديب بينك وبين الله ، لكن أحياناً الإنسان يُفضح على رؤوس الأشهاد ، يُشهر به ، يصبح قصة :

 

﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ (44)﴾

( سورة المؤمنين الآية : 44 )

مستحيل أن يهلك من كان مع الله :

 لي تشبيه لطيف : الحياة مسرح ، هناك خشبة مسرح ، ومقاعد للمشاهدين ، فالإنسان إذا كان مستقيماً له مع المشاهدين مقعد ، يرى المسرح وما عليه من مشكلات ، ومن أزمات ، ومن فضائح ، ومن قهر ، لكن إن لم يكن الإنسان مستقيماً جُرّ إلى خشبة المسرح ، وصار قصة بين الناس ، لذلك بعض العارفين بالله يقول : " اللهم إني أعوذ بك أن أكون عبرة لأحد من خلقك ، اللهم إني أعوذ بك أن أقول قولاً فيه رضاك ألتمس به أحداً سواك ، اللهم إني أعوذ بك أن أتزين للناس بشيء يشينني عندك ، اللهم إني أعوذ بك أن يكون أحد أسعد بما علمتني منه " .
 لذلك :

﴿ قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ ﴾

  مستحيل وألف ألف مستحيل أن يهلك من كان مع الله ، لأنه إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟

 

﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا (51)﴾

( سورة التوبة الآية : 51 )

 معية الله تعني الحفظ ، والنصر ، والتأييد ، والتوفيق .

 

﴿ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (51)﴾

( سورة غافر )

أدلة من القرآن الكريم تبين أن الله سبحانه وتعالى لن يضيع عملك الصالح :

 وقال :

 

﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (21)﴾

( سورة الجاثية )

 وقال :

 

﴿ هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ ﴾

 وقال :

 

﴿ وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (17)﴾

( سورة سبأ)

 هذه قواعد ، الله عز وجل يقول :

 

﴿ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ (27)﴾

( سورة إبراهيم الآية : 27 )

 هذا كلام خالق البشر ، في أي مكان كنت ، في أي بلد ، في أي نظام ، بلد متخلف أو متقدم ، بلد قمعي أو غير قمعي ، بلد فقير أو بلد غني ، من أي فئة كنت ، من أي طائفة كنت ، من أي شريحة كنت ، من أي طبقة كنت ، في أول الزمان ، في آخر الزمان ، يجب أن تعلم علم اليقين أن الله سبحانه وتعالى لن يضيع عملك الصالح .

 

﴿ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ (21)﴾

( سورة الطور )

 هذه أكبر ضمانة ، هذه الآيات ،

﴿أم حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾

أدلة من الحياة اليومية عن انتقام الله سبحانه وتعالى من الظالم :

 زارني طبيب ، وقصّ علي قصة ملخصها : أن امرأة جاءته مع زوجها تشكو ورماً خبيثاً في صدرها ، لكن هذا الورم متقدم جداً في مراحله الأخيرة ، فغضب هذا الطبيب ـ لإخلاصه ـ من زوجها ، قال له : لو جئتني قبل أشهر عديدة ، قبل سنة ، احتمال الشفاء كبير جداً ، الآن وصل إلى أقصاه ، قال لي : قلت له : أنت مجرم في حق زوجتك ، قالها بينه وبين الزوج ، قال له : لا ، نحن عند فلان ، ولنا عنده سنة وزيادة ، ولم يقل : إنه ورم خبيث ، قال : إنه التهاب ، ثم همس في أذني أن طالب الطب يعرف أنه ورم خبيث ، ولكن أراد هذا الإنسان أن يستبقيه عنده ليبتزّ ماله ، فأوهمه أنه التهاب ، ويعطيه أدوية التهاب وكورتيزون ، وهكذا ، قال لي : الزوج فجأة وقع على الأرض ، كأنه طفل ، وناجى ربه ، قال له : يا رب إذا كنت موجوداً فانتقم منه ، ربط انتقامه بوجوده لا بعدله ، موجوداً ، يقسم هذا الطبيب أنه جاءه بعد إحدى عشر شهراً شاب لطيف ، قال لي : دخل العيادة متهالكاً ، قال له : من الأخ ؟ قال له : أنا زميلك فلان ، الطبيب نفسه ، وقد أصيب بورم خبيث في صدره أقسم بالله ، قال لي : بحسب خبرتي الطبية كأن هذا الورم بدأ من إحدى عشر شهراً ، من يوم دعا هذا الزوج عليه ، الله كبير .
 أيها الأخوة ، إنسان آخر ذهب إلى مطار دمشق ، أراد أن يظهر براعته في قيادة السيارات ، فكان هناك جرو صغير على طرف الطريق ، وفي أيام الشتاء ، والطريق المعبد أكثر دفئاً من التراب ، ولونه أكثر دكنة من لون التراب ، ويمتص أشعة الشمس أكثر ، فاستطاع هذا السائق الماهر أن يقص يدي هذا الكلب الصغير دون أن يميته ، ببراعة في القيادة فائقة ، وأطلق ضحكة هستيرية ، يقول الذي معه : في السبت القادم بعد أسبوع ، في المكان نفسه تعطلت مركبته ، ويحتاج إلى تبديل عجلة ، قال لي : رفع المركبة على الرافعة ، وفك العجلة ، ففسدت هذه الرافعة ، فوقعت السيارة على العجلةِ ، والعجلة على يديه ، فهرستا من الرسغ ، فأخذ إلى المستشفى ، ولا بد من قطع يديه ، وقطعت يداه إلى الرسغين ، كما فعل بالجرو قبل أسبوع ، الله كبير .

 

الأنبياء الكرام ابتلاهم الله عز وجل ولكن ابتلاء الأنبياء ابتلاء كشف :

 كلما ازددت معرفة بالله ازددت خوفاً منه ،

﴿ قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً ﴾

 الآن دققوا

﴿ هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ ﴾

 لا بد من ذكر هذه الحقيقة أيها الأخوة ، كل واحد منا وصل إلى سمعه ألف قصة من فصلها الأخير ، والقصة من فصلها الأخير لا معنى لها إطلاقاً ، فلان دُهس ، فلان انتحر، فلان مرض ، لكن كل واحد منا أيضاً عنده عدة قصص يعرفها من أول فصل حتى آخر فصل ، يُدهش لعدل الله ، يُدهش لحكمته ، يُدهش لقوته ، يُدهش لانتقامه أحياناً .
 أنا أنصح نفسي وأنصحكم أيضاً أن تقيس القصص الكثيرة التي تعرفها من فصلها الأخير ، والقصص التي تعرفها من كل فصولها ، كل هذه القصص التي تعرفها من آخر فصل والتي لا معنى لها تُقاس على عدة قصص تعرفها من أول فصل حتى آخر فصل ، لأن الله سبحانه وتعالى يقول :

﴿ وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ ﴾

﴿هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾

 لكن طبعاً أتمنى عليكم ألا تفهموا كلامي معمماً ، والتعميم من العمى ، الأنبياء الكرام ابتلاهم الله عز وجل ، لكن ابتلاء الأنبياء ابتلاء كشف ، لا تظهر كمالاتهم إلا بالمصائب أحياناً ، بالطائف ظهر من هو النبي ، والمؤمن يُبتلى ليزداد قرباً من الله ، وليزداد رفعة عند الله ، أما الحديث عن القوم الظالمين فموضوع آخر ، أنا إذا ذكرت أن المصائب تنال الظالم ، بمعنى أن هذا الإنسان خرج عن منهج الله ، وتطاول على عباد الله ، وبنى مجده على أنقاض الخلق ، عندئذٍ استحق عقوبة الخالق :

 

﴿ قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (47)وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آَمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (48)﴾

( سورة الأنعام )

القرآن الكريم نذير لأن فيه مشاهد من يوم القيامة :

 الإمام القرطبي رحمه الله تعالى حينما قرأ قوله تعالى :

 

﴿ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ (37)﴾

( سورة فاطر الآية : 37 )

 الله تعالى يقول :

﴿وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾

 ما النذير ؟ قال : القرآن الكريم هو النذير ، لأن فيه مشاهد من يوم القيامة ، مصير الإنسان إما إلى جنة يدوم نعمها ، أو إلى نار لا ينفذ عذابها ، فالقرآن نذير ، والنبي عليه الصلاة والسلام حينما ذكر في أحاديثه الصحيحة أن المؤمن يرى مقامه في الجنة عندما يأتيه ملك الموت ، فيقول : لم أرَ شراً قط ، وينسى كل المتاعب التي عاشها في الحياة ، وأن الذي يموت على غير الإيمان ، ويرى مكانه في النار يصيح صيحة لو سمعها أهل الأرض لصعقوا ، فكما أن القرآن بما فيه من مشاهد يوم القيامة يُعد نذيراً ، كذلك كلام النبي عليه الصلاة والسلام يعد نذيراً .
 شرح أكثر من ذلك ، فقال : سن الأربعين نذير ،

﴿ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ ﴾

 فمن دخل في الأربعين دخل في أسواق الآخرة ، والإنسان إذا سافر إلى مكان ومضى ثلثا الوقت تتغير خطته بعد ثلثي الوقت ، يقطع بطاقة العودة ، يشتري الهدايا ، يفكر في العودة ، إذاً من دخل في الأربعين دخل في أسواق الآخرة ، لذلك من بلغ الأربعين ولم يغلب خيره شره فليتجهز إلى النار .
 وقال القرطبي أيضاً : سن الستين نذير ، وصل إلى ما قبل النهاية العظمى ، معترك المنايا بين الستين والسبعين .
 أخواننا الكرام ، بربكم ، سؤال محرج ، هل يمكن أن نستيقظ كل يوم كاليوم السابق إلى ما لا نهاية ؟! مستحيل ، هناك بوابة خروج ، أحياناً تأتي من الكبد ، أحياناً من المعدة ، أحياناً من الدماغ ، أحياناً خثرة ، أحياناً فشل كلوي ، أحياناً أزمة قلبية ، أنواع الأمراض لا تعد ولا تحصى ، هذه الأمراض التي سماها النبي مرض الموت ، ويسمى الآن بوابة الخروج ، كيف يخرج الإنسان من الدنيا ؟ بمرض ، أو بحادث ، لذلك الحديث الذي يقسم الظهر :

(( بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سَبْعاً ، هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلَّا فَقْراً مُنْسِياً ؟ أَوْ غِنًى مُطْغِياً ؟ أَوْ مَرَضاً مُفْسِداً ؟ أَوْ هَرَماً مُفَنِّداً ؟ أَوْ مَوْتاً مُجْهِزاً ؟ أَوْ الدَّجَّالَ ؟ فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ ، أَوْ السَّاعَةَ ؟ فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ ))

[ الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

المصائب أيضاً من النذير :

 سؤال واضح ، كما قلت قبل قليل : مستحيل أن نستيقظ كل يوم كاليوم السابق ، في يوم من الأيام سيكون هناك طارئ جديد في حياتنا ، طارئ على الجسم جديد لم يكن ، يبدأ بمراجعة الطبيب ، بتحاليل ، بتصوير ، بعملية جراحية ، بعد هذا ينتهي بنعي ، إذا كان مرض الموت طبعاً ، ولو كان نبيّاً ، ولو كان صالحاً ، هذه بوابة الخروج ، وأيّ مرض آخر غير مرض الموت له دواء ، لكل داء دواء ، كلام واضح ، فصار النذير القرآن الكريم ، وكلام النبي عليه الصلاة والسلام ، وسن الأربعين ، وسن الستين .
 الآن الشيب : " عبدي كبر سنك ، وانحنى ظهرك ، وضعف بصرك ، وشاب شعرك ، فاستحي مني ، فأنا أستحي منك " .
 لحكمة بالغةٍ بَالغةٍ بالغَة الإنسان بعد الخمسين أو الستين يشكو من متاعب كثيرة، متاعب في معدته ، متاعب في حركته ، في عظامه ، في مفاصله ، يضعف بصره ، يضع طقم أسنان في فمه ، كأن هذه التبدلات رسائل لطيفة من الله : أن يا عبدي قد اقترب اللقاء بيننا ، فهل أنت مستعد له ؟ تجد الإنسان حينما يأتي الموت وقد عانى من متاعب الحياة ما عانى ، صدِّقوا ما أقول : يشتاق إلى لقاء الله عز وجل ، أما إذا كان في أعلى درجة من الصحة والنشاط ويؤخذ فجأة قد يكون هذا الانتقال صعباً عليه .

إلى متى أنت باللذات مشغول  وأنت عن كل ما قدمت مسؤول
* * *
تعصي الإله وأنت تظهر حبه  ذاك لعمري في المقال شــنيع
لو كان حبك صادقاً لأطـعته  إن المحب لمن يحب مطيــع
* * *

 ثم إن المصائب من النذير ، لفت نظر ، الأمور كلها على ما يرام ، فجأة في البيت مشكلة ، مشكلة في الصحة ، في العمل ، مع الابن ، في العلاقات العامة ، مع رئيسه في العمل ، هذه المصيبة أيضاً رسالة من الله ، الآن تستخدم كلمات جديدة ، يقع انفجار يقولون : هذه رسالة وصلت ، الرسالة دائماً شفهية أو كلامية ، الآن هناك مصطلح في الأخبار ، يُعد تفجير بناء رسالة من جهة إلى جهة ، الرسالة وصلت ، إذاً المصيبة أحياناً رسالة من الله ، أن يا عبدي قد قرب اللقاء .

 

المرسلون يبشرون المؤمن وينذرون غير المؤمن :

 من معاني النذير موت الأقارب ،

﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾

 المرسلون يبشرون المؤمن ، وينذرون غير المؤمن ، الآن :

﴿فَمَنْ آَمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا﴾

 لا تتوهموا أن إيماناً بلا عمل ينفع ، في مئتي موضع في كتاب الله :

﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾

﴿فَمَنْ آَمَنَ وَأَصْلَحَ ﴾

 أي آمن وطبق ، آمن وانضبط ، آمن وأعطى ، آمن واتقى ، آمن وتحرك ، آمن ووقف موقفاً مشرِّفاً ، ما لم يكن هناك موقف ، وحركة ، والتزام، وانضباط فالإيمان لا قيمة له إطلاقاً ،

﴿ فَمَنْ آَمَنَ وَأَصْلَحَ ﴾

 أيها الأخوة ، دققوا في هاتين الكلمتين ، والله الذي لا إله إلا هو لا تعدلهما السماوات والأرض ،

﴿فَمَنْ آَمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾

  أنت الآن هنا ، وهذا المستقبل ، وهذا الماضي ،

﴿فَمَنْ آَمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ﴾

 في المستقبل

﴿ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾

 على ما فات ، لا يخشى مما هو آت ، ولا يحزن على ما فات ، ماذا بقي من سعادة الدنيا ؟ لذلك قال تعالى :

 

﴿ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123)﴾

( سورة طه )

 في الآية الثانية :

﴿فَمَنْ آَمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾

  اجمع الآيتين من يتبع هدى الله عز وجل ـ دقق ـ لا يضل عقله ، ولا تشقى نفسه ، ولا يندم على ما فات ، ولا يخشى مما هو آت ، في أي وقت كنت ، في أي مكان ، في أي زمان ، أنت في رعاية الله ، وعناية الله ، وحفظ الله ، وتوفيق الله ، ونصر الله ، وتأييد الله .
 أريد أن أقول كلمة : أصحاب الأخدود الذين أحرقهم الملك الظالم الذي ادّعى الألوهية انتصروا أم لم ينتصروا ؟ أنا أقول لكم : انتصروا ، مع أنهم حُرقوا ، انتصروا نصراً مبدئياً كما قال عنه العلماء ، نصر مبدئي ، ماتوا على الإيمان ، قد تكون ضعيفاً في عصر معين ، ما بيدك شيء ، والكافر قوي ، ويقهر هذا الضعيف ، لكن أتمنى أن أوضح فكرة ، هذه الدنيا مهما امتدت ، ومهما طالت ، ومهما قوي الإنسان فيها ، ومهما اغتنى فيها ، ومهما تحكم بأهلها ، ومهما علا شأنه في الأرض فلا بد من أن يموت ، وأن كل مخلوق يموت ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت ، وأن الليل مهما طال فلا بد من طلوع الفجر ، وأن العمر مهما طال فلا بد من نزول القبر .

 

الدنيا قيمتها أمام الآخرة صفر فهي ليست مقياساً :

 الفرق بين الدنيا والأبد فرق بين لا شيء وكل شيء ، إنسان يعيش ستة وثمانين عاماً ، ما شاء الله ! قيمة هذا الأمد الطويل بالنسبة إلى الأبد صفر ، فإذا كان الإنسان في الدنيا لم يأخذ حقه ، كان مقهوراً ، مظلوماً ، أحرق ملك أصحاب الأخدود ، والآن في بلاد المسلمين تأتي قنبلة فتميت مئة شخص ، هذا اسمه نصر مبدئي ، بلد محتل يأتي قصف فيموت إنسان مؤمن مستقيم فرضاً ، عقيدته صحيحة ، مات على الإيمان ، الأكمل أن ننتصر نصراً تقليديّاً فنسترجع الأرض ، ونقهر من احتل أرضنا ، نتمنى ذلك ، لكن إن كان الدين مفتوحة أبوابه على مصارعها ، أقوى مثل أصحاب الأخدود ، أثنى الله عليهم ، وقد حُرقوا ، أنا لا أقول لكم أن نستسلم ، لكن أنت حينما ترى أنك ضعيف لا تملك شيئاً ، ماذا تفعل ؟ اجهد أن تقوي المسلمين ، أما إذا قُهرت وكنت على حق فأنت من أهل الجنة ، وأنت منتصر نصراً مبدئياً ، هذا المعنى :

﴿فَمَنْ آَمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾

 إذاً : الدنيا قيمتها أمام الآخرة صفر ، لذلك هي أحقر من أن تكون عطاء أو إكراماً لإنسان ، بل هي أحقر من أن تكون عقاباً ، الدليل أن الله يعطيها لمن لا يحب أحياناً ، أعطاها لفرعون الذي قال :

 

﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24)﴾

( سورة النازعات )

 وأعطاها لفرعون الذي قال :

 

﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي (38)﴾

( سورة القصص )

 وأعطاها لقارون الذي قال :

 

﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي (78)﴾

( سورة القصص الآية : 78 )

 وأعطاها أيضاً لسليمان الحكيم ، أعطاها لعبد الرحمن بن عوف ، إذاً : مادامت الدنيا قد أعطيت لمن يحب الله ولمن لا يحب إذاً فهي ليست مقياساً على الإطلاق .

(( كَمْ مِنْ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ لَا يُؤْبَهُ لَهُ ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ ))

[الترمذي عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]

إذا هان أمر الله علينا هُنّا على الله :

 أنت حينما تحكم علاقتك بالله ، وحينما تخطب ود الله ، فأنت عند الله كبير جداً ، ولو كان عملك في المجتمع في الدرجة الدنيا ، قد يكون حاجباً لكن قلامة ظفره تعدل ألف إنسان كبير غني قوي عاصٍ فاسق .

 

﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ (13)﴾

( سورة الحجرات الآية : 13 )

(( أهلاً بمن خبرني جبريل بقدومه ـ أحد أصحابه الفقراء ـ قال : أو مثلي ! قال : نعم ، خامل في الأرض علم في السماء .))

[ ورد في الأثر]

 لذلك قال عليه الصلاة والسلام :

(( ابتغوا الرفعة عند الله ))

[الطبراني عن أبي هريرة ]

 أنا لا أقول هذا الكلام استسلاماً ، لا ، أقوله تطميناً لمن اختار الله له أن يكون ضعيفاً مستضعفاً ، ما بيدك شيء ، والله الآن لا نملك شيئاً ، جميعاً ، العالم الإسلامي بأكمله بكل إمكاناته ، هذا الواقع لا يملك شيئاً ، نملك أن يزداد إيماننا ، وأن يزداد تعاوننا ، وأن يزداد عطاؤنا ، وأن نربي أولادنا ، وأن نقيم الإسلام في بيوتنا ، وفي أعمالنا ، وأن نؤكد وحدتنا ، وتعاوننا ، وأن نفوت على أعدائنا كل خططهم الجهنمية ، هذا نملكه .
 لذلك هذا الوقت عصيب جداً ، أقول وأعيد : إنها حرب عالمية ثالثة معلنة على الإسلام ، هدفها إفقار المسلمين ، ثم إضلالهم ، ثم إفسادهم ، ثم إذلالهم ، ثم إبادتهم ، وهذه حقيقة مُرة أفضل ألف مَرة من الوهم المريح ، والله موجود ، وفعال ، وهو الغفور الودود ، ذو العرش المجيد .

 

﴿ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (16)﴾

( سورة البروج )

 لكن إذا هان أمر الله علينا هُنّا على الله .

 

لا تستطيع قوة مهما طغت وبغت أن تفسد على الله هدايته لخلقه :

 أخوتنا الكرام ، كلمة من القلب إلى القلب ، مستحيل وألف مستحيل أن تستطيع قوة مهما طغت وبغت أن تفسد على الله هدايته لخلقه ، هذا الإسلام شيء لا يكاد يصدق ، كلما قمعته يزداد قوة ، أوضح مثل أنك إذا أردت أن تطفئ النار بالزيت ماذا يحصل ؟ تزداد النار اشتعالاً .
 لذلك الآن أكبر دين في العالم في النمو هو الإسلام ، لكن ما الذي حصل ؟ الذي حصل أنه قبل الأحداث الأخيرة كان الغرب قد خطف أبصار أهل الأرض ، عالم غني قوي ، ذكي ، جميل جداً ، جامعات ، قيم ، أقول لكم ، وأنا واقعي : رائعة جداً ، الحرية غير سهلة ، الحرية ، الديمقراطية ، حقوق الإنسان ، العولمة ، العولمة احترام جميع الأديان ، هذه كلها قيم مطروحة هناك ، لذلك الغرب خطف أبصار المسلمين ، وصار الذي معه بطاقة خضراء green card))

 

كأنه دخل إلى الجنة ، بعد الأحداث الأخيرة هنا الإنجاز ، بعد الأحداث الأخيرة سقط الغرب كحضارة ، وبقي قوة غاشمة ، أليس كذلك ؟ لم يبقَ على الساحة الآن إلا الإسلام ، على ساحة القيم والمبادئ لم يبقَ إلا الإسلام ، وهذه فرصة لا تعوض ، هذا الوقت وقت المسلمين ، لأن في الإسلام خلاص العالم ، العالم كله محتاج إلى الإسلام ، لأن كل النظم الوضعية أصبحت في الوحل ، ولم تحقق للإنسان لا سعادته ولا سلامته ، فلهذا الأنظار جميعاً تتجه إلى المسلمين ، أما المسلمون أمامهم خيار صعب ، لا يستطيعون أن ينشروا دينهم إلا بشروط ثلاثة ؛ أن يحسنوا فهمه أولاً .
 واحد أراد أن يسلم في مصر ، فالتقى بشيخ تقليدي ، أبقاه في أحكام المياه ستة أشهر حتى خرج من جلده ، ورفض الإسلام ، هذا التعقيد غير معقول ، فالتقى بشيخ جليل الإمام محمد عبده ، فقال له : الماء الذي تشربه توضأ منه ، انتهى الأمر .
 نحن الآن بحاجة إلى تبسيط الدين ، لا يكون الدين ألغازاً ، وأحاجي ، ومتاهات وأراء ، واجتهادات ، وأدلة ، وأدلة مناقضة حتى يستسلم الإنسان ، ما هذا الدين ؟! الدين كالهواء يجب أن تستنشقه ببساطة ، هذا هو الدين ، الدين لا يستطيع أحد في الأرض أن يحتكره ، لا جماعة ، ولا فئة ، ولا مذهب ، ولا طائفة ، ولا عصر ، ولا مصر ، حاجتنا إلى الدين كحاجتنا إلى الهواء ، هذا الدين ، فلذلك لا بد من تبسيطه ، ولا بد من عقلنته ، ولا بد من تطبيقه .

 

على المسلمين أن يُحسنوا فهم دينهم وتطبيقه وعرضه حتى ينتصروا :

 العالم الذي التقى بالجالية البريطانية الإسلامية ، قال : أنا لا أصدق أن يستطيع العالم الإسلامي اللحاق بالغرب ، على الأقل في المدى المنظور لاتساع الهوة بينهما ، ولكنني مؤمن أشد الإيمان أن العالم كله سيركع أمام أقدام المسلمين ، لأن في الإسلام خلاص العالم ، ولكن بشرط ـ الآن دققوا ـ أن يُحسن المسلمون فهم دينهم ، وأن يحسنوا تطبيقه ، وأن يحسنوا عرضه ، هكذا .
 مرة كنت في أمريكا ، وجاءني سؤال من أخت كريمة ، قالت لي : أنا طبيبة ، وأنا أضطر أن أصافح الأطباء في المستشفى ، وحينما لا أصافحهم أقع في حرج شديد ، فما الحل ؟ بل ما حكم مصافحة المرأة للرجل ؟ طبعاً الجواب واضح ، حرام ، لقول النبي :

(( إِِّني لاَ أُصَافِحُ النِّسَاءَ ))

[الترمذي والنسائي عن أميمة بنت رقيقة ]

 لكن أردت أن أنقل لها هذا الحكم بطريقة أخرى ، قلت لها : الملكة إليزابيث لا يصافحها إلا سبعة رجال ، لعلو مقامها في القانون البريطاني ، وكذلك المرأة المسلمة لا يستطيع مصافحتها إلا سبعة من محارمها بحكم القانون القرآني ، فقبلت هذا الجواب .
 أنت أحياناً بحاجة إلى عرض جيد ، مرة قال لي أحدهم : معقول أن شهادة المرأة بنصف شهادة الرجل ؟ ما هذا الظلم ؟ قلت له : ما قولك مليار وثلاثمئة مليون إنسان في الأرض يدخلون في ثاني أكبر عبادة في الإسلام بشهادة امرأة واحدة ، كيف ؟ إذا رأت امرأة مسلمة الهلال ، وأبلغت القاضي الشرعي ، وكان في اتفاق بين كل المسلمين في الأرض أن يصوموا في يوم واحد ، يصوم مليار وثلاثمئة مليون في الأرض بشهادة امرأة واحدة .
 إنسان ترك مئة مليار مثلاً ، جاءه مولود بعد موته ، ومات من توه ، فإذا قال : واع ، يأخذ المبلغ كله ، أو ثلاثة أرباعه ، وإذا لم يصدر منه صوت لا يأخذ شيء ، من التي تشهد أنه خرج منه صوت أو لم يخرج ؟ القابلة ، تتحول مئات الملايين بشهادة امرأة واحدة .
 أما جريمة جنسية ، والله عز وجل أعطى المرأة الحياء والخجل لا نكلفها عقود معينة مالية ، قضايا بعيدة عن اهتمامها ، الشرع لما كلفها أن تكون وحدها مسؤولة في الشهادة ، فلما عرضت هذا الكلام صار مقبولاً .
 مشكلتنا الآن أن هناك حرباً على الدين ، عندما تقول : تطبيق الحكم الإسلامي ننسى الإسلام كله إلا قطع اليد فقط ، فقط ؟ ننسى الإسلام كله ، العدل ، التضامن ، التعاون ، إلا قطع اليد .
 أرجو الله سبحانه وتعالى أن نكون جميعاً متعاونين ، وأن نكون على قلب واحد وأن نتحرك حركة وفق منهج الله ، فلعل الله أن ينصرنا إن شاء الله عز وجل ،

﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آَمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018