الدرس : 11 - سورة الأنعام - تفسير الآيات 36-38 ، اتحاد المعجزة بالمنهج - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 11 - سورة الأنعام - تفسير الآيات 36-38 ، اتحاد المعجزة بالمنهج


2005-03-04

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
 أيها الأخوة الكرام ، مع الدرس الحادي عشر من دروس سورة الأنعام .

الله عز وجل يصف الذين يدَّعون السماع ولا يطبقون بأنهم لا يسمعون :

 مع الآية السادسة والثلاثين ، وهي قوله تعالى :

 

﴿ إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (36)﴾

 الذي يستمع في القرآن الكريم يعني أن يطبق ، وما لم تطبق فلست مستمعاً .

﴿ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا (4)﴾

( سورة التحريم الآية : 4 )

 علامة إصغائكما إلى الله التوبة ، فما لم تتحرك ، ما لم تتخذ موقفاً ، ما لم تستجب ، ما لم تصل ، ما لم تقطع ، ما لم تعطِ ، ما لم تمنع ، ما لم تغضب ، ما لم ترض ، ما لم تتخذ موقفاً من سماعك للحق ، فكأنك لم تستمع للحق

﴿ إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ ﴾

 أي إنما علامة استجابة الذين يسمعون أنهم يستجيبون ، إنما علامة سماع الذين هم يسمعون أن يستجيبوا للحق .
 أيها الأخوة الكرام ، لا يمكن أن تقول لإنسان : على كتفك عقرب شائلة ، ويبقى هادئاً مرتاحاً مبتسماً ، ويلتفت إليك ويقول لك : أشكرك على هذه الملاحظة ، وأسأل الله أن يمكنني أن أكافئك عليها ، حتماً لم يسمع ما قلت له ، ولو سمع ما قلت له لمّا تكلم ولا كلمة ، بل ارتعدت فرائصه ، وخلع معطفه ليبعد العقرب عنه ، أليس كذلك ؟
 مستحيل أن تدرك ولا تنفعل ، مستحيل أن تنفعل ولا تتصرف ، مستحيل أن تنفعل ولا تتحرك ، الله عز وجل يصف الذين يدَّعون السماع ولا يطبقون بأنهم لا يسمعون .

 

الاستجابة تكون بالإيجاب أما الذي لا يستجيب فهو عند الله ميت :

 أيها الأخوة ، فرق كبير بين يستجيب وبين يُجيب ، قد تسأل أحداً مبلغاً من المال فإذا قال لك : لا ، لقد أجابك ، لكن أجابك بالنفي ، أجابك بالسلب ، أجابك بغير مرادك ، أما حينما تسأل أحداً مالاً ، ويستجيب لك ، أي يعطيك المال ، فالاستجابة شيء ، والإجابة شيء آخر ، الإجابة قد تكون سلباً أو إيجاباً ، لكن الاستجابة لا تكون إلا إيجاباً ، فلذلك :

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ (24)﴾

( سورة الأنفال الآية : 24 )

 الاستجابة تكون بالإيجاب أما الذي لا يستجيب فهو عند الله ميت ، الدليل :

﴿ إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى ﴾

 أي والذين لا يستجيبون ، لأنهم لم يستمعوا حقيقةً هم عند الله موتى .

 

وليس من مات فاستراح بميت  إنما الميت مــيت الأحياء
* * * *

 وقد قال الله عن هؤلاء الشاردين :

 

 

﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ (21)﴾

( سورة النحل الآية : 21 )

 وقد قال عنهم أيضاً :

 

﴿ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (22)﴾

( سورة فاطر )

 الخطورة أن يموت قلب الإنسان ، أن يكون قلبه مغلفاً ، أن يكون سمعه فيه وقر، أن يكون القرآن عليه عمىً ، هذه حالة مرضية خطيرة مهلكة ،

﴿ إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ﴾

خيارك مع الإيمان خيار وقت :

 إذاً إذا دعاك خالق السماوات والأرض ، دعاك إلى أن تعبده كي تسعد بعبادته في الدنيا والآخرة ، إذا دعاك إلى جنة عرضها السماوات والأرض ، وجعل الكون كله دليلاً على وجوده وكماله ووحدانيته ، وجعل منهجه متوافقاً مع حاجاتك الأساسية ، من حاجة إلى الأمن وإلى الكفاية ، وإلى السلامة ، وإلى السعادة ، فإذا استجبت فقد حققت الهدف الذي من أجله خلقت ، وإن لم تستجب ، بمعنى أنك لم تستمع السماع الذي أراده الله عز وجل ، فأنت عند الله ميت ،

﴿ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ﴾

 لكن هذا الذي يموت بعد أن يموت يعرف الحقيقة .

 

﴿ فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (22)﴾

( سورة ق )

 لكن متى عرف الحقيقة ؟ بعد فوات الأوان ، ولا قيمة لهذه المعرفة إطلاقاً ، إذاً : معنى ذلك أن خيارك مع الإيمان خيار وقت ، ليس غير ، لأن أكفر كفار الأرض حينما أدركه الغرق قال :

﴿ حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90)﴾

( سورة يونس )

 متى ؟ بعد فوات الأوان ، يعني شيء لا بد منه ، إما أن يكون وأنت في ريعان شبابك ، أو أن يكون بعد فوات الأوان .

 

(( اغتنم خمساً قبل خمس : شبابك قبل هرمك ، وصحتك قبل سقمك ، وغناك قبل فقرك ، وفراغك قبل شغلك ، وحياتك قبل موتك ))

 

[رواه الحاكم وصححه والبيهقي عن ابن عباس ]

أحمق أهل الأرض الذي يوقع الأذى في بني البشر ويظن أنه سينجو من عقاب الله :

 إما أن تؤمن في الوقت المناسب ، أو أن يكون الإيمان لا جدوى منه لأنه جاء بعد فوات الأوان ،

﴿ إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ﴾

﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25)ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (26)﴾

( سورة الغاشية )

 وقال :

 

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92)عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93)﴾

( سورة الحجر )

 لن تجد على وجه الأرض إنساناً أغبى من الذي لا يدخل المسؤولية يوم القيامة في حساباته ، هذا أحمق أهل الأرض الذي يوقع الأذى في بني البشر ويظن أنه سينجو من عقاب الله .

 

﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42)﴾

( سورة إبراهيم )

في الآخرة يأتي الإنسان ربه فرداً ليس له شيء إلا عمله الصالح :

 أنت في الدنيا حولك جمع غفير يؤيدونك بإشارة منك ، هذا في الدنيا فقط ، أما في الآخرة :

 

﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ (94)﴾

( سورة الأنعام الآية : 94 )

 انظر الآن ، قد تعتدي دولة كبرى طاغية ، فكل من له مصلحة معها يؤيدها ، ويعينها على باطلها ، وعلى ظلمها ، وعلى عدوانها ، في الأرض هناك تكتلات ، وقد يكون التكتل على باطل ، هذا في الأرض ، ولكن في الآخرة يأتي الإنسان ربه فرداً ، ليس له شيء إلا عمله الصالح .
 إذا وقعت عين الأم على ابنها يوم القيامة تقول : يا بني ، هل من حسنة منك أرجو ثوابها ؟ قال : يا أمي ، ليتني أستطيع ذلك ، إنما أشكو مما أنتِ منه تشكين ، قالت : يا بني ، ألم يكن لك صدري سقاءً ، وبطني وعاءً ، وحجري غطاءً ، قال لها : ليتني أستطيع ذلك .

 

﴿ فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ (101)﴾

( سورة المؤمنون الآية : 101 )

 انتهت كل علائق الأرض ، لذلك أغبى أغبياء أهل الأرض هؤلاء الذين يبطشون، ويقتلون ، ويهدمون ، ويظنون أنهم لن يحاسبوا :

 

﴿ إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (36)﴾

معجزة النبي معجزة مستمرة فكلما تقدم العلم كشف عن جانب كان غائباً عن الناس :

 قال تعالى :

 

﴿ وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آَيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آَيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (37)﴾

( سورة الأنعام )

 لأنه بلغهم أن أنبياء الله السابقين جاؤوا بمعجزات حسية ، فسيدنا إبراهيم ألقي في النار ولم يحترق ، وسيدنا موسى جعل عصاه ثعباناً مبيناً ، وهكذا ، وفاتهم أن هؤلاء الأنبياء إنما بعثوا إلى أقوامهم فحسب ، لذلك كانت معجزاتهم حسية ، لأقوامهم فقط ، فيؤمن بها من رآها ، ومن لم يرها قد يؤمن وقد لا يؤمن ، لكن غاب عنهم أن النبي e خاتم الأنبياء والمرسلين ، ولكل البشر أجمعين ، وأن كتابه آخر الكتب ، لذلك لا بد من أن تتحد معجزته بمنهجه ، واتحاد المعجزة بالمنهج هي أن في القرآن آيات كثيرة فيها إشارات تعد سبقاً علمياً ، فكلما تقدم العلم كشف عن جانب من عظمة هذه الإشارات ، وهذا دليل قطعي أبدي سرمدي مستمر على أن هذا القرآن كلام الله ، لذلك غاب عنهم أن معجزة النبي e أبلغ من أية معجزة، إنها ليست كتألق عود الثقاب تتألق ثم تنطفئ فتصبح خبراً يصدقه من يصدقه أو يكذبه من يكذبه ، إن معجزة النبي e معجزة مستمرة ، فكلما تقدم العلم كشف عن جانب كان غائباً عن الناس ، مثلاً حينما يقول الله عز وجل :

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً (26)﴾

( سورة البقرة : 26 )

 بعوضة ذُكرت في كتاب الله ؟ في وحي السماء ؟ في منهج الله عز وجل ؟ بعوضة !

 

خلق البعوضة آية من آيات الإعجاز العلمي :

 قال تعالى :

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً (26)﴾

( سورة البقرة : 26 )

 ما قيمة هذا المخلوق الهين على الناس ؟ وقد أشار النبي إلى ذلك ، فعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( لَوْ كَانَتْ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ ))

[الترمذي عن سهل بن سعد ]

 بعوضة ذُكرت في سورة البقرة ، فلما اخترع المجهر الإلكتروني الذي يكبر أربعمئة ألف مرة ووضعت البعوضة تحته ، تبين أن في رأسها مئة عين ، وفي فمها ثمانية وأربعين سناً ، وفي صدرها ثلاثة قلوب ، قلب مركزي ، وقلب لكل جناح ، وفي كل قلب أذينان وبطينان ودسامان ، ومع البعوضة أجهزة لا تملكها الطائرات ، جهاز استقبال حراري ترى الأشياء لا بأشكالها ، ولا بأحجامها ، ولا بألوانها ، ولكن بحرارتها ، وحساسية هذا الجهاز واحد على ألف من الدرجة المئوية ، ومعها جهاز تحليل دم فما كل دم يناسبها ، ينام أخوان على سرير واحد ، يستيقظ الأول وقد ملئ بلسع البعوض ، والثاني لم يصب بشيء ، معها جهاز تحليل للدم ، ولكي يسلك الدم في خرطومها الدقيق لا بد من أن يتميع ، معها جهاز تمييع دم ، ولئلا تقتل في أثناء امتصاص الدم معها جهاز تخدير ، فمن جهاز استقبال حراري رادار ، إلى جهاز تحليل ، إلى جهاز تمييع ، إلى جهاز تخدير .
أما خرطومها لما وضع تحت المجهر الالكتروني تبين أن له ست سكاكين ، أربع سكاكين لإحداث جرح مربع ، وسكينان تلتئمان على شكل أنبوب امتصاص الدم ، وتبين في أرجل البعوضة مخالب كي تقف على سطح خشن ، ومحاجم على أساس تفريغ الهواء كي تقف على سطح أملس . إذاً : هذه الآية من آيات الإعجاز العلمي ، هذا متى عُرِف ؟ بعد اكتشاف المجهر الالكتروني ، إذا قال الله عز وجل :

 

﴿ مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ (3)﴾

( سورة الملك الآية : 2 )

 ليس معنى التفاوت بالحجم ، بين البعوضة والحوت الأزرق مسافة كبيرة جداً ، الحوت الأزرق فيه ما يقدر بخمسين طنّاً من اللحم ، وخمسين طنّاً من العظم ، وخمسين طنّاً من الدهن ، وتسعين برميلاً من الزيت ، ويرضع وليده ثلاثمئة كغ في كل رضعة ، ثلاث رضعات في اليوم ، وطنّاً من الحليب ، فهناك تفاوت كبير بين البعوضة وبين الحوت ، لكن معنى الآية :

﴿ مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ ﴾

 في إتقان الصنعة ، نحن كبشر نصنع صناعة متقنة جداً وصناعة رخيصة للاستهلاك الخفيف قطعة للمنزل ، أما قطعة الصناعة من مواد أولية عالية جداً ، لكن الله تعالى يقول :

﴿ مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ ﴾

معجزة نبينا محمد هي الكتاب الذي أنزل عليه وهو القرآن الكريم :

 إذاً : قضية أن تأتي النبي e آية حسية هذه قضية متعلقة بالأنبياء السابقين ، الذين جاؤوا لأقوام محدودين ، والمعجزة لهؤلاء فقط ، أما أن يأتي نبي لكل الأمم والشعوب ، ولآخر الزمان ، وكتابه آخر الكتب ، فلا بد من تلازم بين المعجزة وبين المنهج ، الإنجيل شيء ، وسيدنا عيسى أحيا الميت شيء آخر ، التوراة شيء ، وسيدنا موسى جعل البحر طريقاً يبساً شيء آخر ، أما النبي الكريم عليه أتم الصلاة والتسليم معجزته هي كتابه ، المعجزة في القرآن الكريم .

 

﴿ وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آَيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آَيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (37)﴾

 أراد الله العلاقة بينه وبين العباد علاقة حب ، وعلاقة ود ، وعلاقة اختيار ، وعلاقة طواعية ، وعلاقة مبادرة شخصية ، ما أرادها علاقة قهر وسيطرة ، ولو أراد الله أن يخضع الناس جميعاً له لجعلهم أمة واحدة ، إذاً : إن الله عز وجل قادر أن ينزل آية تجبر الناس على الإيمان ،

﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾

 أنّ هذا الإيمان القسري لا يسعد صاحبه .
 تماماً كما لو أن رئيس جامعة أراد أن ينجح كل الطلاب ، قضية سهلة جداً ، يوزع أوراق الامتحان مطبوع عليها الإجابة التامة ، والعلامة مئة من مئة ، لكن يكلف الطالب كتابة اسمه ، لكن هذه الدكتوراه لا تساوي شيئاً لا عند رئاسة الجامعة ، ولا عند المجتمع ، ولا عند صاحبها ، لا قيمة لها إطلاقاً ، فأن تقول : ألا يستطيع رئيس الجامعة أن ينجح جميع الطلاب ؟ بلى ، ولكن هذا النجاح لا قيمة له إطلاقاً ، هذه معنى قوله تعالى :

﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آَيَة مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آَيَة وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

النمل من آيات الله الدالة على عظمته :

 ثم يقول الله عز وجل :

 

﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (38)﴾

( سورة الأنعام )

 أيها الأخوة الكرام ، أريد أن أشرح لكم هذه الآية من خلال بحث علمي عن مجتمع النمل ، فالنملة حشرة اجتماعية راقية ، موجودة في كل مكان وفي كل وقت وزمان ، بل إن أنواع النمل تزيد عن تسعة آلاف نوع ، وبعض النمل يحيا حياة مستقرة في مساكن محكمة ، هذا المجتمع المدني للنمل ، وبعض النمل يحيا حياة الترحال كالبدو تماماً ، هذا مجتمع البدو عند النمل ، وبعضهم يكسب رزقه بجده وسعيه بمجتمع حضاري ، وبعضهم يكسب رزقه بالعدوان والسيطرة ، هذا إرهابي .
 النمل حشرة ذات طبع اجتماعي فإذا عُزلت عن أخواتها ماتت ، ولو تهيأ لها غذاء جيد ، ومكان جيد ، وظروف جيدة ، فهي كالإنسان ، إذا عزلته في مكان بعيد عن الضوء والصوت والساعة والزمن والليل والنهار عشرين يوماً فقد توازنه ، واختل عقله .
 تُعلم النملة الإنسان درساً بليغاً في التعاون ، فإذا التقت نملة جائعة بأخرى شبعى تعطي النملة الشبعى للجائعة خلاصات غذائية من جسمها ، ففي جهازها الهضمي جهاز ضخ تطعم به غيرها من جياع النمل ، ومعها جهاز مص لتأكل ، الإنسان مص فقط لا يضخ شيئاً ، لذلك قال r :

(( ليس المؤمن الذي يبيت وجاره إلى جنبه جائع ))

[ رواه علقمة بن أبي علقمة عن أمه عن عائشة ]

 أيها الأخوة ، لقد رصد العلماء طرق معيشة النمل ، وأدهشهم عملها الجاد الدؤوب في تحصيل أرزاقها ، والتعاون ، وتوزيع الوظائف فيما بينها بكل دقة وجدية ، فللنمل ملكة كبيرة الحجم ، مهمتها وضع البيض ، وإعطاء التوجيهات ، ولها مكان آمن في مساكن النمل ، لها قصر ، وهي على اتصال دائم بكل أفراد المملكة .

 

بعض من مهام النمل :

 الإناث العاملات عند النمل لها مهمات متنوعة ، من هذه المهمات : تربية الصغار ، وهذا يشبه عندنا قطاع التعليم ، وفي النمل عساكر لها حجم أكبر ، ولها رأس صُلب ، كأن عليه خوذة ، وهذا يشبه قطاع الجيش في حراسة المملكة ، وحفظ الأمن ورد العدوان ، ومن مهمات العاملات : تنظيف المساكن والممرات ، وهذا يشبه قطاع البلديات ، ومن مهماتها سحب جثث الموتى من المساكن ، ودفنها في الأرض ، وهذا يشبه مكاتب دفن الموتى ، ومن مهماتها أيضاً جلب الغذاء من خارج المملكة ، وهذا يشبه قطاع المستوردين ، ومن مهماتها زرع الفطريات ، وهذا يشبه قطاع الزراعة ، ومن مهمات العاملات تربية حشرات تعيش النمل على رحيقها ، وهذا يشبه قطاع مربي الماشية .
 إن للنمل نظاماً دقيقاً لمعاشه ، فله قائد يوجهه ويأمره ، وله مساكن يعيش فيها ، وهذه المساكن مقسمة إلى غرف معيشة ، ومستودعات لتخزين المُؤَن ، ولها دهاليز معقدة عليها حراسة مشددة على مدار الساعة ، ويجتمع في تلك المساكن قرى كاملة كأنها مستعمرات تصل بينها طرق ومسالك ، حيث تهتدي بها إلى سطح الأرض .
 يعمل النمل في قراه بموجب انضباط مدهش وصارم للغاية ، وبإشراف النمل الذي كبرت رؤوسه ، وعظمت خراطيمه ، دققوا الآن في تفسير قوله تعالى :

﴿ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ ﴾

 يبني النمل المدن ، ويشق الطرقات ، ويحفر الأنفاق ، ويخزن الطعام في مخازن وصوامع ، وبعض أنواع النمل يقيم الحدائق ، ويزرع النباتات ، وبعض أنواعه يشن حروباً على قبائل أخرى ، هذه تعرفونها ، من أجل الحرية طبعاً ، قال الله عز وجل :

﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ﴾

 هناك نوع من النمل يبني بيوته فوق الأرض ، من أوراق الأشجار وأغصانها ، ويكثر هذا تحت شجر الصنوبر ، أو ينحت هذه البيوت في الأشجار العتيقة كما يتخذ الإنسان من الجبال بيوتاً ، ومع أن النمل لا يملك الآلات والعدد فإنه يبني أبراجاً في غاية الدقة والإحكام ، مستعيناً بمقص فمه الحاد ، حيث يمضغ ما يقصه حتى يصبح كالعجين ، ولعل ما بناه القدماء المصريين في مساكنهم وأهراماتهم كان تقليداً للنمل .
 يبقى صغار النمل في الديار لحفر الحجرات ، تحفر هذه الصغار الحجرات ، وتبني السراديب ، وتنمو وهي فيها ، بالإضافة إلى وجود المربيات ، وبعض النمل مسؤول عن الحراسة ، والتنظيف ، وحفظ وترتيب المُؤَن التي يحضرها النمل العامل ، وهو يأبى كل الإباء أن يتطفل عليه لمعرفة نظامه العجيب في الحياة .

 

بعض الغرائز التي أودعها الله في النمل :

 وقد وجد العلماء أن النمل حينما يغادر قريته يرسل في كل مسافة معينة مادة كيمائية لها رائحة حتى يستطيع التعرف إلى طريق عودته ، عندما يمشي يحدث نقاط فيها مواد كيمائية ، حتى تكون هذه المواد علامات في طريق العودة ، وأنه أحدهم حينما أراد إزالة هذه المادة لم يستطع النمل الاهتداء إلى طريق عودته ، وإذا رأت النملة شيئاً مفيداً لا تقوى على حمله نشرت حوله بعض الرائحة ، وأخذ منه قدراً يسيراً ، وكرت راجعة إلى أخواتها ، وكلما رأت واحدة منهن أعطتها شيئاً مما معها كي تدلها على مكان هذه الوجبة الدسمة ، حتى يجتمع على ذلك الشيء جماعات منها يحملونه ويجرونه بجهد وعناء ، متعاونين على نقله ، علماً بأن للنمل قوى عضلية بالنسبة إلى حجمه تزري بقوة أعظم المصارعين والرياضيين .
 كما وجد العلماء أن النملة ـ دققوا الآن ـ ينشر عند موته رائحة خاصة تنبه بقية الأفراد على ضرورة الإسراع بدفنه ، عندما تموت النملة ، قبل أن تموت ترسل إشارة ورسالة : أن تعالوا ادفنوني ، وعندما قام أحد العلماء بوضع شيء من هذه المادة على جسم نملة حية سارع باقي النمل إلى دفنها ، معه نص ، انتهى ما في مجال ، أرسلت نص ، أن تعالوا وادفنوني ، أنا لست ميتة ، أبداً ، فدفنوها .
 النمل من الحيوانات والحشرات القليلة التي أودع الله فيها غريزة ادخار الغذاء ، فهو يحتفظ بالحبوب في مسكنه الرطب الدافئ تحت الأرض دون أن يصيبها تلف ، ويتفنن النملة في طرق الادخار بحسب أنواعه ، فهو يقطع حبة القمح نصفين ، حتى لا تنبت ويقشر البقول لئلا تنبت من جديد ، أو يتركها أسابيع في تهوية وحرارة معينة ، ويسمح لها بعد ذلك بالإنبات ، فتنمو .
 الموضوع أيها الأخوة موضوع دقيق جداً ، الله عز وجل أثبت لها المعرفة قال :

 

﴿ حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (18)﴾

( سورة النمل )

 هذه معرفة ، ولغتها لغة كيماوية ، وللنملة مخ صغير ، وخلايا عصبية ، وأعصاب لتقدير المعلومات ، وخرائط كي تهتدي بها إلى مواقع الغذاء .
 للنملة أيضاً رأس ووسط وذيل اسطواني ، ولها ستة أرجل تقدر بها على الجري السريع ، ولبعضها أجنحة للوثوب ، لها خمسة أعين ، عينان مركبتان على جانب الرأس مكونة من أعين بسيطة تعد بالمئات ، وهي ملتئمة الوضع والتركيب والترتيب ، حيث ترى وكأن لها عين واحدة ، والثلاث العيون الباقية موضوعة على شكل مثلث يعلو العينين المركبتين ، وهي أعين بسيطة لا تركيب فيها .

 

النمل أقرب الحشرات إلى الإنسان في أفعاله :

 أيها الأخوة ، النملة تملك نوعاً من التصرف العقلاني وهي من أذكى الحشرات ، وهي ترى بموجات ضوئية لا يراها الإنسان ، ولغة النمل كيماوية لها وظيفتان : التواصل والإنذار ، فلو سحقت نملة فإن رائحة تصدر عنها تستغيث بها النملات ، إذا كان هناك خطر يمكن لجماعة النمل القضاء عليه ترسل رسالة استغاثة ، أما إذا كان الخطر أكبر من طاقة جماعات النمل ترسل رسالة تحذير ليبتعدوا ، عندها ثلاث رسائل : تعالوا ادفنوني ، أو ابتعدوا ، أو اقتربوا .
 للنمل جهاز هضم مدهش ، فيه فم ومري ومعدة وأمعاء ، وجهاز مص ، كما قلت قبل قليل ، وضخ ، ويَعرف النمل بعضه بغير علامة ، والتودد موجود بين أهل القرية الواحدة فقط ، ما عدا ذلك فعداء مستحكم ، حيث يمكن أن تنشب الحروب بين عدة قرى من النمل فتنتظم في صفوف قتالية ، وتحدث المعارك ، ويقع القتلى والجرحى ، ويتخذ النمل المنتصر الأسرى ليجعلهم خدماً في قراه ، ويقوم بدفن موتاه في مقابر خاصة ، كما ينظف أرضه من جثث أعدائه حتى قيل أن النمل أقرب الحشرات إلى الإنسان في أفعاله ، وقد يصبح النمل قوة مزعجة مهلكة شديدة الخطر على الإنسان نفسه ، حيث يمكن أن يقوض دعائم المساكن الخشبية حتى تتداعى عروشها ، أو يكون مستعمرات في دور الكتب حيث يقوم بإتلاف الورق أكلاً وتمزيقاً ، سيدنا علي كرم الله وجهه يقول : " انظروا إلى النمل في صغر جثتها ، ولطافة هيأتها ، لا تكاد تنال بلحظ البصر ، ولا بمستدرك الفكر ، كيف دبت على أرضها ، وصبت على رزقها ، تنقل الحبة إلى جحرها ، وتعدها في مستقرها ، تجمع في حرها لبردها، وفي وردها لصدرها ، مكفولة برزقها ، مرزوقة بوسقها ، لا يغفلها المنان ، ولا يحرمها الديان ولو في الصفا الوابد ، والحجر الجامد ، ولو فكرت في مجاري أكلها ، في علوها وسفلها ، وما في الجو من شراشيف بطنها ، وما في الرأس من عينها وأذنها ، لقضيت من خلقها عجباً ، ولقيت من وصفها تعباً ، فتعالى الله الذي أقامها على قوائمها ، وبناها على دعائمها ، لم يشركه في فطرتها فاطر ، ولم يعنه على خلقها قادر ، لا إله إلا هو ، ولا معبود سواه " .
 أردت من هذا البحث أيها الأخوة أن أبين معنى قوله تعالى :

﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ ـ والنملة دابة ـ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ ﴾

 ثمة عالم وضع في عش طائر بيضة ليست منه ، فلما فقست ورآها ليست منه قتل زوجته ، لأنها خانته .
 الغربان يأكلون أحياناً جوز الهند ، ولها غلاف خشبي قاسٍ جداً ، يصعدون إلى أعالي السماء ، ويلقونها ، تنكسر في الأرض ، يكون حول هذه الجوزة مئات الغربان ، هناك عُرف أنّ هذه من حق الذي صعد إلى أعالي السماء وألقاها من هناك ، ليس هناك خطف ولا سرقة .

 

الفرق بين الأمر التكويني والأمر التكليفي :

 طبعاً هذه المعلومات أيها الأخوة مفادها أن هؤلاء المخلوقات :

 

﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (38)﴾

 هذا النظام البديع ، وهذه القدرات الفائقة ، وهذا التعاون المدهش ، وهذا التنسيق ، وهذا التخصيص ، بمجتمع النمل شيء لا يصدق ، لكن هذا كله بأمر تكويني ، أما الإنسان إذا صدق ، وأتقن عمله فهذا بأمر تكليفي ، وفرقٌ كبير بين الأمر التكويني وبين الأمر التكليفي ، عندما ينجح طالب بالامتحان بجهده ، ودراسته ، وتعبه ، وبحثه ، وقراءته ، وحفظه ، وتجاربه شيء ، وعندما يتلقى ورقة الامتحان مكتوب عليها الجواب شيء آخر .
 هذا النظام البديع ، وهذه الدقة والتنسيق بالوظائف ، وهذا القيام بالواجبات على أعلى درجة هذا بأمر تكويني ، أما الإنسان حينما ينشئ مجتمعاً راقياً في أمانة وصدق وعفاف فهذا إنسان مكلف ، ويستحق الجنة على هذا الالتزام ، فرق كبير بين انضباط الإنسان لأنه إذا انضبط بأمر تكليفي ، وبين انضباط الحيوان بأمر تكويني ، لأنه لا أجر له ، الحيوان غير مكلف ، أما الإنسان فمكلّف .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018