الخطبة : 0966 - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر 4 ، التطرف في إنكار المنكر - الأمر تضامن لآخرتنا . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0966 - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر 4 ، التطرف في إنكار المنكر - الأمر تضامن لآخرتنا .


2005-06-03

 الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده، ونستعين به، ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله، سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين.
 اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

 أيها الإخوة الكرام، لازلنا في الفريضة السادسة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا زلنا في أكبر مشكلة يعاني منها العالم الإسلامي، وقد وصفها النبي عليه الصلاة والسلام، فقال:

 

(( كيف بكم إذا لمْ تأمروا بالمعروفِ ولم تَنْهَوْا عن المنكر؟ " قالوا: يا رسول الله، وإنَّ ذلك لكائن؟ قال: " نعم، وأشدُ، كيف بكم إذا أمرتُم بالمنكر، ونهيُتم عن المعروف؟ " قالوا: يا رسول الله، وإنَّ ذلك لكائن؟ قال: " نعم، وأَشدُّ، كيف بكم إذا رأيتُمُ المعروفَ منكرا والمنكرَ معروفاً " ))

 

من حديث ضعيف، أخرجه زيادات رزين

 تبدلت القيم، أصبح الذي يأكل المال الحرام عند الناس ذكياً، وأصبحت الفتاة المتفلتة في موضع إعجاب وتقدير، وأصبح المنافق لبقاً.. إلى نهاية القيم التي ما أنزل الله بها من سلطان.

العبادات والتعامل مع الناس:

 أيها الإخوة الكرام، لا يقبل ولا يعقل، أن يكون الفرق بين المسلم وغير المسلم تلك العبادات الشعائرية ليس غير، الفرق كبير جداً في المنطلقات، في التعاملات، في المواقف، في المبادئ، في القيم، في المنهج..
 فلذلك أيها الإخوة الكرام، العبادات الشعائرية لا تنفع ولا تجدي إلا إذا صحت العبادات التعاملية، والحديث عن هذا يطول، فكل العبادات الشعائرية عند الله ليست نافعة لصاحبها، إلا إذا صح التعامل مع الناس وفق مراد الله، وهذا لا يكون إلا بتحقيق الفريضة السادسة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

 

سبب التطرف في إنكار المنكر:

 المسلمون إذا رأوا المنكر، فبحسب فطرتهم، وبحسب قيمهم المتوارثة، يغضبون، ويغارون، ويغلي دمهم في عروقهم، فإن وجدوا مجالاً طبيعياً إلى إنكار المنكر اكتفوا به، ولم يزيدوا عليه، مادام هناك قناة مسموح بها لإنكار المنكر، فالناس يكتفون بإنكار المنكر، ولا يزيدون عليه.
 لكن حينما يفقد الناس هذه القناة الآمنة في إنكار المنكر، عندئذ يجتهدون، فإما أن يصيبوا، وإما أن يخطؤوا، لذلك أي إنسان: وليكن مدير مؤسسة، مدير مستشفى، مدير مدرسة، صاحب شركة، رب أسرة، إذا سمح بالإنكار، كانت القناة آمنة واضحة نظيفة، وتفاعل كل أفراد المؤسسة، أو المستشفى، أو الأسرة..
 أما إذا منع الاعتراض، ولو كان شيخاً، ولو كان مدير مؤسسة، مدير مستشفى، رئيس جامعة، إذا منع أي أنواع الاعتراض، عندئذ يلجأ الناس إلى وسائل قد تكون مقبولة، وقد تكون غير مقبولة..
 ولعل من أشد أنواع بلاء المسلمين أن قنوات إنكار المنكر مغلقة، لذلك ظهر التطرف، وظهرت الممارسات الشاذة، التي جرَّت على المسلمين ويلات لا تعد ولا تحصى.
 الطرف الآخر يرى المسلمين قتلة، إرهابيين، مجرمين، لأن قنوات إنكار المنكر ليست مفتوحة، فهؤلاء الشباب جرى الدم في عروقهم فاجتهدوا، أخطؤوا أو أصابوا، لذلك نعاني ما نعاني من اجتهادات متسرعة، ليست وفق المنهج الشرعي، جرَّت على المسلمين في هذا الوقت المعاصر ويلات لا تعد ولا تحصى.

 

الإنكار المتعجل ومفسدة السكوت:

 أيها الإخوة الكرام، أحياناً يكون الإنكار المتعجل للمنكر، مسبباً لمأساة للمسلمين هي أضعاف مضاعفة من المنكر الذي أراد الشاب إزالته.
 لكن بالمقابل، هذا الذي يشعر بحساسية بالغة من مفسدة الإنكار المتعجل، غير منطقي أن لا يشعر بمفسدة السكوت على المنكر، عند الناس حساسية بالغة من مسلم نهى عن المنكر، ولم يكن حكيماً، فجرَّ ويلات على المسلمين، لكن لماذا الناس يسكتون على المنكرات؟
 السكوت على المنكرات أفظع في حياة الناس من اجتهاد خاطئ في إنكار المنكر!!

 

صفات الشخص المنكِر:

 أيها الإخوة الكرام، الشخص المنكِر يجب أن يتمتع بالعلم والحكمة والصدق، وعندئذ، تقلّ احتمالات حدوث إنكار متسرع غير متزن.
 إذا وجد من ينكر المنكر بوسطية واعتدال، وتفهم وعلم، وحكمة ورحمة، عندئذ لا نجد إنكاراً متسرعاً مرتجلاً بعيداً عن المنهج الشرعي..
 أما إذا فقِد الإنكار الشرعي للمنكر، فعلى المجتمع أن يتحمل ظهور إنكار متسرع مرتجل غير شرعي، يجرُّ على الأمة الويلات، ثم الويلات..
 فالشخص المنكر يجب أن يتمتع بالصفات التالية:

 

1) العلم والدليل:

 لا بد من أن تعلم أيها الأخ المنكِر، أن هذا الذي تنكره، هو منكر بإجماع العلماء.
 كيف تنكر وأنت لا تعلم أنه منكر؟ لعله مباح، لعلك لم تألفه في حياتك، لعله مغطى بنص قطعي الدلالة، إذاً لا يمكن أن تنكر منكراً، إلا إذا كنت على علم قطعي أن هذا الذي تنكره منكر بإجماع العلماء، أو هذا الذي تأمر به معروف بإجماع العلماء، ومعك الدليل الثابت والقطعي الدلالة.
 هل يصح أن نقول لأي إنسان: مر بالمعروف و انهَ عن المنكر؟ هذا مستحيل، يجب أن يتوافر في الذي ينكر، أو الذي يأمر، العلم الذي يجعله متيقناً قطعاً أن هذا معروف أمر به، وأن هذا منكر أنكره، أما الذي ينكر على جهل، فقد يفسد أكثر مما يصلح.
 لذلك ترى كثيراً من الجهال ينكرون ما لم يألفوا: إذا صلى الإنسان الفرض، وخرج من المسجد، هناك من ينكر عليه لضعف معرفته بالسنة، النبي عليه الصلاة والسلام أمرنا أن نصلي السنن الرواتب في بيوتنا، وألا نجعل البيوت قبوراً، فقد تجد إنساناً يجهل هذا الأمر الشرعي، يجهل الأحاديث الصحيحة في هذا الموضوع، فإذا صلى أحدهم الفرض، وخرج من المسجد أنكر عليه.
 فلا تنكر إلا على علم يقيني أن هذا الذي تنكره منكر بإجماع العلماء.

 

 

2) الرفق والحلم:

 شيء آخر أيها الإخوة الكرام، يجب أن يكون الشخص المنكر رفيقاً وحليماً، لا بد للآمر الناهي أن يروّض نفسه على الرفق والحلم، التشنج والانفعال قد يسبب إخفاقاً في إنكار المنكر، بل قد يؤدي إلى مضاعفة المنكر نكايةً.
 وكثير من المنكرات إذا رآها الغيور يغضب، ويشتد غضبه، مهما كان فيه انضباط وحرص على إلجام نفسه، فالأخ المنكِر يجب أن يتمتع بالحلم والرفق وسعة الصدر، لأن الذي تنكر عليه قد يكون فظاً غليظ القلب، قد يقسو عليك بالكلمات، قد يسخر منك، فلا بد من سعة صدر، وحلم ورفق وحكمة، لا بد من خلق رفيع، يتمتع به الشخص المنكِر.

 

3) العدل والإنصاف:

 أيها الإخوة الكرام، هناك شرط خطير جداً، أنت إذا أنكرت المنكر يجب أن تكون عادلاً، وأن لا تنسى فضائل هذا الإنسان الذي أمامك..
 أن تتجاهل كل إيجابياته، وكل فضائله، وتكتفي بتكبير نقائصه، هذا ليس عدلاً ولا إنصافاً.
 يستقى ذلك من أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يصلي بأصحابه، فجاء رجل ليلحق معه الركعة الأولى، فأحدث في المسجد جلبة وضجيجاً، شوش على الصحابة الصلاة، فلما انتهت الصلاة قال عليه الصلاة والسلام:

 

(( زادك الله حرصاً، ولا تعد ))

 

من حديث صحيح، أخرجه البخاري

 ما غاب عن النبي عليه الصلاة والسلام أن هذا الإنسان حرص على أن يلحق الركعة الأولى معه.
 عندك موظف أردت أن تنكر عليه تأخره، لا بد من أن تذكر له أمانته ومحبته، وولاءه وصدقه، وحرصه على المصلحة العامة، ثم أضف: لكن هناك مأخذ صغير، هو التأخر..
 أنت حينما تنكر على ابنك شيئاً، وتتجاهل إيجابياته، فأنت تحطمه بهذه الطريقة.
 أنت حينما تنكر على زوجتك شيئاً، وتتجاهل إيجابياتها أنت تحطمها بهذه الطريقة.
 ينبغي فضلاً عن العلم وعن الرفق والحلم، أن تكون عادلاً في إنكار المنكر، وأنا أنصح أن تبدأ بذكر الإيجابيات قبل ذكر السلبيات، اذكر إيجابيات هذا الذي أمامك، فإنه يطمئن ويرتاح، يراك منصفاً، يراك عدلاً، يراك تعلم خصائصه الإيجابية، عندئذ يكون هذا تمهيداً لذكر السلبيات.

 

4) الحكمة:

 أيها الإخوة الكرام، الشرط الرابع: أن يكون الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر حكيماً، وقضية الحكمة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تشْكِل على كثير من الناس..
 بعض الناس يظن أن الحكمة تقتضي ترك الأمر بالمعروف، وترك النهي عن المنكر، وكلمة الحكمة واسعة، فتحت حجة الحكمة لا نفعل شيئاً، ولا ننكر منكراً، ولا ننهى عن خطأ، ولا نأمر بمعروف، كله تحت غطاء الحكمة، فالحكمة مصيدة الشيطان أحياناً..
 الذي توضأ فلم يحسن الوضوء أمام الحسن والحسين، رضي الله عنهما، وهو شيخ كبير، وهما شابان صغيران، كيف لفتا نظره إلى خطئه؟ كلفاه أن يحكم بينهما في وضوئهما، فانتبه هذا الشيخ إلى خطئه..
 هناك ألف طريق تنكر به المنكر، دون أن تزعج الذي تنكر عليه، إذاً تحت حجة الحكمة قد تقول: لا أنكر، ولا آمر، ولا أتكلم كلمة، والمنكرات تزداد، وهذا مغطى بما يدعيه الضعاف أنه حكمة.
 أيها الإخوة الكرام، الحكمة تعني أن تختار اللين أو الشدة، الحكمة تعني أن تختار التصريح أو التلميح، الحكمة تعني أن تختار العلن أو الإسرار..
 فهناك منكر يفعله الإنسان جهاراً نهاراً متحدياً مستخفاً بدين من حوله، مثل هذا المنكر يجب أن ينكر علانية.
 وهناك إنسان ارتكب خطأ، واستحيا به، لا تحمِّر وجهَه، أنكر عليه بينك وبينه.
 هناك إنسان متجبر، هذا يحتاج إلى قسوة.
 هناك إنسان متلطف، فهذا يحتاج إلى لطف.
 أيها الإخوة الكرام، هناك إنسان له عقل، ويستشير، وهناك إنسان له عقل، لكن لا يستشير، وهناك إنسان ليس له عقل، ولا يستشير..
 الحقيقة أكمل حالة أن يكون لك عقل، وأن تستشير، والحالة الأدنى أن يكون لك عقل، ولا تستشير، لكن الحالة الداء الخطيرة، أنك لا تدري، ولا تدري أنك لا تدري.
 أيها الإخوة الكرام، إن للقلوب إقبالاً وإدبارًا، وللنفوس قتامة وإشراقًا، فينبغي أن تكون حكيماً في أن انتهاز المناسبة..
 إنسان في ساعة ود، في ساعة صفاء، في ساعة إقبال، له ثقة بك، في هذه الحالة مُره بالمعروف، وانهه عن المنكر.
 إنسان في مصيبة، في حالة ضجر، في حالة غضب، دعه، نفسه الآن ليست مستعدة أن تتقبل أمراً أو نهياً.
 والحقيقة، أن حكمة الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر تتجلى أن يكون تلميحاً أو تصريحاً:

 

(( ما بال أقوام يقولون كذا وكذا ؟ ))

من حديث صحيح، أخرجه البخاري

 

 هذا التلميح، أما التصريح أن تذكره بالمنكر شخصياً، قد يكون هذا إسراراً بينك وبينه، أو إعلاناً، إذا كان المنكر يعمل جهاراً مع التحدي والفخر والمجاهرة، فيجب أن يكون الإنكار معلناً، والإنسان إذا أخطأ، فلا تحمِّر وجهَه، التمس له عذراً، حاول أن تنصحه بينك وبينه.

5) الصبر:

 الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، يجب أن يتحلى بالصبر، فإن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر معرض للأذى، فينبغي أن توطن نفسك على تعليق ساخر، وعلى كلمة قاسية، وعلى تحدٍّ لئيم..
 هذا الذي يريد الجنة يدفع ثمنها، لا تظنن أبداً أن طريق إنكار المنكر والأمر بالمعروف، طريق محفوف بالورود والرياحين، لا، إنه طريق محفوف بالمكاره والتعليقات السخيفة، والهجوم الباطل، والرد الساخر، وما إلى ذلك..
 لذلك لا بد من الصبر، والدليل القطعي على ذلك، قوله تعالى:

 

﴿ يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ ﴾

 

( سورة لقمان: 17)

 لماذا جاءت كلمة: } وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ { بعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ لأن كل آمر بالمعروف، وكل ناهٍ عن المنكر، سيصيبه أذىً، فعليه أن يصبر.

6) الاكتفاء بالتبليغ:

 يروى أن مروان بن عبد الملك، من خلفاء بني أمية، أراد أن يخطب خطبة العيد قبل صلاة العيد، خلافاً للسنة، فأحد التابعين نبهه إلى ذلك، فلم ينتبه، فقال صحابي من الذين عاشوا إلى زمانه: " أما هذا فقد أدى الذي عليه ".
 أنت حينما تنكر منكراً، أو تأمر بالمعروف، فلست مطالباً بالإنجاز، حينما تذكِّر، تنتهي مهمتك، قال تعالى:

 

﴿ وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

 

( سورة الذاريات: 55 )

 فنبَّه الرجل الخليفة إلى أن صلاة العيد تكون قبل الخطبة، فلم يعبأ، وتابع صعوده للمنبر، فقال الصحابي: أما هذا فقد أدى الذي عليه.

الخوف من المنكرات مفهوم خاطئ:

 أيها الإخوة الكرام، هناك أخطاء في قضية المصلحة والمفسدة:
 أحياناً نبالغ في خوف المفسدة، فندع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والحقيقة أن العلماء يقولون: " الورع ليس في ترك المشتبِه بالمحرم أو المكروه، بل من الورع فعل المشتبِه بالمستحب، أو بالواجب أيضاً "
 لا يترك مشتبِه بواجب، بل يفعل، ومعظم الناس عند الشبهة، على ظن المفسدة، على ظن عدم الحكمة، فيدع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
 الناس أيها الإخوة الكرام، يؤثرون السلامة في أنفسهم، وأنا أقول: إن النبي عليه الصلاة والسلام لا يخطئ، لأنه معصوم، وهذا يجعله في أعلى عليين.
 وهناك إنسان لا يخطئ، لأنه لا يفعل شيئاً، وهذا في أسفل سافلين، لا يتكلم، ولا يلمح، ولا يصرح، ولا يسأل، ولا يجيب، هو سلبي، غائب عن المجتمع، متقوقع، هذا الذي لا يخطئ، لأنه لا ينطق بكلمة، هذا في أسفل السافلين.
 الناس يؤثرون السلامة، ويخافون من الفتنة، ويعتزلون مواطن المنكرات، والبعد عنها، مع قدرتهم على غشيانها، والإنكار على أصحابها، خوفاً على أنفسهم من هذه المنكرات.
 لذلك العباد مقاومتهم هشة، يؤثرون راحتهم النفسية في الدنيا، لكن الذي يخوض غمار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قد لا يتمتع بصفائهم، ولكن يحقق إنجازاًً كبيراً، لذلك من عاشر الناس فتحمل أخطاءهم أفضل بكثير ممن لم يعاشرهم، لأنه لا يتحمل أخطاءهم إلا بحالة قاهرة.
 إذا عاشرت الناس فَجَرّوك إلى المنكرات، عندئذ دعك منهم، واعتصم بحبل الله، واعتزلهم، هذه حالة خاصة، أما إذا عاشرتهم، وأنت قادر ألا تـنجرَّ إلى منكراتهم، لكنك نصحتهم، وألفت بين قلوبهم، ونهضت بهم، لا شك أنك أقل صفاءً من هذا الذي جلس في بيته يصلي، واعتزل الناس جميعاً، ولكنك أنجزت شيئاً عظيماً.
 لذلك كخلاصة أيها الإخوة الكرام، إن تحمل الضرر اليسير، من أجل تحصيل مصلحة عظيمة، أمر مطلوب شرعاً وعقلاً، وما يفقده المشتغل بالنهي عن المنكر، من راحة القلب لكثرة رؤية المنكرات، ثم لتأثر القلب بذلك، أمر يعد يسيراً أمام الإنجازات التي ينتظر أن تحقق من الأمر بالمعروف ومن النهي عن المنكر.

 

تسلَّم المناصب وكن مستقيماً:

 أحياناً، لثقة الناس بك، ولتدينك وأمانتك واستقامتك، ترشح للقيام بعمل، فمن يبتعد، ويخاف، ويقول: فتنة، لا أريد، يخسر.
 قبل أيام، أخ كريم رشح لمنصب رفيع، فاستشارني، قال: الذين حولي كلهم فاسدون، قلت له: إذا أراد الله أن يظهر للناس من هو المؤمن، فأنت لا ترغب بذلك؟ المؤمن صادق، المؤمن عفيف، المؤمن نزيه، فإذا دعيت إلى عمل، وأنت واثق من قدراتك، فتسلم هذا العمل لئلا يأخذه غيرك، فيفسُد ويفسِد، قال تعالى:

 

﴿ قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ﴾

 

( سورة يوسف: 55 )

 إذا كان المسلم سلبيًّا متقوقعًا ليس له علاقة بشيء، فهذا موقفه انهزامي.
 أنت مؤمن، أنت منصف، أنت رحيم، أنت عادل، أنت منضبط، أنت عفيف، أنت لا تكذب، لا تسرق، ودعيت إلى منصب، تسلم هذا المنصب، وبيّن للناس من هو المؤمن.
 بين للناس الفرق الكبير بين المؤمن وغير المؤمن، بين للناس نقاء المؤمن، صفاء المؤمن، طهارة المؤمن، عفة المؤمن، نزاهة المؤمن، لأن الناس لا يتعلمون بآذانهم، بل يتعلمون بأعينهم.
 لا يمكن أن تقوم لهذا الدين قائمة إلا إذا كان مطبقاً في مجتمع، أما أن يبقى في الكتب وفي الخطب وفي الأشرطة وفي الملفات وفي المؤتمرات فهذا ليس ديناً.
 الدين يجب أن تراه في الطريق، تراه في البيع والشراء، تراه في قضاء أوقات الفراغ، تراه في تعامل الناس، لذلك الطرف الآخر الذي يتهمنا بالجهل والقتل والإرهاب، هم قد يكونون معذورين، لأنهم ما رأوا مجتمعاً مسلماً متفوقاً، ما رأوا مجتمعاً مسلماً منضبطاً، ما رأوا مجتمعاً مسلماً قوياً، ما رأوا مجتمعاً مسلماً متمكناً.

نحن سبب بعض المنكرات:

 الحديث الآن أيها الإخوة الكرام في معظم العالم الإسلامي عن استنكار تدنيس المصحف، شيء فظيع، لكن الكلمة الجريئة هي: (نحن السبب).
 أيهما أشد جرماً: تدنيس المصحف، أم تعطيل أحكامه؟ لمّا عطلنا أحكامه ولم ندخله في مناهجنا، ولا في كسب أموالنا، ولا في استثمار أموالنا، وما أدخلنا المصحف في علاقاتنا الأسرية، ولا في أفراحنا، ولا في أتراحنا، لما هجرناه ضعفنا، فلما ضعفنا تطاولوا علينا، واستفزونا بأقدس ما نملك.
 نحن السبب، نحن هجرناه، فدنسوه، ولو أقمناه في بيوتنا لما جرؤوا أن يدنسوه، الكرة في ملعبنا، ونحن السبب.
 أنا أرى أن الإنسان العبقري يعزو كل ما حوله من مصائب إليه، هذه الحقيقة المرة التي هي أفضل ألف مرة من الوهم المريح.
 اجلس مع الناس، العوام يحمّلون كل الفساد في الأرض إلى العلماء.. والعلماء يحملون الأمراء.. والأمراء يحملون العلماء والعوام.. والمجموع يحملون الصهيونية العالمية والاستعمار...
 عملية سهلة جداً، نحن نهرب من مواجهة المسؤولية، نتنصل من تحمل المسؤولية، جميعنا مسؤولون عن كل أخطائنا، قادةً وشعوباً، علماءَ وغير علماء، نحن جميعاً مسؤولون عن كل أخطائنا.
 أيها الإخوة الكرام، حينما يتخلى المخلص الزاهد في الشهرة والجاه عن ميادين العمل، يفسح المجال للفاسدين المرتدين الكذابين المضللين ليحلوا محله، أي عمل تستطيع أن تخدم به المسلمين فشمِّر، وقل: استعنت بك يا رب، والله لن يخيبك.

 

إذا لم تنكر فأخبر من ينكر:

 أيها الإخوة الكرام، لو أن كل منا نقل لأحد العلماء الربانيين بعض المنكرات.. لكان ذلك خيراً من السكوت.
 حينما تجد مقالة في صحيفة تدعو إلى إلغاء الدين مثلاً، فانقلها لعالم ورع، عنده منهج، عنده حكمة، يلقي خطبة مؤثرة تنتفع بها الأمة جميعاً، فأنت تفعل خيراً..
 اجعل من يملك المنهج والحكمة هدفك، أعطه المعلومات، هذا هو تعاون الشاب مع الشيخ، قد ينكر الشاب إنكاراً بطريقة يسيئ بها إلى الدين، والشيخ لا يعلم ما يجري، هو منشغل بدروسه، بجامعه، بإخوانه، أنت حينما تنقل للشيخ مقالة نشرت في الجريدة تدعو إلى الإباحية، لا علم له بهذه المقالة، تفعل خيراً..
 الشباب مطالبون أن ينقلوا للعلماء الربانيين ما يرونه من منكرات، فالعالِم بحكمته ومكانته عند أولي الأمر يؤثر ما لا تؤثر أقوال الصغار.
 لذلك هناك علماء نهجوا هذا النهج، بدؤوا يشرحون بعض المفاسد في الإعلام، وفي الصحف، والمجلات، وتركت خطبهم آثاراً كبيرة.

 

 

اترك الكلام وابدأ العمل:

 أيها الإخوة الكرام، يقال: أن تشعل شمعة واحدة، خير من أن تلعن الظلام ألف مرة.
 نحن إذا جلسنا نلعن كل من حولنا، نلعن الفساد والمناهج، والإعلام، والصحف، في الطريق، أزياء النساء، فمهمتنا تنحصر في أن نلعن..
 قدم شيئاً، قدم نموذجاً، يكون الكلام قد انتهى، وبدأ العمل، نحن أصبحنا ظاهرة صوتية فقط، نريد العمل، قدّم شيئاً لهذا المجتمع، اعتنِ بتربية أولادك، هذا أعظم عمل، أعِن إنساناً مخلصاً على إتقان حرفته، طوّر صنعتك، كل شيء مفيد ونافع ينبغي أن نفعله، نحن الآن مع مهمات العمل، وليس مع الكلام.
 امرأة تجلس في سيارة عامة، وقد وضع سائق السيارة شريط غناء ساقط، من الذي يغنى في الملاهي الليلية، وفي أقذر الأماكن، والمركبة فيها فتيات محجبات، وقفت هذه المرأة، وقالت للسائق: هذا الشريط تسمعه في بيتك، أما هذه المركبة فليست ملكك، فاستحيى، وأوقف الشريط.
 نسكت، فيتسع الباطل، ويتمدد، ويقوى، والأخطر من ذلك، أن يصبح الأصل هو الباطل، بعد حين لو أردت أن تنطق بكلمة لا تستطيع، صار الباطل أصلاً في حياتنا، لأن سكوت المسلمين عن إنكاره جعله عند الناس مقبولاً.

 

 

معوقات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

 أيها الإخوة الكرام، هناك بعض المعوقات في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أول هذه المعوقات:

 

1- الخجل:

 ما ألف أن يقول كلمة الحق، يسكت، يبتسم، يجامل.
 إذا أنكر إنسان شيئاً علم من الدين بالضرورة في جلسة قل له: واللهِ أنا سمعت من بعض العلماء أن هذه الفكرة غير صحيحة، وهذا دليلها، فإنه يحجم عن أن يتكلم.
 بعض الأفكار خبيثة: سوف يكشفون عمر الإنسان، سوف يخترعون دواء لإطالة العمر، قل: القرآن نفى هذه الفكرة،، تكلم، لا تخجل، كي لا يتمادى، فالخجل أحياناً هو السبب في الإحجام عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
 الله عز وجل أهلك قوماً لأنهم كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه.

 

2- الذنوب الشخصية:

 إنسان ضعيف، مذنب، له مخالفات، هذه المخالفات تمنعه أن يقول كلمة في حياته، لا، أجمع العلماء على أنك لو كنت مقصِّراً ولك مخالفات، ورأيت منكراً يجب أن تنكره..
 طبعاً أنت إذا تركت هذا المنكر موقفك بين الناس أقوى بمليون مرة، لكن لا يمنعك أنك ضعيف أمام بعض شهواتك من أن تنكر منكراً، قال بعضهم:

 

 

 وإن لم يعظ في الناس من هو مذنب   فمن يعِظِ العاصين بعد محمد؟

 

 انوِ التوبة، قل: أنا سأتوب، وأنكر هذا المنكر.
 حالة ثانية: أنا لست عاصياً، ولكن لي أخ عاصٍ، فأستحي أن آمر بالمعروف، وأن أنهى عن المنكر، الله عز وجل قال:

﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾

( سورة الأنعام: 164)

 ما علاقتك بأخيك؟ هناك إنسان يتوهم سبباً ضعيفاً تافهاً يمنعه أن يأمر بالمعروف، وأن ينهى عن المنكر..

3- ضعف الثقة بالنفس:

 قد يقول أحدهم: أنا لا آمر بالمعروف، ولا أنهى عن المنكر، لأن هذا لن يؤثر في الناس، لا، من قال لك ذلك؟ والله أحياناً كلمة تقلب إنسان رأساً على عقب، أنت عليك أن تبلغ، وليس عليك إدراك النجاح، قد لا تدري ما فعلت هذه الكلمة في قلب أخيك.
 أقسم لي طبيب أجرى عملية جراحية لأحد المرضى، وقدمت له زجاجة خمر مكافأة على نجاح العملية، فردها بقسوة، يقول هذا المريض: والله بعد شهرين أو ثلاثة سبب توبتي من الخمر مقولة هذا الطبيب..
 لا تكن كما يقال سبهللاً، لا تتكلم ولا بكلمة، ولا تشير إشارة، ولا تعلق تعليقاً.
 أيها الإخوة الكرام، إنكار المنكر في أدنى نتائجه أنه يقلق المنكَر، ويدعو إلى عدم استقراره، أما السكوت المطبق فيجعل المنكر معروفاً ومستقراً، ويصبح الذي يفعل خلافه شاذاً منحرفاً.

 

4- الخوف من الفتنة:

 وهناك من يحجم عن إنكار المنكر وعن الأمر بالمعروف خشية فتن متوهمة.

 

 

﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا ﴾

 

( سورة التوبة: 49 )

 هذا أكبر مطب، وأكبر فتنة، أن تقول: أنا لا أتكلم بكلمة مخافة الفتنة، عدم النطق بالمعروف وعدم النهي عن المنكر، مخافة الفتنة، هو أشد فتنة وقع فيها المسلمون.

وأخيراً:

 أيها الإخوة الكرام، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني، والحمد لله رب العالمين.

* * *

 الخطبة الثانية:
 الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سينا محمد عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

تضامن من أجل الآخرة:

 أيها الإخوة الكرام، تكلمت في خطب عديدة، عن أن التضامن الذي أمرنا به في الحياة الدنيا من أجل سلامة حياتنا الدنيا:

 

(( ما آمن بي، من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه، وهو يعلم به ))

 

حديث رواه البزار بإسناد حسن

 أقول لكم: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تضامن لآخرتنا، فرق كبير بين الخلود الأبدي وسنوات معدودة، فأنت حينما تأمر بالمعروف، وحينما تنهى عن المنكر، تحقق إنجازاً لأخيك يمتد إلى أبد الآبدين، لا أن تطعمه لقيمات تنتهي بعد حين.

 

ميزة البدء بالأقربين:

 لماذا قال الله عز وجل:

 

﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﴾

 

( سورة الشعراء: 214)

 لماذا بدأ الله بالقرابة؟ لأنه ليس هناك حواجز بينك وبين أقربائك، أنت لن تستطيع أن توقف إنساناً في الطريق، وتقول له: تعال إلى المسجد معي، سوف يخاف، لن تستطيع أن تقول لإنسان: أنا مساءً سأزورك في البيت، يقول لك: أعتذر، هناك حواجز بين الناس، لكن هناك ميزة كبيرة جداً بينك وبين إخوتك، بينك وبين أصهارك، بينك وبين أخواتك، بينك وبين أولاد عمك، أولاد خالتك، الأقربون عندهم ميزة كبيرة، ليس هناك حواجز، ليس من قلق بينك وبينهم، لذلك جاء الأمر الإلهي:

﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﴾

( سورة الشعراء: 214)

 لو أن واحدًا عمل قائمة بأسماء أقربائه، هذا زاره أولاً، هذا قدم له شريطاً، هذا دعاه إلى خطبة، يجب أن تبدأ بأقربائك، هؤلاء أولى الناس بك، الآخرون أنت لهم، وغيرك لهم، أما أقرباؤك من لهم غيرك، أنت نافذتهم إلى السماء.
 فأنا أنصحك، أن تبدأ بأقربائك، إخوانك، أخواتك، أولاد عمك، أولاد خالتك، جيرانك، زملائك، أصدقائك، هؤلاء لا حواجز بينك وبينهم، استفد من هذه الصفات، ليس هناك حواجز، هناك طمأنينة، وثقة، استخدم هذه الثقة في نقل شيء مما تعلم، أو في نهي مؤدب عن منكر، أو أمر مهذب بالمعروف.

الدعاء:

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق، ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك.
 اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين.
 اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك.
 وصلِّ اللهم على سيدنا محمد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه وسلم.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018