الخطبة : 1056 - العنوسة ونصائح للفتيات وأهليهم . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 1056 - العنوسة ونصائح للفتيات وأهليهم .


2007-11-23

الخطبة الأولى
     الحمد لله نحمده، ونستعين به، ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله، سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِ وسلم، وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريته ومن والاه، ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، و اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

مقدمة :

     أيها الإخوة الكرام، في الخطبة السابقة بدأتها بقولي: لو أن أحداً سألني: كيف تختار موضوع الخطبة ؟ كان جوابي في الأسبوع الماضي: إنني من خلال الاتصالات وعرض المشكلات آخذ أكبر مشكلة تتواتر في هذه الاتصالات، وأجعلها موضوعاً لخطبة، وفي الأسبوع الماضي تحدثت عن حرمان البنات والزوجات من الإرث، واليوم اخترت مشكلة من أكبر المشكلات، ذلك أن المرأة نصف المجتمع، وأن المرأة مساوية للرجل تماماً في التكليف وفي التشريف، وفي المسؤولية، مكلفة بأركان الإيمان، ومكلفة بأركان الإسلام، ومكلفة بالعبادات، ومشرفة عند الله كالرجل تماماً، ومسؤولة عن كل أعمالها.

 

النساء قسمان :

القسم الأول: النساء المتفلتات:

     النساء نصفان، نصف تفلت من منهج الله، ولم يعبأ بهذا الدين العظيم، ولم يلتزم لا بحجابها، ولا بحديثها، ولا بعلاقاتها، ولا بخروجها، ولا بدخولها، هذا النصف المتفلت لا يعنينا في هذه الخطبة، ولكنني أسأل لهن الهدى والتقى، والعفاف والغنى، أسأل لهن الهداية، لأنهن شردن عن منهج الله، وتوهمن أن المرأة كلما أبرزت مفاتنها اقترب وقت زواجها، وحققت هدفها، هذا خطأ كبير، وبعدٌ عن منهج الله العظيم، ومن ابتغى شيئا بمعصية الله كان أبعد مما رجا المرء، وأقرب مما اتقى، وما عند الله لا ينال بمعصيته.

القسم الثاني: النساء المستقيمات:

     ولكن هذه الخطبة موجهة إلى النصف الأول، المرأة التي نشأت في أسرة مسلمة، وهي ملتزمة بالحجاب، ملتزمة بالعلم الشرعي، تقرأ القرآن، تصلي قيام الليل، هذه المرأة حينما تبحث عن زوج فلا تجد، حينما تقع في يأس وفي إحباط، الخطبة موجهة إلى هذا الصنف من النساء اللواتي نشأن في بيئة طيبة، لكن نصيبها من الزواج قليل، والحقيقة المرة التي يتقطع لها القلب أن نصف نساء سورية بلا زواج، والعنوسة خمسون بالمئة، وفي بعض البلاد ثمانية عشر بالمئة، بعض البلاد اثنان في المئة، هذه ظاهرة مَرَضية خطيرة.

لن ننجح في دعوة الاخرين الى الاسلام ونحن في هذه الحالة المزرية :

     أقول لكم أيها الإخوة كلاماً من القلب: حينما تكون نسب البطالة والعنوسة والأمية عالية في المجتمع، وحينما تكون البلاد الإسلامية على رأس قائمة المستوردين، وفي أسفل قائمة المصدرين، حينما يعمل المواطن في بلد عربي إسلامي ثمانية عشر دقيقة في اليوم، والبلاد القوية يعمل أفرادها ثماني ساعات، حينما يكون بأس المسلمين بينهم كما ترون، وسلمهم إلى أعدائهم لن نستطيع أن نقل هذا الدين إلى الطرف الآخر، إنه لا يرى ما عندنا من كتب عظيمة، ومن منهج قويم، إنه يرى واقعنا، فإذا حمَلنا الله عز وجل رسالة لكي ننقلها إلى الآخرين بهذا الوضع المتردي، بهذه البطالة، وتلك الأمية، وهذا الفقر، وتلك العنوسة، وبالاعتماد على الغرب في كل ما نأكل وما نشرب، ونعمل فلن ننجح، وقد قيل مرة: " ويل لأمة تأكل ما لا تزرع، وتلبس ما لا تنسج "، هذا كلام قديم، وأضيف على هذا الكلام: وويل لأمة تستخدم آلة لا تصنعا، بل ويل لأمة تشتري السلاح، لأنها عندئذ يصبح قرارها ليس بيدها.
     الغرب لن يصغي إلى ديننا إذا رآنا بهذا الوضع، ولأن الله حملنا مسؤولية نقل الإسلام إلى الآخر، قال تعالى:

 

﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾

( سورة البقرة )

     أي وسطاء بيني وبين عبادي.

 

﴿ لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ﴾

( سورة البقرة )

إلى كل فتاة مستقيمة عفيفة طاهرة :

1 – أبشري بقرب الفَرَج:

     أنا أوجه الكلام إلى كل مسلمة رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً.
     إلى كل فتاة سلكت طريق الحق، وحملت رسالة الصدق.
     إلى كل مربية جاهدت بكلمتها، وحافظت على قيمها، وزكّت نفسها.
     إلى كل أم ربت أبناءَها على التقوى، وأنشأتهم على السنة، وحببت إليهم الفضيلة.
     إلى كل مهمومة حزينة، اسعدي أيتها الأخت، وافرحي بقرب الفرج ورعاية الله، وعظيم الأجر، وتكفير السيئات.

2 – إذا عرفتِ الله هانت كل مصيبة:

     الجواب الذي أجيب كل امرأة تتصل بي عن طريق الهاتف، وتعرض علي مشكلتها، هذا الجواب هو:
     أيها الأخت الفاضلة، إذا عرفت الله عز وجل كنت أكبر من أكبر مشكلة تعانيها، وإذا لم تعرفي الله عز وجل كنت أصغر من أصغر مشكلة تعانيها، فبين أن تكوني أكبر من أكبر مشكلة تعانيها وأن تكوني أصغر من أصغر مشكلة تعانيها المرأة فرقٌ كبير.
     أيها الإخوة الكرام، في هذه الخطبة أناشد المرأة أن تسعد بدينها، وأن تفرح بفضل الله عليها وأن تستبشر بما عندها من نعم، إن هذه النعم محيطة بنا من كل جانب ونحن في غفلة عنها.

3 – لا تغادري بسمة الأمل، واتركي الوساوس والقلق:

     أناشد كل امرأة مؤمنة أن تبتسم بسمة أمل بالله، وأن تستشرف الفرج كإشراقة الفجر.
     لكل من ضاق صدرها، وكثر همها، وزاد غمها، أناديها بانتظار الفرج، وترقب اليسر بعد العسر.
     أخاطب عقلها الذكي، وقلبها الطاهر، وروحها الصافية، لأقول لها: اصبري واحتسبي ولا تيئسي ولا تقنطي تفاءلي فإن الله معك، والله حسبك، والله كافيك، والله حافظك ووليك، اطردي فلول الأحزان، وأشباح الأوهام، وكوابيس الخوف والقلق.
     نظفي ذاكرتك من ركام الأوهام، وأكوام الوساوس، والتفتي إلى ربك، وإلى منهجه، وإلى عبادته، وإلى معرفته، وإلى طاعته، فلعل الله سبحانه وتعالى يجعل من بعد عسر يسرا.

4 – عليكِ بطاعة الله:

     صدقوا أيها الإخوة، ما من بيت من بيوت المسلمين إلا وفيه فتاة تخاف الله وتحبه، ولكن تنتظر الزوج المؤمن الذي يرعاها، الذي يحفظها، الذي يلبي حاجتها، إلى ولد يقول لها أمي.
     أتمنى عليك أيتها الأخت الكريمة أن تكوني مصلية، صائمة، قانتة، خاشعة، متحجبة، محتشمة، وقورة، رزينة، متعلمة، مطلعة، واعية، راشدة، وفية، أمينة، صادقة، متصدقة، صابرة، محتسبة، تائبة، منيبة، ذاكرة، شاكرة، داعية، واعية تابعة لآسية ومريم وخديجة، مربية للأبطال، تصنع الرجال، راعية للقيم، حافظة للمثل، غيورة على المحارم، بعيدة عن المحرمات.

5 – هذا ما ننتظره منك ونتمنّاه أيتها الأخت المسلمة:

     ننتظر بسمتك الجميلة التي تبعث الحب، وترسل المودة للآخرين.
     ننتظر كلمتك الطيبة التي تبني الصداقات الشرعية، وتذهب الأحقاد.
     ننتظر صدقة المتقبلة التي تسعدين بها مسكيناً، وتفرحين فقيراً، وتشبعين جائعاً.
     ننتظر جلسة مع القرآن الكريم تلاوة وتدبراً، وعملاً وتوبة واستغفاراً.
     ننتظر منك كثرة الذكر والاستغفار، وكثرة الدعاء، وتصحيح التوبة.
     ننتظر تربية أولادك على الدين، وتعليمهم السنة، وإرشادهم إلى ما ينفعهم.
     ننتظر الحشمة والحجاب الذي أمر الله به، وهو طريق الصيانة والحفظ.
     ننتظر صحبة الخيِّرات ممن يخفن الله عز وجل، ويحببن الدين ويحترمن القيم.
     ننتظر بر الوالدين، وصلة الرحم، وإكرام الجار، وكفالة الأيتام.
     ننتظر القراءة النافعة، والمطالعة المفيدة مع الكتاب الممتع الراشد.
     نتمنى أيتها الأخت الفاضلة ألا تصرفي عمرك في التوافه من حب الانتقام، ومجادلة لا خير فيها.
     نتمنى ألا تقدمي المال وجمعه على صحتك وسعادتك، ونومك وراحتك.
     نتمنى ألا تتبعي أخطاء الآخرين واغتيابهم، ونسيان عيوب النفس.
     نتمنى ألا تنهمكي في ملذات النفس، وإعطائها كل ما تطلب وتشتهي.
     نتمنى ألا تضيعي وقتك مع الفارغين، وإنفاق الساعات في اللهو.
     نتمنى ألا تهملي الجسم والبيت من النظافة، والروائح الزكية والنظام.
     نتمنى أن تتذكري مصيبة الناس فيما يعانون، وأن الله قد عافاك من كل هذه المصائب.
     نتمنى ألا تنسي الآخرة، والعمل لها، وعدم الغفلة عن تلك المشاهد.
     نتمنى ألا تهدي المال في المحرمات، والإسراف في المباحات، والتقصير في الطاعات.

المرأة نصف المجتمع :

     أيها الإخوة الكرام، المرأة نصف المجتمع، والمرأة المؤمنة، أحياناً تمر بالإحباط، لأن فصلها الأول والأخير أن تكون زوجة لرجل قوي كريم مؤمن طاهر.
     والله الذي لا إله إلا هو، أردد هذه المقولة: من مشى بتزويج رجل بامرأة كان له بكل كلمة قالها، وبكل خطوة خطاها عبادة سنة، قام ليلها وصام نهارها، أدخل هذا العمل الصالح في برنامجك اليومي، ألك قريبة ؟ ألك أخت تعرفها شريفة طاهرة صادقة مؤمنة تائبة ؟ دلَّ عليها، اسع إلى زواجها، لأنه إما أن يكون المجتمع منضبطاً بالزواج أو متفلتاً بالسفاح.
     صدقوا ولا أبالغ، أنه كلما ضيقنا سبل الزواج اتسعت أبواب السفاح، وأعداد بيوت الدعارة في المدن الإسلامية أراقم لا تصدق، لأننا ضيقنا سبل الزواج فانفتحت أبواب الحرام، والمرأة اليوم مبذولة ورخيصة، وكنت أقول دائماً: كلما رخص لحم النساء غلا لحم الضأن، وكلما اتسعت الصحون على السطوح ضاقت صحون المائدة، وكلما قلَ ماء الحياء قلَّ ماء السماء.
     المرأة نصف المجتمع في الإسلام، المرأة أخت، أو بنت، أو أم، أو زوجة، وكلها علاقات مقدسة، وليس في الإسلام خليلة ولا عشيقة، ولا امرأة تعيش بثدييها، تمتهن الدعارة، هذا كله جاءنا من عالم الغرب، قال تعالى:

 

﴿ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾

( سورة طه )

     الآية جاءت بالفعل ( تشقى ) بالضمير المفرد، أما بحسب السياق اللغوي: ولا يخرجنكما من الجنة فتشقيا، لأن شقاء الرجل شقاء حكمي لزوجته، وشقاء المرأة شقاء حكمي لبيتها وأمها وأولادها ولأخواتها ولأخوتها ولمن حولها، الله عز وجل يقول:

 

﴿ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾

( سورة محمد)

     صلاح البال أن تكون الزوجة على ما ينبغي، والبنت على ما ينبغي، والابن على ما ينبغي، ولو حققت كل أنواع النجاح في الأرض، ولم يكن أولادك كما تتمنى فأنت أشقى الناس.

دعونا من الكلام المنمق ، وعلينا بالعمل والحركة النفعية :

     يا أيها الإخوة، دعونا من سماع المواعظ إلى عمل، إلى حركة، إلى مسعى، إلى جهد، إلى تعب، إلى إنجاز، دعونا ممّا ألفناه من الخطاب الديني، ما شاء الله خطيب متكلم، أتى بالآيات والأحاديث، نريد الواقع، لماذا واقع المسلمين لا يرضي ؟ لماذا يعاني بلدنا من العنوسة ؟

1 – يجب تيسير سبل الزواج:

     هناك أسباب كثيرة لانصراف الشباب عن الزواج ؟ الله عز وجل يقول:

 

﴿ وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ ﴾

( سورة النور)

     هذا أمر في القرآن الكريم من قِبَل خالق السماوات والأرض، والأمر موجَّه إلى الجماعة، بدليل واو الجماعة في ( أنكحوا )، فمهمة المجتمع أفراداً وجماعات وحكاماً أن يسعوا إلى تشجيع الأسرة وتيسير السبل، وتيسير البيوت، وخفض النفقات، ورفع الدخول، هذا كله يحقق هذا الهدف، إما أن يكون النكاح، أو أن يكون في مدينة من مدن الدول العربية سبعون ألف بيت دعارة، الأرقام التي أعلمها علم اليقين لا يمكن أن تصدقوها، لأن سوق الزواج بارت، والعنوسة تفشت، ففي كل بيت عدة بنات، لا يأتي من يقول: ما عندكن من بنات.

2 – هذه مسؤولية الجميع:

     أيها الإخوة الكرام، هذه مسئوليتنا جميعاً، ما لم تحل مشكلاتنا، ما لم تهبط نسب البطالة، ما لم تهبط نسب الفقر، ما لم تهبط نسب الأمية، ما لم تهبط نسب العنوسة، ما لم تهبط مستورداتنا، وترتفع صادراتنا، ما لم نلغ البأس بيننا، ونجعله على أعدائنا، ما لم نتحرك، ما لم نخرج من عزلتنا، ما لم نخرج من نظامنا الرتيب، نأكل ونشرب ونعلق على الأخبار، ونوزع التهم على الناس، ولا نفعل شيئاً، هذا نموذج أصبح من ثقافتنا، ثقافة اليأس، ثقافة الإحباط، ثقافة الشك في كل ما يقال، ثقافة إفراغ كل إنجاز من مضمونه، لا يصدق المسلم شيئاً إيجابياً، يقول لك: تمثيلية، مؤامرة، نحن بشر، وغيرنا بشر، لا بد من أن ننتمي إلى المجموع، لا بد من أن نحمل هموم الأمة، لا بد من أن نسعى لشيء.

3 – لابد أن تكون رقما صعبا:

     لا بد من أن يكون الواحد منكم رقماً صعباً، هناك رقم بسيط جداً، ذكرت هذا من قبل، يحدثك عن الوطنية، وعن حقوق الإنسان، وعن المبادئ... وقد يكون موظفا ممتنعا عن تنفيذ هذا الأمر للأسباب التالية، كلها أسباب قومية ووطنية، يأخذ مبلغا تحل المشكلة ألغيت كل قناعاته، هذا رقم يسير له ثمن، ومهما ارتفع الثمن ما دام لك ثمن فلا قيمة لك، المؤمن رقم صعب جداً، ليس له ثمن، لا يغير قناعاته مهما دفعت له،

(( والله يا عم، لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه ))

[ السيرة النبوية ]

     أيها الإخوة الكرام، أنا أخاطب الشباب الآن، لما لا تكونون شيئاً عظيماً الأمر بيدك والله، البطولة لا تحتاج إلى مال، ولا إلى نسب، ولا إلى بيت فخم، أبطال العالم عاشوا في بيوت متواضعة جداً، وفي فقر مدقع.
     أريد أن أثير في الشباب بالذات روح البطولة، ألا تستطيع أن تكون صادقاً لا تكذب أبداً ؟ ألا تستطيع أن تكون أميناً ألا تخون أبداً ؟ يمكن، ألا تستطيع أن تكون عفيفاً لا تزل قدمك أبداً ؟ يمكن، ألا تستطيع أن تضبط لسانك ؟ يمكن، ألا تستطيع إذا دخلت إلى البيت أن تكون كأحد أفراد البيت رحيماً بمن حولك ؟ يمكن، المبادئ الأخلاقية لا تحتاج إلى مال، ولا إلى جاه، ولا إلى منصب، قد تكون أسعد الناس وأنت في مرتبة دنيا، إن الله يعطي الصحة، والذكاء، والمال، والجمال للكثيرين من خلقه، لكنه يعطي السكينة بقدر لأصفيائه المؤمنين.

4 – الشفاعة في الزواج من أفضل الأعمال:

     أيها الإخوة الكرام، لك هذا العمر عند الله لا يزيد ولا ينقص، وبعدها إلى حياة أبدية، إما في جنة يدون نعيمها، أو في نار لا ينفذ عذابها، أفضل شفاعة أن تشفع بين اثنين في نكاح، دخل هذا البرنامج، نحن ألفنا أن نصلي قيام الليل شيء رائع جداً وأن نشعر بلذة القرب شيء رائع جداً، وأن نعطي مبلغاً بيد فقير لكن هل نوعت أعمالك الصالحة ؟ هل جعلت من أعمالك الصالحة أن تدل على فتاة مؤمنة طاهرة عفيفة نقية تنتظر شابا كريما لا يكون لها زوجا يحميها، وتنجب منه ابناً يكون ثمرة لعملها الصالح ؟ يجب أن ندخل هذا العمل الصالح في حساباتنا اليومية.
     مرة شكوت لأحد الإخوة له أخت متزوجة من أحد إخواننا، شكوت له أخته وقسوتها في معاملة زوجها، قال لي: قل له أن يطلقها، ألا تفكر في أن تصلحها ؟ ألا تتنازل أن تنصحها ؟
     هناك تفكك أسري كبير، الأخت تزوجت فتزهو على أخواتها غير المتزوجات، تقول إحداهن: اليوم أخذني زوجي إلى المكان الفلاني، اليوم سهرنا عند فلان، والأخوات في البيت عانسات ينظرن إليها، وهي في كبر وافتخار وزهو، أهكذا المؤمنة ؟

5 – لابد من الانتماء للمجموع:

     أيها الإخوة الكرام، سمعت مرة كلمة كيف أن الإنسان حينما يقوم بعمل بطولي يشعر بنشوة مع الله، يجب أن تنوِّع أعمالك البطولية، وحينما تنتمي لمجموع الأمة فأنت قريب من الله، وحينما تحمل بعض هموم المسلمين فأنت قريب من الله، وحينما تصلح بين إنسانين فأنت قريب من الله.
     الأعمال الصالحة أيها الإخوة لا تعد ولا تحصى، بل إن الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق، العمل الصالح هو علة وجودك في الأرض، والدليل على ماذا يندم من جاءه الموت ؟

﴿ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ *لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً﴾

( سورة المؤمنون)

     العمل الصالح علة وجودك، أما حينما تعيش بلا هدف فأنت كغيرك من المخلوقات.
     أيها الإخوة، والله ما رأيت أتفه من إنسان غارق في النعيم، لكن لا هدف له، هدفه أن يأكل، ويشرب، ويستمتع وحده، ولا يعبأ بأحد، فما لم تنتم إلى المجموع، ما لم تحمل هم الأمة، ما لم تحمل هموم العوانس، ما لم تحمل هموم الفتيات المؤمنات الطاهرات العفيفات اللواتي ينتظرن الأزواج، ما لم تسهم بتخفيف مشكلات الأمة فكيف يرضى الله عنك ؟

اسعوا لتزويج الشباب :

 

     أيها الإخوة الكرام، أضعكم بحجم هذه المشكلة، من أكبر المشكلات التي يعاني منها المجتمع في سوريا أن نسبة العنوسة خمسون بالمئة، وكلما ضاقت سبل الزواج اتسعت سبل الزنا، وفي بعض الإحصاءات التي تمت عن طريق مقابلات مع طالبات في الجامعة قد تفاجأ مفاجئة صاعقة، أن عددا كبيرا يرتكبن الفاحشة ببساطة، وكأنها لم تفعل شيئاً، هنا الخطورة، فكل واحد لو تمنى على الله أن يجعل زواج فتاة من قريباته على يده فهذا مشروع صالح، كل واحد منا له أخت، له ابنة أخت، ابنة أخ، من محارمه، ويعرفها طاهرة نقية ليسعَ للزواج، له أصدقاء، كلما وجد شابا مؤمنا يليق بها، وهي لا تطالبه بشيء إطلاقاً، الطلب زواج بسيط وغرفة واحدة، والله في بلدة بغوطة دمشق اجتمع وجهاء البلدة، واتفقوا على أن المهر خاتم وساعة فقط، وغرفة ومنافعها، وإلا عمّ الزنا، وعمّ السفاح، وهذه مشكلة كبيرة جداً.
     والله أتلقى اتصالات عديدة في اليوم الواحد، من بنت تبحث عن زوج طاهر مؤمن، لا تطالبه بشيء، لا تريد شيئاً إلا أن تكون أما لطفل يملأ البيت سعادة فقط، وكلما تحققت مصالح الإنسان الشخصية، وانسلخ من المجتمع يصغر من عين الله، وكلما أهمَّه ما يعانيه المجتمع يرتفع عند الله، لذلك أرحم الخلق بالخلق رسول الله، بالخلق، بالكفار، يبكي عليهم، ضربوه،

(( إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمْ الْأَخْشَبَيْنِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا ))

[ متفق عليه عن عائشة]

     اعتذر عنهم، إنهم لا يعلمون، وانتمى إليهم، قال: قومي، ودعا لهم أن يكون من أصلابهم ذرية صالحة، هذا مقام النبوة، لا تعش لشهواتك، لا تعش لمصالحك الشخصية، كن إنسانا عميم الخير، ماذا قال الله عز وجل ؟

 

﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً ﴾

( سورة النحل )

     لأن أعماله الطيبة ودعوته الصادقة في قلوب الخلق جميعاً، ضع في برنامجك أنه يجب أن أطلب من الله أن يكون زواج على يدي ممن يلوذ بك من قريباتك، فإن لم يحل النكاح محل السفاح فنحن في مشكلة كبيرة جداً، وأنا أتمنى كل أخ من طلاب العلم من رواد المساجد له بنات، له أخوات، له بنات أخوات، بنات إخوة، أن يكون له لقاء أسبوعي لهم، ماذا سمع في الدروس من آية أو حديث.
     لما تلتفت البنت إلى الله عز وجل تلتفت إلى معرفته ولكتابه يمكن أن تكون داعية صغيرة، وتنسى همومها، المشكلة الآن أن الفتاة تنتظر الزوج فلا يأتي، يأتي الأزواج، ولا يرجعون مرة ثانية.
     أحيانا أتلقى اتصالا، وتبكي المرأة على الهاتف، جاءني خطّاب كثر، ولم يرجعوا، عندي مشكلة، هل أحد كتب لي شيئا ؟ فتدخل التفسيرات الخرافية، والسحر، لم يأت النصيب بعد، هذا الأمر بيد الله عز وجل، لما تنشغل الفتاة بهدف عظيم عندئذ تنتظر رحمة الله، تنتظر معرفة الله.
     ما سمعت في ثلاثين سنة من آية أو حديث أو موضوع لطيف اجمع بنات أخواتك وبنات أخيك، وخصِّص لهم درسا أسبوعيا بفقرة من القرآن أو من سنة، أو قصة عن صحابية جليلة، لا تكون سلبيا.
     أيها الإخوة الكرام، سيدنا عبد الله بن رواحة عيّنه النبي عليه الصلاة والسلام قائداً ثالثاً في معركة، فأول قائد سيدنا زيد استشهد، فأخذ الراية سيدنا جعفر ثم استشهد، جاء دوره، الموت محقق، وكان شاعرا، قال:

يا نفس إن لم تقتلي تموتي      هذا حمام الموت قد صليت
إن تفعلي فعلهما رضيت      و إن توليت فقد شقيــت
***

     وأخذ الراية، وقاتل بها حتى قتل، الآن النبي عليه الصلاة والسلام يتحدث عما جرى، قال: أخذ الراية أخوكم زيد، فقاتل بها حتى قتل، وإن أرى مقامه في الجنة، ثم أخذها أخوكم جعفر، فقاتل بها حتى قتل، وإني أرى مقامه في الجنة، رآه يطير بجناحين، وسكت، لما سكت النبي قلق الصحابة على القائد الثالث، قالوا: ما فعل عبد الله ؟ قال: ثم أخذها عبد الله، وقاتل بها حتى قتل، وإني لأرى في مقامه ازوراراً عن صاحبيه، هبط مقامه، كم تردد ؟ مرة أحصيت بالثواني بيتي الشعر:

يا نفس إن لم تقتلي تموتي      هذا حمام الموت قد صليت
إن تفعلي فعلهما رضيت     و إن توليت فقد شقيــت
***

     تردَّد اثني عشرة ثانية فهبط مقامه.
     نحن الدعاة الآن ماذا يطالبون الناس ؟ فقط بحضور درس، تردد ببذل نفسه فهبط مقامه، نقول لك: اسع لزواج فتاة ممن يلوذ بك، اسع لها.
     أحيانا شاب يبحث عن زوجة، وصديقه له أخت، قل له: عندي أخت مناسبة لك، لكن يقول:من العيب أن نعرض ابنتنا، من قال ذلك ؟ قال تعالى:

 

﴿ قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ ﴾

( سورة القصص)

     عندك بنت، عندك أخت جيدة، لك رفيق جيد، قل له: عندي فتاة مناسبة لك،.

 

الشباب مستقبل الأمة :

     أتمنى أن كل واحد منكم يطلب من الله أن يجري على يديه زواج فتاة من أقربائه، لعل الله عز وجل أن تخف هذه المحنة، إنها مأساة كبيرة جداً، والشباب عماد الأمة، والذي وصل إلى سن السبعين بقي للتاريخ، والأربعين للخمسين هذا الحاضر، والشباب مَن هم ؟ هم المستقبل، الشباب مستقبل الأمة.
     فيا أيها الشباب ابحثوا عن زوجة صالحة، وهناك حديث في الجامع الصغير أقرأه يقشعر جلدي، هو في مجموعة أحاديث تبدأ بـ: حق الله على عباده، حق الزوجة على زوجها، حق الزوج على زوجته، حق الأخ على أخيه، حق الأب على ابنه، حوالي ثلاثين حديثا، لكن حديثا واحدا تقرأه فيقشعر جلدك، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( ثَلَاثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ عَوْنُهُمْ: الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالْمُكَاتَبُ الَّذِي يُرِيدُ الْأَدَاءَ، وَالنَّاكِحُ الَّذِي يُرِيدُ الْعَفَافَ ))

[ الترمذي ]

     اطلب من الله العون، وابحث عن زوجة في وقت مبكر، لا تتأخر كثيرا، لأن الفتن كبيرة جداً.
     وأيها الآباء، سهلوا طرق الزواج، تساهلوا بأشياء كثيرة، فلعل الله عز وجل يرحم هذه الأمة بتخفيف نسب العنوسة فيها، ونحن نعاني هذه المشكلة.
     أيها الإخوة الكرام، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيّس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني، والحمد لله رب العالمين.

 

* * *

الخطبة الثانية
     الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أشغلي نفسك أيتها الأخت المسلمة بالعمل الصالح :

     أيها الإخوة الكرام، مرة ثانية: الفتاة المؤمنة إذا عرفت ربها كانت أكبر من أكبر مشكلة تعانيها، والتي ما عرفت ربها تكون أصغر من أصغر مشكلة تعانيها.
     حينما تربي بناتك على معرفة الله، وطلب الآخرة، وفهم كتاب الله، والدعوة إلى الله، الفتاة تتمنى الزواج، لكن همها الأول أن تعرف الله، فراغها امتلأ، أصبحت إنسانا مقدسا، أصبح لها هم سامٍ، معرفة الله، العمل لخدمة عباده، اشغل ابنتك بهدف نبيل، لكن الملاحظ أن كل بنت تنتظر خاطبا، ليس هذا معقولا، بل هو شيء صعب جداً، والأمور ليست في يدي الإنسان.
     يا أيها الإخوة الكرام، كل إنسان سأل الله شيئاً الله يعطيه إياه، وما أمرنا أن ندعوه إلا ليستجيب لنا، وما أمرنا أن نستغفره إلا ليغفر لنا، وما أمرنا أن نتوب إليه إلا ليتوب علينا، واطلبوا من الله أن يجري عليكم هذا الخير، أن تزوج فتاة ممن يلوذ بك على يدك، ولعل الله عز وجل يخفف عن المسلمين ما أهمهم وما أغمهم.

الدعاء :

     اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق، ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك و نتوب إليك، اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعز المسلمين، وأذل الشرك والمشركين، خذ بيد ولاة المسلمين لما تحب وترضى يا رب العالمين، إنك على ما تشاء قدير، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، لا تأخذنا بالسنين، ولا تعاملنا بفعل المسيئين يا رب العالمين، اللهم اسقنا الغيث، ولا تجعلنا من القانطين، اللهم اسقنا الغيث، ولا تجعلنا من القانطين، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعز المسلمين، وأذل الشرك والمشركين، دمر أعداءك أعداء الدين اجعل تدميرهم في تدبيرهم، اجعل الدائرة تدور عليهم يا رب العالمين، انصر عبادك المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها، وفي شمالها وجنوبها، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018