الدرس : 18 - سورة غافر - تفسير الآيات 62 - 65 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 18 - سورة غافر - تفسير الآيات 62 - 65


1993-10-08

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الكرام، مع الدرس الثامن عشر من سورة غافر، ومع الآية الواحدة والستين، وهي قوله تعالى:

﴿ اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ﴾

اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا

1 ـ الكون مسخَّر للإنسان:

 أيها الإخوة، هذه الآية تستوجب وقفة متروية لأمر حساس فيها، وهي أن الإنسان أحياناً يتوهَّم أنه استغلَّ الطبيعة، وجد هذه الطبيعة على نحوٍ أو آخر فكشف خصائصها واستغلَّها، والحقيقة عكس ذلك، هذا الذي أمامك ؛ من ليلٍ ونهار، من شمسٍ وقمر، من جبال، من وديان، من ينابيع، من معادن صُمِّمَت من أجلك، والدليل:

﴿ اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ ﴾

 هذه اللام لام التعليل، أي جُعِل الليل في سكونه، وجُعل الليل بظلامه، وجُعل الليل بحرارته، وجُعل الليل باعتداله وبرودته، هذه الخصائص إنَّما صُمِّمَت خصيصى للإنسان، وفرقٌ كبير بين أن تجد شيئاً فتستخدمه، أو تستغلَّه، أو تنتفع به، وبين أن يكون هذا الشيء مصمَّمًا خصيصى من أجلك.
 الفكر العلماني يرى أن الطبيعة لها خصائص، والإنسان كشف هذه الخصائص، واستغلَّها فانتفع بها، لكن التفكير الإيماني أن كل شيءٍ خلقه الله في الأرض، بخصائصه، وبصفاته مصمَّمٌ بشكلٍ خاص لينتفع الإنسان به، فليس عبثاً أن معدناً كالرصاص ينصهِر في درجة مائة، وأيُّ إنسان لو وضع رصاصًا في وعاء، وسخَّنه ينصهر هذا المعدن، بينما الحديد لا ينصهر إلا في الدرجة ألف وخمسمائة، وليس من باب الصُدفة أن هذا المعدن إذا برَّدته يزداد حجمه.
 مِن هذه الخاصَّة يمكن أن تتعامل المعادن مع الأحجار، احفر حفرةً في حجر، وضع فيها معدناً، اسكب الرصاص، أصبح المعدن والحجر قطعة واحدة، فإذا توهَّم الإنسان أن المعدن هكذا، صفاته ونحن استفدنا منه، فهذا شيء، أما إذا آمن أن هذا المعدن خلقه الله عزَّ وجل بهذه الخصائص، وبهذه الصفات، وأنه ينصهر بدرجات متدنية، وأنه إذا برَّدته يزداد حجمه، وأن الشيء الذي يزداد حجمه على التبريد يمكن أن يقدِّم لك خدمات جليّ، فهذا تفكير المؤمن، وهذا هو الحق، كلُّ هذا المعنى من ( لام ) التعليل.

 

﴿ اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ ﴾

 

2 ـ الليلُ سكنٌ:

 هذه لام التعليل، أيْ علَّة وجود الليل أن يكون لكم سكناً، فكيف يُخلَق الليل ؟
 الأرض كرة، والشمس كرة، والأرض تدور حول الشمس، والأرض تدور حول نفسها، لو دارت حول نفسها بمحور عمودي لأُلْغَيَت الفصول، أو بمحور أفقي لألغي الليل والنهار، لو توقَّفت لألغي الليل والنهار، إذاً: ليلٌ ونهار مختلفان، يطول أحدهما تارةً ويقصر أخرى، واختلاف الليل والنهار أن يأتي الليل بعد النهار والنهار بعد الليل، هذا معنى، وأن يختلف الليل في الطول عن النهار، وأن يختلف النهار في الطول عن الليل، هذا معنى آخر، فاختلاف الليل والنهار آيةٌ من آيات الله الدالَّة على عظمته.
 وقد قلت لكم في درسٍ سابق: إن الإنسان لو نام ساعاتٍ عديدة في النهار، لا يشعر أنه قد سكن وارتاح، لا يسكن جسمه إلا إذا نام في الليل، لأن الخليَّة الحية في الإنسان لا تستعيد نشاطها إلا في الظلام، لو نمت في النهار نوماً طويلاً فلابدَّ من سكون، ولابدَّ من الظلام.

﴿ اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ ﴾

 وبعد فلنا مع الآيات التي تبدأ بهذه الصيغة وقفة:

 

﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ﴾

 

( سورة الرعد: الآية 2)

﴿ اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ ﴾

3 ـ هل عرفت مَن هو الله ؟

 أيْ هل عرفت مَن هو الله ؟ هو الذي فعل هذا وهذا، هل عرفت من هو الله ؟ هو الذي خلق الموت والحياة، هو الذي خلق الشمس والقمر، هو الذي خلق الليل والنهار، هو الذي منحك الوجود، هو الذي منحك الإمداد، هو الذي منحك الهداية والرشاد، الله صاحب الأسماء الحسنى، صاحب الصفات الفُضلى، عَلمٌ على الذات ـ الذات الكاملة ـ واجب الوجود، الله خالق الكون، ربُّ العالمين، لا إله إلا هو، هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه.
 قلت لكم في درسٍ سابق: المؤمن يعيش مع هذه النِعَم، والكافر كذلك، الكافر ينام في الليل، والمؤمن ينام في الليل، والكافر يستمتع بأشعِّة الشمس في النهار والمؤمن كذلك، لكن الفرق بين المؤمن والكافر أن المؤمن يتجاوز النعمة إلى المُنعم، والكافر يبقى عند النعمة، فالذين عبدوا الشمس، والذين عبدوا البقر، والذين عبدوا الأمطار، والذين عبدوا بعض الحيوانات، رأوا أن البقر له خيرٌ عميم على البشر، فلم يتجاوزوا هذه النعمة إلى خالقها، لم يتجاوزوا هذه النعمة إلى مُوجِدها، وقفوا عندها فعبدوها من دون الله.
 إذاً:

﴿ اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ ﴾

4 ـ الناس غيَّروا نمط المعيشة في الليل:

 الليل سَكَنٌ، لكن طبيعة حياتنا ؛ انتشار الكهرباء، والسهر إلى ساعات متأخِّرة من الليل، أضاع على الناس وقت الرحمات، وقت الصلوات، وقت المناجاة، وقت تلاوة القرآن قال تعالى:

﴿ أَقِمْ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (78) وَمِنْ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا(79) ﴾

( سورة الإسراء )

 هذا الوقت، وقت السحر، وقت التجلي

 

﴿ إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلا(6) ﴾

 

( سورة المزمِّل )

 هذا فَقدَهُ معظم الناس لأنهم غيَّروا َخلْق الله، لأن الليل مديد، وينام الإنسان المتحضِّر ـ بتعبيره هو ـ إلى ساعةٍ متأخِّرة، ويسهر إلى ساعةٍ متأخِّرة، فكأنه غيَّر خلق الله، غيَّر التصميم الإلهي.

 

﴿ اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا ﴾

 النهار معاش لكسب الرزق، للعمل، فهو مُبْصِر، وشتَّان بين الليل والنهار، وقد ورد في بعض الأثر:

 

 

(( إِذَا جَاءَ اللَّيْلُ فَأَيْنَ النَّهَارُ ))

 

[ أحمد ]

 الليل فيه وحشة، الليل في البحر موحش، والليل في الغابات موحش، فإذا طلعت الشمس ذهبت الوحشة وعمَّ الأُنس.

 

(( إِذَا جَاءَ اللَّيْلُ فَأَيْنَ النَّهَارُ ))

 وأين النهار ـ أين هذا الضياء ـ إذا جاء الليل ؟
 فالمؤمن يدلُّه الليل على الله، والنهار يدلُّه على الله، والشمس تدلُّه على الله، والقمر يدلُّه على الله، وكأس الماء يدلُّه على الله، وطعامه يدلُّه على الله، وابنه الذي كان نقطةً من ماءٍ مهين يدلُّه على الله.

 

 

وفي كلِّ شيءٍ له آيةٌ  تدلُّ على أنَّه واحدُ
* * *

 قال سبحانه:

 

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ﴾

 

إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ

1 ـ إذا أردت معرفة قيمة النعمة ففكِّر في نقيضها:

 فمن أجل أن تعرف قيمة هذه الآية فكِّر فيما يناقض معناها، فكِّر في حياةٍ بلا ليل، فكِّر في ليلٍ بلا نهار، فكِّر في ليلٍ طويل، فكر في نهارٍ طويل، فكر في ليلٍ حار، كيف تنام الليل ؟ فكِّر في نهارٍ بارد، الإنسان في الليل في أغلب الوقت في بيته، وفي البيت التحكم بالحرارة ممكن، أما في النهار فهو في الطرقات، وفي الأعمال، وفي الحقول، فدائماً حرارة النهار أعلى من حرارة الليل، فكيف تكون الحياة لو كان العكس !! فمن أجل أن تعرف قيمة الآية التي تحياها، والنعمة التي تستفيد منها لابدَّ من أن تفكِّر في خلاف ما هي عليه.

﴿ اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا ﴾

 والآية الأخرى التي ذكرتها لكم في الدرس الماضي:

 

﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ﴾

 

( سورة القصص: الآية 71)

 والآية الثانية:

 

﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ ﴾

 

( سورة القصص: الآية 72 )

 هذه من آيات الله الدالَّة على عظمته، قال سبحانه:

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ ﴾

 

2 ـ البُعد عن الله ينسي الإنسانَ نعمَ الله:

 فالإنسان من لِبُعده عن الله عزَّ وجل يتعامى عن النعم الأساسيَّة الصارخة الواضحة، يبحث عن أشياء يرى أنها تنقصه مع أن هذا الكون بانتظامه، وهذه السماء بجمالها، وهذه الشمس بسطوعها، وهذا القمر بنوره، وهذا المطر بغزارته، وهذا الهواء بنقائه، وهذا الماء بحيويَّته، هذه الأشياء الأساسيَّة التي يستمتع بها الناس جميعاً، وهي قِوام حياتهم، هذه النعم لا يلتفتون إليها إطلاقاً، يلتفت إلى شيءٍ ينقصه، شيءٍ ليس في متناول يده، فمن علامات المؤمن أنه يشكر الله عزَّ وجل على النِعَمِ الكبرى الأساسيَّة التي لولاها لما تحقَّق وجود الإنسان.

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ﴾

 فأحياناً يصاب عضو في الإنسان، فتنقلب حياته إلى جحيم، كأن يختل شيء فيه، كأن يفقد بعض خصائص حواسِّه، كأن يفقد بعض وظائف أعضائه، وأحياناً يقول لك: أشعر بحرارة مرتفعة، أحياناً وخزات في صدره، أحياناً ضيق في تنفُّسه، أحياناً حساسية في تنفُّسه، فالأشياء الطفيفة جداً إذا استمرَّت تجعل حياته جحيماً، لذا فعندما يكون الإنسان متمتِّعًا بالنعم الكبرى فينبغي أن يشكر الله عليها، والدليل:

 

﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ(61) ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّا تُؤْفَكُونَ﴾

 

ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّا تُؤْفَكُونَ

1 ـ الله خالِقٌ مسيِّر:

 هذه الآية جمعت الخلق، والتربية، والتسيير في آنٍ واحد، ولله المثل الأعلى ـ فلو صمَّم الإنسان آلة، وأمدَّها بالطاقة، وحرَّكها لرأى لنفسه فضلاً، ومشى زهواً، فهل نسي أن المصمم الأكبر هو الخالق ؟ والمُمِد بالطاقة هو المربِّي، والمحرِّك هو المسيِّر، فربنا سبحانه وتعالى خالق، وربنا ربٌ كريم، ومسيرٌ حكيم، إذًا: هو خالقٌ، ربٌ، مسيِّر، ولن تكون عارفاً بالله إلا إذا عرفت أنه هو الخالق، وأنه هو الرب، وأنه هو المسيِّر.

﴿ ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّا تُؤْفَكُونَ ﴾

 إلى أين أنت ذاهب ؟ هو الخالق.

 

﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا(1) ﴾

 

( سورة الإنسان )

﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ(64) ﴾

( سورة غافر )

 من أمدَّك بالهواء ؟ من ثبَّت نسبة الأكسجين في الهواء ؟ كيف أن النبات يحتاج إلى غاز الفحم الذي تطرحه أنت، وأنت تحتاج إلى الأكسجين الذي يطرحه النبات، ما هذا التوازن العجيب ؟ ثبات نسب الغازات في الهواء.

 

﴿ ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾

 

2 ـ أمرُ المخلوقات بيد الله:

 الله عزَّ وجل ـ كما جاء في آياتٍ أخرى ـ له الخلق وله الأمر، أيْ أنَّه خلق، لكنّ أمرَ هذا المخلوق بيدِ الله، لم يسلمه لجهةٍ أخرى.

﴿ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ(54) ﴾

( سورة الأعراف )

 وهناك آية أخرى:

 

﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ(62) ﴾

 

( سورة الزمر )

 أيْ في قبضته، فهذه الآية تبثُّ الطمأنينة، تبثُّ الراحة النفسيَّة، أي شيءٍ مهما بدا لك قوياً أو مخيفاً أو شريراً فهو بيد الله عزَّ وجل.

 

﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ(55)إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(56) ﴾

 

( سورة هود )

 أجْمَعُ هذه الآيات.

 

﴿ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ ﴾

 

( سورة الأعراف: من الآية 54 )

 هو الخالق، هو الآمر، والآمر ضامن، فأحياناً يتوهَّم الإنسان لضعف إيمانه أنني إذا أطعت الله عزَّ وجل بقيت بلا بيت، وإذا استقمت على أمر الله بارت تجارتي، وإذا قصدت زوجةً صالحة فلن أجد، فلابدَّ من امرأةٍ من عامَّة الناس، ولابدَّ من تجارةٍ فيها شبهات، هذا هو ضعف الإيمان، الآمر ضامن، الذي أمرك بالاستقامة هو الخالق الذي بيده كل شيء، وأساساً الآية التي أردِّدها لكم كثيراً:

 

﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾

 

( سورة هود: الآية 123 )

 أيْ أنّه ما أمرك أن تعبده إلا بعد أن طمأنك أن الأمر كلَّه عائدٌ إليه، وإذا أيقن الإنسان أن أمره كلَّه بيد الله طابت نفسه، واطمأن قلبه، وتوازن، ونجَّاه الله من النفاق، ومن التزلُّف، ومن التذلُّل، ومن كل الصفات التي تزري به كإنسان، أمرك بيد الله، وكلمة الحق لا تقطع رزقاً ولا تقرِّب أجلاً.

 

﴿ ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾

 

3 ـ من الذي ينبغي أن تعبده ؟

 في الآية معنى دقيق فخذ به و الزمْهُ، فمن الذي ينبغي أن تعبده ؟ هو الخالق.

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ ﴾

( سورة البقرة: من الآية 21 )

 مَن الذي ينبغي أن تعبده ؟ هو المربي الذي يمدُّكم، من الذي ينبغي أن تعبده ؟ هو المسيِّر، فإذا كان الله هو الخالق، وهو المربي، وهو المسيِّر فإلى أين تلتفت ؟ إلى أين؟

4 ـ إذا لم تنصرف إلى الله فإلى أين تنصرف ؟

 في أثناء الخلافات الزوجيَّة مثلاً، يقول بعض الأشخاص للزوجة: كل مصلحتك مع زوجك، كل مصلحتك مع رضاء زوجك عنك، مستقبلكِ مع زوجك، إلى أين تلتفتين ؟ هذا على مستوى دنيوي، ولذا فإن الإنسان إذا ترك الله عزَّ وجل، ولم يؤمن به، ولم يلتفت إليه، ولم يستقم على أمره فإلى أين يذهب ؟ إلى مخلوقٍ ضعيفٍ لئيم ؟! إلى إنسانٍ لا يملك لك شيئاً؟
عندما قال ربنا عزَّ وجل:

﴿ قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا ﴾

( سورة الأعراف: الآية 188 )

 فالعلماء طبعاً فسَّروا هذه الآية، أيْ: إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، فَلأَن لا يملك لغيره من باب أولى، يجب أن تؤمن أنَّ أيَّ مخلوقٍ كائناً من كان، ومهما علا شأنه، لا يملك لك شيئاً أبداً، الأمر بيد الله، فلذلك:

 

﴿ ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ﴾

 الخالق، والمربي، والمسيِّر هو الله، الله هو الخالق، الله هو المربي، الله هو المسيِّر.

 

 

﴿ فَأَنَّا تُؤْفَكُونَ ﴾

 أيْ أنَّى تنصرفون ؟ إلى أين تتجهون ؟ تتذلَّل أمام مَن ؟ أمام إنسان ضعيف، تتضعضع أمام مَن ؟ أمام غني ! تبذل ماء وجهك أمام مَن ؟ أمام إنسان لئيم ! تقدِّم كل حياتك ِمن أجل مَن ؟ من أجل إنسان لا يقدِّم لك نفعاً ولا ضرَّاً !
 فالمعنى الدقيق جداً، والمهم أيها الإخوة أنه كلّما كبُرَ عقلُ الإنسان، وكلَّما نضج عقله توجَّه إلى الله عزَّ وجل.

 

 

﴿ هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ﴾

 

( سورة الحديد: من الآية 3 )

 هو الرافع والخافض، هو المعزُّ والمذل، هو المعطي والمانع، هو النافع والضار، هو القابض والباسط، هو الموفِّق، هو المُعَسِّر.

 

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى(5)وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى(6)فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى(7)وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى(9)فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى(10) ﴾

 

( سورة الليل )

﴿ ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّا تُؤْفَكُونَ ﴾

 أيْ ينبغي أن تعبد الخالق، وينبغي أن تعبد المربي، وينبغي أن تعبد المسيِّر، والخالق والمربي والمسيِّر هو الله عزَّ وجل.
وبصراحة في الكون حقيقةٌ واحدة، إن عرفتها عرفت كل شيء، وإن غابت عنك غاب عنك كل شيء، هو الله، في الكون موجودٌ واحد، ولا موجود سواه، إن عرفته عرفت كل شيء، وإن فاتك فاتَك كل شيء، هو الله عزَّ وجل، الحق، ما الحق ؟ كلَّما اقتربت من هذه الحقيقة فأنت على حق، كلَّما ابتعدت عنها فأنت في الباطل.

 

﴿ كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴾

 

كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ

 أُفِكَ أي انصرف، يؤفك عنه من أُفِك، ينصرف عنه من ينصرف، لكن فمن الذي ينصرف عن الله ؟ من الذي يتجه إلى زيدٍ أو عُبيد ؟ من الذي يعلِّق آماله على إنسانٍ لئيم ؟ من الذي يضع رجاءه في عنق إنسانٍ ضعيف ؟ هو الجاهل، قال:

﴿ كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴾

 الله عزَّ وجل غاب عن أبصارنا، وغاب عن حواسِّنا، ولكن على العقول أنْ تدركه من خلال الآيات، فكل مَن يجحد بالآيات غابت عنه الحقيقة الكبرى، غاب عنه خالق الكون.
 إذاً الآية دقيقة الدلالة جداً.

 

﴿ كَذَلِكَ ﴾

 

1 ـ كلُّ إنسان يجحد بآيات الله سينصرف إلى غير الله:

 أيُّ إنسان جحد بآيات الله سينصرف إلى غير الله، ولو آمن بآيات الله سيتَّجه إليه، لو آمن بآيات الله سيُقبل عليه، لو آمن بآيات الله سيطيعه، لو آمن بآيات الله سيسعد بقربه، لو آمن بآيات الله لَسَعِدَ في الدنيا والآخرة، لكن لأنه جحد بآيات الله انصرف إلى غير الله، إذا انصرف الإنسان إلى غير الله انصرف إلى لا شيء، انصرف إلى الضعيف، انصرف إلى الفقير، انصرف إلى اللئيم، انصرف إلى العاجز، ما سوى الله لا ينفعك أبداً.
 لذلك إذا توهَّمت أيها الإنسان أن مخلوقاً ينفعك، فاعلم هذا المخلوق ما نفعك إلا بعد أن أذن الله، ما نفعك إلا بعد أن سمح الله له أن ينفعك، ما نفعك إلا بعد أن ألهمه الله أن ينفعك، هكذا، فكل إنسان يرى نعمةً جاءت إليه من إنسان، إذا رآها من هذا الإنسان فقد أشرك، يجب أن يراها من الله عزَّ وجل، فالمؤمن العاقل إذا أصابته نعمةٌ عن طريق إنسان يسجُد لله، على أن الله سبحانه وتعالى سخَّر له هذا الإنسان، وألهمه، وسمح له، ثمَّ بعدها يشكر هذا الإنسان، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( لَا يَشْكُرُ اللَّهَ مَنْ لَا يَشْكُرُ النَّاسَ ))

[ أحمد ]

﴿ اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾

 آيةٌ ثانية:

 

﴿ اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الْأَرْضَ قَرَارًا ﴾

 

2 ـ مِن لم يرَ النعمةَ وهي موجودة رآها وهي مفقودة:

 في هذه الآية نقطة دقيقة المعنى جداً، وهي أن هذه النعم التي أكرمنا الله بها، إن لم نرها وهي موجودة رأيناها وهي مفقودة، ودعاء النبي عليه الصلاة والسلام:

(( اللهمَّ أرنا نعمك بدوامها لا بزوالها ))

[ ورد في الأثر ]

 فنعمة العقل مثلاً، لو رأيت إنسانًا فقد عقله فأنت لا تعرف نعمة العقل إلا عند فقد العقل، فالبطولة أن يكون لك عقل سليم، وأن ترى نعمة العقل، لأنك إن رأيت نعمة العقل أكرمك الله بدوامها.

﴿ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ ﴾

( سورة إبراهيم: من الآية 7 )

 فالنبي الكريم علَّمنا أنه إذا رأى الإنسانُ إنسانًا مبتلى، ففيما بينه وبين نفسه يقول:

 

(( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانِي مِمَّا ابْتَلَاكَ بِهِ، وَفَضَّلَنِي عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلًا ))

 

[ الترمذي عن عمر ]

 دون أن يسمعه.
 فالنقطة أنه لابدَّ من أن ترى نعمة العقل، إذاً فكِّر بهذه النعمة، واحمد الله على توافرها ولو ضاقت بك الأمور، لأن نعمة العقل لا تعدلها نعمة.
 نعمة القوَّة، إذا خدم الإنسان نفسه بنفسه، وقضى حاجته من دون مساعدة أحدٍ له، فهذه نعمةٌ لا تعدلها نعمة، لذلك كان عليه الصلاة والسلام يقول:

 

((وَمَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا ))

 

[ الترمذي عن ابن عمر ]

 عندما يفقد الإنسان حركته يصبح ثقيل الظل على أقرب الناس إليه، بل يتمنَّى أقرب الناس إليه أن يخفِّف الله عنه، فنعمة الحركة، نعمة القوة، نعمة السمع، نعمة البصر، نعمة النُطق، نعمة سلامة الأعضاء، نعمة سلامة الحواس، نعمة سلامة الأجهزة نعمٌ عظيمة.

نِعمُ الله لا تُعدّ ولا تُحصى ؟

 فيا أيها الإخوة الأكارم... المؤمن يرى نعم الله وهي موجودة، أما إذا كفرها وهي موجودة رآها وهي مفقودة، لذلك قالوا: "الصحَّة تاجٌ على رؤوس الأصحَّاء لا يراها إلا المرضى "، عندما تختل بعض أجهزة الإنسان يعرف قيمة هذا الجهاز.
 فمثلاً: نعمة الاستقرار، أن الأرض مستقرَّة هذه نعمة كبرى، متى نعرف هذه النعمة ؟ بالزلازل، ثلاثون ألف إنسان مصاب بالهند بثوانٍ معدودة، خمس درجات على مقياس رختر، فكل الأبنية أصبحت في الأرض، ثلاثون ألف إنسان مشرَّد، فاستقرار الأرض من نعم الله الكبرى، لكن هذه الزلازل، وتلك البراكين، وهذه الفيضانات، وهذه الحروب الأهليَّة هذه كلُّها معالجاتٌ إلهيَّة.

﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ ﴾

 صواعق أو صواريخ.

 

﴿ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ ﴾

 الزلازل أو الألغام.

 

 

﴿ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾

 

( سورة الأنعام: الآية 65 )

 الحروب الأهليَّة، هذا من تأديب الله للبشر، لذلك:

 

﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ(117) ﴾

 

( سورة هود )

﴿ وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا(59) ﴾

( سورة الكهف )

﴿ اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الْأَرْضَ قَرَارًا ﴾

 هناك نعم حينما كانت ما كنا نعرف قيمتها، من هذه النعم نعمة توازن القِوى في العالَم عندما كان التوازن موجوداً، فهذه الدول الكثيرة الضعيفة كانت تتأرجح على هاتين القوَّتين، وتأخذ من كلا المعسكرين ميِّزات كثيرة، فلمَّا توحَّدت القوى في قوة واحدة، فقدنا نعمة التوازن.
 البقرة ذلول، إذا توحَّشت، وبعد أن دفعت ثمنها سبعين ألف ليرة صرت مضطرًا أن تقتلها، لأنها قتلت رجلين، تذليل البقرة نعمة.

 

﴿ وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ ﴾

 

( سورة يس: الآية 72 )

 هذه نعمة.
 فأيها الإخوة بالشكر تدوم النعم.

 

(( يا عائشة، أكرمي مجاورة نعم الله فإن النعمة إذا نفرت قلَّما تعود ))

 

[ ورد في الأثر ]

 إذا دخل الإنسان بيته يجب أن يشكر الله على أن آواه، وكم مِن الناسِ مَنْ لا مأوى له. وإليك دعاء من أدعية النبي عليه الصلاة والسلام حينما يستيقظ، فإنه يقول:

 

(( الحمد لله الذي ردَّ إليَّ روحي ))

 

[ الترمذي عن أبي هريرة ]

 لأن النوم موت موقَّت. كان عليه الصلاة والسلام إذا ألقى رأسه على الوسادة يقول:

 

(( إنْ أمْسَكْتَ نَفْسِي فارْحَمْها، وَإِنْ أرْسَلْتَها فاحْفَظْها بما تَحْفَظُ بِهِ عِبادَكَ الصَّالِحينَ ))

 

[ البخاري عن أبي هريرة ]

 معنى هذا أن الإنسان عندما ينام هناك احتمالان أن يستيقظ أو ألاّ يستيقظ

(( إنْ أمْسَكْتَ نَفْسِي فارْحَمْها، وَإِنْ أرْسَلْتَها فاحْفَظْها))

 فلمَّا كان النبي يستيقظ يقول:

 

(( الحمد لله الذي ردَّ إليَّ روحي، وأذن لي بذكره ))

 

[ الترمذي عن أبي هريرة ]

 فإذا سمح الله عزَّ وجل للإنسان أن يحضر مجلس علم، سمح له أن يسمع الحق، أعطاه قوَّة على طاعة الله عزَّ وجل، إيَّاك نعبد وإياك نستعين، هذه نعمةٌ كبرى، ونعمةٌ عُظمى.

 

﴿ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ ﴾

 

( سورة الأنفال: من الآية 23)

 ما دام أسمعنا الحق إذاً علم فينا خيراً إن شاء الله تعالى، هذه من نعم الله الكبرى أن أسمعك الحق، أسمعك كتابه، عرَّفك برسوله، عرَّفك بأهل الحق هذه نعمةٌ لا تعدلها نعمة، أعانك على طاعته، فهو يربّيك، إذا حصل تقصير، أو خلل، أو زلل تأتي المعالجة سريعاً.

 

(( إذا أحب اللّه عبداً ابتلاه ))

 

[ فيض القدير شرح الجامع الصغير ]

(( إذا أحبَّ الله عبده عجَّل له بالعقوبة ))

(( إذا أحبَّ الله عبده عاتبه في منامه ))

 عندما يشعر الإنسان أن ربنا عزَّ وجل يتابعه، يضيِّق عليه أحياناً، يؤدِّبه أحياناً فهذه علامةٌ طيِّبةٌ جداً، أنه مقبول عند الله، ومطموعٌ فيه، لأنه:

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ(44) ﴾

( سورة الأنعام )

﴿ اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً ﴾

معنى استقرار الأرض:

 فالأرض مستقرَّة، والبناء الذي عمره طيلة خمسين سنة مستقر مائة بالمائة، لو حصل اضطراب لتداعى البناء، ثُمّ كون الأشياء تستقرُّ على الأرض لها معنى آخر.

المعنى الأول:

 الأرض مستقرَّة مع أنها متحرِّكة:

 

﴿ وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ ﴾

 

( سورة النمل: من الآية 88)

 هناك أشياء بديهيَّة الآن أقولها لك، يعرفها طلاب الثانوي جميعاً، الأرض في حركتها حول الشمس تقطع في الثانية الواحدة ثلاثين كيلو مترًا، الدرس بدأ الساعة السادسة، والآن الساعة السادسة والنصف، مثلاً، أمضينا ثلاثين دقيقة، ثلاثون كيلو مترًا في الثانية ضرب ستين يصبح ألفا وثمانمائة كيلومتر بالدقيقة، ضرب ثلاثين، نحن من أول ما بدأ الدرس وقلنا: بسم الله الرحمن الرحيم مع الدرس الثامن عشر إلى الآن قطعنا مئات ألوف الكيلو مترات.

 

﴿ وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ ﴾

 

( سورة النمل: من الآية 88)

 لكن مع هذه الحركة استقرار، فهل تمكَّن الإنسان من صنع مركبة تنطلق بسرعة، والاستقرار مائة بالمائة ؟ تضع كأس ماءٍ على الطاولة، وتراه مائة بالمائة مستقرًا، هذا هو معنى الآية، أي أن الأرض مستقرَّة وهي متحرِّكة، لو أنها، مستقرَّة وهي ساكنة فالقضيَّة سهلة، لكن مع الحركة هي ذات استقرار مائة بالمائة.
 وحينما تضطرب الأرض يكون الزلزال، وحينما يكون الزلزال يكون الضحايا، الذي حصل بمصر أن الزلزال استمر خمسين ثانية، لو استمر أكثر من دقيقة ونصف ما بقي في مصر شيء سالماً، فالله عزَّ وجل قادر على كل شيء، بناء أربعة عشر طابقاً أصبح كومةً من الأنقاض في ثوانٍ ؛ ببيوته، ومكاتبه، وأثاثه، وسكَّانه، أشهر بناء وقع في الجيزة.

 

﴿ اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الْأَرْضَ قَرَارًا ﴾

 

المعنى الثاني:

 نظام الجاذبيَّة الذي يعني أن كل شيءٍ على وجه الأرض يشدّ إليها، وينجذب إليها، فهذا هو الوزن، من يعرف قيمة الجاذبيَّة ؟ روَّاد الفضاء الذين طاروا إلى القمر هناك منطقةٌ بعد اجتياز نطاق جاذبية الأرض، وقبل الدخول في جاذبية القمر، هذه المنطقة اسمها: منطقة انعدام الجاذبيَّة، وقد قرأت مقالات حول هذه المنطقة، الحياة في هذه المنطقة لا تطاق، لأن الإنسان ليس له وزن، فحاجاته تطير في جو الغرفة، وهو يتبعها إلى سقف الغرفة، فهل من المعقول أن تبحث عن حاجات في السقف ؟ شيء ما له وزن إطلاقاً، فلا الإنسان له وزن، ولا الحاجة لها وزن، لكن في الأرض نعمة كبرى، هذا الكأس مستقرة، لأن لها وزنا، ما هو وزن الشيء ؟ أساس الوزن قوة جذب الشيء لمركز الأرض، هذا هو الوزن.
 فالإنسان الذي وزنه على الأرض ستون كيلو غرامًا يصبح على القمر وزنه عشرة كيلو، لذلك أي قفزة ينطلق بها عشرة أمتار نحو الفضاء لأنه ليس له وزن، القمر جاذبيَّته أقلّ، إذاً وزن الإنسان يَعدل في القمر سدس وزنه في الأرض، فمن صمَّم هذه الأرض بهذا الحجم، وبهذه السرعة، وبهذه الجاذبيَّة ؟ فالإنسان وزنه معقول في الأرض، فمن جعل هذه الأشياء تشدُّ إلى الأرض، تستقرُّ عليها ؟ قوة الجذب.

اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا

 هذا يؤكد معنى آية أخرى، حينما قال الله سبحانه وتعالى:

﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ﴾

( سورة الرعد: الآية 2 )

 لأن السماء بناء، لكن تصوَّر ـ كما قرأت مرَّة في مقالة علمية ـ أن الأرض، وهي في مسارها حول الشمس، طبعاً مرتبطة بالشمس بقوة جذب، كلكم يعلم أن الكون مؤلَّف من مجرَّات، وعدد المجرَّات يقترب من مَليون مليون مجرَّة، وعدد كواكب كل مجرَّة يقترب من مليون مليون كوكب.
 وأما معنى قوله تعالى:

 

﴿ اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً ﴾

 السماء بناء، ولكنها مبنيَّة بلا أعمدة ترونها، وهذه الآية من أدق الآيات:

 

 

﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ﴾

 

( سورة الرعد: آية " 2 " )

 أيْ بعمدٍ لكن لا ترونها، ما هي العمد التي لا ترونها ؟ هي قِوى التجاذب، فكل كتلتين تنجذبان إلى بعضهما بعضاً، الأكبر تجذب الأصغر، عامل الجذب الكتلة والمسافة، عوامل الجذب أو قوانين الجذب أساسها حجم الكتلة والمسافة بين الكُتَل، فكلَّما زادت المسافة ضعف الجذب، وكلَّما كبرت الكتلة ازداد الجذب، فالشمس أكبر من الأرض بمليون وثلاثمائة ألف مرَّة تجذب الأرض إليها بقوَّة، لو أن الأرض تفلَّتت من جاذبية الشمس، وسارت في الفضاء الكوني، وأردنا أن نعيدها إلى الشمس نحتاج إلى مليون مليُون حبل فولاذي، قطر الحبل خمسة أمتار، هذا الحبل يتحمَّل قِوى شد تزيد على مليون طن، حبل من الفولاذ المضفور يحمل مليون طن، نحتاج إلى مليون مليُون حبل، وكل حبل يتحمَّل قِوى شد مقدارها مليون طن، كأن الأرض مجذوبةٌ إلى الشمس بقوَّةٍ تساوي مليون مليُون مليون طن، المليون ستة أصفار ـ فمليون مليون مليُون أي ستة أصفار، وستة أصفار، وستة أصفار، أي أمامك ثمانية عشر صفرًا ـ قال: العلماء: كل هذه القوَّة الجاذبة إلى الشمس من أجل أن تحرف الأرض في مسارها حول الشمس ثلاثة مليمترات في الثانية، كل ثانية ثلاثة، مليمترات، فتبقى الأرض في مسار مغلق حول الشمس، فالآية:

 

﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ﴾

 

( سورة الرعد: من الآية 2)

 لو أردنا أن نربط الأرض بالشمس بهذه الحبال الفولاذيَّة سوف نربطها من وجهٍ واحد، الوجه المُقابل للشمس، فغزارة هذه الحبال تكون حيث إن بين الحبلين مسافة حبلٍ واحد، أيْ كل خمسة أمتار هناك حبل في البر والبحر، إذاً هذه الغابة من الحبال الفولاذيَّة تمنع عنا أشعة الشمس، وتمنع زراعة الأرض، وتمنع البناء، وتمنع كل شيء، إذاً لا يعرف قيمة هذه الآية إلا من درس هذا الموضوع.

 

﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ﴾

 

إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا

 وهناك أيضا بالغة الدقة أيها الإخوة، ربنا عزَّ وجل قال:

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا ﴾

( سورة فاطر: الآية 41 )

 معنى الزوال في اللغة الانحراف، يقول لك: وقت الظهر بعد زوال الشمس عن كبد السماء، أيْ بعد انحرافها، فالزوال له معنيان: معنى الانحراف، ومعنى التلاشي، لو أن الأرض انحرفت عن مسارها، وسارت في الفضاء الكوني لحُرِمَت من أشعة الشمس، وحينما تُحرم من أشعة الشمس تُصاب بشيء اسمه: الصفر المُطْلَق، الصفر المطلق أيْ مئتان وسبعون درجة تحت الصفر، في هذه الدرجة تتوقَّف الذرَّات عن الحركة، لو أنها انحرفت عن مسارها لتلاشت.

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ ﴾

 هذا معنى:

 

 

﴿ وَالسَّمَاءَ بِنَاءً ﴾

 

﴿ اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ ﴾

وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ

 كان عليه الصلاة والسلام إذا وقف أمام المرآة يقول:

(( اللَّهُمَّ كما حَسَّنْتَ خَلْقِي فَحَسِّنْ خُلُقِي ))

[ البيهقي عن عائشة ]

 أولاً الخيَّاط يأخذ لك قياسا مرات عدة، لماذا ؟ لمَ لا يأخذ الاثنين معاً ؟ لأن هناك تناظرا تاما في جسمك، أقل من ميلي، كُمٌّ واحد، ورِجْلٌ واحدة، وكتِفٌ واحد، لأن الثاني مثله، معنى هذا أن في الإنسان تناظرا.
 لو رسمنا خطًّا يبدأ من منتصف رأس الإنسان إلى أسفل جذعه لكان هذا الخط منصِّف لجسمه، وما على اليمين يساوي ما على اليسار بأدق الدقائق، إذاً:

 

﴿ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ﴾

 جعل العين في مكان مناسب، جعلها في الرأس، وما جعلها في الظهر، كلَّما أردت أن ترى إنسانًا تخلع معطفك في الشتاء لتتمكن من رؤيته، لكنه جعلها في الرأس، وجعلها في محجر، وجعلهما عينين اثنتين من أجل البعد الثالث، فبعين واحدة ليس بإمكانك أن تُدخل خيطاً في ثقب الإبرة، يأتي الخيط بعيد عن الثقب بعشرة سنتمترات ـ بعين واحدة ـ أما بالعينين فهناك بعدٌ ثالث.
 ولاحظ الأذنين، قال تعالى:

 

 

﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ(8)وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ(9) ﴾

 

( سورة البلد )

 لماذا أذنان ؟ لو كان هناك أذن واحدة لما وصل الصوتُ إليك، لكن لتعرف جهته، من تفاضل وصول الصوتين إلى الأذنين، التفاضل واحد على ألف وستمائة وعشرين جزءا من الثانية، يكتشف الإنسان من أين الصوت، من اليمين أو من اليسار، لو سمع بوق سيَّارة ينحرف على عكس الصوت وهو لا يدري.
 إذاً لك أذنان، ولك عينان، ولك أنفٌ فوق الفم، إذا كان الطعام فاسدًا فإن رائحته تجعلك تلفظه، والأنف نحو الأسفل، لو كان بالأعلى لكانت مشكلة، نحو الأسفل ونحو الفم، والهواء، هواء الزفير هو الصوت، تتنفَّس بصوت، ولسان المزمار شرطي مرور يعمل ليلاً نهاراً ثمانين سنة، وأنت نائم، يغلق مجرى الهواء، ويفتح مجرى المريء من أجل أن يصل اللعاب إلى معدتك، العضلات، الأوعية، القلب، الرئتان، الدسَّامات.
 لو أوكل الله عزَّ وجل لك التنفُّس هل تستطيع أن تنام بالليل ؟ لا تستطيع، هناك مرض يصيب بعض الأشخاص، ولكنَّه نادر جداً، مركز التنفُّس النوبي يتعطَّل، فإذا نام الإنسان يموت فورًا، وهناك أدوية حديثة جداً يجب أن يأخذ كل ساعة قرصاً، فيربط المنبِّه الساعة العاشرة، يأخذ القرص الأول، وينام، ويستيقظ الساعة الحادية عشرة، قرصًا آخر، وهكذا على مدار الساعة. لو الله عزَّ وجل أوكل لك التنفُّس، أو أوكل لك ضربات القلب، أو أوكل لك الهَضم، بعد ما أكلت تحتاج إلى خمس ساعات ليتم الهضم في المعدة، البنكرياس، والصفراء، والاثنا عشري، والأمعاء الدقيقة، والكيلوس، هذه مشكلة صعبة جداً، الله عزَّ وجل يقول:

 

﴿ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ﴾

 أنت لو رأيت إنسانًا بعضلات فقط، فإن منظره مخيف، كالبيت على العظم، أنت مكسو بجلد ناعم لطيف، الله جملَّك حين الخلق.

 

 

﴿ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ﴾

 صورة حسنة، جميلة، متناسقة، كاملة، واحد حمل ابنه على يديه، الأمور مدروسة دراسة دقيقة، وبحكمة بالغة، الأربطة أربطة عضلات الكتف مع الجذع تتحمَّل وزن الطفل، لو حمله، ولو لم تكن حكمة بالخلق لخُلِعت يده، تجد الأربطة كلها متناسبة.
 فالعظام، عظم الحوض يتحمَّل خمسمائة كيلو، عظم عنق الفخذ كل واحد يتحمَّل مئتين وخمسين كيلوا من الضغط، فإذا كان فوق الإنسان نصف طن لا ينكسر هذا العظم، وقد كان ماءً مهينًا.
 ميناء الأسنان فيه قساوة تأتي بعد الماس، إنه كان ماء مهينًا، لذلك:

 

 

﴿ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ ﴾

 

وَرَزَقَكُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ

 الماء فرات، والفواكه، والخضراوات، والأطعمة، كل شيء لطيف، انظر ذو رائحة عطرة، وحجم مناسب، وقِوام يتناسب مع أسنانك، وكذلك المواد الغذائيَّة، لو توافر في الغذاء المادة المفيدة مع طعم مر لا تستفيد منها، طعم مستساغ، ولكن ليس فيه غذاء، الطعم مستساغ، وفيه غذاء، ولكن قِوامه يحتاج إلى آلات لتقطعه، كل شيء صنعه ربنا عزَّ وجل لطيف.
 مرَّة قال لي رجلٌ مضطر ليأكل علبة سردين بلا مفتاح ـ وكان حبيسًا ـ قال لي: أكثر من خمس ساعات، وأنا أعالجها على الأرض إلى أن فُتِحت معي، أما البيضة فبنقرة واحدة تُفْتَح وحدها، البيضة لا تحتاج إلى مفتاح، ففي الخَلق لطفٌ، وفيه ما يريح الإنسان، إذاً:

﴿ وَرَزَقَكُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾

فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ

 الذي خلقك بشكل حسن ؛ جعل الشعر، جعل الحواجب، العينين، الأجفان، العين ؛ قرنيَّة، وقزحيَّة، وجسما بلوريا، وخلطا مائيا، وعصبا بصريا، وتسعمائة ألف عصب، وشبكيَّة، ومائة وثلاثين مليون عصيَّة، وأنفًا وأسنانًا، والأسنان أنواع ؛ قواطع وأنياب وأضراس، والسن له عصب حسي، إذا حصل نخر فلن تنام الليل، تذهب فوراً لحشوه قبل أن تفقده، ففي الخلق تصميم رائع جداً.

﴿ ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾

 هذا المقطع من عند قوله تعالى:

 

﴿ اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (61) ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّا تُؤْفَكُونَ (62) كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (63) اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾

 

﴿ هُوَ الْحَيُّ ﴾

هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ

 القيوم، هو الحي على الدوام، هو الباقي، مصدر حياة الخلق.

﴿ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾

 أَخلِص له.

 

(( يا معاذ، أخلص دينك يكفك القليل من العمل ))

 

[ فيض القدير شرح الجامع الصغير]

 الإخلاص عبادة القلب، العمل لا يُقْبَل عند الله عزَّ وجل إلا بشرطين، إلا إذا كان خالصاً وصواباً، خالصاً ما ابتغي به وجه الله، وصواباً ما وافق السُنَّة.

 

﴿ لَهُ الدِّينَ ﴾

 الخضوع لله وحده، الطاعة لله وحده، الحبُّ لله وحده، الإخلاص لله وحده.

 

 

﴿ قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(162) ﴾

 

( سورة الأنعام )

﴿ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾

 يُحمد على كل شيء ؛ على السرَّاء والضراء، على الغنى والفقر، على الصحَّة والمرض، على إقبال الدنيا وعلى إدبارها.

 

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾

 وفي درسٍ قادم إن شاء الله تعالى ننتقل إلى قوله تعالى:

 

 

﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِي الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018