موضوعات متنوعة - السيرة الذاتية : 12 - الفقيه عبد الغني النابلسي - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

موضوعات متنوعة - السيرة الذاتية : 12 - الفقيه عبد الغني النابلسي


2021-02-18

الفقيه الكبير العارف بالله الشيخ عبد الغني النابلسي

للأستاذ محمد زاهد أبو غدة
حدث في الرابع والعشرين من شعبان من عام 1143 هجرية وفاة إمام الشام الفقيه الكبير عبد الغني النابلسي الحنفي ، عن 93 سنة ، والشيخ عبد الغني النابلسي هو عبد الغني بن إسماعيل بن عبد الغني بن إسماعيل بن أحمد بن إبراهيم المعروف بالنابلسي الحنفي الدمشقي النقشبندي القادري ، إمام الشام وكبير المتصوفة في عصره والفقيه الكبير والمؤلف الغزير والشاعر الناظم النحرير .
وأسرة الشيخ النابلسي أسرة دمشقية عريقة استوطنت دمشق منذ أجيال ، وتوارثت العلم كابراً عن كابر، فجده إسماعيل كان شيخ مشايخ الشام وكبيرها وعالمها ومرجعها، وجده عبد الغنى المتوفى سنة 1032 كان يدَّرس الفقه في جامع الدرويشية ، ووالده إسماعيل المولود سنة 1017 والمتوفى سنة 1062 كان أفضل أهل وقته في الفقه وأعرفهم وصنف كتباً كثيرة أجلها وأحكمها كتابه الأحكام شرح الدرر في 12 مجلدا. ويعود أصل الأسرة إلى أسرة علمية عريقة هي أسرة بني قدامة المقدسية ، وجاءها اسم النابلسي حين أطلق على جده الرابع بسبب سكناه في نابلس قبل أن يستوطن دمشق بعدها.
ولد الشيخ النابلسي سنة 1050 هجرية في دمشق ، ووالدته زينب بنت الشيخ محمد الدويكي ، وكان من المتاجرين مع الهند وتوفي فيها، وكان والد النابلسي قد سافر إلى مقر الخلافة العثمانية في الأناضول ، وأمه حامل به في دمشق ، فبشرها رجل صالح أن حملها ولدٌ ، وقال لها : سمّيه عبد الغني ، وولد النابلسي قبل عودة والده إلى دمشق . وكان والده قد شغله بقراءة القرآن ثم بطلب العلم وحضور مجالسه ، فحضر دروس مصطلح الحديث لنجم الدين الغزي ، المتوفى سنة 1061، ودخل في عموم إجازته ، وتوفي والده في سنة 1062 فلم يغيّر اليُتْم من طلبه للعلم ، واهتمت به والدته التي توفيت سنة 1104 رحمها الله ، وكانت شديدة الحنو عليه ، وأشار إلى ذلك في أحد داعياً لها فقال :
وإن لي أماً فكن عوناً لها ... تحنو عليَّ حيث ما لي من أب
وتابع النابلسي التحصيل بعد وفاة والده فقرأ الفقه وأصوله على أستاذه الشيخ أحمد بن محمد القلعي الحنفي ، والنحو والمعاني والتبيان والصَرْف على الشيخ المعمر محمود الكردي نزيل دمشق ، والمتوفى سنة 1074 ، وأخذ الحديث ومصطلحه على مفتي الحنابلة بدمشق الشيخ المحدث محمد بن عبد الباقي الحنبلي البعلي الدمشقي المولود سنة 1044 والمتوفى سنة 1126، وقرأ أيضاً وأخذ على الشيخ الصالح الورع محمد بن أحمد الأسطواني ، المتوفى سنة 1072 ودرس على الشيخ إبراهيم بن منصور الفتال المتوفى سنة 1098، وغيرهم من علماء الشام في تلك الأيام .
ظهرت على الشيخ النابلسي معالم النبوغ و التفوق منذ يفاعته ، فقد رثى أباه وهو في الثانية عشرة من عمره ، وابتدأ التدريس في الجامع الأموي وهو في العشرين من عمره ، فدرَّس الجامع الصغير والأربعين النووية والأذكار للنووي ، وكلها في الحديث كما نرى ، وفي سن الخامسة والعشرين نظم بديعيته التي سماها " نفحات الأزهار على نسمات الأسحار في مدح النبي المختار"، وهي تشمل كافة أنواع البديع اللغوي في حُلّة مدح المصطفى صلى الله عليه وسلم ، ولجودتها وسعة موضوعاتها استبعد بعض أهل الأدب والعلم أن تكون من نظمه ، فاقترحوا عليه أن يشرحها ، فشرحها سنة 1079 في مدة شهر شرحاً لطيفاً في مجلد ، فبان فضله لكل ذي عينين .
وسلك الشيخ عبد الغني النابلسي طريق التصوف ، فانتسب للطريقة القادرية سنة 1075، والنقشبندية سنة 1087، وأقبل على مطالعة كتب الشيخ محي الدين بن العربي وكُتُبِ من نهج نهجه من الصوفية مثل ابن سبعين ، عبد الحق بن إبراهيم ، المولود بالأندلس سنة 613 ، والمتوفى سنة 669 ، والعفيف التلمساني ، سليمان بن علي ، المولود في المغرب سنة 610 والمتوفى بدمشق سنة 690 ، وكان النابلسي يُقرئ في الجامع الأموي كتاب " الفصوص " لابن العربي .
ويبدو أن الشيخ النابلسي دخل في أزمة فكرية عاتية بسبب بعض الخلافيات ، دامت معه سبع سنوات من سنة 1091 هجرية إلى سنة 1098، اعتزل فيها الناس ، وأهمل الاعتناء بنفسه ، وهو أمر أشبه بما نتعارف عليه اليوم بالاكتئاب ، إذ يقول معاصره محمد أمين المُحْبِي في كتابه "خلاصة الأثر في تراجم أعيان القرن الحادي عشر": إنه صار له في أول أمره أحوال غريبة وأطوار عجيبة ، وبقي في داره بقرب الجامع الأموي في سوق عنبر مدة سبع سنوات لم يخرج منها، وبقي في حالة عجيبة ، وصارت تعتريه السوداوية في أوقاته ، وصار يهجو الناس بشعره ، وقام عليه أهل دمشق ، حتى إنه هجاهم وتكلم بما فعلوه معه ، ولعل من ذلك ما أورده له الطبيب صلاح الدين القاسمي ، أخو جمال الدين القاسمي ، في مقالة في مجلة المقتبس الدمشقية :

يا من تكلم فينا بالذي فيه ... وقعتَ في كف ضرغام وفي فيه
دُمْ في ظنونك مفتونا فسوف ترى ... مَن الذي منه قُبح الفعل يُرديه
ولا تقل أي جاه للضعيف يُرى ... فإن للبيت ربا سوف يحميه
يا مستبيحين أعراضا محرمة ... بسوء ظن وتلبيس وتمويه
أهكذا ملة الإسلام تأمركم ؟ ... أم قد سلكتم عن الإسلام في تيه ؟
تبا لكم ولمن قد عاد يتبعكم ... والعبد مولاه في الأعداء يكفيه


ثم أنجاه الله من تلك الأزمة الممتدة بفضل توجهه إلى كتاب الله الكريم والتأمل في معانيه وحِكَمه الظاهرة والباطنة ، فتحولت العزلة إلى خلوة وخرج منها بعد أن نظم على قافية التاء كتابه في التفسير الذي أسماه" بواطن القرآن ومواطن الفرقان "، ووصل فيه إلى سورة براءة ، في قرابة 5000 بيت ، وعاد للتعليم والتدريس ، وشرع في إلقاء الدروس في الجامع الأموي وغيره من مساجد دمشق ، ودرس الأربعين النووية ثم الأذكار النووية وغيرها.
ومما يلفت النظر أنه { رحمه الله } قد ألف في هذه المرحلة رسالة
" إيضاح المقصود من معنى وحدة الوجود"، وألّفها في مجلسين في شعبان سنة 1091، كما هو مذكور في مخطوطتها المحفوظة بجامعة الملك سعود بالرياض ، والبالغة 19 صفحة ، ولعله ألفها قبل اعتزاله الناس ، ولكن المؤلَّف الأهم الذي يتعلق بهذه المرحلة هو كتابه في الفقه الحنفي الذي أسماه "رشحات الأقلام شرح كفاية الغلام"، وألفه سنة 1095، وهو شرح لمنظومته هو في الفقه الحنفي ، وهو ما يلقي ظلالاً من الشك على ما أورده المُحْبِي عن اعتزاله الناس ومدته وشدته . وكنت قد ذكرت في ترجمة الإمام المناوي تبايناً بين شخصيته الصوفية وشخصيته العلمية ، ويبرز هذا كذلك في الشيخ النابلسي ، حيث يذكر في إجازة صوفية أعطاها لأحد أقرب تلاميذه ، أنه تلقى الطريقة النقشبندية من طريقين : من طريق الباطن ومن طريق الظاهر، فأما طريق الباطن وهو طريق الروحانية فقد اتصل عهدنا ومبايعتنا واقتداؤنا في واقعة رأيناها ومطارحة روحانية وجدناها من روحانية الإمام الجليل والشيخ الكامل صاحب التكميل الخوجة علاء الدين عطّار قدس الله روحه ونور ضريحه .
وقد خلّف الشيخ النابلسي آثاراً لطيفة حول ما قام به من رحلات ، وكان أول أسفاره رحلة إلى بلاد الروم في شبابه سنة 1075، ولم يؤلف حول هذه الرحلة كتاباً، وإن كان قد أشار إليها في معرض حديثه عن شيخه النقشبندي الشيخ عبد الرزاق بن شرف الدين الكيلاني الحموي الذي التقى به في هذه الرحلة ، وأخذ عنه الطريقة . وبعد خروجه من العزلة أو الخلوة ، قام النابلسي في سنة 1100 برحلة إلى بعلبك والبقاع ، وكتب فيها كتاباً أسماه "حلة الذهب الإبريز في رحلة بعلبك والبقاع العزيز"، ثم رحل في السنة التاليه إلى القدس ودوّن رحلته في كتاب أسماه " الحضرة الأنسية في الرحلة القدسية "، وفي سنة 1105 قام بأطول رحلاته التي شملت سورية ولبنان ومصر ومنها إلى الحجاز حيث أدى فريضة الحج ، واستغرقت قرابة 13 شهراً ، ودوّن ذكرياته عن الرحلة في كتاب أسماه " الحقائق والمجاز في رحلة بلاد الشام ومصر والحجاز"، وفي سنة 1112 قام برحلة إلى طرابلس الشام وكتب عنها كتاب " التحفة النابلسية في الرحلة الطرابلسية ".
وهذه الكتب فريدة في طبيعتها، فهي ليست على قاعدة كتب الرحلات الجغرافية ، وإن كانت تصف وصفاً انتقائياً ومتفاوتاً بعض المدن والمعالم والأطلال التي مر بها النابلسي ، بل هي أقرب إلى كتب الأدب والسيرة الذاتية ، وتصف كثيراً من جوانب الحياة العلمية والأدبية والاجتماعية في المناطق التي مر أو نزل بها النابلسي ، بل وتمنحنا في طياتها بعض تفاصيل الحياة العائلية والشخصية للشيخ النابلسي وأسرته ، مما لا نجده في مكان آخر، وتتبين لها فيها شخصية الشيخ النابلسي وطريقة حياته على نمط كان معروفاً مألوفاً في دمشق الشام إلى عهد قريب ، فهو مُوْلع بالطبيعة والنزهات ، يجمع بين الترويح في " السيران " والدرس والمذاكرة مع الأقران ، في علم متين وتوجيه رصين ، وقرب من العامة ، وصحبة للخاصة ، يتمتع باحترام الجميع وتبجيلهم ، وهو مرجعهم الفرد وكلمته بينهم لا تُرد . كان الشيخ النابلسي سيَّال القلم غزير التأليف ، بلغ عددُ مؤلفاته ما يزيد على 330 مؤلفاً ، ما بين كتاب ذي مجلدات أو رسالة في صفحات ، وأود أن أشير إلى أن استعراض تواريخ تأليفها يظهر أن قدراً كبيراً منها قد صنفه الشيخ في كهولته ، ويضيق المقام عن تعدادها بَلْهَ استعراضها، ولكنني أتناول بعض ما أراه مناسباً منها لتجلية جوانب شخصية هذا الإمام الكبير، والعالم الجليل ، وتَعّدد معارفه وسعة علومه
ومن أول كتبه وأشهرها بين العامة كتاب "تعطير الأنام في تعبير المنام"، فقد ألفه أوائل عام 1069، ورتبه على حروف المعجم ، على الحرف الأول من الكلمة ، وقدم له بمقدمة في علم التعبير، وشروط الخوض فيه ، وأخلاق المعبرين ، وقواعد التعبير، وما ورد في القرآن والآثار من ذلك . وهناك كتاب" يوانع الرطب في بدائع الخطب" الذي ألفه سنة 1085، وهو كتاب يتضمن 51 خطبة تشمل أسابيع السنة كلها، أعدها - رحمه الله - لتكون مرجعاً لخطباء الجوامع ، وكثير منها لا يزال غضَ الكلام يانع الجنى ، ويدل تأليفه لها على شخصية إصلاحية ذات نظرة عملية شمولية ، ومنها كتابه " مناجاة الحكيم ومناغاة القديم "، وهو كتاب غير مألوف يتضمن نجاوى بين النابلسي وبين الله عزوجل ، يتبين فيها استحضاره الدائم لعظمة وغنى الخالق وضعف وفقر المخلوق .
ومنها كتابه إيضاح الدلالات في سماع الآلات ، الذي ألفه سنة 1088 والذي يرى فيه بعد مقدمة أصولية فقهية طويلة إباحة السماع على طريقة الصوفية ، وكيف لا يرى الشيخ إباحة السماع وجُلُّ قصائده في مدح النبي صلى الله عليه وسلم مما ألفه لهذه المجالس وكثير منها يُتغنّى به إلى يومنا هذا.
ومنها رسالته " إيضاح المقصود من معنى وحدة الوجود"، وتناول فيها هذه القضية الشائكة بتخريج فقهي فحواه أن القائلين بمصطلح وحدة الوجود ما قصدوا إلا أن الله عزوجل خالق الأشياء وموجدها ، ولولاه ما كان لها وجود ، وهو تخلص لطيف لو طاوعته عبارات القائلين بذلك ، لما كانت فتنة ، ومنها كتاب" كنز الحق المبين في أحاديث سيد المرسلين "، والذي صنفه سنة 1097، وهو اختصار لكتاب" كنز الحقائق في حديث خير الخلائق "والذي صنفه الإمام عبد الرؤوف المناوي ، والذي ضم 10.000 حديث، فاختصرها النابلسي إلى 3830 حديث
ومنها كتابه " الصلح بين الاخوان في حكم الدخان"، ذلك أن تدخين التبغ انتشر في تلك الفترة ، وانقسم العلماء بين تحريمه وتحليله فكتب النابلسي رسالته في حكمه ، وكان هذا طبعاً قبل اكتشاف أضراره الشديدة على الصحة . بل صنف رحمه الله كتاباً في الزراعة وهو مثال لاتساع موضوعات مصنفاته ومثال من طرف آخر للمختصرات الشائعة في تلك العصور، وأصل الكتاب : " جامعُ فرائد المَلاحة ، في جوامع فوائد الفلاحة "، الذي ألفه الرضي الغزي ، محمد بن محمد المولود بدمشق سنة 862 والمتوفى بها سنة 935، وسمى النابلسي مختصره " علم الملاحة في علم الفلاحة ".
ولعل من آخر ما كتبه النابلسي أرجوزة في خلفاء بني عثمان ، نظمها بعد ربيع الأول من عام 1143، وهي بمثابة ذيل على أرجوزة " تحفة الظرفاء " التي نظمها شمس الدين الباعوني الدمشقي ، محمد بن أحمد المتوفى سنة 870 وبيّن النابلسي سبب نظمه لها في أولها فقال:
حتى إلى الغوريِّ في الملوكِ ... أوصَلهم مُسَيِّر السلوكِ
فرمت أن أفوز بالتذييل ... لما أتوا به بلا تطويلِ
وأنظم الملوك بالترتيب ... مع اختصار اللفظ والتهذيبِ
وتدل كتبه ـ رحمه الله ـ على اطلاع موسوعي ، وحنكة في اختيار الموضوعات وموهبة في استحضار جوانب الموضوع الذي هو بصدده ، ومهارة في تخريج القضايا ومقايساتها لا تتأتّى إلا لكبار الفقهاء ، وكل ذلك في لغة سلسلة سهلة ، لا تقعر فيها أو إغراب .
أما تلاميذه فهم أكثر من أن يحصيهم العدد، فقد أمدّ الله في عمره فمرت عليه أجيال من طلبة العلم ، إلى جانب رحلاته في البلاد والتقائه بعدد كبير من أهل العلم وطلبته .
وللأستاذ محمد مطيع الحافظ دراسة لترجمة مخطوطة للشيخ النابلسي صنفها سبطه محمد كمال الدين الغزي بدمشق ، وينقل عنه فيها أنه تولى إفتاء السادة الحنفية في دمشق سنة 1113، ولكنني أستبعد ذلك لأن المرادي لم يذكر ذلك في" سلك الدرر" في ترجمته للنابلسي أو في ترجمته للمفتي السابق الشيخ إسماعيل الحايك ، إسماعيل بن علي ، المولود سنة 1046، بل يورد أن من تولى الإفتاء بعد الشيخ الحايك هو الشيخ أبو الصفا بن أحمد العدوي ، وأنه بقي فيه إلى حين وفاته سنة 1120. كذلك يورد المرادي في ترجمة خليل بن أسعد الصدِّيقي الدمشقين المولود سنة 1098، أنه لما توفي مفتى الحنفية محمد بن إبراهيم العمادي في سنة 1135، انعقد إجماع أهالي دمشق على أن يصيروا مفتياً الأستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي فذهبوا لعنده وأبرموا عليه في ذلك فلم يرض وأبى ، فلم يزالوا يلحون عليه ويبرمون جميعهم إلى أن قبلها، فكتبوا العروض للدولة العلية بذلك وصار الأستاذ النابلسي يكتب على الأسئلة الفقهية ، ولكن الأخبار رجعت بورود الفتيا للصدِّيقي ، الذي ندم على فعله مع الشيخ النابلسي ، وفي سنة 1115 أُسند إلى الشيخ النابلسي التدريس في تكية السلطان سليم المعروفة بالسليمانية ، فدرّس فيها تفسير البيضاوي مدة 28 سنة إلى وفاته ، وصنف شرحاً عليه أسماه
" التحرير الحاوي بشرح تفسير البيضاوي"، في ثلاث مجلدات وصل فيها إلى ثلث سورة البقرة .
وفي سنة 1125 جرى عزل النابلسي عن التدريس في السليمانية لمدة أيام ثم أعيد إليه ، وكان سبب ذلك أن شيخ الإسلام في السلطنة محمد عطاء الله أفندي كان من قبل قاضياً في دمشق وأنكر على النابلسي بعض فتاويه ، وجرت بينه وبين النابلسي مباحثة طويلة في الموضوع ، ألف النابلسي على إثرها رسالة أسماها:
" السيف الماضي في عنق عطاء الله القاضي"، فانتهز فرصة شكاية وصلته من آل المحاسني وعزل النابلسي، ثم عُزِلَ شيخ الإسلام نفسُه .
كانت دار آل النابلسي في سوق عنبر قبلي الجامع الأموي ، ثم خرج من المنطقة إلى الصالحية في سفح جبل قاسيون وبنى بها داراً في سنة 1119، ثم بنى بها قبة سنة 1126 ليدفن فيها عند وفاته ، ثم بنى حفيده الشيخ مصطفى بن إسماعيل إلى جانب ضريحه مسجداً جامعاً فخماً بمقياس ذلك الزمان ، لا يزال قائماً معروفاً إلى يومنا هذا. وهو { جامع الشيخ عبد الغني النابلسي } ، ومن طريف ما أورده الأستاذ الحافظ في دراسته نقلاً عن سبطه الغزي أن الشيخ النابلسي كان لديه قصرٌ جميعه من الخشب ؛ يشتمل على شبابيك وكتبية ، وتحته إيوان مرتفع على الأرض ، وله عزابات من الحديد تشدهُّ ورُكِّب بعضه على بعض ، فيُفك ويُنقل من مكان إلى مكان من البساتين وغيرها، وقد كان اصطناعه للأستاذ في سنة 1139، وقد جعل له الأستاذ تاريخاً من نظمه :

قد قيل لي إن القصور جميعَها ... مبنيةٌ بحجارة تستثقل
أيكون قصرٌ في البيوت وتارةً ... تلقاه يحوي ذاك روضٌ مبقلُ
والكل من خشب يَشدُّ حديدَه ... أجزاؤه فهو المخف المثقل
فأجبت لا عجب وفي التاريخ ها ... قصرٌ يفك كما يشاء ويُنقل

واتخذ لذلك القصر بعض المحبين للأستاذ بغالاً عشرة ؛ تحمله إذا أراد السير إلى مكان من منتزهات دمشق وغيرها.
كان الشيخ عبد الغني النابلسي ينظم الشعر بديهة ، ومن أول ما نظمه قصيدة في مدح النبي صلى الله عليه وسلم ، المعروفة بالبديعية ولجودتها استبعد بعض أهل الأدب والعلم أن تكون من نظمه ، فاقترح عليه أن يشرحها، فشرحها في مدة شهر شرحاً لطيفاً في مجلد، وأشعاره كثيرة مجموعة في ديوانه ومنثورة في كثير من الكتب ، ومن طريف أشعاره ما قاله حين خرج أهل دمشق إلى صلاة الاستسقاء يستسقون فلم يُسْقَوا، وجرت الصلاة في يوم أضاف فيه السلطان مظلمة سلطانية جديدة إلى ما سبق له من أمثالها، فقال في ذلك :

خرجوا ليستسقوا الغداة فأُمطٍروا ... سُح الجرائم من سما الحكام
ودَعَوا فحين تصعدت أنفاسهم ... رُدَّت منكسة مـــــن الآثام
ولو استقاموا في الأمور تتابعت ... نِعَمُ الإله ومنةُ الإسلام
إن السهام إذا تعوج نصلها ... عادت فأثر عودها بالرامي

ويأخذ الشعر حيزاً هاماً في مؤلفاته ، مفرداً في دواوينه ومدائحه لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي ثنايا كتبه في موضوعات مختلفة ، ومن مراثيه ما قاله في أخيه يوسف الذي كان معه في رحلة الحجاز فأدركه الموت فدفنه قرب رابغ في آخر ذي الحجة من عام 1105 ، قال :

بكيت على مفارقة الشقيق ... بدمع أحمرٍ مثلِ الشقيق
أخٍ قد كان بي برّاً شفيقاً ... فوا أسفي على البرّ الشفيق
يرى ما لا أرى في شأن عيشي ... ويُتْعب نفسه في دفع ضيقي
شقيقي يا أخي أنت ابن أمي ... رعاك اللّه من خلٍّ صديق

عاش الشيخ عبد الغني النابلسي 93 سنة حافلة بالتعلم والتعليم والتأليف والرحلة ، ومتعه الله بقوته وعقله فكان يصلي النافلة من قيام ويصلي التراويح في داره إماماً بالناس إلى أن مات ، ومتعه الله ببصره حتى بعد أن جاوز التسعين ، فكان يقرأ الخط الدقيق ويكتب بيده تصانيفه كشرح البيضاوي وغيره .
توفي الشيخ عبد الغني النابلسي رحمه الله بعد مرض لم يمهله طويلاً
وكانت له جنازة حافلة ، وغسله بيده وكفنه وآواه التراب بوصية منه الشيخ علي الواعظ البرادعي ، علي بن أحمد البعلي ثم الدمشقي ، المولود ببعلبك سنة 1092، والمتوفى بدمشق سنة 1155، وكان النابلسي يحبه ويُسَرّ للقائه ، ودفن بقبة كان قد أنشأها في أواخر سنة 1126، ثم بنى حفيده الشيخ مصطفى بن إسماعيل إلى جانب ضريحه مسجداً جامعاً فخماً بمقياس ذلك الزمان ، ولا يزال المسجد قائماً عامراً بفضل الله وتوفيقه .
ومن أبرز ابناء الشيخ : ابنه الأكبر إسماعيل الذي ولد سنة 1085 وتوفي سنة 1162 ودفن بجوار والده .
ومن أحفاد الشيخ فضيلة الداعية الدكتور محمد راتب النابلسي ، وإذ عرفتَ الأصل الباسق فقد تبين لك فضل الفرع الزاهر، أمد الله في عمره ونفع به .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018