الدرس : 16 - سورة غافر - تفسير الآية 60 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 16 - سورة غافر - تفسير الآية 60


1993-09-24

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الكرام، مع الدرس السادس عشر من سورة غافر، ومع الآية الستين، وهي قوله تعالى:

وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ

﴿ وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾

1 ـ الدُّعاءُ هُوَ العبادَة:

 قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح:

(( الدُّعاءُ هُوَ العبادَة ))

[ الترمذي عن النعمان بن بشير ]

 استنباطاً من هذه الآية، بدليل أن الله سبحانه وتعالى يقول:

 

﴿ وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ ﴾

 لم يقل: عن دعائي، قال:

 

﴿ عَنْ عِبَادَتِي ﴾

 إذاً: العبادة هي الدعاء، والدعاء هو العبادة.

2 ـ الدعاء اعتراف بضعف العبد وافتقاره إلى ربه:

 أيها الإخوة، الإنسان حينما يدعو الله سبحانه وتعالى، يعترف بضعفه وبقوَّة الله، يعترف بفقره وبغنى الله عزَّ وجل، يعترف بجهله وبعلم الله، فالداعي دائماً ضعيف، والمدعو قوي، فإذا عرف الإنسان نفسه، وعرف افتقاره إلى الله، وعرف ضعفه، وعرف قوة الله، ورحمته، وعلمه، وحكمته، وغناه، وقدرته، إذا عرف ضعفه، وعرف قوة الله فقد عَبَدَ الله عزَّ وجل، أي أنه تلبَّس بالعبوديَّة، عرف حدَّه فوقف عنده، وعرف ربَّه فأقبل عليه، هذه هي العبادة.

الفرق بين الطاعة والعبادة:

 العبادة في مجملها وفي أدق معانيها: طاعةٌ لله عزَّ وجل، لكن هذه الطاعة ليست قسريَّةً، إنما هي طوعيَّة، لو أنها قسريَّة لم تكن عبادة، والفرق بين طاعة الأٌقوياء وعبادة الله عزَّ وجل أن طاعة الأقوياء قسريَّة، لكن عبادة الله طوعيَّة، لذلك الفارق الدقيق بين الطاعة والعبادة أن الأولى قسريَّة، لكن الثانية طوعيَّة.
 فارقٌ آخر: العبادة طاعةٌ طوعيَّة لكنَّها ناتجةٌ عن محبَّةٍ ذاتيَّة، مع الطاعة الطوعيَّة محبَّةٌ ذاتيَّة، لكن طاعة الأقوياء أوَّلاً قسريَّة ولا تشوبها المحبَّة، طاعةٌ قد يشوبها الحقد، قد يشوبها الألم، قد يشوبها القهر. فالعبادة كما قال بعض العلماء: غاية الخضوع، مع غاية الحُب، مع غاية الإخلاص. خضوعٌ وحبٌ وإخلاص.
 إنَّ النفس البشريَّة لها طبيعةٌ خاصَّة، إنها لا تحب إلا الكامل، ولا تطيع إلا ما هو في صالحها، فإذا عرف الإنسان الله ؛ عرف كماله، عرف أنه موجود، وعرف أنه واحد، وعرف أنه كامل، وعرف أنه يعلم، وعرف أنه سيحاسب سيطيعه، هذه خمسة أفكار.

﴿ وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾

( سورة الأعراف: آية 180)

 أكرِّر: إذا عرف أنه موجود، وعرف أنه كامل، وعرف أنه واحد، وعرف أنه يعلم، وعرف أنه سيحاسب، إذا عرف هذه الحقائق الخمس فلابدَّ من أن يطيع الله عزَّ وجل، إذاً: هذه العبادة التي هي طاعةٌ طوعيَّةٌ ممزوجةٌ بمحبِّةٍ قلبية أساسها معرفةٌ يقينيَّة.
 لكن ما الهدف ؟ ليس الهدف أن تعرف، ولا أن تطيع، الهدف أن تسعد، لأن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق ليسعدهم، خلق الخلق ليرحمهم، قال تعالى:

 

﴿ إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾

 

( سورة هود: الآية 119 )

هدف الإنسان السعادة الأخروية:

 خلقهم ليرحمهم، خلقهم ليسعدهم في جنَّةٍ عرضها السماوات والأرض، هذا هو الهدف الكبير من خلق الإنسان، لكن لأن هذه الرحمة رحمةٌ أبديَّةٌ سرمديَّةٌ، متعاظمةٌ متناميةٌ، هذه الرحمة فيها ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر، هذا العطاء العظيم والمديد والكبير يحتاج إلى إعداد، الإعداد في الدنيا، الدنيا إذاً مزرعة الآخرة، الدنيا إذاً دار عمل، الدنيا إذاً دار تكليف، في الآخرة التشريف، في الآخرة الجزاء، في الآخرة جنَّةٌ عرضها السماوات والأرض، في الآخرة حياةٌ أبديَّةٌ سرمديَّة، متناميةٌ متعاظمةٌ، لا قلق، ولا حزن، ولا مرض، ولا همَّ، ولا خوف، ولا أي شيء يزعج الإنسان.
 إذاً: الأصل أن تعرفه، ثمَّ تطيعه، ثم تسعد بقربه في الدنيا والآخرة، هذا هو أساس كل الدين، الدين ثلاث كلمات ؛ جانب معرفي، جانب سلوكي، جانب جمالي، والجمالي هو الهدف، الجمالي تذوق منه طرفاً في الدنيا، وتذوقه كلَّه في الآخرة، الهدف أن تسعد.
 ألا تمرُّ بالإنسان أحيانًا ساعات يشعر بها بالسعادة ؟ لو فرضنا أنه شعر بنشاطٍ شديد، وأكل أكلةً طيِّبة، وكان بين أهله وأولاده آمناً، وهم سالمون معافون، وكان له دخلٌ يغطِّي نفقاته، ألا يشعر بساعة من الساعات أنه مرتاح مطمئن ؟ فهذه لحظة عابرة، لكن هذا الشعور بالسعادة لا يستمر إلى أبد الآبدين، الإنسان قد يسعد من باب المجاوزة، من باب المجاز إذا توافرت له صحَّةٌ طيبة، وحاجاتٌ، وسمعةٌ، ومكانةٌ، أما لو توافرت له هذه الحاجات كلها بشكلٍ متنامٍ متعاظم إلى أبد الآبدين فهذا هو الفوز العظيم.

﴿ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا(71) ﴾

( سورة الأحزاب )

 إذاً: الدين معرفة وسلوك وسعادة، معرفة في البداية، سلوك في الوسط، سعادة في النهاية، وكل إنسان يسلك طريقاً آخر يُتَّهم بالغباء، والجنون، والحُمق، وقد رأى النبي عليه الصلاة والسلام مجنوناً، فسأل سؤال العارف: " من هذا ؟ " قالوا: " هذا مجنون "، قال:

 

(( لا هذا مبتلى، المجنون من عصى الله ))

 

[ ورد في الأثر ]

 لو التقيت بأذكى إنسان يحمل أعلى شهادة، وهو متلبِّس بالمعصية، بإمكانك أن تدمغه بالحُمْقِ والغباء والجنون، لأنه سلك طريقاً مسدوداً تنتهي بهاويةٍ وحفرةٍ ما لها من قرار.

3 ـ الدعاء لا يفارق المؤمن في جميع أحواله:

 

 إذاً: الإنسان أحياناً يميل للتوسُّع والتفصيل، وأحياناً يميل للإيجاز والضغط، العبادة ؛ معرفة، وسلوك، وسعادة، جانب معرفي، وجانب سلوكي، وجانب جمالي هذه العبادة، هي طاعةٌ تسبقها معرفة تعقبها سعادة، أحد أبرز مظاهر العبادة الدعاء، الصلاة عبادة، الصوم عبادة، الحج عبادة، غض البصر عبادة، ضبط اللسان عبادة، أن تقيم بيعك وفق الشرع أنت عابد لله، ألاّ تكذب، وأن تصدق فهذه عبادة، لكن هناك عبادات شعائريَّة ؛ صلاة وصوم وحج، وهناك عبادات تعامليَّة ؛ صدق، وأمانة، واستقامة، وبيع حلال، وكسب حلال، وإنفاق حلال، وغض بصر... الخ.
 العبادات الشعائريَّة والتعامليَّة بمجملها عبادة، أحد أكبر مظاهرها الدعاء، إنك بالصلاة تتصل بالله في اليوم خمس مرَّات، بالصيام تتصل بالله في العام شهراً، بالحج تتصل بالله في عمرك شهراً، لكنَّك بالدعاء تتصل بالله عند كل حركةٍ وسكنة.
فالنبي عليه الصلاة والسلام كانت له أدعيةٌ منوَّعة، أدعيةٌ يدعو بها كل يوم، وأدعيةٌ يدعو بها في مناسباتٍ خاصَّة، فإذا ذهب لينام فله دعاء، إذا استيقظ في منتصف الليل ليصلي فله دعاء، إذا استيقظ لصلاة الفجر فله دعاء، إذا جلس ليأكل فله دعاء، إذا انتهى من طعامه فله دعاء، إذا ارتدى ثيابه فله دعاء، إذا خرج من بيته فله دعاء، إذا دخل المسجد فله دعاء، إذا خرج من المسجد فله دعاء، إذا ذهب إلى السوق فله دعاء، إذا سافر فله دعاء، إذا مرض فله دعاء، إذا ارتدى ثوباً جديداً فله دعاء، يكفيكم على هذا دليلا كتابُ الأذكار للإمام النووي، أذكار النبي، له أدعية في كل أحواله، وهناك تفاصيل في هذا الكتاب دقيقةٌ جداً، أحوال الإنسان مهما بدت لكم كثيرةً ومنوَّعةً ودقيقةً فكل حالٍ من أحوال الإنسان يغطيه دعاءٌ رائع.
لذلك فالإنسان يسعد إذا دعا الله عزَّ وجل، أليس هناك أوقاتٌ كثيرة تمضيها وأنت تنتظر، أو تمشي في طريق، أو تجلس تنتظر دورك عند طبيبٍ، أو في أي مكان آخر، أو في دائرة حكوميَّة، هذا الوقت الذي تمضيه قسراً ينبغي أن تملأه بالدُعاء، إذا دخلت مكانًا تخشى أن يُرْفَض طلبك فهناك دعاء، إذا واجهت عدواً لك شرساً فله دعاء، إذا أصابك مكروه فهناك دعاء، والدعاء مخُّ العبادة كما قال عليه الصلاة والسلام.
 أحد أبرز العبادات الدعاء، وكلَّما أكثرت من الدعاء كنت أقرب إلى الله عزَّ وجل، فبالدعاء تتصل بالله سبحانه، ويمكنك أن تتصل به في اليوم لا خمس مرَّات، بل مئات المرَّات، بل ألوف المرَّات، لأنك كيفما تحرَّكت أنت مغمورٌ بنعم الله، فعليك أن تدعو الله باستمرارٍ، وكيفما تحرَّكت فهناك مفاجآتٌ مخيفة، فمن خلال المفاجآت تدعو مستعيناً بالله، ومن خلال النعم تدعو شاكراً له، فإذا فسَّرنا قوله تعالى:

 

﴿ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ(23) ﴾

 

( سورة المعارج )

 لا ترى عبادةً يمكن أن يداوم عليها الإنسان كالدُعاء، هذا الاتصال المستمر، مرَّة التجاء، مرَّة ثناء، مرَّة خوف، مرَّة دعاء، مرَّة تسبيح، مرَّة ذِكر، فالمؤمن على اتصالٍ دائمٍ بالله من خلال الدعاء، لكن هناك علماء جزاهم الله خيراً قالوا استنباطًا من هذه آية:

﴿ وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾

معنى: وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ

المعنى الأول:

 ما أمرنا بالدعاء إلا ليجيبنا ـ هذا المعنى الأول ـ ما أمرنا بالدعاء إلاّ لأنه سيجيبنا، وسيكرمنا، وسيعطينا سؤلنا أمرنا بالدعاء، فما أمرنا أن ندعوه إلا ليجيبنا.

المعنى الثاني:

 المعنى الثاني: هذه الآية متميِّزة عن غيرها من الآيات.

﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ﴾

( سورة البقرة: الآية 186 )

ليس بين العبد وربِّه واسطة:

 هناك نقطة في القرآن أحب أن أشير إليها، وقد ذكرتها سابقاً، وهي أنه ما من آيةٍ فيها هذه الكلمة: يسألونك إلا تلاها كلمة قل:

﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ﴾

( سورة البقرة: من الآية 189 )

﴿ وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ الْعَفْوَ ﴾

( سورة البقرة: من الآية 219)

﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ﴾

( سورة البقرة: من الآية 217)

 في القرآن ما يزيد على ثلاث عشرة آية بهذه الصيغة، يسألونك قل كذا وكذا، إلا آيةً واحدةً حصراً، هي هذه الآية:

 

﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ﴾

 

( سورة البقرة: الآية 186)

 ليس في هذه الآية كلمة قل، استنبط العلماء من هذا أنه ليس بين العبد وربِّه حجابٌ إطلاقاً، فإذا قال العبد: يا رب، قال الله: لبيك يا عبدي، أنا أنتظرك، أنا أنتظر أن تدعوني، أنتظر أن تسألني، أنتظر أن تتصل بي كي أجيبك، وكي أعطيك سؤلَك، وكي أكرمك، وفي الحديث الشريف:

 

(( من لا يدعني أغضب عليه ))

 

[ الجامع الصغير عن أبي هريرة ]

(( إن اللّه يحبّ الملحّين في الدعاء ))

[ الأذكار النووية ]

(( إن الله يحب من عبده أن يسأله حاجته كلَّها ))

(( إن الله يحب من عبده أن يسأله ملح طعامه ))

(( ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى يسأله شسع نعله إذا انقطع ))

[ من الجامع الصغير عن أنس ]

إن الله يحب أن يسمع نداء العبد، وهو يعلم حاله:

 قد يسأل سائل: يا رب لماذا أمرتنا بالدعاء، وأنت أعلم بنا من أنفسنا ؟ ورد في الأثر أن سيدنا جبريل جاء إبراهيم عليه السلام، قُبَيْلَ أن يُلقى في النار، وقال: يا إبراهيم ألك حاجة ؟ قال هذا النبي الكريم: " منك ؟ قال: لا من الله، قال: إذا كان من الله فعلمه بحالي يغني عن سؤالي ".
 السؤال المطروح الآن هو: ما دام الله يعلم ما نحن عليه، يعلم السرَّ وأخفى، يعلم ما ظهر وما بطن، فلماذا أمرنا بالدعاء ؟  العلماء قالوا: أُمرنا بالدعاء كي نرقى إلى الله مرَّتين إذا وقعنا في ورطة، أو في مشكلة، أو لاح لنا شبح مصيبة وأُمرنا بالدعاء فنحن إذا دعونا أولاً استُجيب لنا ثانيًا، هذه الاستجابة تزيدنا يقيناً بأن الله استمع إلى دعائنا، وهي كذلك تزيدنا معرفةً بالله عزَّ وجل، وحينما يستجيب الله لنا تزيدنا هذه الآية حبَّاً بالله عزَّ وجل، مرَّةً نزداد علماً به، ومرَّةً نزداد حبَّاً له، إذاً صارت لنا قفزة إيمانية سامية.
 إذا وصل الإنسان في معرفته إلى هذا المستوى، ثم وقع في مشكلة فإنه يدعو الله من كل قلبه، فإن أزيحت عنه هذه المشكلة، ارتقى إلى الله مرَّتين، ازداد علمه بالله، ازداد يقينه أن الله سمعه، وازداد يقينه أن الله يحبُّه، إذاً هذا سر الدعاء، أي أن.

(( إن الله تعالى يحب إغاثة الَّلهفان ))

[ كنز العمال عن أبي هريرة ]

 أمٌ تحبُّ ابنها أشدَّ الحب، بينما حاجته لها قليلة، هي عاتبةٌ عليه، فلمَّا ظهرت له حاجةٌ عند أمِّه أقبل عليها، وطرق بابها، وزارها صباحاً ومساءً، هذه الحاجة التي عرضت له دفعته إلى أمِّه، ولله المثل الأعلى ربنا عزَّ وجل أحياناً يخلُق لنا حاجةً عنده، أما الأنبياء فهم نوعٌ آخر، كان عليه الصلاة والسلام يصلي حتَّى تتورَّم قدماه، فيقول له أصحابه: " يا رسول الله صليت حتى تورَّمت قدماك، ألم يغفر الله لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخر؟! "، فيقول عليه الصلاة والسلام:

 

(( أفلا أكون عبداً شكوراً ))

 

[ متفق عليه عن المغيرة ]

 فالأنبياء لا يحتاجون إلى حافز، الأنبياء معرفتهم بالله عزَّ وجل وإقبالهم عليه، وشوقهم إليه، واتصالهم به لا يحتاج إلى حافز، هم فوق الحافز، لكن المؤمنين تحت الحافز، يحتاجون أحياناً إلى حافز، أحياناً الإنسان ينسى، أحياناً يسترسل مع الدنيا، أحياناً ينشغل بها، أحياناً يركن إليها، استرساله وانشغاله وركونه للدنيا، وقد ينسيه الله عزَّ وجل، أو يَذكره ذكراً شكلياً أو صورياً، أو ذكراً أجوفَ، عندئذٍ ربنا سبحانه وتعالى يجعل لهذا العبد عنده حاجة ؛ مشكلة، مرض، عدو مخيف.
 هذا المؤمن لا يعرف إلا الله، ليس له ملجأٌ إلاّ الله فيبادر إلى الصلاة، إلى الدعاء، إلى قيام الليل، إلى التهجُّد، يمرِّغ جبهته في أعتاب الله، معنى ذلك أننا قد سمعنا صوته، جاءنا فسمعنا صوته، فإذا كنت بطلاً كن معه دون أن تحتاج إلى حافز، الله عزَّ وجل يُعيننا على أنفسنا إذا ركنت هذه الأنفس إلى الدنيا، يعيننا على أنفسنا إذا اطمأنَّتْ لها، يعيننا على أنفسنا إذا أصبحتْ عباداتنا شكليَّةً أو جوفاء، يعيننا على أنفسنا بأن تنشأ لنا مشكلة، وليس أمامنا إلا الله فندعوه، نبادر إلى الدعاء، وإلى الصلاة، وإلى التهجُّد، لكن الأكمل أن تأتيَه طائعاً لا مكرهاً.
 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

 

(( عَجِبَ اللَّهُ مِنْ قَوْمٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ فِي السَّلَاسِلِ ))

 

[ البخاري ]

 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

 

(( كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَنْ يَأْبَى ؟ قَالَ: مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى ))

 

[ الْبُخَارِيُّ ومسلم ]

 إذاً: سر الدعاء أن الإنسان أحياناً يغفل، يقصِّر، يقعُد، يركن للدنيا، تُلِمُّ به مشكلة، فهذه المشكلة تضطرَّه إلى أن يدعو، وأن يستجير، وأن يستعيذ، عندئذٍ يقترب من الله عزَّ وجل، ويزداد معرفةً، ويزداد قرباً، هذا هو الدعاء.

 

﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرشُدُونَ(186) ﴾

 

( سورة البقرة )

 أي تؤمن، فتستقيم، عندئذٍ تعرف من تدعو، تؤمن بالله، تتعرَّف إليه، تستجيب لأمره، تطيعه عندئذٍ تعرف كيف تدعوه، وتعرف بماذا تدعوه، إلام تدعوه ؟ ولماذا تدعوه ؟

﴿ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ(186) ﴾

 هناك شروط للدعاء و الاستجابة، أما هذه الآية فلا شروط فيها.

 

﴿ وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾

 بعضهم قال: هذا من مطلق القرآن، أي أن أي مخلوقٍ مهما كان إذا قال: يا رب، يقول له الله: لبيك يا عبدي، وبعض العلماء استنبط من هذه الآية أن كل داعٍ يُستجاب له من دون شروط.

 

 

﴿ وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾

 

﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ﴾

( سورة النساء: من الآية 57 )

دعوةٌ إلى الدعاء مهما كان وضع الإنسان:

 هنا تجد شرطًا ؛ ألا وهو العمل الصالح.

﴿ أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى ﴾

( سورة السجدة: الآية 19)

 من دون شرط، والقرآن تارة يشترط، وتارةً يبشِّر، وتارةً يهوِّن الأمر، هذه الآية تدعونا إلى الدعاء:

 

﴿ وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾

 فالإنسان؛ إن لم تكن له صلةٌ بالله، إن لم تكن له وقفةٌ مع الله، إن لم يكن في سجوده دعاء، إن لم يتذلَّل إلى الله، إن لم يطلُب العفو منه، إن لم يطلب منه حاجته مهما دقَّت، إن لم يطلب منه أن يكفيه مؤونة نفسه في الدنيا فإنه سيضيع، والدعاء أوسع بابٍ إلى الله، وأقرب طريقٍ إلى الله، لذلك المؤمن يلجأ إلى الدعاء.

 

 

أنت بالدعاء تكون قويا:

 

 وهل تصدِّق أيها الأخ الكريم أنك بالدعاء تعدُّ أقوى إنسان على وجه الأرض ؟ فأنت تدعو مَن ؟ تدعو خالق الكون، والإنسان تكون أحياناً قوَّته ذاتيَّة، وأحياناً تكون قوته ليست خارجية، وليست ذاتية، فإذا قال لك شخص قوي جداً في البلدة: أيّ شيءٍ تطلبه مني أُلَبِّه على الفور، وهذا رقم هاتفي، وأنت ضعيف، لكن بهذا الدعم أصبحت قوياً، وتشعر بنشوة معيَّنة، أن فلانًا صاحب الحول والطول، فلانًا القوي، أيُّ شيءٍ أرده منه يُلَبِّني فوراً، فأنت إذاً قويٌ بقوة الذي منحك هذه القوة، هذا تبسيط للأمر.
 إذا أردت أن تكون أقوى الناس فتوكَّل على الله، أنت بالدعاء تجد الله معك، لذلك لا قلقَ مع الدعاء، ولا خوفَ، فمن خصمك ؟ عبد، هو بيد الله عزَّ وجل، جرثوم بيد الله، يوقفه عند حدِّه، وهناك حالات تقع فيها إصاباتٌ مرضية لا شفاء منها، ميؤوس منها، ثم يتم الشفاء الذاتي من الله سبحانه وتعالى بدعاءٍ صادق مخلص، وهذا تمَّ بفضل الدعاء.
 أحياناً يخيّم شبح مصيبة كبير جداً، ويُصرف عنك بأهون سببٍ، فهذا تمَّ بفضل الدعاء، فالدعاء مخُّ العبادة، وعلى المؤمن أن يدعو الله دائماً، وفي ذلك إيجابيتان:
 الأولى: القرب من الله، و الثانية: الاستجابة وكشف الضر أو تحقيق الرجاء.

إذا أصابتك مصيبةٌ فتذكَّر مصيبة سيدنا يونس:

 بعض الإخوان يحدِّثوني أحياناً عن أخ له يعمل عند شخص أو جهة، وله دخل معيَّن، فجأةً قُطِعَ هذا الدخل، فشعر بالحرمان، فتوجَّه إلى الله عزَّ وجل وقال: يا رب أغنني بفضلك عمن سواك، قالها بحرقةٍ، وألمٍ، وإخلاصٍ، وصدقٍ، ما هي إلا أسابيع حتى جاء رزقٌ وفير من حيث لا يحتسب، أمعك قوة الدعاء وتخاف ؟ أمعك سلاح الدعاء وتحزن ؟ أمعك الدعاء وتيأس ؟ أمعك الدعاء وتكون سوداوي المزاج ؟ معك الدعاء وتبدو حزيناً ؟! لا يحزن من يدعو الله عزَّ وجل، ولا شيءَ صعبٌ مهما تكن المشكلة كبيرة، مهما رأيتها كبيرة، يقول أحدهم: يا أخي أنا مشكلتي معقدة ليس لها حل، ما هي مشكلتك التي ليس لها حل ؟ فهل هي أصعب مما كان فيه سيدنا يونس ؟
 لقد استقلّ قاربًا فوجد نفسه فجأةً في جوف الحوت، الحوت وزنه مئة وخمسون طنًا، وجبته الغذائيَّة أربعة أطنان، فما وزنك بجانبه، فأنت بالنسبة له لقمة، سبعون كيلوا، أو ثمانون كيلوا بالنسبة للحوت لقمة واحدة، وجد نفسه فجأة في بطن الحوت، في ظلماتٍ ثلاث ؛ في ظلمة الليل، وفي ظلمة البحر، وفي ظلمة بطن الحوت، الله عزَّ وجل ابتلاه بمصيبة، إذا قلت: هذه ميؤوس منها فمعك الحق، وهذه مصيبة، نعم هي مصيبة حقًا، ومع ذلك:

﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ(87)فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنْ الْغَمِّ﴾

 لكن أروع ما في الآية التعقيب الذي ختمت به:

﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ(88) ﴾

( سورة الأنبياء )

 في كل عصر، أتحزن ومعك سلاح الدعاء ؟ أتخاف ومعك سلاح الدعاء؟ أتتشاءم ومعك سلاح الدعاء؟ أترتجف ومعك سلاح الدعاء ؟ أتخشى عدواً لئيماً هو في قبضة الله عزَّ وجل ومعك سلاح الدعاء؟ أتخشى فقراً مدقعاً ومعك سلاح الدعاء ؟ أتخشى من إنسانٍ أن يهدِّدك ومعك سلاح الدعاء؟

الدعاء يُبعِد المشكلات:

 هذه المعلومات أيها الإخوة ليست للفهم، ولكن للتطبيق، إذا خرجت من بيتك: اللهمَّ إني أعوذ بك من أن أُضِلَّ أو أضَل، أو أزلَّ أزَل، أو أظلم أو أُظلم أو أجهل أو يُجْهَل علي.
 إذا استيقظت من نومك لك دعاء. إذا دخلت بيت الله عزَّ وجل: اللهمَّ افتح لي أبواب رحمتك. وإذا خرجت من بيت الله إلى شؤونك في الحياة الدنيا: اللهمَّ افتح لي أبواب فضلك، ففي الجامع رحمة الله مطلوبةٌ، وفي عملك فضل الله مطلوب.
 سافرت: اللهمَّ أنت الرفيق في السفر، والخليفة في الأهل والمال والولد، فيجب أن تدعو الله كل يوم ؛ قبل أن تقدم على أيّ عمل، وكذلك في أثناء العمل، وعقب إنجازه، قبل أن تسافر، وإذا دخلت البيت، أو خرجت منه، أحياناً يدخل الإنسان فتنشأ مشكلة فيطلِّق زوجته، يقول لك: حلفت بالطلاق، فلو دخل الإنسان إلى البيت وقال: السلام عليكم، قال الشيطان لإخوانه: لا مبيت لكم في هذا البيت.
 إذا جلس إلى الطعام وسمَّى بالله عزَّ وجل. يقول الشيطان لإخوانه: لا طعام لكم في هذا البيت.
 ورد في الحديث الشريف عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

(( إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ فَذَكَرَ اللَّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ وَعِنْدَ طَعَامِهِ قَالَ الشَّيْطَانُ: لَا مَبِيتَ لَكُمْ، وَلَا عَشَاءَ، وَإِذَا دَخَلَ فَلَمْ يَذْكُرْ اللَّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ قَالَ الشَّيْطَانُ: أَدْرَكْتُمْ الْمَبِيتَ، وَإِذَا لَمْ يَذْكُرْ اللَّهَ عِنْدَ طَعَامِهِ قَالَ: أَدْرَكْتُمْ الْمَبِيتَ وَالْعَشَاءَ ))

[ مسلم ]

 فهم نائمون وآكلون في ذاك البيت، وطول الليل مشاكل.
 بعض الأطبَّاء لا يفحص المريض قبل أن يسمي الله عزَّ وجل، وقبل أن يسأل الله الهداية إلى المرض الحقيقي، وبعض أصحاب الأعمال كيفما تحرَّك يدعو الله مسترشدًا مستعيناً:

﴿ وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾

 الأمرُ عجيب ؛ فإذا قال أحد من أهلِ الدنيا الأغنياء أو الأقوياء: من كانت له حاجة فليأتني، وجدت الناس يتكاتفون على بيته، يتدافعون، بينما وخالق الكون يقول عزَّ وجل كما في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُمَا شَهِدَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:

 

((إِنَّ اللَّهَ يُمْهِلُ حَتَّى يَذْهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ ثُمَّ يَهْبِطُ فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ دَاعٍ فَيُسْتَجَابُ لَهُ ؟ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَيُغْفَرُ لَهُ))

 

[ مسند أحمد ]

 فالازدحام على بابه سبحانه قليل.
 كلَّما سألني أخ سؤال عن قضيَّة أقلقَتْه مثلاً، أو همٌّ أحاط به، أو مشكلة معقَّدة لا تُحل، قضية مستحكمة، عقبة كَؤود، أقول له: ليس لك إلا الدعاء، صلِّ قيام الليل، واسجد، واسأل ربَّك قبيل الفجر الحاجة كلَّها، هكذا المؤمن، المؤمن قوي جدًا، ليس لأن فيه قوة، بل هو ضعيف جدًا، ولكن لأن الله عزَّ وجل قال:

﴿ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾

 أقوى قوَّة في الكون معه , وإذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟

 

كن مع الله ترَ الله معك  واترك الكلَّ وحاذر طمعك
وإذا أعطاك فمن يمنعه  ثمَّ من يعطي إذا ما منعك؟
***

 

أطع أمرنا نرفع لأجلك حجبنا  فإنا منحنا بالرضى من أحبَّنا
ولـذ بحمانا واحتمِ بجنابنا  لنحميك مما فيه أشرار خلقنا
* * *

 أيها الإخوة الكرام، المؤمن قوي جداً بالدعاء، وبإمكانه أن يقف في وجه أعتى العتاة وأقوى الأقوياء، وأشد الناس تخويفاً، لأنه مع الله.

 

﴿قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى(45)قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى(46)﴾

 

( سورة طه )

إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ

 سيدنا موسى وقومه كانوا في اتجاه البحر، وفرعون وراءه، فقال قوم سيدنا موسى:

﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ(61) ﴾

 أين نذهب ؟ هذا البحر من أمامنا وفرعون وراءنا، انتهى الأمر، انتهى أمرنا إما إلى فناء أو إلى استعباد دائم.

 

﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ(61) ﴾

 ليس من أمل، فالبحر أمامنا وفرعون بكل قوَّته وراءنا، وقد أدركنا.

 

﴿ قَالَ كَلا ﴾

 ما هذه كلا؟

 

﴿ قَالَ كَلا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ(62) ﴾

 

( سورة الشعراء )

 الربُّ هوَ هو، والله هوَ هو، ربُّ موسى هو ربُّنا، ورب محمَّدٍ هو ربُّنا.

وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ

 في غار ثور بوسائل تافهة جداً حمى نبيَّه وصاحبه الصديق ـ عنكبوت، أو حمامة ـ أعظم رسالة سماويَّةٌ حُفِظَت بهذا السبب الصغير، فإذا كان الإنسان مع الله يصبح أقوى الأقوياء، فالمؤمن معنوياته عالية وبلا حدود.

﴿ وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ(139) ﴾

( سورة آل عمران )

 آية في القرآن تكفينا:

 

﴿ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ(128)﴾

 

( سورة الأعراف )

 الأمور تدور وتدور وتدور، يعلو هذا، ويسقط هذا، وفي النهاية لا تستقر إلا على أن العاقبة للمتقين، اقرؤوا التاريخ الإسلامي فعندما بعث الله النبي محمداً فالذين عادوه، وائتمروا على قتله، وأخرجوه من مكَّة، وكادوا له، وحاربوه عشرين عاماً كيف كانت عاقبتهم، وكيف استقرَّت الأمور أخيرًا؟

 

﴿إِذَاجَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ(1)وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا(2)فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا(3)﴾

 

( سورة النصر )

 هذا قانون إلهي، الله يمتحنك، قد تؤمن، وقد تتوب إلى الله، وقد ترى أحيانًا أنّ الأمور صعبة، تشديد، وقد ضاقت دائرتها حول العنق، وأخذت بالأعناق، فإياك أن تيأس، وعليك ألاّ تحزن، ولا تخنع، ولا تستسلم، ولا تضعف.

 

﴿ وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ(139) ﴾

 

( سورة آل عمران )

 بالدعاء.

لا تغفل عن الدعاء:

 يا أيها الإخوة أناسٌ كثيرون جداً يغفلون عن الدعاء، علمًا بأنّه من أرقى العبادات، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( الدُّعَاءُ مُخُّ الْعِبَادَةِ ))

[ من سنن الترمذي عن أنس بن مالك ]

 أنت مُقدم على امتحان، مُقدم على عمل عظيم، أسست مشروعًا، أسست تجارة، زرعت أرضًا قل: يا رب ليس لي إلا أنت، الله عزَّ وجل يريدك أن تدعوه لأنه وعدك بالإجابة، فخالق الكون يفتح لنا باب الدعاء، ونحن نُحْجِم ؟ ما أشقانا لو غفلنا عن الدعاء، وأحجمنا عن الضراعة ؟ ألا نسأله ؟ ألا ندعوه ؟ هل نتأبَّى؟ إذاً لا نعرفه.

 

﴿ وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾

 فهل هناك إنسان بلا مشاكل ؟ تواجه كل واحد من الناس الكثير الكثير، والله يحلها بالدعاء واحدةً واحدة، وهو قادر، هذه القضيَّة: يا رب ليس لي إلا أنت، وفقني، ارزقني، زوجني، آوني يا رب، الله موجود.
 الوقت لا يتسع لضرب الأمثال، والله على كل موضوع من موضوعات الدعاء هناك آلاف الوقائع والأحداث الواقعيَّة.
وأرجو الله سبحانه وتعالى أن أزوِّدكم ببعض الوقائع المدهشة التي هي ثمرة من ثمرات الدعاء، هل أثر الدعاء قليل ؟ الله عزَّ وجل أحياناً يدمِّر أمَّة بدعاء واحد، إذا كان الإنسان مؤمنا، مستقيما، طاهرا، مخلصا، وأمَّة كادت له، يدمِّرها من أجل مؤمنٍ غالٍ عليه، فربنا عزَّ وجل قوي، وهناك آيات كثيرة تؤكِّد هذا المعنى.

 

 

﴿ فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ(47) ﴾

 

( سورة إبراهيم )

 الدعاء النبي عليه الصلاة والسلام في الطائف:

 أنت كن مع الله، وعلى الله الباقي، من أشهر الأدعية دعاء النبي عليه الصلاة والسلام في الطائف، قال:

(( اللهمَّ إنني أشكو إليك ضعف قوَّتي، وقلَّة حيلتي، وهواني على الناس ))

[ الطبراني عن عبد الله بن جعفر ]

 وما أحوج المسلمين إلى هذا الدعاء في هذه الأيام.

 

(( اللهمَّ إنني أشكو إليك ضعف قوَّتي، وقلَّة حيلتي، وهواني على الناس، يا رب المستضعفين إلى من تكلني، إلى عدوٍ ملَّكته أمري ؟ إن لم يكن بك غضبٌ عليَّ فلا أبالي، ولك العتبى حتى ترضى، لكن عافيتك أوسع لي ))

 ماذا كان الجواب؟

 

 

﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ﴾

 

( سورة الإسراء: من الآية 1)

 الإنسان يتوقَّع الاستجابة، ويقول الله عزَّ وجل: " إن الله عليمٌ قدير "، لكنه قال كذلك:

﴿ إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ(1) ﴾

 أي أنه سمعك يا محمَّد تدعو في الطائف، فكانت الاستجابة أن جعلك سيِّد الأنبياء والمرسلين، وجعلك سيد ولد آدم، وأراك ملكوت السماوات والأرض، وأسرى بك إلى بيت المقدس، وعرج بك إلى السماء، وهذا تكريم وعطاء لا يصدَّق، النبي ما كان يعرف قبل الإسراء أنه سيِّد الأنبياء، سيد ولد آدم على الإطلاق، دعا الله عزَّ وجل وكان مستضعفاً، وقد بلغت الآلام ذِروتها، فجاءت الإجابة من الله عزَّ وجل بأن أُسرى به، وُعرج به إلى السماء، وأراه ملكوت السماوات والأرض، وأَكرمه.
 فأنت عبدًا لو قال لك طفل: كم الساعة يا عم ؟ أيعقل أن تتجاهله ؟ طفل يسألك وهو عابث: كم الساعة ؟ ولو كنت تحمل حاجة بيدك أو فتحة الكُم ضيِّقة، فتضطر أن تزيح الكُم عن الساعة، وأن تدير الساعة التي تحيط بمعصمك نحو الأعلى، وتنظر إليها، وتجيب الطفل، لأنه سألك، فأنت إنسان مقر بالعبودية تسأل خالق الكون أو لا يجيبك ؟ تسأله، ترجوه، تتذلَّل أمامه، تمرِّغ جبهتك في أعتابه أو لا يجيبك ؟ مستحيل.

 

﴿ وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾

 

كن عزيز النفس أمام الخلق ذليلا أمام الله:

 ما أمرنا أن ندعوه إلا ليستجيب لنا، فالسعيد من يدعو الله عزَّ وجل، والشقي يأبى، ويستكبر، يوسِّط فلانًا وفلانًا، ويتذلَّل أمام فلان، ويريق ماء وجهه أمام الأقوياء، ويبدو أمامهم ضعيفاً فيحتقرونه، ويأبى أن يتذلَّل أمام الله عزَّ وجل، المؤمن الصادق فيما بينه وبين الله في أشد حالات الذُل، لكنه عزيزٌ أمام الخَلْق، يرفع رأسه كريم النفس عزيز إذْ فرَّج الله عنه وأغاثه و رفع شأنه.
 يقولون عن سيدنا نور الدين الشهيد، الذي ردَّ أوروبا بأكملها أيام الحروب الصليبية سجد، وقال ـ والله أستحي أن أقول هذه الكلمة إكراماً له، ولكن يجب أن أقولها ـ قال: "يا رب، من هو الكلب نور الدين حتَّى تنصره ؟ انصر دينك "، فالله عزَّ وجل مكَّنه من النصر المبين والعزيز، فالإنسان كلَّما كان مع الله متذلِّلاً فالله يرفع شأنه، مع الناس كن عزيزًا، لا تتضعضع أمام غني ولا أمام قوي، أنت مؤمن غالٍ على الله، ارفع رأسك، كن عزيز النفس، لكن فيما بينك وبين الله مهما استطعت تذلَّل، مهما استطعت تبرَّأ من علمك وحولك وقوَّتك، قبل أن تقدم على أي عمل: " اللهمَّ إني تبرَّأت من حولي وقوَّتي وعلمي، والتجأت إلى حولك وقوَّتك وعلمك يا ذا القوَّة المتين "، فيما بينك وبين الله تذلَّل، مرِّغ جبهتك في أعتاب الله، اتهم نفسك بالقصور، اتهم نفسك بالضعف والجهل وعظِّم ربَّك، أما مع الناس كن عزيز النفس، لا ينبغي للمؤمن أن يذلَّ نفسه.

(( اطلبوا الحوائج بعزة الأنفس ؛ فإن الأمور تجري بالمقادير ))

[ من الجامع الصغير ]

(( َمَنْ دَخَلَ عَلَى غَنِيٍّ فَتَضَعْضَعَ لَهُ ذَهَبَ ثُلْثَا دِيِنِه ))

[ من الجامع الصغير]

 المؤمن الصادق يتذلَّل أمام الله عزَّ وجل في السجود، ويشعر بعزَّته الكاملة أمام الخَلق، الكافر تجده يأبى أن يدعو الله، يستعلي، تكبُر نفسه عنده، وهو كالحشرة الوضيعة أمام مَن هو أقوى منه، المؤمن بالعكس مع الله في منتهى التذلُّل، ومع الخلق في منتهى العزَّة.
 قال: ما هذا ؟ أَكِبْرٌ في الإسلام ؟ قال: لا معاذ الله، هذا عزُّ الطاعة، فنحن نريد مؤمنًا عزيز النفس، يرفع رأسه، يثق بربِّه، يعرف قيمة إيمانه، يعرف دوره الخطير في الحياة، لكن إذا خلا مع ربِّه، إذا صلَّى في بيته، إذا سجد في الليل يذوب عبوديةً لله عزَّ وجل، اتهم نفسك ما شئت، اتهمها بالقصور.
 لذلك باب الانكسار أسرع الأبواب إلى الله عزَّ وجل، باب الانكسار أسرع طريق إلى الله، ادخل على الله من باب الانكسار والتذلل و الضراعة، فالنبي عليه الصلاة والسلام فتح مكَّة، هل الفتح قليل ؟ عدو عنيد، مسيطر، لئيم، شرس، قوي متحكِّم طوال عشرين سنة، يدخل مكَّة فاتحاً بإمكانه أن يبيدهم عن آخرهم، هم تحت رحمة كلمةٍ من شفتيه، قال عليه الصلاة والسلام:

 

(( ما تظنون أني فاعلٌ بكم ؟ ـ حاربوه عشرين سنة، قتلوا أصحابه، نكَّلوا بأصحابه، ضيَّقوا على أصحابه، حاربوه ثلاث مرَّات، ما تظنون أني فاعلٌ بكم ؟ قالوا: " أخٌ كريم وابن أخٍ كريم "، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء ))

 

[ السيرة النبوية ]

 وانتهى الأمر، دخل مكَّة عليه الصلاة والسلام ساجداً على عُنُق بعيره، كادت ذؤابة عمامته تلامس عنق بعيره تواضعاً لله.
أيها الإخوة الكرام، بطولتك ليست في الضعف والتذلل للناس، إذا كنت قوياً نجحت في عملك، سيطرت، بتجارتك رقم واحد، معملك بضاعته رائجة جداً، دخل كبير، صحَّة طيِّبة، الناس ينظرون لك هكذا، لكن البطولة حقًا أن تكون متواضعًا لله عزَّ وجل، أروع مثل فعله النبي بعد أن فُتِحت مكَّة، ودانت له الجزيرة العربيَّة عن آخرها، ودخل الناس في دين الله أفواجاً، صعد المنبر واستقبل الناس باكياً، وقال:

 

(( يا أيها الناس، إني قد دنا مني حقوق من بين أظهركم فمن كنت جلدت له ظهرا فهذا ظهري فليستقد منه، ألا ومن كنت قد شتمت له عرضا فهذا عرضي فليستقد منه، ومن كنت أخذت له مالا فهذا مالي فليستقد منه، لا يقولن رجل: إني أخشى الشحناء من قِبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ألا وإن الشحناء ليست من طبيعتي، ولا من شأني ))

 

[ مجمع الزوائد ]

 بإمكانك أن تحافظ على تواضعك وأنت في القمَّة ؟ على التواضع، والنزاهة، والاستقامة، والورع، والعفَّة ؟ هذه البطولة.

الخلاصة:

 فلذلك أيها الإخوة، اليوم شرحنا الدعاء فقط، ووقفنا عنده وقفة صادقة، فالدعاء مخُّ العبادة، وهو أحد أرقى أنواع العبادات، لذلك ادعُ الله دائماً، بإمكانك أن تناديه نداءً خفيَّاً، بإمكانك أن تدعوه دون أن تحرِّك شفتيك، فهناك حالات لا يستطيع المرء أن يتكلَّم ولا بكلمة واحدة، فليس شرطاً أن ترفع يديك وتقول: يا رب ـ إنكم لا تنادون أَصَمَّ ولا غائبًا ـ يكفي أن تدعوه بقلبك لا بلسانك، لأن الله مطّلع، قل: " يا رب إني تبرَّأت من حولي وقوَّتي، والتجأت إلى حولك وقوَّتك يا ذا القوَّة المتين، اللهمَّ اكفني شر ما أهمني وما لا أهتمُّ له ".
 أينما تحرَّكت، وكيفما تحركت فالتجئ إلى الدعاء، طبعاً هناك أذكار في كتاب الأذكار للإمام النووي دقيقة جداً، ولو لم تكن تحفظها ادعُ بغيرها حسب حاجتك، فبأي موقف ادعُ الله:
 خرجت من البيت: يا رب يسِّر.
 عقدت صفقة: يا رب ألهمني صفقة رابحة لا تكن خاسرة.
 سافرت: يا رب، فركبت مركبة أو دابَّة مثلاً: " اللهمَّ إني أسألك من خيرك وخير ما صُنِعَت له، أعوذ بك من شرِّها وشرِّ ما صنعت له".
 أحياناً دابَّة تدمِّر الإنسان نهائياً، يقع حادث فيُشل طوال حياته، فاسأل الله عزَّ وجل خيرها وخير ما صُنِعَت له، وتعوَّذ بالله من شرِّها وشر ما صنعت له.
جلست لتأكل للأكل دعاء، انتهى الطعام هناك دعاء، قمت لتنام للنوم دعاء: " إن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها ".
 وإذا قضى أحدنا حاجة، تبوّل، وأفرغ مثانته فهل هذا الأمر سهل أو بسيط، و الكليتان تعملان بانتظام ؟ اسأل عندما يصاب الإنسان بفشل كلوي ماذا يحصل له لترى ما أنت به من نعمة السلامة ؟
 والله حدَّثني أخ فقال لي: والله لا أستطيع أن أشرب كأسًا من الشاي أو الماء في النهار ـ لأن آلة التصفية معطَّلة ـ قالت له الممرضة: لا تشرب ماءً كثيرًا الآلة معطَّلة، بينما أنت أيها الأخ الكريم تشرب ما يطيب لك، لأن الكلية لديك تعمل بانتظام، ولو تعطَّلت - لا سمح الله - لاحتجت إلى غسيل الدم مرتين في الأسبوع، والوقوف على الدور، انتظار ثماني ساعات، وتحتاج إلى واسطة، وآلام، وبعد ذلك يتبقى من البولة في الجسم بالمائة عشرون، فيصبح بسببها إنسانًا آخر، عصبيَّ المزاج، خُلقه ضيِّق من آثار البولة في الدم، فعندما يفرغ الإنسان مثانته فليس هذا أمرًا هيِّنًا و لا بسيطًا، فليقل: الحمد لله الذي أذهب عني ما يؤذيني، وأبقى علَيَّ ما ينفعني.
 أكلت طعامًا: الحمد لله إذْ أذقتني لذَّته، وأبقيت فيَّ قوَّته، وأذهبت عني أذاه.
 إخواننا هذا مستحيل أن يكون إنسان شاكرًا نعمة الله، ثم يزيلها عنه، وبالشكر تدوم النعم، لا يغيِّر الله ما بقومٍ حتَّى يغيِّروا ما بأنفسهم، فنحن نريد صلة بالله مستمرة عن طريق الدعاء، غير الصلوات الخمس، دعاء بإخلاص من دون ضجيج، من دون رفع صوت، من دون رفع الأيدي إلى السماء هكذا، هذا التفاصح بالدعاء، وإليكم آية دقيقة جداً أيضا حول الدعاء:

﴿ ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ(55) ﴾

( سورة الأعراف )

 أيها العبد لا تعتدِ على إخوانك، تأكل أموالهم بالباطل، وتقول لي: يا رب يا رب بفصاحة، فصاحتك غير مقبولة، مهما تفاصحت في الدعاء، ودعوتني بالدعاء النبوي الصحيح، والقلقلة قلقلة، والإدغام إدغام، ورفعت صوتك بالدعاء، ولكن مالك مالٌ حرام، ومنك على إخوتك عدوان، فالله عزَّ وجل لا يستجيب للمعتدين، لأنه لا يحبُّهم، فالأمر لا يحتاج إلى حذلقة، ولا فلسفة، فمع عدوان، والمال حرام، والانحراف، و الطُغيان، مهما تفاصحت بالدعاء فلن يستجاب لك، والاستجابة تكون إذا كان فيك صلاح واستقامة وضراعة الحديث معروف:

 

((ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ثُمَّ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ ـ حروف من مخارجها تخرج ملء الفم ـ وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ))

 

[ من مسند أحمد عن أبي هريرة ]

 لا يستجاب.

 

(( يا سعد، أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة ))

 

[ مجمع الزوائد ]

 معنى أطب مطعمك: وليكن دخلك حلالاً، بعيدًا عن الكذب، والغش، والتدليس، والاحتكار، وتبرأ من كل المحرَّمات

(( أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة ))

 وموضوع الدعاء طويل جداً، وهو من أهم موضوعات الدين، بل الدعاء هو الدين كلٌّه.
 وبعدُ، أيها الإخوة الكرام أتمنَّى على الله عزَّ وجل، وأرجو الله أن نعيش الدعاء حقًا، وأن يكون الدعاء أساس حياتنا، أساس تعاملنا مع الله عزَّ وجل.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018