الدرس : 09 - سورة البقرة - تفسير الآية 21، العبادة طاعة وسلوك - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 09 - سورة البقرة - تفسير الآية 21، العبادة طاعة وسلوك


1998-08-21

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة الكرام مع الدرس التاسع من سورة البقرة.

ملخص للدروس السابقة من سورة البقرة:

مع الآية الواحدة والعشرين وهي قوله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) ﴾

كان هناك في الدروس السابقة وصفٌ للمؤمنين في خمس آيات، ووصفٌ للكُفَّار في آيتين، ووصفٌ للمنافقين في ثلاثَ عشرةَ آية، وانتهت آيات المنافقين بمثلين دقيقين ؛ الأول:

﴿ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (17) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (18) ﴾

هؤلاء المنافقون الذين انتفعوا بكفرهم، هم في الحقيقة كُفَّار، لكن مصالحهم متعلقةٌ بالمؤمنين فنافقوا، وهم:

﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (18) ﴾

المنافق هو من أَظْهَر الإيمان وأبطن الكفر وهو الأخطر على الإسلام:

أما النموذج الآخر فهو من ضَعُفَ إيمانهم، وكَثُرَت الشُبُهات في عقولهم، فمالؤوا المؤمنين، وضعفت نفوسهم عن الالتزام التام، هؤلاء يرجى لهم الشفاء، لذلك لم يُخْبر النبي عن أسمائهم، بل أَسَرَّ أسماءهم لسيدنا حُذَيفة، الزمرة الثانية:

﴿ أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (19) ﴾

المنافق هو من أبطن ما لا يظهر
هؤلاء يتعلَّقون بالمغانم ويبتعدون عن المغارم، هؤلاء يحبون ثمار الإيمان ولا يدفعون ثمن هذه الثمار:

﴿ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا (20) ﴾

وقال:

﴿ يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20) ﴾

انتهى وصف المؤمنين، والكفار، والمنافقين، والحقيقة هناك رجلان ؛ مؤمنٌ وكافر، أما الثالث فهو من أَظْهَر الإيمان وأبطن الكفر.
الأول واضح، والثاني واضح، الأول جريء قَبِلَ الحق وقبض ثمنه، والثاني ردَّ الحق ودفع الثمن باهظاً، أما الثالث فجبان، لم يجرؤ على أن يلتزم، ولم يجرؤ على أن يكفر، فهو بَيْنَ بَيْن، مصدر الخطر من الثالث، لأن الأول ينفعك، والثاني تحذره، أما الثالث فيغشك، لذلك يُخشى على الدين لا من أعدائه، بل من أدعيائه من المنافقين، والمنافق هنا من كان عليم اللسان، جاهل القلب، من كان عمله غير ملتزم بالدين، من أظهر ما لا يُبطن، ومن أبطن ما لا يُظهر.

 

من سنة الله تعالى أنَّه يُخاطب عامَّة الناس بأصول الدين بينما يخاطب المؤمنين بفروع الدين:

أيها الأخوة ننتقل الآن إلى فقرةٍ جديدة من الآيات:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ (21) ﴾

من سنة الله جلَّ جلاله أنَّه يُخاطب عامَّة الناس بأصول الدين بينما يخاطب المؤمنين بفروع الدين، كلمة:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ (21) ﴾

هذا توجيهٌ عام لكلِّ البشر:

﴿ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ (21) ﴾

أما:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) ﴾

( سورة البقرة )

وقال:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً (6) ﴾

( سورة التحريم )

يا أيها الذين آمنوا افعلوا كذا ولا تفعلوا كذا، أي يا من آمنتم بي، يا من عرفتموني، يا من عرفتم رحمتي، يا من عرفتم سر وجودكم، يا من خُلِقتم لسعادةٍ أبدية افعلوا هذا ولا تفعلوا هذا، هناك عَقدٌ إيمانيٌ مع الله.

مهمة المؤمن أن يتحرَّى أمر الله ويطبِّقه فقط:

المؤمن على عقدٍ إيمانيٍ مع الله عز وجل، من لوازم هذا العقد أن يطبق كل ما جاءه عن الله:

﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ (111) ﴾

(سورة التوبة )

باع نفسه، والثمن هو الجنة.

﴿ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (111) ﴾

( سورة التوبة)

يخاطب الله عزَّ وجل عامَّة الناس بأصول الدين، ويخاطب خاصَّتهم وهم المؤمنون بفروع الدين، المؤمن آمن بالله، وعرف لماذا خلقه الله، عرف أنه قد خُلِقَ لجنةٍ عرضها السماوات والأرض، وعرف أن هذه الجنة ثمنها طاعة الله عزَّ وجل، وتلقَّى الأمر عن الله عزَّ وجل، فمهمة المؤمن أن يتحرَّى أمر الله ويطبِّقه فقط، يخاطب الله الشاردين البعيدين، الذين بعدوا عن الله عزَّ وجل، والذين تعلَّقوا بالدنيا، هؤلاء الكفار يخاطبهم الله عزَّ وجل بشكلٍ عام:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ (21) ﴾

الإنسان مخلوقٌ على وجه الأرض من أجل أن يعبد الله عزَّ وجل:

نحن مخلوقون لعبادة الله
أيها الأخوة أكبر سؤالٍ يُطْرَحُ علينا هو: لماذا نحن في الدنيا ؟ لماذا خُلقنا ؟ صدقوني أيها الأخوة أن ملايين طائلة من الناس يتحركون كل يوم، يعملون عملاً شاقاً، يكسبون الأموال، يسكنون البيوت، يتزوَّجون، يسافرون، يتاجرون، يفرحون، يمرحون، ولا يعلم أحدهم لماذا خلقه الله ؟ إذا ذهبت إلى بلد، ونزلت في أحد فنادقه، واستيقظت صبيحة اليوم الأول، وتناولت طعام الفطور، وارتديت ثيابك قد تسأل: إلى أين سأذهب ؟ نحن نسألك لماذا جئت إلى هنا ؟ إن جئْتَ هذا البلد تاجراً فاذهب نحو المعامل والمؤسسات، وإن جئته سائحاً فاذهب نحو المقاصف والمتنزَّهات، وإن جئته طالب علمٍ فاذهب نحو المعاهد والجامعات، متى تَصِحُّ حركتك ؟ إذا عرفت سرَّ وجودك، هذا سؤال دقيق جداً يجب على كلٍ منا أن يسأله بشكلٍ جاد، ليسألْ نفسه: لماذا أنا في الأرض ؟ الذي خلقني في الأرض لماذا خلقني ؟ إن كنت تعرف فهذه نعمةٌ عظمى، وإن كنت لا تعرف فربنا أخبرك:

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) ﴾

( سورة الذاريات )

شيءٌ يغيب عن معظم الناس، أنت مخلوقٌ على وجه الأرض من أجل أن تعبد الله عزَّ وجل، نُرسل أحياناً طالباً إلى بلد أجنبي، هناك آلاف الأبنية، آلاف الأماكن، دور لهو، دور سينما، ملاعب، مسارح، متاحف، مقاصف جميلة، مكتبات، صناعة، تجارة، هذا الطالب الذي ذهب إلى هذا البلد له هدفٌ واحد، أن يأتي بدكتوراه، هدفٌ واحد، إذا كان هذا الهدف ماثلاً في ذهنه، واضحاً في فكره، يُحَقِّق هذا الهدف، أما إذا ذهب إلى بلدٍ أجنبي ودُهِش، فأمضى يوماً في مسرح، ويوماً في سينما، ويوماً في ملهى، ويوماً في متحف، ويوماً يقرأ قصة، ويوماً في مُتَنَزَّه، مضى العام الدراسي ولم ينتسب للجامعة، فقد أخفق إخفاقاً كبيراً جداً، لأنه ما عرف سر وجوده هناك، لو عرف سر وجوده لما فعل هذا.

 

خُلِق الإنسان للجنة ولكن هذه الجنة لا بدَّ لها من ثمن:

أيها الأخوة الأكارم، كلامٌ دقيق، أكبر سؤال يجب أن تسأله لنفسك: لماذا أنا هنا على وجه الأرض ؟ متى تعرف الحقيقة ناصعةً ؟ حينما يأتي ملك الموت:

﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً (100) ﴾

(سورة المؤمنون)

أعظم شيء في هذه الدنيا أن تعمل صالحاً، لأن عملك الصالح طريقُك إلى الجنة، العمل الصالح ثمن الجنة، أنت في الأصل مخلوقٌ للجنة، أنت في الأصل مخلوقٌ لجنةٍ إلى أبد الآبدين فيها ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر، حينما خُلقت خُلِقتَ للجنة.

﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ (119) ﴾

(سورة هود )

خلقك ليرحمك، خلقك ليُسْعدك، ولكن هذه السعادة الأبدية المتنامية لا بدَّ لها من ثمن، والدليل: اجلس مع إنسان حَصَّل دكتوراه فَخْرِية، زار بلداً وأقيم له احتفال ومنح هذه الدكتوراه الفخرية، بالمقابل اجلس مع إنسان حصل دكتوراه حقيقية، درس ثلاثاً وثلاثين سنة، وألَّف أطروحة، ونجح نجاحاً باهراً، تجد فرقاً كبيراً بين مَن بذل هذا الجهد ونال هذه المرتبة، وبين من أخذها بلا سبب وبلا جُهد.

عندما حمل الإنسان الأمانة سُخِّرَت له الأكوان:

من أجل أن تسعد في الآخرة سعادةً متنامية إلى أبد الآبدين، من أجل أن تحتل أعلى مرتبةٍ نالها مخلوق، من أجل أن تصل إلى أعلى مرتبة، لأن:

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً (72) ﴾

( سورة الأحزاب)

لمَّا حملها الإنسان سُخِّرَت له الأكوان، مُنح عقلاً هو أعظم آلةٍ في الكون، مُنٍحَ فطرةً سليمة تدلُّه على خطئه، منح كوناً مسخَّراً له تسخير تعريفٍ وتسخير تكريم، مُنح شهوةً تحرِّكه إلى الله عزَّ وجل يرقى بها مرَّتين، يرقى بها صابراً ويرقى بها شاكراً، منح حرية اختيار ليُثَمَّنَ عملُه، ليأتي ربه طائعاً لا مُكْرهاً، الإنسان مُخَيَّر فيه شهوات هي سلمٌ يرقى به، فيه عقل أداة معرفة الله وهو القوة الإدراكية الأولى.
أطلعني أخٌ على جهاز حاسـوب بحجم الكف، بإمكانه أن يُرسل أي رسالة عَبْرَ الفاكس وأن يتصل بالإنترنت، وفيه كل البرامج الضخمة، بحجم الكف، ماذا فعل هذا العقل البشري ؟ وصل إلى القمر، وإلى المريخ، وإلى المشتري، غاص إلى أعماق البحار، نقل الصورة ملونةً عَبْرَ القارَّات الخمس، أنجز إنجازاً مُذهلاً، لو بذل الإنسان من هذا الجهد واحداً بالمليون لوصل إلى الله فسعد بقربه، حقق العقل البشري الآن إنجازات ضخمة لكِنَّه مع الأسف الشديد لم يُستخدم لما خُلِقَ له، استُخدم للدنيا فأنتج الأعاجيب، ولو أنه استُخدم للآخرة لكان سبب سعادة الأمم والشعوب.

 

مفهوم العبادة :

أيها الأخوة الكرام، يجب أن تعلموا علم اليقين أن علَّة وجودكم على وجه الأرض أن تعبدوا الله، وللناس مفاهيم ساذجةٌ في العبادة، أي نطيعه.

﴿ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ (21) ﴾

العبادة طوعيه مبينة على معرفة يقينية انها تفضي الى السعادة الابدية
فعلاً أطيعوا ربكم، لكن أطيعوا ربكم طاعةً طَوعية وليست قسرية، حينما تطيع الله مقهوراً هذه ليست عبادة، أنت حينما تطيع إنساناً قوياً هل تُعَدُّ عابداً له ؟ قد تكرهه، لكن العبادة التي أرادها الله هي الطاعة الطَوْعية الممزوجة بالمحبة القلبية، المبنية على معرفةٍ يقينية، التي تُفضي بك إلى سعادة أبدية، هذه هي العبادة، طاعةٌ طوعية مبنيةٌ على معرفةٍ يقينية تفضي إلى سعادةٍ أبدية. هذا المفهوم يدلُّنا على أن في الإسلام كُلِّيةً علمية، وكليةً سلوكية، وكليةً جمالية، لا بد في الكلية العِلمية من أن تطلب العلم، ما اتخذ الله ولياً جاهلاً لو اتخذه لعلَّمه، أدنى مراتب الإيمان معرفة، أدنى مراتب الإيمان علم:

﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ (19) ﴾

( سورة محمد )

وقال:

﴿ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (9) ﴾

( سورة الزمر )

وقال:

﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ (11) ﴾

(سورة المجادلة )

أول مرحلة في عبادة الله أن تعرفه:

اعتمد الله جلَّ جلاله قيمة العلم، فالعلم قيمةٌ مُرَجِّحةٌ بين الخلق، لذلك:

(( الناس رجلان عالمٌ ومتعلِّم ولا خير فيما سواهما.))

[الطبراني وأبو نعيم عن ابن مسعود]

رجلان، وليس أجر العالم بأكثر من أجر المتعلِّم.

((تواضعوا لمن تَعَلَّمُون منه وتواضعوا لمن تُعَلِّمُون.))

[أبو الشيخ في الثواب عن أبي هريرة]

مشاركة، الحقيقة التعليم تعاون، تبادل خبرات:

﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ (2) ﴾

( سورة المائدة: آية " 2" )

العبادة معرفة، أول مرحلة في عبادة الله أن تعرفه وإلا من تعبد ؟ من تخافُ ؟ من تحبُّ ؟ رحمة مَن ترجو ؟ عذابَ من تخشى ؟ أصل الدين أن تعرف الله، إذا عرفت الآمر ثم عرفت الأمر تفانيت في تطبيق الأمر، أما إذا عرفت الأمر ولم تعرف الآمر تفننت في التفلُّت من أمره، وهذا ما يفعله معظم الناس، يبحث عن فتوى مهما تكون ضعيفة يقبلها ويعتمد عليها ويقول: إن شاء الله بذمة من أفتى بذلك، علماً أنَّك لو استخلصت فتوى من فم رسول الله سيد الخلق وحبيب الحق ولم تكن محقاً لا تنجو من عذاب الله، فهذا الذي يتعلَّق بفتوى من بني البشر هناك خللٌ في عقله، لأن الله جلَّ جلاله هو الذي سيحاسب:

﴿ بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (15) ﴾

( سورة القيامة)

فالعبادة طلب علم.

من أساسيات الإيمان بالله أن تعرفه من خلال أسمائه الحُسنى:

المشكلة أيها الأخوة أنَّ معظم الناس يطلبون العلم الشرعي إذا كان عندهم وقت فراغ، الأصل كَسْبُهم للمال، الأصل مصالحهم، الأصل أهواؤهم، يأتي إذا كان هناك درس قصير وممتع جداً، جلسة مريحة، يأتي ليزيد من مُتَعِ الدنيا، الأمر غير ذلك، طلب العلم حقٌ واجبٌ على كل مسلم:

(( طلب العلم فريضةٌ على كل مسلم.))

[ابن ماجه عن أنس]

كيف أن الهواء شرط لبقائنا، نموت فوراً من دون هواء، الهواء أساسيٌ في بقائنا، شرب الماء أساسيٌ في بقائنا، تناول الطعام والشراب أساسيٌ في بقائنا، الزواج أساسيٌ في بقاء النوع، كذلك العلم أساسيٌ في سلامتك وسعادتك، فإذا قلتُ لك: اعبد الله، أي أُطلب العلم من أجل أن تعرف من ينبغي أن تعبد، معظم الناس يعبدون بعضهم بعضاً، معظم الناس اتخذ إلهه هواه.
جلس عالم في أمريكا في حديقة إلى جانب إنسان أمريكي، وعندما تعرَّف عليه، وعرف أنه من بلاد الشرق الأوسط، وأنَّه مُسلم قال له: هل تحدثني عن دينك ؟ فهذا العالم بارعٌ في الحديث ويُتقن اللغة الأجنبية، حدَّثه عن الإسلام، وعن عقيدة المسلمين، وعن أخلاق المسلمين، وعن عبادات المسلمين، وعما ينتظر المسلمَ من عطاءٍ أبدي، بعد أن انتهى من حديثه كله أخرج هذا الأمريكي من جيبه دولاراً، وقال: هذا إلهي أعبده من دون إلهك.
يعبدون الدرهم والدينار
هم هكذا، يعبدون الدرهم والدينار، بل إنَّهم، وهذا شيءٌ غريب اقتبسوا من الإسلام حقائق تنفعُهم في حياتهم الدنيا، فإذا ذهبت إلى بلدٍ غربي ترى أن إيجابِيَّات هذا البلد إسلامية، لكن لا حباً بالله، ولا طاعةً له، ولكن حباً بالدرهم والدينار.

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ (21) ﴾

أي اطلب العلم من أجل أن تعرف من ينبغي أن تعبد، لماذا تعبد الله ؟ لماذا ترجوه وحده ؟ لماذا تخافه وحده ؟ لماذا تعلِّق الأمل على رضاه وحده ؟ لماذا تُفني شبابك في سبيله ؟ لماذا تنفق مالك من أجله ؟ لماذا تُعادي من تعادي في سبيل الله وتصالح من تصالح في سبيل الله؟ ينبغي أن تعرف من هو الله ؟ لذلك جزءٌ من معرفة الله أن تعرف أسماءَهُ الحسنى ؛ كيف أن الله رحيم ؟ كيف أنه حكيم ؟ عليم، قدير، سميع، رؤوف، لطيف، قوي، جبَّار، مُهَيْمِن، منتقم، رافع خافض، مُعِزٌّ مُذِلّ، ضار نافع، جزءٌ أساسيٌ من إيمانك أن تعرف الله من خلال أسمائه الحُسنى، هذا معنى قول الله عزَّ وجل:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ (21) ﴾

يتوهَّم الناس أنها كلمة "اعبد ربك"، لا ليست كذلك، العبادة طاعةٌ طوعيةٌ مع محبةٍ قلبية أساسها معرفةٌ يقينية.

 

لا هدف يعلو على طلب العلم ولا شغل يفوق أن تشتغل بمعرفة الله عزَّ وجل :

كم من الوقت بذلت لمعرفة الله ؟ اِسأل إنساناً يحمل دكتوراه يدرس ثلاثاً وثلاثين سنة من أجل أن يضع على بطاقته حرف الدال قبل اسمه، وربما لا يستفيد من هذه المدةِ التي قضاها في الدراسة، مستحيل، مستحيل أن يستفيد إنسان من الدكتوراه بسنواتٍ توازي سنوات الدراسة، أقل بكثير، سنوات معدودات بعدها، أفمن أجل أن تنال درجة في الدنيا تبذل هذه الدراسة الطويلة، ومن أجل أن تعرف الله، وأن تعرف هذا المصير الأبدي ألا تحتاج إلى طلب العلم ؟ هذا الذي يقول لك: ليس عندي وقت فراغ لأحضر مجلس علم هذا إنسان جاهل، كما لو أن إنساناً ذهب إلى بلدٍ أجنبي، لينال دكتوراه وقد وعِد بأعلى منصبٍ في بلده حينما يعود ـ مثلاً وُعِد بأفخر بيتٍ، وبأجمل زوجةٍ ـ يأتي وقت الدوام في الجامعة، وليس له عمل إطلاقاً في هذا البلد إلا نيل هذه الشهادة، يقول: والله لا يوجد عندي فراغ لأحضر المحاضرات شيء عجيب !! إذاً عندك فراغ لماذا ؟ إذا كان الهدف الأول من هذا السفر الطويل، وهذه المشقَّة، أن تنال هذه الشهادة من هذه الجامعة، وحينما حان وقت الدوام تقول: ليس عندي وقت ؟! لا هدف يعلو على طلب العلم، ولا شغل يفوق أن تشتغل بمعرفة الله عزَّ وجل.

 

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ (21) ﴾

أي اعرفوه، تفكَّر في خلق السماوات والأرض، هل تصدق أن في أنفك عشرين مليون نهاية عصبية، في كل نهايةٍ عصبية سبع أهداب، كل هُدْبٍ محاطٌ بمادةٍ مخاطية تتفاعل مع الرائحة، ينتج عن هذا التفاعل شكلٌ هندسي، كرة، موشور، أسطوانة، مفتاح، ينقل هذا الشكل الهندسي إلى الدماغ إلى الذاكرة الشَمِّية التي تحوي ملفاً فيه عشرة آلاف بند، يعرض هذا الشكل الهندسي الذي هو مُحَصِّلة تفاعل الرائحة مع الأهداب على عشرة آلاف بند، توافق مثلاً مع البند خمسمئة وأحد عشر، إذاً ياسمين، في لمح البصر.

﴿ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ (64) ﴾

( سورة غافر )

آيات دالة على عظمة الله عزَّ وجل :

هناك آيات في جسمك، والله لا تكفي سنوات وسنوات لشرحها، في جسمك الذي هو أقرب شيء إليك، هو أقرب آيةٍ دالةٍ على عظمة الله عزَّ وجل، شعرُك ثلاثمئة ألف شعرة، لكل شعرةٍ عضلة، وعصبٌ محرك، وغدةٌ دهنيةٌ، وغدة صبغيةٌ، ووريدٌ وشريان في كل شعرة، هناك مئة وثلاثين مليون عُصَيِّة ومخروط في شبكية العين، عصب العين تسعمئة ألف عصب، تفرز المعدة خمسة وثلاثين مليون عصارة هاضمة، تحوي الكلية مليون نفروناً، يسير الدم في الكليتين في اليوم الواحد مسافة مئة كيلو متر ليتصفَّى، يضخ قلبك في اليوم الواحد ثمانية أمتار مكعبة، قد تستهلك في العام كلِّه متراً مكعباً من الوقود السائل، وقلبك يضخ في اليوم الواحد ثمانية أمتار مكعبة، ويضخ في عمرٍ متوسط ما يملأ أكبر ناطحة سحابٍ في العالم، ينبض القلب ليلاً نهاراً وأنت نائم لا يمل ولا يَكَل.
أيها الأخوة الكرام حينما يقول الله عزَّ وجل:

 

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ (21) ﴾

لا شيء يعلو على معرفة الله
أي اعرفوه أولاً، ولا شيء يعلو على معرفة الله، والله أيها الأخوة لو عرفنا ما نحن قادمون عليه في الدار الآخرة لشُغِلنا عن كل شيء بمعرفة الله، لشُغلنا عن كل شيء، ولأمضينا الوقت كله في معرفته وطاعته، لأن هذه السنوات المعدودة التي نمضيها ستحدد مصيرنا الأبدي، لاحظ مثلاً الطلاب، ينجح الطالب من الصف السابع إلى الثامن كل الصف ناجح، سواء أكان في المرتبة الأولى أو الأخيرة، من السابع إلى الثامن، ثامن تاسع، تاسع عاشر، التاسع مصيري، إما تعليم عام وإما مهني، إذا لم يحصل على مئة وثمانين علامة فليس له مكان في التعليم العام، دخل تعليماً عامّاً: عاشر، حادي عشر، ثاني عشر، الآن ستحدد علاماته مهنته، حصل على علامات طب صار طبيباً، حصل على علامات مهندس، حصل على علامات صيدلي، أتى بعلامات شريعة، أتى بعلامات حقوق، أتى بعلامات علوم، رياضيات ـ مثال للتقريب ـ فعلاماته في هذه الشهادة مصيرية، وهي ستحدد مصيره في الحياة، تحدد حرفته، مكانته الاجتماعية، وأنت في هذه السنوات المعدودات سوف يتحدد مصيرك الأبدي، إلى أبد الآبدين:

(( والذي نفسي بيده ما بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار. ))

[أخرجه البيهقي في الشعب من حديث الحسن عن رجل من أصحاب النبي وفيه انقطاع]

إما جنةٌ يدوم نعيمها وإما نارٌ لا ينفد عذابها.

 

الآيات الكونية في القرآن منهج للتفكُّر:

حينما يقول الله عزَّ وجل:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ (21) ﴾

تعرفوا إليه، تعرف إليه من خلقه، في القرآن الكريم ألفٌ وثلاثمئةٍ واثنتان وعشرون آية كونية، ما الهدف منها ؟ لماذا جعل الله سُدُس القرآن آيات كونية ؟ للتسلية ؟! للقراءة ؟! أم لنتعرف على الله من خلالها ؟ جعل الله هذه الآيات منهجاً للتفكُّر، لما قال الله عزَّ وجل:

﴿ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (22) ﴾

( سورة الحجر)

لو أن الله كلَّفنا أن نُخَزِّن المياه التي نستعملها طوال العام، يحتاج كل منا إلى مستودع يساوي حجم بيته تماماً، مثلاً لو كانت مساحة بيته مئة وخمسين متراً مضروبة بثلاثة أمتار، أربعمئة وخمسين متر مكعب، تحتاج الأسرة في السنة كلها أربعمئة وخمسين متراً مكعباً، نريد ضعف أبنية العالم، قال الله عزَّ وجل:

﴿ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (22) ﴾

تجد نهراً كالأمازون كثافته في الثانية الواحدة ثلاثمئة ألف متر مكعب، هذه دمشق الشام فيها خمسة ملايين ونصف إنسان، ويوجد قول: ستة ونصف في النهار، تشرب كلُّها من نبع الفيجة، كثافته ستة عشر متراً مكعباً في الثانية:

﴿ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (22) ﴾

مياه هذا النبع مُخَزَّنة في هذا الجوف الجيولوجي الذي يمتد إلى حمص، ونصف لبنان فوق هذا الجيب الجيولوجي، يمتد هذا الجيب قريباً من تَدْمُر، هذا هو الحقل أو المستودع الجيولوجي لهذا النبع:

﴿ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (22) ﴾

معرفة الله تعالى توصلنا إلى طاعته :

معرفة الله توصلنا إلى طاعته
عندما يشرب الإنسان ماء القوارير يفاجأ أنه يحوي ثلاثة عشر معدناً فيه، مغنيزيوم وصوديوم وغير ذلك، ماء معدني، مياه الآبار مياه معدنية، هل فكَّرت في هذا الماء ؟ هل فكَّرت في هذا الهواء المتوازن ؟ نحن نستهلك الأوكسجين دائماً، جعل الله النبات يستهلك عكسنا يستهلك النبات غاز الفحم ويعطي الأوكسجين، هذا التوازن رائع ودائماً يجعل نسب الأوكسجين ثابتة في الهواء الخارجي، من فعل هذا ؟! ألف آيةٍ وآية، أينما تحرَّكت، أينما نظرت ؛ في طعامك، في شرابك، في ابنك، في النبات، في الطير، في السمك، في الجبل، في السهل، في البحر.

وفي كل شيءٍ له آيةٌ تدلُّ على أنَّه واحدُ
***

وقال:

﴿ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ (21) ﴾

أي تعَّرفوا إليه من أجل أن تطيعوه، لأن العبادة طاعةٌ طوعية تسبقها معرفةٌ يقينية تُفضي إلى سعادةٍ أبدية.

 

فضل طلب العلم:

أيها الأخوة الكرام:

(( طلب العلم فريضةٌ على كل مسلم.))

[ابن ماجه عن أنس]

إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتَهُما معاً فعليك بالعلم، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كُلَّك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً، ويظلُّ المرء عالماً ما طلب العلم فإذا ظنَّ أنَّه قد علِم فقد جهل، العلِم، ثم العلِم، ثم العلم:

(( فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد )).

[ أخرجه النسائي وابن ماجة عن ابن عباس ]

(( أغد عالماً أو متعلماً أو مستمعاً أو محباً ولا تكن الخامسة فتهلك.))

[ رواه البيهقي وابن عبد البر عن أبي بكرة]

هذه الكُلِّية الأولى، لا بدّ من أن تزداد كلَّ يومٍ علماً بالله عزّ وجل، ورد في بعض الأدعية أن " لا بورك لي في طلوع شمس يومٍ لم أزدد فيه من الله علماً، ولا بورك لي في طلوع شمس يومٍ لم أزدد فيه من الله قرباً."
المساجد مفتَّحةٌ أبوابُها، مفتَّحةٌ على مصراعيها من أجل طلب العلم، لا بدّ لك من درسٍ أسبوعي، لا بدَّ لك من أن تفهم كلام الله، لا بدّ لك من أن تعرف سنة رسول الله، لا بدَّ لك من أن تعرف سيرة رسول الله، لا بدَّ لك من أن تعرف أحكام الفِقْه، لا بدَّ لك من أن تعرف أسلوب الرُقي الرُوحي، هذا كلُّه تأخذه في المسجد، لذلك:

﴿ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ (21) ﴾

يعني اعرفوا ربَّكم لأن العبادة طاعةٌ طوعية ممزوجةٌ بمحبةٍ قلبية أساسها معرفةٌ يقينية تفضي إلى سعادةٍ أبدية.

الإسلام سلوك:

الآن السلوك، البند الثاني في العبادة هو السلوك، إسلام بشكل انتماء فقط لا معنى له، إسلام فولكلوري ومظاهر لا معنى له، إسلام تعاطف لا معنى له، خلفية إسلامية ـ هذه مصطلحات جديدة ـ وأرضية إسلامية، ونزعة إسلامية، واتجاه مُحافظ، وثقافة إسلامية، ومشاعر إسلامية، هذا كلُّه لا يُجدي، لا بدَّ من أن تضبط كل شيء وفق منهج الله، لا بدَّ من أن تضبط دخلك، هذا القرش من أين اكتسبته ؟ وكيف أنفقته ؟ هذا البيت الذي هو بيتك هل أقمت الإسلام فيه ؟ هذا العمل الذي هو عملك هل كنت صادقاً فيه ؟ هل نفعت المسلمين ؟
المؤسف أيها الأخوة أن بعض الناس يتوهَّمون أن الإسلام هو هذه العبادات أي صلاة وصيام وحج وزكاة وانتهى الأمر، أما حياته فهي حياة أخرى لا علاقة لها بالإسلام إطلاقاً، أنا أكاد أقول: الإسلام مئة ألف بند، الصلاة هي واحد من هذه البنود، والصيام، والحج، والزكاة هذه خمسة من مئة ألف تقريباً، كل شيءٍ له حكمٌ شرعي ؛ إما أنه فرض، أو أنَّه واجب، أو أنه مندوب، أو أنَّه سُنَّة مؤكَّدة، أو سُنَّة غير مؤكَّدة، أو مُباح، أو مكروه كراهة تنزيهية أو كراهة تحريمية، أو حرام، أي شيءٍ على وجه الأرض لا بد من أن تَعْتَريَهُ هذه الأحكام الخمسة.
يا أيها الأخوة:

﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا (72) ﴾

( سورة الأنفال )

يجب أن ترى الإسلام صارخاً في حياة المؤمن، أن ترى الإسلام في مواعيده، أن ترى الإسلام في عمله، في صدقه، في أمانته، في إخلاصه، في محبَّته، في رحمته، في إنصافه، في إحسانه، الإسلام سلوك، أي أن المؤمن الصادق يُشار له بالبنان، يعني أنشأ بناء ولسببٍ أو لآخر لم يتَمَكَّن من إفراغ المُلْكِيَّة لأصحابها، ظنَّ الذين اشتروا منه هذا البناء أنه يتلكَّأ ليأخذ من أموالهم، عرضوا عليه مبلغاً ضخماً فقال: لا أنا بعتكم وقبضت ثمن ما بعتكم به ، وربحت عليكم، ولا شيء لي عندكم، فلما أُتيح له أفرغ كل البناء لأصحابه، هذا الإسلام.

البند الثاني في العبادة الانضباط السلوكي:

الإسلام عفة عن المحارم، الإسلام عفة عن المطامع، الإسلام صدق، الإسلام أمانة، الإسلام عفاف، الإسلام كرم، الإسلام شجاعة، الإسلام تواضع، الإسلام علم، الإسلام سخاء. المؤمن إسلامه صارخ، أما أن يتمَيِّز المسلم عن غير المسلم بالصلاة فقط هذا شيء مضحك، الصلاة عبادة من العبادات أما الإسلام منظومة قِيَم، إذاً البند الثاني في العبادة: الانضباط السلوكي ؛ ضبط الجوارح، ضبط اللسان، ضبط العين، ضبط الأذن، ضبط اليد، ضبط الرجل، ضبط الكَسْب، ضبط الإنفاق، ضبط البنات، ضبط الشباب، ضبط الزوجة، الإسلام منظومة قيَم، هذا الذي يتوهَّم أن الإسلامَ صلاةٌ وصيامٌ شيء مضحك.

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ (21) ﴾

اعرفوه أولاً، وأطيعوه ثانياً، واتصلوا به ثالثاً، هذا الجانب الجمالي في العبادة، فأرجو الله سبحانه وتعالى أن أوضِّح لكم هذه الحقيقة، إن لم تقل: أنا أسعد الناس فلَسْتَ مؤمناً، أنت موصول بالله فهل تشقى ؟!! لك اتصالٌ بخالق الكون، لك اتصالٌ بأصل الجمال، لك اتصالٌ بأصل الكمال، لك اتصالٌ بأصل النوال، بالأصول، الذي يُعْطي وحده هو الله، والجميل وحده هو الله، والكامل وحده هو الله، أن تتصل بالله فتقول: أنا غير سعيد، فهذه مشكلة !!
أيها الأخوة الكرام:

﴿ وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآَخِرَ (36) ﴾

(سورة العنكبوت )

عبادة الله من أجل اليوم الآخر، من أجل أن نصل إلى دار السلام بسلام، من أجل الجنَّة، من أجل السعادة الأبدية، لا ترى العبادة عبئاً عليك، ثمن قليل لخيرٍ كثير.

 

بعض الآيات القرآنية عن العبادة:

قال تعالى:

﴿ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآَخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (36) ﴾

وقال:

﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (23) ﴾

( سورة المؤمنون)

أي لا خيار، لا يوجد إلهٌ ثانٍ، الله عزّ وجل لا يخَيِّرك أن اعبدني أو اعبد فلاناً:

﴿ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ (23) ﴾

( سورة المؤمنون )

لا إله إلا الله، فإن لم تعبده فأنت مع من ؟ مع لا شيء.

﴿ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ (72) ﴾

( سورة المائدة )

وجوب عبادة الله من لحظة معرفة الإنسان به وحتَّى الموت:

يجب أن تعبد الله من الأعماق
إن لم تعبد الله فما النتيجة ؟ الجنة محرمةٌ على المُشرك ومأواه النار:

﴿ وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآَخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (36) ﴾

( سورة العنكبوت )

وقال:

﴿ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99) ﴾

(سورة الحجر)

يجب أن تعبد الله من لحظة معرفتك به وحتَّى الموت:

﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (11) ﴾

( سورة الحج)

يجب أن تعبده في الأعماق ولا يهِزَّك أقل شيء، هناك أشخاص تهزهم كلمة، كلمة تجعله يدع الجامع كلَّه لأجل خلاف بسيط مع أخ فهل يعقل هذا ؟!! دخلت كلية الطب ومصيرك طبيب تركت هذه الكلية لخلافٍ بسيط مع صديق أو مع أستاذ ؟ لا يفعلها عاقل في الدنيا فكيف في الآخرة ؟ أساء لك أخ، تكلَّم معك كلمة نابية، تضحي بدينك ؟! تضحي بآخرتك ؟! مستحيل.

 

على المؤمن أن يعتزل من يعبد غير الله:

هذا الذي يعبد الله على حرف مقاومته هشةٌ جداً لأن علمه هزيل، إرادته ضعيفة، مقاومته هَشَّة، يعبد الله على حرف، أما الناس إذا عَبَدوا بعضهم بعضاً، وعبدوا أهواءهم، وعبدوا من دون الله جِهاتٍ لا تملك لهم من الله شيئاً هؤلاء يجب أن يُعتَزَلوا، قال تعالى:

﴿ وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ (16) ﴾

(سورة الكهف )

يجب أن تعتزلهم إلى أن يعبدوا الله عزّ وجل:

﴿ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آَبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (133) ﴾

( سورة البقرة )

أما الذين يعبدون من دون الله، قال:

﴿ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ (40) ﴾

( سورة يوسف )

أي تعبدون أشخاصاً، أشخاصاً ضِعافاً، أنت تحيطهم بهالةٍ كبيرة، فمن قال: إنَّ بوذا إله، من قال ؟ له تمثال كبير توضع الفواكه له قيل: ليأكلها في الليل ( يأكلها السَدَنة )، لأنه حجر لا يأكل شيئاً، تعيش شعوب بأكملها في خرافاتٍ مضحكة.

 

آيات من القرآن الكريم عن أشخاص أشركوا مع الله آلهة أخرى :

قال تعالى:

﴿ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ (40) ﴾

( سورة يوسف )

وقال:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ (17) ﴾

( سورة العنكبوت )

وقال:

﴿ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً (42) ﴾

( سورة مريم )

وقال:

﴿ يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً (43) ﴾

( سورة مريم )

العبادة ثمن الجنة وهي الهدف من هذه الحياة:

أيها الأخوة الكرام، قضية العبادة قضيةٌ خطيرةٌ جداً هي هَوِيُّتك، هي سر وجودك، هي هدفك من هذه الحياة، العبادة ثمن الجنة، العبادة ثمن السلامة، العبادة ثمن السعادة، العبادة ثمن التقوى.
أيها الأخوة الكرام، هذه الآية أوَّل آية بعد أن وصف الله المؤمنين والمنافقين والكفار:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22) ﴾

وهذه الآيةُ إن شاء الله تُفَسَّرُ في الدرس القادم، والله المستعان.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018