الدرس : 13 - سورة غافر - تفسير الآيات 41 - 52 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 13 - سورة غافر - تفسير الآيات 41 - 52


1993-09-03

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الكرام، مع الدرس الثالث عشر من سورة غافر، ومع الآية الواحدة والأربعين، وهي قوله تعالى:

﴿ وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ ﴾

وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ

1 ـ احذر أيها الإنسان الدعوةَ إلى النار:

 أيها الأخ الكريم، أنت في الدنيا بين دعوتين، بين دعوةٍ إلى الجنة، أيْ النجاة من عذاب الدنيا وبلوغ الجنة، ودعوةٍ إلى النار، فأيُّ إنسانٍ دعاك إلى شيء فقف عند هذه الدعوة ؛ ما مضمونها ؟ ما مصيرها ؟ واعلم أنَّ الأمور بخواتيمها فاحذر، والعاقل يعيش المُستقبل، لكن الأحمق يعيش الحاضر، وكل إنسان يعيش لحظته فهو أحمق، الأمور بخواتيمها، وهذه الدعوة إلى كسب المال الوفير، فماذا بعد المال الحرام الوفير ؟ الموت، وماذا بعد الموت ؟ الحساب، وماذا بعد الحساب ؟ جهنم، إذاً هذا الذي يدعوك لعقد هذه الصفقة، ولكسب المال الحرام إنما يدعوك في الحقيقة إلى النار، وإن كانت الدعوة إلى كسب المال.
 هذا الذي يدعوك إلى حفل ماجن، أو إلى لقاء مشبوه، أو إلى نزهة مختلطة، أو إلى رحلة فاجرة، أو إلى سهرة ماجنة، أو إلى وليمة فيها المشروبات المحرمة، أو إلى قراءة كتاب مسموم، أو إلى اجتماع ولقاء محموم هو يدعوك إلى لقاء، أو إلى، تعارف، أو إلى طعام، أو إلى مُتْعَة، فيها مخالفات شرعية قد تنتهي بك إلى النار، فارفضها معتذرًا، واعلم أنَ من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه.
 دائماً اسأل نفسك هذا السؤال: ماذا بعد ؟ دعيت إلى كسبٍ حرام وفير، ماذا بعد المال ؟ الموت، دعيت إلى مكانةٍ رفيعة، لكن لا ترضي الله، ماذا بعد هذه المكانة الرفيعة ؟ الموت، ماذا بعد الموت النار، إذاً كل من يدعوك إلى معصية الله يدعوك في الظاهر إلى متعة، أو إلى مكسب، أو إلى مغنم، أو إلى مال، أو إلى جاه، أو إلى مكانة عَلِيَّة، لكن هذه المكانة يأتي الموت فيخرجك منها، إن لم تنتهِ من تلقاء ذاتها، ويأتي بعد الموت حسابٌ عسير، وبعد الحساب العسير نار جهنم، وبئس المصير.
 إذاً: العاقل يرى أنه بين دعوةٍ إلى عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، وكل إنسان يعطل عقله يكون ذنبه الأكبر تعطيل عقله، ليس الذنب فقط في أنه ارتكب ضلالةً، و لكن الذنب الكبير في تعطيل عقله، هذا هو الذنب الحقيقي فيقال له: أين عقلك ؟
 يا عبدي، أودعت فيك عقلاً يهديك إلى الخير لمَ لمْ تستعمله ؟ وأنت إذا منحك الله عقلاً صرتَ مسؤولاً مسؤولية كبرى، فأنت بين دعوتين، وعقلك هو مناط الاختيار والحلال بيِّن، و الحرام بيِّن.

﴿ وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ ﴾

2 ـ أَجِبْ الداعيَ إلى الجنة:

 إنسان دعاك إلى طاعة الله، فماذا بعد الطاعة ؟ رضوان الله، ماذا بعد رضوان الله ؟ التوفيق، ماذا بعد التوفيق ؟ السعادة، ماذا بعد السعادة ؟ الموت، ماذا بعد الموت ؟ الجنة إلى أبد الآبدين، وقد قال تعالى:

﴿ وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا(28) ﴾

( سورة الكهف )

 وقال:

﴿ وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ﴾

( سورة لقمان: من الآية 15 )

3 ـ استعمل عقلك:

 لك أبٌ أنجبك، ولك أبٌ زوَّجك، ولك أبٌ دلَّك على الله، فالإنسان ما إن يستمع إلى كلمة توجيهٍ، أو كلمة إرشادٍ، أو دعوةٍ، فليستعمْل عقله، هذه الدعوة ما مؤدَّاها ؟ الدعوة براقة، دعوة إلى أن تعيش شبابك، دعوة إلى نزهة ممتعة، جبال خضراء، وبحر، ولكن هذا المكان لا يُتقى الله فيه، هذا المكان فيه نساءٌ كاسياتٌ عاريات، النظر مُحرم، والحديث محرم، وأحياناً قد تكون الدعوة ذكيَّة جداً، دعوة مبطنة ؛ الدعوة لنزهة، دعوة إلى سهرة مختلطة، دعوة إلى أمسية معها غناء مثلاً، فالإنسان لا ينتبه، فالدعوة مضمونها إلى النار، لكن فانظر بعين عقلك قبل أن تنظر بعين رأسك.
 إذًا: الإنسانُ العاقل يفرِّق دائماً بين دعوتين، وأنت مبتلى، كل من حولك يدعوك، هذا يدعوك إلى جادَّة الصواب، وهذا يدعوك إلى الشر، ودائماً الأشرار يحبون أن يكثر الأشرار، يقول لك: ضعها برقبتي، فمن أنت حتى أضعها برقبتك ؟
 عَن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ:

﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﴾

 قَالَ:

 

(( يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا، وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ، لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا، وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي، لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا ))

 

[ متفق عليه ]

 كل واحد منكم أيها الإخوة الكرام قد تُوجَّه إليه دعوة، مِن والده، مِن أخيه أحياناً، مِن صديقه، مِن جاره، مِن زميل العمل، مِن أي إنسان، قد يُدعَى إلى النار، وهو لا يدري، فيكفي أن يبخِّس لك سعيك إلى الله، كأن يقول لك: خسارتك، يكفي لك أن يضعِّف همتك إلى الله، يكفي أن يصفك بالحمق إذا اتبعت منهج الله عزَّ وجل، يقول لك: مجنون، ضيَّعت عليك فرصة العمر، والمؤمن الصادق المستقيم دائما في نظر أهل لدنيا أبله، هم يظنون أنهم أذكياء باقتراف المعاصي واقتناص الملذات، وينسون أنهم يسيرون في المنزلق الخطير، فيفيقون ذات يوم فإذا هم أغبى الأغبياء، لأن البطل هو الذي يضحك آخر الأمر، وليس في أول الأمر:

﴿ إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا(13) ﴾

( سورة الانشقاق )

 أما المؤمن:

﴿ وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا(9) ﴾

( سورة الانشقاق )

 الكافر:

 

﴿ إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا(13) ﴾

 فالإنسان قد يقبع في بيته ؛ يحب البقاء في البيت كما هو حال بعض الناس، فالملهيات عنده، الأغاني، الغيبة، النميمة، النساء اللاتي لا يحللن له أمامه مزينات، يمتِّع بصره بهن، يمزح، يطرب، يستمع.

 

﴿ إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا(13) ﴾

 بلا صلاة، بلا صوم، مع الإدِّعاء بأنّ هذا الدين ليس لهذا العصر:

 

﴿ إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا(13) ﴾

 أما المؤمن في نهاية المطاف:

 

 

﴿ وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا(9) ﴾

 البطولة أن تكون في آخر السباق مسروراً، وأن تكون ضاحكاً.
 إذاً: كأن الله سبحانه وتعالى في هذه الآية أراد أن يعرفنا أن الإنسان بين دعوتين، دعوةٍ إلى طاعة الله، وبالأحرى إلى النجاة من عذاب الله، وبالتالي إلى جنةٍ عرضُها السماوات والأرض ؛ أو دعوةٍ إلى معصيةٍ، أو متعةٍ، أو كسب مالٍ غير مشروع، وبالتالي إلى موتٍ، ثمَ إلى عذاب القبر في البرزخ، وأخيرًا إلى عذاب النار وبئس المصير. فالإنسان العاقل يحكِّم عقله في أيَّةِ دعوة، والله عزَّ وجل حذَّر وأنذر، وقال لك:

 

 

﴿ وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا(28) ﴾

 

( سورة الكهف )

 إنسان غافل ـ فأبسطُ شيء مثلاً أن يدعوك إنسان لترسل ابنك إلى تعلُّم اللغة الأجنبية ببلد أجنبي، الدعوة ظاهرها إتقان اللغة الأجنبية، لأن التجارة تحتاج إلى لغة، ولكن هذا الابن يافعٌ في رَيْعَان الشباب، ولا بد من أن يقيم في أسرة بريطانية مثلاً، وهذه الأسرة متفلتة، وعندها فتيات، إذ لا قيم في مجتمعهم تهذِّبهم، فيعود إلى بلده شارب خمرٍ، وقد اقترف الزنا، عاد إلى أهله، وهو يحتقر أُمَّتَهُ ودينه، فضاع متردِّيًا في وحول الضلال والخنا، وكانت في ظاهرها إتقان اللغة الأجنبية، لكنها كانت دعوة محمومة، فقد دعي إلى النار، وهو لا يدري، فليحذر الآباء، فالأولاد أمانة.

﴿ وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ ﴾

كيف يُدعى الإنسانُ إلى النار ؟

 وبعدُ فكيف يُدعى الإنسان إلى النار ؟ جاءت التفاصيل، قال:

﴿ تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ ﴾

1 ـ الكفر بالله:

 لأكذب بهذا الدين، والكفر بالله أنواع، في أضيق معانيه أّلا تطيع الله عزَّ وجل، لأنك لست قانعاً بمنهج الله تعالى، وقع ذلك، تقول: إن الله خالق الكون، ولكنك رغم هذا الإقرار لا تطيـع الله عزَّ وجل، وتردّ منهجه، فأنت لم تكفر بخالق الكون، ولكن كفرت بمنهج خالق الكون، حينما تأبى نفسك أن تطيع الله في أمره ونهيه، فأنت بشكلٍ أو بآخر تكفر بمنهج الله.

﴿ تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ ﴾

2 ـ الشرك بالله:

 أيْ أن أربط نفسي بإنسان ما، إنسان قوي مثلا، أبيع نفسي لجهة معينة، أجعل طاقاتي وأفكاري ومالي وذكائي وطلاقة لساني وعلمي في خدمة البشر، هذا الإنسان قد يعطيني الدنيا، ولكن لا ينجيني من عذاب الله.

﴿ تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ ﴾

 أيْ أنّ الحد الأدنى من الكفر أن تكذِّب بمنهجه، وعدم طاعة الله تكذيبٌ بمنهجه.

 

﴿ وَأُشْرِكَ بِهِ ﴾

 أيْ أنْ أجعل مع الله إلهاً آخر، فأنت لا تقول: هو إله، فهذا إنسان، لكن تقول: هو الذي ينفعك، هو الذي يضرُّك، هو الذي إن رضي أعطاك، وإن غضب منعك، حينما تشعر أن لهذا الإنسان ثِقَلاً، ودورًا خطيرا في حياتك فقد أشركته بالله عزَّ وجل.

 

 

﴿ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ ﴾

 

مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ

 أيْ من دون دليل، تقول: هذا ينفع، وهذا يضر، ولكن لا دليل لديك، أما الله عزَّ وجل فالكون كله يدلُّ عليه، الكون كله يشهد له بالألوهية والربوبية والخلق، أما هذا الإنسان القوي الذي تدعونني إلى أن أكون من أتباعه، فلما اتبعته جعلته إلهاً من دون دليل، قال:

﴿ تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ ﴾

 العلم يحتاج إلى دليل، العلم يحتاج إلى تعليل، الإله الذي ينبغي أن يُعْبَد هو الإله الذي يرى، والذي يسمع، والذي يستجيب للدعاء، والذي ينفع، والذي يضر، والذي يحفَظ، والذي ينصر، فهذا هو الإله الذي ينبغي أن تعبده، أما أنت تدعونني إلى إنسان ضعيفٍ مثلي فقيرٍ مثلي، جاهلٍ مثلي، يصبح مشلولاً لو جَمُدَت نقطة دمٍ في دماغه، أو لو جَمُدَت في مكانٍ أيِّ آخر، لذلك:

﴿ تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ ﴾

وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ

 خالق هذا الكون.

﴿ الْغَفَّارِ ﴾

1 ـ التوبة الصادقة تمحو الذنوب مهما عظُمت وكثُرت:

 الذي إذا عُدَّتَ إليه غفر لك ما مضى، دائماً الله عزَّ وجل يطمِّع المذنبين، مهما كانت ذنوبك.
 عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى:

(( يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلَا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ، لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلَا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً))

[ الترمذي ]

 دائماً وأبداً المذنب في بحبوحة.

 

﴿ نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(49) ﴾

 

( سورة الحجر )

﴿ قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ﴾

( سورة الزمر: من الآية 53 )

﴿ تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ ﴾

 أي لأعصيه.

 

﴿ وَأُشْرِكَ بِهِ ﴾

 أن أتكل على زيد أو عُبيد، أو فلان أو عِلاَّن، وأن أعطي هذا الإنسان صفات الألوهية ؛ بأنه ينفع أو يضر، يرفع أو يخفض، يعطي أو يمنع.

 

﴿ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ ﴾

2 ـ معنى العزيز:

 مَن العزيز ؟ قال بعض العلماء: الذي لا ينال جانبه، وقال بعضهم الآخر: الشيء العزيز هو الشيء النادر، الذي يندر وجوده، وتشدد الحاجة إليه، ويصعب الوصول إليه، أما إذا قلنا: إن الله عزيز أيْ هو واحدٌ لا شريك له، لا يندر، وهو واحد، لا يوجد غيره، و تشتد الحاجة إليه، هذا للشيء العزيز، أما إذا قلنا: إن الله عزيز، أي أن كل شيءٍ يحتاجه في كل شيءٍ، كل شيء على الإطلاق يحتاجه في كل شيءٍ ـ لا أعتقد أن هناك كلمة أوسع من هذه الكلمة ـ عزيزٌ واحد لا شريك له، الشيء العزيز النادر الذي يندر وجوده، لكننا وإذا قلنا: الله عزيز ؛ هو الواحد الأحد، وإذا قلنا: الله عزيز فهو الذي يحتاجه كل شيءٍ في كل شيء، وإذا قلنا: الشيء عزيز أي يصعب الوصول إليه، لكن إذا قلنا: إن الله عزيز، يستحيل أن تحيط به، يمكن أن تصل إليه، ولكنه يستحيل أن تحيط به.

﴿ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ ﴾

( سورة البقرة: من الآية 255 )

 أنا أدعوكم إلى العزيز، إلى خالق هذا الكون، إذًا: بين مجرتين تبلغ المسافة ستة عشر ألف مليون سنة ضوئية، إذا كان قلب العقرب يتسع للشمس والأرض مع المسافة بينهما، هذا هو العزيز، إذا كان في الفضاء الخارجي ثقب أسود لو دخلته الأرض لأصبح حجمها كالبيضة والوزن نفسه، منطقة ضغط هائلة، هذا هو العزيز الذي خلق هذا الكون.

 

﴿ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ ﴾

 

3 ـ الله عزيز غفَّار:

 قد يخاف الإنسان من قويٍّ، ويخشى أن يفتك به، لكن الله عزيز وقويّ، وهو مع ذلك غفار، أي رحيم، إن جئته تائباً غفر لك، إن جئته منيباً قَبِلَكَ، إن جئته مستغفراً غفر لك.

﴿ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ ﴾

4 ـ هنيئاً لمَن يميِّز بين دعوةٍ إلى النار ودعوةٍ إلى العزيز الغفار:

 لذلك أيها الإخوة، هنيئاً للأخ المميِّز الذي يميِّز بين دعوةٍ إلى النار ودعوةٍ إلى العزيز الغفار، بين دعوةٍ إلى الهلاك ودعوةٍ إلى النجاة، بين دعوةٍ تنتهي بصاحبها إلى جهنم، ودعوةٍ تنتهي بصاحبها إلى الجنة، بين دعوةٍ إلى الكمال ودعوةٍ إلى النقص، هذا هو الإنسان العاقل ؛ وهذا يفسّره الحديث الشريف: عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( فَقِيهٌ أَشَدُّ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنْ أَلْفِ عَابِدٍ ))

[ الترمذي، ابن ماجه ]

 الآية ملخصها: بينما أنت جالس إذ قال لك واحد: افعل كذا أو لا تفعل، فإياك أن تعطِّل عقلك، استعمل عقلك، هذا يدعونني إلى ماذا ؟ إلى كَسْبِ المال الحرام، ماذا بعد المال ؟ الموت، ماذا بعد الموت ؟ الحساب، ماذا بعد الحساب ؟ جهنم، إذاً: هذه الدعوة في ظاهرها إلى كسب المال، وفي باطنها دعوة إلى جهنم.
 دعاك أحدُهم إلى غض البصر، هذه دعوة صعبة في نظر الشاب غير المؤمن، لكن لو كانت الإرادة قوية، وأطعت الله في هذا الأمر، تحس بسعادة ما بعدها سعادة، لأنك أصبحت في رضوان الله عزَّ وجل، و عمل الجنة أيها الإخوة حزن بربوةٍ، وعمل النار سهل بسهوة، عمل النار سهل جداً، إنّ تفجير البارود لا يحتاج إلى ذكاء، فإذا ألقى شخص فيه عود ثقاب تجده انفجر ـ فالشهوات مثل البارود، فلما يغريك إنسان لاقتراف معصية، يدلك على فيلم ماجن، ويدلك على مجلة خليعة، يدلك على شخص تائه، أو على سهر ماجنة، فالقضية سهلة جداً، تفجير الغرائز عمل حقير، وعمل لا يحتاج إلى بطولة، ولكن ترويض النفس على طاعة الله يحتاج إلى عزيمة، فالداعية يحتاج إلى علم غزير، وإلى ذكاء، وإلى حكمة بالغة، وإلى جهد جهيد حتى يستطيع أن يسلك بإنسان طريقَ الإيمان، وقد يأتي إنسان آخر بدعوة مغرية فينقله إلى وادي جهنم، وهو لا يدري.
ومعلوم أنّ التخريب سهل والبناء صعب، فبناء الإنسان عمل عظيم أما إفساده فعمل سهل، فمثلاً من جلسة واحدة أصبح مدمن مخدرات.
 وبمناسبة ذكر المخدرات، فهي أنواع، منها ما يجعل المرء مدمنًا من شمة واحدة يشمّها، ولذلك عُدِّل القانون فأصبح الحكمُ إعدامًا، من يتَّجر بالمخدرات فحكمه إعدام، قد يكون طفلا بريئًا، قد يكون شابا بريئًا، يعطيه دخينة فيها حشيش مرتين فيصر مدمنًا، وصار يسرق، وصار يقترف جرائم لكي يؤمِّن المخدِّر بشكل مستمر، فالإفساد سهل، أما البطولة ففي البناء ؛ أن تبني إنسانًا مؤمنًا، تسلكه طريقَ الإيمان، تسمو بنفسه، هذه البطولة، فكل إنسان يسهم في ترسيخ الإيمان، ترسيخ الفضائل فهذا عمل من أعمال الأنبياء، قال تعالى:

﴿ وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي(41)اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي(42) ﴾

( سورة طه )

 ومن ثَمّ فإني أقول: هنيئاً لكل إنسان يسهم في بناء الإيمان في نفوس البشر، فأنت شاب طالب علم، من روَّاد مسجد معيَّن، لك منهج ديني، لك مصدر علم، تقرأ القرآن، حولك أصدقاء، حولك أقرباء، حولك صغار، كبار، جيران، أخ أكبر، أخ أصغر، لمَ أنت ساكت ؟ ادعُ إلى الله، وساهم في بناء النفس البشرية، ابْنِ نفوس الذين حولك بناء صحيحًا واذكر أنه مَن يعمل مثقال ذرة خيرا يره.

 

﴿ لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ ﴾

 

لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ

1 ـ لا تَدْعُ مَن لا يستجيب لك:

 العلماء فسروا كلمة ( الدعوة )، أيْ ليس له استجابةُ دعوةٍ، قال القرطبي: " ليس له استجابة دعوة "، فإذا اتجهت لغير الله عزَّ وجل، لجهة، أو لإنسان قوي، وكنت في مأزق، وأنت بعيدٌ عنه، وليس هناك هاتف، تقول له: يا فلان، فهل يستجيب لك ؟ فإذا كان الشخص في الصحراء، وعلى مشارف الموت عطشاً، وله شخص مركزه قوي في العاصمة، اسمه مثلاً سعيد، قال له: أين أنت يا سعيد، أين أنت يا سعيد ؟ أين أنت يا سعيد ؟ فليس من مجيب، لكن إذا قلت: يا الله، فهذا شيء آخر، لأن الله معك دائماً، ليس له دعوةٌ، ليس له استجابة دعوة، أنت بالأزمات هذا الذي تدعوه من دون الله قد لا يكون معك، وإذا كان معك قد لا يسمعك، وإذا سمعك قد لا يستجيب لك، لكنك إذا كنت مع الله، فهو معك أينما كنت، وهو يسمع دعاءك قبل أن تتلفَّظ به.

2 ـ لا تَدْعُ مَن ليس له موجبات الألوهية:

 وهناك معنى آخر لطيف: ليس له دعوةٌ، أي ليس له موجبات الألوهية، الإله الذي ينبغي أن تعبده ينبغي أن يكون خالق الكون، ينبغي أن يكون رب العالمين، ينبغي أن يكون واحداً في ألوهيَّته، واحداً في ربوبيَّته، واحداً في ذاته، واحداً في صفاته، واحداً في أفعاله يستجيب لك، ويستمع إليك، ويعلم ما في قلبك، الكون كله بيده، الناس كلهم بيده، خلاياك بيده، قلبك بيده.
 المعنى الأول: ليس له استجابةُ دعوةٍ، أي لو دعوته لا يستجيب لك.
 والمعنى الثاني: ليس له موجبات الألوهية، فأنت إنسانًا لا ينبغي ألاّ تعبد إلا الله خالق الكون، رب العالمين، المسيِّر، السميع، العليم، القادر، المريد، الحيّ، القيُّوم، القديم، الأزلي، الذي يرفع ويخفض، ويعطي ويمنع، ويبسط ويقبض، ويعز ويذل، ويمرض ويشفي، أما الذي ليس دعوةٌ في الدنيا، أي ليس له استجابة دعوةٍ، أو ليست له موجبات الألوهية فلا ينبغي أن تدعوه.
 ومعنى: لا جرم: أي لا شك.

﴿ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ ﴾

وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ

 نحن جميعاً مردنا إلى الله، فالذي عرفه في الدنيا يسعد بهذه المعرفة، أما الذي غفل عنه في الدنيا فيشقى بهذه العودة إلى الله، يقول له:

﴿ أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (60) وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (61) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (62) هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ (63) اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ (64) ﴾

( سورة يس )

 فلذلك هذه الدعوة هي موجبات الألوهية.

﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾

وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ

مَن هو المسرف ؟

 من أوجه معاني هذه الآية: المسرف من تجاوز الحد، نظر إلى زوجته، فهذا من حقه، أما إذا نظر إلى أختها فهو تجاوزٌ للحد، أكل المال الحلال من حقه أما الحرام فليس من حقه، فالإنسان بكل حركاته إما أن يبقى على منهج الله، أو أن يتجاوز، والتجاوز هو الذي يُردي ويشقي.

﴿ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ ﴾

 ثم يقول مؤمن آل فرعون رضي الله عنه وأرضاه:

﴿ فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ ﴾

فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ

 هذه النقطة دقيقة جداً، أيْ أنّ هذا الذي أقوله لكم، إن صدّقتم به فقد أفلحتم، وإن كذَّبتموه فسيأتي يومٌ تصدقون به.
 إذاً: كما أقول لكم دائماً: القضية قضية وقت، قضية الإيمان ليس قضية أن تؤمن أو ألاّ تؤمن، إنما هي قضية متى تؤمن ؟  لأنه لا بد من أن تؤمن ولو بعد فوات الأوان.

﴿ فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ ﴾

 يبدو أنهم هدَّدوه بالقتل، فقال:

 

﴿ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ﴾

 

وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ

 بصير بنياتي، بنيَّتي الحسنة، وبإخلاصي لكم، واستقامتي على أمره، وهو الذي يحفظني منكم.

لابد أن تثق بوعد الله:

 بالمناسبة إذا لم يطمئن الإنسان إلى وعد الله فهذا نقصٌ في إيمانه، فأحياناً يكون الإنسان مستقيمًا، ولكن إيمانه بالله ضعيف فيخاف، يخاف خوفًا غير طبيعي، خوفًا مرضيًا، فهذا الخوف عقابٌ له على ضعف إيمانه، لو أنه قوَّى إيمانه ما خاف هذا الخوف، لأن الله يعدك بالنصر، ويعدك بالحفظ، ويعدك بالتوفيق، وأنت لا تصدقه !! أنا أقول هذا لمن يستقيم على أمر الله ويخاف، فالله عزَّ وجل قال:

﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾

( سورة الجاثية: من الآية 21 )

 وأنت مستقيم بحسب معلوماتك، وتخاف أن تعامل كما يعامل الكافر ! معنى ذلك أنك لا تصدق الله عزَّ وجل.
 هناك نقطة دقيقة وهامة: لمّا يطمئِن ربنا عزَّ وجل المؤمنَ ويعده بالحفظ، والتأييد، والنصر، والتوفيق، ويقول له:

 

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(97)﴾

 

( سورة النحل )

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ(30)﴾

( سورة فصلت )

﴿ فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى( 123 )﴾

( سورة طه )

 كل هذه الآيات المُطَمْئِنَة المبشِّرة، ثم أنت تخاف خوفاً مَرَضياً من أن تعامل كما يعامل الكافرون ! هذا ضعفٌ في إيمانك، وهذا الخوف الذي تعاني منه هو جزاء ضعف إيمانك، لذلك فالنبي عليه الصلاة والسلام كانت لا تزلزله الأزمات الخطيرة، لأنه واثقٌ برحمة الله، واثقٌ بنصر الله، في آخر حياته أعطوه دواءً بمرض ذات الجَنب، فغضب النبي أشد الغضب وقال:

((ذاك مرضٌ ما كان الله ليصيبني به))

 فأنا استنبطت من هذا الحديث أن المؤمن غالٍ على الله عزَّ وجل، فلا يظن المؤمن أنه هيِّن على الله، فيعامل كما يعامل الفساق والفجار والمنحرفون، فأنت مؤمن، كما أنك تحرص على رضاء الله فالله عزَّ وجل يشكر لك هذا الحرص، ويحفظك ويؤيدك وينصرك ويأخذ بيدك، ويرزقك، وينصرك على عدوك ولا يتخلى عنك.
 وعندما هددوه بالقتل، قال:

 

﴿ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ﴾

 الله موجود والأمر بيده، وأنتم في قبضته، وأنا لا أخافكم، لكني أخافُ اللهَ.

 

 

﴿ وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ(82)﴾

 

( سورة الأنعام )

 الأمن أكبر نعم الله عز وجل، ونعمة الأمن خاصة بالمؤمن.

﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ(81)الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ(82)﴾

( سورة الأنعام )

 ومن ثمّ فإني أدعوكم قائلاً: الحياة الدنيا مليئة بالمفاجآت، مليئة بالمحن والمصائب، مليئة بالأخطار، فالإنسان إذا ظن أنه يعامل كما يعامل أهل الدنيا العصاة الفسَّاق يكون قد أساء الظن بالله عزَّ وجل، يكون ما صَدَّقَ بآيات الله، المؤمن الصادق يطمئن لوعد الله، ويطمئن لتبشير الله له، يطمئن بما في القرآن من آياتٍ مطمئنةٍ، هذا هو القول الثابت كما قال الله عزَّ وجل:

 

﴿ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾

 

( سورة إبراهيم: من الآية 27 )

فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا

 فجاء الجواب:

﴿ فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا ﴾

 مكروا.

 

﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ(46)﴾

 

( سورة إبراهيم )

﴿ فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ ﴾

ماذا حلَّ بفرعون وآله ؟ وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ

 ادرسِ التاريخ، اقرأ القرآن، تجد أن الحق والباطل إذا اصطرعا فالعاقبة لأهل الحق، وللباطل الخزي والعار أبدًا، وأيّ نبي، أيّ دعوةٍ مخلصة لله عزَّ وجل، فالذين يقفون ضدها ليطفئوها يبوءون بالإخفاق والخزي والعار، والذين يدعمونها فالله جلَّ جلاله ينصرهم ويؤيدهم، هذا دين الله، وهذه دعوة الله، وكل مَن وقف في سبيلها قصمه الله، وكل من دعمها وأعانها وفَّقه الله عزَّ وجل، قال:

﴿ فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا ﴾

 أيْ فهل يستقيم لعقلك أن تعبد الله، ثم لا يحميك من أعدائك ؟ هكذا ظنك بالله عز وجل ؟

 

﴿قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى(45)قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى(46)﴾

 

( سورة طه )

 معقول أن يتخلى الله عنك ؟ فأنت تعبده، وتستقيم على أمره، تخاف أن يغضب، تنفق المال في سبيله، تطلب العلم من أجله ويتخلى عنك، وتعامل كما يعامل أهل الدنيا ؟ هذا سوء ظنٍ بالله عزَّ وجل، قال:

﴿ فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ ﴾

 ما هو سوء العذاب ؟

 

﴿ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ﴾

 

النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا

 أيْ في اليوم مرتان، آل فرعون يعرضون على النار من ستة آلاف عام كل يوم مرتان، غدوا وعشياً، وإلى يوم القيامة، هذا كلام رب العالمين، والنبي الكريم قال في بعض الأحاديث:

(( المؤمن يعرض عليه مقامه في الجنة غدواً وعشياً ))

[ ورد في الأثر ]

 كل يوم مرتان، لذلك قالوا: القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران.
 إذا كان واحد محكومًا بالإعدام، وسمع صوت مفتاح بالباب يسقط أرضًا، جاءوا ليأخذوني، إذا فتحوا الباب كل يوم مرتين يتصور كل مرة أنهم سيعدمونه، فإذا أخروه عشرة سنوات، وكل يوم فتحوا عليه الباب مرتين فماذا يحدث له ؟ تجده كل يوم يموت الميتة تلو الميتة، بينما هي موتةٌ واحدة، فانتظار العقاب أصعب أحوال النفس.

 

﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ(45)النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾

 

وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ

1 ـ اغتنم وقتك في الطاعة:

 أيها الإخوة، هذه اللحظة الراهنة، والإنسان قد لا يقدِّر تبعاتها، فأنت الآن حي ترزق، في هذه اللحظة لو اقترف الإنسان معصية، أو لو فعل طاعة يبنى على هذه اللحظة إما سعادة أبدية أو شقاء أبديّ، فكل إنسان لا يقَدِّر قيمة الوقت مخطِئ، إذْ هو أهمّ ما تملك، لأنه وعاء العمل الصالح، فالإنسان بلحظة ما إما أن يكون في طاعة أو في معصية، إما في طلب العلم أو في طلب الجهل، إما في القُرب من الله، أو في بعد عنه، إما في الإحسان أو في الإساءة، إما في العبادة أو في الشهوة، إما مع الخير أو مع الشر، إما مع العقل أو مع اللاعقل، اللحظة الراهنة يبنى عليها حياة أبدية سعيدة أو شقاء أبدي.

2 ـ فرعون وقف موقف الكفر:

 فرعون وقف موقف الكفر، قال تعالى:

﴿ فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى(24) ﴾

( سورة النازعات )

﴿ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ﴾

 سحرة فرعون قالوا: آمنا برب هارون وموسى، هذه اللحظة التي آمنوا بها أسعدتهم إلى أبد الآبدين، فالإنسان قضية موقف عقلاني وإرادة قوية، إما أن يسعد وإما أن يشقى.

 

﴿ وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ ﴾

 

وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا

 الآن المشكلة في النار.

﴿ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا ﴾

مَن هم المستكبرون ؟

 مَن الذين استكبروا ؟ هم الذين استكبروا عن طاعة الأنبياء، واستكبروا على دعوة الأنبياء، هؤلاء الأتباع الضعفاء هم الخط العريض بالمجتمع، أيْ يشكلون الطبقة الدنيا، ففي كل مجتمع تجد أقوياء وأغنياء، وموجهين، وهناك أناس أتباع، الضعفاء هم الأتباع، هؤلاء الضعفاء الذين اتَّبعوا الأقوياء ولم يتبعوا الأنبياء، هؤلاء في النار يتحاجّون فيما بينهم وبين الأقوياء الكبراء:

﴿فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنْ النَّارِ﴾

إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنْ النَّارِ

لا يغني أحدٌ عن أحد يوم القيامة:

 أكبر خطأ في العقيدة أن يتوهم الإنسان أن هذا القوي الذي تطيعه وتعصي الله عزَّ وجل من أجله بإمكانه أن ينجِّيك من عذاب النار، والدليل هذه الآية:

﴿ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ ﴾

قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ

1 ـ التابع والمتبوع من الكفار سواء في النار:

 نحن معكم حضور، فما ذنب الضعفاء ؟ هنا السؤال، الجواب ليس له علاقة بالسؤال.

﴿ وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا ﴾

 في الدنيا.

 

﴿ فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنْ النَّارِ ﴾

 يعني هل بإمكانكم أن تمنعونا وتحمونا من عذاب النار ؟

 

 

﴿ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا ﴾

 نحن أيضاً معكم قاعدون، ماذا يقصدون ؟ لو أنه بإمكاننا أن نحميكم من هذا العذاب لحمينا أنفسنا، فإنْ عجزنا عن حماية أنفسنا من هذا العذاب فلأن نكون أعجز عن أن نحميكم منه من باب أولى، نحن أعجز عن أن نحميكم من عذاب الله، لأننا معكم في النار.

 

 

﴿ إِنَّا كُلٌّ فِيهَا ﴾

 

2 ـ الضعفاء عطَّلوا عقولهم واتبعوا الأقوياء:

 فما ذنب الضعفاء إذاً ؟ ذنب الضعفاء أنهم عطَّلوا عقولهم، وتوهَّموا في الدنيا أن هؤلاء الأقوياء يمنعونهم من العذاب، هذه الآية دقيقة المغزى جداً، الجواب رائع.

﴿ إِنَّا كُلٌّ فِيهَا ﴾

 نحن معكم، فإذا كان بإمكاننا أن نمنع عنكم عذاب النار نمنعه عن أنفسنا من باب أولى، هذه واحدة.
 لكن ما ذنب الضعفاء الذين اتبعوا الأقوياء ؟ ذنبهم أنهم عطَّلوا عقولهم، وتوهَّموا أنهم ما داموا أقوياء في الدنيا، فسوف يحمونهم في الآخرة، فخاب ظنُّهم. إذاً مَن هو العاقل ؟ هو الذي يعرف الحقيقة قبل أن يكشفها الواقع، يعرفها بفكره قبل أن يكشفها الواقع عملياً.

 

﴿ وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنْ الْعَذَابِ(49)قَالُوا أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ(50)﴾

 

قَالُوا أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى

1 ـ إقامة الحجة على الكافر بكل أنواعها:

 إذاً الحجة مُقامة، الكون يشهد، والعقل يشهد، والفِطرة تشهد، والواقع يشهد، والشرع يشهد، والأنبياء تشهد، والعلماء يشهدون، وكل ما في الكون ينطق بوجود الله، وينطق بسعادة من يؤمن ويستقيم وشقاء من يكفر وينحرف، قال:

﴿قَالُوا أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾

2 ـ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ

 هذا الدعاء لا يقَدِّم ولا يؤخِّر، وأصعب شيء في الحياة أن تصل إلى طريقٍ مسدود، وأنا أُشَبِّه هذا الذي يرتكب جريمة قتل، ويحكم عليه بالإعدام، ويساق ليشنق، قبل أن يشنق الحكم مبرم من محكمة النقض، مصدق من رئيس الدولة، والتنفيذ لا بد منه، هذا الطريق المسدود، فإذا أحببت أن تضحك، أو تبكي، أو ترجو، أو تتوسل، أو تطلب فلن يفيدك شيء، ولا بد من تنفيذ الحكم، فأنت سقت نفسك إلى طريق مسدود، لذلك فالعاقل دائماً يحرص على ألاّ يصل مع الله إلى طريقٍ مسدود، فقد مات كافرًا، وقُضي الأمر.

﴿ إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ ﴾

 أما العاقل فإنه يستخدم العقل ويقول: هذه دعوةٌ إلى النار، وهذا الذي يدعوني لا ينجِّيني.
 مرة قلت لكم: عندما قال الحسن البصري لوالي البصرة ـ واليها ليزيد ـ جاءه أمر محرج، قال للحسن: ماذا افعل، إن أطعتُ يزيد أغضبت الله، وإن أطعتُ الله أغضبت يزيد ؟ فقال له الحسن القضية سهلة: " إن الله يمنعك من يزيد، ولكن يزيد لا يمنعك من الله ".
 إذا أطاع إنسان شخصًا فاجرًا، واستحق غضب الله، وأصابه مرض خبيث، فماذا ينفعه الفاجر ؟ يبعث له باقة ورد، وإذا مات يذهب لتعزية أهله، وانتهى الأمر، هل بإمكانه أن يفعل فوق ذلك ؟ لا، لن يمنعه من الله، لكن إذا كان الشخص مع الله، والناس كلها غضبوا منه، فالله يحميه منهم كلهم، كن مع الأقوى، كن مع الفعَّال، ولا تكن مع القوَّال، الإنسان قوَّال.
 ثم يقول الله عز وجل في الآية، وهي تأتي تاج القصة:

﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ ﴾

إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ

النصر المعنوي والنصر المادي:

 أيْ أيها المؤمن العاقبة لك، والنصر لك، العلماء فسروا النصر إما أن حجج المؤمنين تعلو، وأفكار المؤمنين تظهر، وأن الدعوات الأخرى تسقط، والآن ألست ترى أن مذاهب دنيوية سقطت، وأصبحت في الوحل، دعت إلى الإلحاد سبعين عاماً، ثم سقطت في الوحل، أليس الدين الآن هو الأساس في الحياة ؟ هذا نصر، ولكنه نصر غير مادي، بل نصر معنوي، نصر الله عزَّ وجل المؤمنين بأن تظهر حججهم، أن يغدو دينهم هو الحق الأوحد، والنصر الثاني أن ينتقم من أعدائهم، على كلٍ فأنت منصور مرتين مرة بأفكارك ومرة بالقوة المادية.

﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا ﴾

 هذا قانون، كلام خالق الكون قانون.

﴿ وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ(139) ﴾

( سورة آل عمران )

 فلا تهنوا في ابتغاء القوم، فأخطر مرض يصيب المؤمن الضعف، الاستكانة، الخنوع، القنوط من رحمة الله.

 

﴿ وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ(139)﴾

 

﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ ﴾

 في الدنيا والآخرة، الله هو الحق، ولا بد من أن يظهر الحق، كن مع الحق ولا تبالِ.

﴿ يَوْمَ لَا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ ﴾

يَوْمَ لَا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ

 فالظالم تكون قوته بكلامه، يوم القيامة:

﴿ الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ ﴾

( سورة يس: من الآية 65 )

 فليس له أن يتكلم بكلمة ما.

 

﴿ يَوْمَ لَا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمْ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ﴾

 

وَلَهُمْ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ

 اللعنة هي البُعد، وسوء الدار هي جهنَّم، وهذا مشهدٌ من مشاهد يوم القيامة، النقطة الأساسية فيه ألاّ أتباع يومئذٍ، المتبع أحمق، كل إنسان يتبع القوي، ويدَع الحق، ويدَع دعوة الله، ويتوهم أن هذا القوي قوي في الدنيا والآخرة فهو أحمق، قد يكون قويًا في الدنيا، أما في الآخرة فلا يستطيع أن يفعل شيئاً، وأجاب الله سبحانه عنهم إجابة رائعة إذ قالوا بلسانهم:

﴿ إِنَّا كُلٌّ فِيهَا ﴾

 نحن معكم وفي العذاب مشتركون، لو بالإمكان أن ننجيكم لنجَّينا أنفسنا، إذاً فما ذنبكم ؟ ذنبكم أنكم توهَّمتم أن القوي يحميكم، لكن القوي لا يحميكم.

 

خلاصة الدرس:

 

 لا إله إلا الله، وأيها الإخوة، عليكم بطاعته، وأنتم بين دعوتين ـ محور الدرس ـ دعوةٍ إلى النجاة ثم إلى الجنة، ودعوةٍ إلى الشقاء، ثم إلى النار، وهذه الدعوة الخاصة بالنار لها مظهر براق، كأن تكون الدعوة أحياناً صفقة تجارية، بضاعةً محرمة، يقول لك: أنت مجنون ؛ فربحُ القرش قرشان، يغريك بالربح، يقول لك: كن مع فلان رأساً تعلو، فدعوة النار دعوة مُبَطَّنه ؛ النار في داخلها، لكن في ظاهرها مال، مكانة علية، مكتسبات، بيت فخم مثلاً، دعوةٌ إلى الدنيا، ولكن على أساس مخالفة منهج الله عزَّ وجل، إذاً هي دعوةٌ إلى النار.
 فمحور الدرس إذًا: هناك دعوة إلى الله ودعوةٌ إلى النار، وأن التابعين لا يغنيهم أتْباعُهم من الله شيئاً.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018