ندوات مختلفة - تركيا : 10 - مؤسسة زيد بن ثابت اسطنبول - من آثار اتباع الهدى في القرآن الكريم. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

ندوات مختلفة - تركيا : 10 - مؤسسة زيد بن ثابت اسطنبول - من آثار اتباع الهدى في القرآن الكريم.


2020-11-05

 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

من لوازم الدعوة محبتنا لبعضنا البعض :

 أيها الأخوة الكرام ؛ قبل أن أبدأ أتصور أن العلماء الربانيين في دائرة واحدة ، لأنهم على مستوى معقول جداً من كل فروع الإسلام ، إلا أن بعضهم تفوق في السيرة ، وبعضهم في الحديث ، وبعضهم في الدعوة ، هذا التفوق يشار إليه بمثلث على محيط هذه الدائرة ، اجتهادي المتواضع هذه المثلثات تفوق العلماء ، هذا بالفقه ، هذا بالدعوة ، هذا بالإعجاز ، هذا بالتوحيد ، هذا بالعقيدة ، هذه المثلثات متكاملة فيما بينها ، ومع الأسف الشديد الطرف الآخر يتعاونون تعاوناً مذهلاً ، وبينهم خمسة بالمئة قواسم مشتركة ، وأحياناً أهل الحق لا يفعلون هذا ، أحياناً يكون هناك تنافس ، فأنا أقول : كلما آثر بعضنا بعضاً ، وكلما تواضع بعضنا لبعضٍ كبرنا في عين الناس جميعاً .
 تصور هدفاً واضحاً وله طريق واحد ، فإذا سار داعيان على هذا الطريق اللقاء حتمي قطعاً ، هدف واحد ، طريق واحد ، فإذا لم يكن هناك لقاء يكون واحد منهم لا يمشي على هذا الطريق ، هذه ملاحظة .
 الآن : الحب ، والاحترام ، والود ، والشوق ، والتقدير ، لا يمكن أن تكون من طرف واحد ، الدليل :

﴿ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾

[ سورة المائدة: 54]

 فمحبتنا لبعضنا بعضاً هذه من لوازم الدعوة ، وحينما نتعاون ، ونتناصح ، ونتزاور نرتقي عند الناس جميعاً ، فإذا تنافسنا لعلنا نسقط من عين الناس جميعاً ، فالبطولة أن نتعاون وكل واحد الله آتاه شيء ، فالمثلثات متكاملة ، الدائرة العلماء كلهم على حد معقول جداً من كل فروع الدين ، هذا تفوق بالإعجاز ، هذا بالسيرة ، هذا بالفقه ، الفقه الحنفي ، الشافعي ، بالعقيدة، بالدعوة إلى الله ، بالعمل الصالح .

على كل إنسان إدراك مسؤوليته :

 لذلك أيها الشباب الكرام ؛ يا طلاب العلم ! معنا عالم رباني جليل ، وداعية كبير ، فضيلة الشيخ سارية الرفاعي حفظه الله ورعاه ، لكن كلمتي هذه موجهة أيضاً إلى كل شاب وشابة شردا عن الله ، قد تنشأ بمكان آخر ، يعيشان شبابهما بالمعنى السلبي ، وموجهة أيضاً إلى كل شاب وشابة غافلين لم يستفيقا بعد من وحول الشهوات ، وموجهة أيضاً إلى كل شاب وشابة أطلقا لشهواتهما العنان ، ويبحثان الآن عن مخرج مما هم فيه إلى الواحد الديان ، وموجهة أيضاً إلى كل شاب صالح ، وشابة صالحة يسعيان لإعفاف نفسيهما ، ويدركان خطورة الشهوة المحرمة عليهما ، وموجهة أيضاً لكل أب وأم يدركان المسؤولية الكبيرة لتربية أولادهم ، وموجهة أيضاً إلى كل معلم ومعلمة ، يعنيهما واقع هذا الجيل المتفلت من منهج الله ، بسبب سُعار الشهوات ، والتفلت من منهج رب الأرض والسماوات ، وأن المرأة الشاردة عن الله تعرض كل مفاتنها في كل مكان وزمان ، وفي أي مجال .
 مرة كنت في مراكش ، ألقيت محاضرة ، أخوات كريمات كلهن محجبات ، خطر في بالي أن المرأة المحجبة إن كانت أكبر منك كوالدتك ، وإن كانت في سنك كأختك ، وإن كانت أصغر منك كابنتك ، المرأة المحجبة هي أم ، أو أخت ، أو بنت ، أما المتفلتة فتصير أنثى ، ما الدليل ؟

﴿ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ﴾

[ سورة هود: 78]

 ليس من صلبه ، نساء أخوان سيدنا لوط :

﴿ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ﴾

[ سورة هود: 78]

 فالمرأة المحجبة أم ، أخت ، بنت ، المتفلتة أنثى .
 لذلك المرأة التي شردت عن الله تعرض كل مفاتنها في كل مكان وزمان ، وفي أي مجال في الصحيفة ، في المجلة ، في الانترنيت ، وفي الفضائيات ، وأنا لي كلمة لكن طريفة : لا تأخذوا دينكم عن الفضائيات ، خذوا دينكم عن الأرضيات .
 لذلك إلى هؤلاء جميعاً حضوراً ، ومستمعين ، ومشاهدين ، ومتابعين أوجه هذه الكلمة .

بطولة الإنسان أن يحبه من حوله بقدر ما يخافه :

 الآن الله سبحانه وتعالى يصف أنبياءه العظام أنهم يعبدون الله :

﴿ رَغَباً وَرَهَباً ﴾

[ سورة الأنبياء: 90]

 كلام دقيق جداً ، بطولتك كداعية ، أو كأب ، أو كمدير دائرة ، من الخفير إلى الأمير، من حولك أن يحبوك ، وأن يخافوا منك في وقت واحد ، وهذا ليس شيئاً سهلاً ، هناك محبة متفلتة ، سبهللة ، وهناك شدة لا تحتمل ، من حولك كأب ، كأم ، كمعلم ، كمدرس، كأستاذ ، كرئيس دائرة ، كوزير ، من الخفير إلى الأمير ، لابد من أن يحبك من حولك ، وفي الوقت نفسه يخافوا منك ، هذا الوضع الوسطي يحتاج إلى جهد كبير .
 لذلك هذه يحتاجها الأب ، الابن يجب أن يحب والده ، أو يحب مدرسه ، أو يحب شيخه ، يحب أي قيادة ، في الوقت نفسه يخاف منه ، هذا يستنبط من قوله تعالى :

﴿ تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾

[ سورة الرحمن: 78 ]

تحبه بقدر ما تخافه ، أو تخافه بقدر ما تحبه .

الفرق بين الفلاح والنجاح :

 نقطة مهمة جداً : لم ترد كلمة نجاح إطلاقاً في القرآن الكريم ، أما النجاح فقد يكون بالمال ، بيل غيتس يملك ثلاثة وتسعين ملياراً ، أبل يملك سبعمئة مليار ، هذا نجاح ، يوجد رئيس وزراء ياباني حكم سبعين سنة ، يوجد منصب رفيع ، مال وفير ، علم غزير ، لذلك هذه القوة إذا كان طريق القوة سالكاً وفق منهج الله يجب أن تكون قوياً ، لأن خيارات القوي في العمل الصالح لا تعد ولا تحصى ، مادام علة وجودك العمل الصالح ، فالقوي له خيارات بالعمل الصالح كبيرة جداً ، من هو القوي ؟ قوة المال ، وقوة العلم ، وقوة المنصب ، قوة المال تعمل مثلاً تعليماً شرعياً ، تعمل مأوى عجزة ، تعمل وجبات غذائية ، وقوة العلم ؛ تلقي دروساً تنير للأخوة الكرام طريقهم ، وقوة المنصب ؛ بتوقيع تحل مشكلة ، فإذا كان طريق القوة سالكاً وفق منهج الله يجب أن تكون قوياً ، لأن خيارات القوي بالعمل الصالح لا تعد ولا تحصى ، ولأن علة وجودنا في الدنيا العمل الصالح ، لمَ سميّ صالحاً ؟ لأنه يصلح للعرض على الله ، ومتى يصلح؟ إذا كان خالصاً وصواباً ، خالصاً ما ابتغي به وجه الله ، وصواباً ما وافق السنة .
 لذلك البطولة بالفلاح لا بالنجاح ، بيل غيتس نجح ، أبل نجح ، الذي حكم اليابان سبعين سنة نجح ، أما الفلاح ، دقق النجاح أحادي ، والفلاح شمولي ، أتصور أن الفلاح هو أن تنجح مع الله معرفة ، وطاعة ، وعبادة ، وتقرباً ، ودعوة ، وأن تنجح مع نفسك في صحتك، وفي نشاط عضلاتك ، وفي تناول غذائك ، أن تنجح في بيتك ، اخترت زوجة صالحة ، أولاداً أبراراً ، بنات محتشمات ، وأن تنجح في عملك ، نجاحك مع الله ، مع نفسك ، ومع الله ، وفي بيتك ، وفي عملك ، هذا اسمه فلاح ، ولم ترد كلمة نجاح إطلاقاً .

﴿ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾

[ سورة البقرة: 5]

 الآن ؛ كل واحد منا إذا كان سمع ثناء من شخص كبير يفرح ، مثلاً : لو أن طفلاً عقب العيد التقى بخاله ، قال له : معي مبلغ عظيم ، كم تقدرونه بالأردن ؟ مئة دينار ، عنده خالان ، وعمان ، وعمة ، وابنة عمته ، أي مئة دينار ، إذا قال مسؤول كبير بالبنتاغون : أعددنا لحرب العراق مبلغاً عظيماً ، تقدره بمئي مليار ، فإذا قال الله عز وجل :

﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾

[ سورة النساء: 113 ]

(( ابن آدم اطلبنِي تجدني ، فإذا وجدتني وجدت كل شيء ، وإن فتك فاتك كل شيء ، وأنا أحب إليك من كل شيء ))

[ تفسير ابن كثير]

الشاب هدفه أكبر منه دائماً :

 أنا الآن أمامي شباب ، اسمحوا لي فقط أن ألقي نظرة على الشباب ، من هو الشاب؟ أنا باجتهادي المتواضع هناك اختيار بالمعنى السلبي بالأربعين سنة ، وهناك شاب بالتسعين سنة، ما دام لك هدف أكبر منك فأنت شاب دائماً ، ما دام هدفك فقط بيتاً ، وامرأة ، ووظيفة ، باختيار قليل بالأربعين ، وهناك شاب بالخامسة والتسعين ، الشاب هنا هدفه أكبر منه .
 الآن يوجد تعليق ، أدق : لماذا الله جعل نفسنا لا نهائية ؟ الآن شخص اشترى بيتاً فخماً ، بعد أسبوعين أو ثلاثة يصبح عادياً ، قبل الزواج رأى أن الزواج شيء كبير ، يستنتج أن الزواج عادي ، اشترى مرسيدس 600 وليس 120 ، بعد شهر عادي ، بيت ، سيارة ، زواج ، شركة ، كله عادي ، أي الله ما سمح للدنيا أن تمدك بسعادة مستمرة ، متنامية ، مستحيل ، مستمرة ، مستحيل ، بل متناقصة ، من محبة الله لنا ما سمح لهذه الدنيا أن تمدنا بسعادة مستمرة بل متناقصة ، فلذلك : ما من شيء أحب إلى الله تعالى من شاب تائب ، وإن الله ليباهي الملائكة بالشاب التائب ، يقول : انظروا عبدي ترك شهوته من أجلي .
النبي الكريم يقول :

(( إن الله عز وجل ليعجب من الشاب ليست له صبوة ))

[أبو يعلى والطبراني والإمام أحمد عن عقبة بن عامر]

 لا يوجد عنده شهوة فيها معصية ، واضحة تماماً ؟ لذلك :

﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾

[ سورة المؤمنون: 1 ]

 الفلاح غير النجاح ، الفلاح أي عرفت الله ، عرفت ربوبيته ، ألوهيته ، منهجه ، طبقت منهجه ، دعوت إليه ، هذا جانب ، الآن أنت اصطلحت مع نفسك ، خضعت لمنهج الله، عندك أولاد صالحون ، عندك عمل مقبول ، الله قال :

﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾

[ سورة المؤمنون: 1 ]

 أفلح فلاحاً .

إعراض المسلم عن اللغو والكلام الفاحش :

﴿ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ﴾

[ سورة المؤمنون: 2 ـ 3 ]

 من أجمل ما قرأت معنى اللغو ؛ كل شيء ما سوى الله لغو ، السهرات ، الأخبار السلبية ، تقف ؟ لا تستطيع أن تقف ، لا يوجد خبر سار الآن ، ورد بالأثر النبوي :

(( تمتلئ الأرض ظلماً وجوراً ، حتى يأتي أخي عيسى فيملؤها قسطاً وعدلاً ))

 لذلك الله عز وجل قال :

﴿ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ﴾

[ سورة المؤمنون: 3 ـ 6 ]

 يا الله ! الآن اسمع مليون انحراف جنسي ، بكلمة واحدة :

﴿ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ ﴾

[ سورة المؤمنون: 7 ]

 انظر إلى الأدب ؟ لا يوجد بالإسلام كلام إباحي إطلاقاً ، إله يعلمنا .

﴿ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ ﴾

[ سورة المؤمنون: 7 ]

 كل الانحرافات بالعلاقات :

﴿ وَرَاءَ ذَلِكَ ﴾

[ سورة المؤمنون: 7 ]

 والله عز وجل ضمن :

﴿ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ ﴾

[ سورة الأحزاب: 35 ]

 والحديث :

(( مَنْ يَضْمَنْ لِي ما بين رجليه ، وما بين لِحْيَيه ))

[البخاري والترمذي عن سهل بن سعد الساعدي]

 فكيه ، الإنسان كلمة أحياناً لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم سبعين خريفاً ، إذا قلنا لأحدهم : أنت أخلاقي لأنك ضعيف ، ضعيف لأنك أخلاقي ألغيت الدين كله بهذه الكلمة ، إن الرجل ليتلكم بالكلمة لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم سبعين خريفاً .

(( مَنْ يَضْمَنْ لِي ما بين رجليه ، وما بين لِحْيَيه أَضْمَنْ له الجنة ))

[البخاري والترمذي عن سهل بن سعد الساعدي ]

 وإن الإنسان ليتلكم بالكلمة لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم سبعين خريفاً ، الملخص : من ضبط لسانه فلم ينطق بالباطل ، وضبط دخله فلم يأكل من حرام ، وضبط شهوته فاختار الحلال الذي تحلو به النفس .

الشهوات قوة مدمرة أو قوة دافعة :

 أخواننا الكرام ؛ كلامي أرجو أن يكون دقيقاً : بالإسلام لا يوجد حرمان ، ما من شهوة أودعت بالإنسان إلا جعل الله لها قناة نظيفة طاهرة تسري خلالها ، مثل صفيحة بنزين ، سائل متفجر ، هذه الصفيحة إن أودعت بالمستودع المحكم ، وسالت في الأنابيب المحكمة ، وانفجرت في المكان المناسب بالبستونات ، وفي الوقت المناسب ولّدت حركة نافعة تأخذك في العيد إلى مكان جميل ، هذه كلها انفجارات ، الصفيحة نفسها صبها على السيارة ، أعطها شرارة تحرق المركبة ومن فيها .
 فالشهوات إما أنها قوة مدمرة أو قوة دافعة ، والله الذي لا إله إلا هو ، والله زوال الكون أهون على الله من أن تدع شيئاً خوفاً منه ولا تعوض خيراً منه ، هذا قانون .

(( ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه ))

 والله زوال الكون أهون على الله من أن تدع شيئاً لله خشية منه ، خوفاً منه ، ثم لا تعوض أضعافاً مضاعفة ، وكل واحد منكم أنا متأكد أن معه قصة ، أو أقصوصة تؤكد هذه الحقيقة .

(( ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه ))

 بدينه ؛ بقي له مع الله خط ساخن ، في الليل يناجيه ، يبكي بالصلاة ، يدعوه ، لم يرتكب معصية يعوض عن هذا الذي فاته في دينه ودنياه .
 اسأل عابداً تحمّل متاعب العبادة ومشاقها ، اسأل مجاهداً في سبيل الله تحمل مخاطر الجهاد ونتائجه ، اسأل داعياً واصل سهر الليل بكد النهار ، وهو يحمل همّ الدعوة ، اسأل هؤلاء جميعاً لِمَ يصنعون ذلك ؟ إنهم سيجيبون إجابة واحدة : نريد رضا الله .

الناس زمرتان ؛ الأقوياء والأنبياء :

 أنا باجتهاد مني : يقع على رأس الهرم البشري زمرتان ، الأقوياء والأنبياء ، الأقوياء ملكوا الرقاب ، والأنبياء ملكوا القلوب ، الأقوياء عاش الناس لهم ، والأنبياء عاشوا للناس ، الأقوياء يمدحون في حضرتهم ، والأنبياء في غيبتهم ، الأقوياء أخذوا ولم يعطوا ، الأنبياء أعطوا ولم يأخذوا ، الناس جميعاً تبع لقوي أو نبي ، والأقوياء أخذوا ولم يعطوا ، والبطولة أن نكون جميعاً من أتباع الأنبياء ، فإذا كلفنا أن نكون مع الأقوياء ينبغي أن نتخلق بأخلاق الأنبياء .
 والله الذي لا إله إلا هو ما من شاب منكم ، أولاً يخشى الله ، إلا وسينال من الله ما يريد .
 دخل لعندي أخ مرة ، عمره خمس وتسعون سنة ، لا يوجد عندي شيء أضيفه إلا قطعة كاتو ، قدمتها له ، أمسك الشوكة ، وقطع أول لقمة وقال : سبحان من قسم لنا هذا ، إلى هنا الكلام عادي ، كلامه الثاني أبكاني : ولا ينسى من فضله أحداً .
كلكم جميعاً ، الله لا ينسى أحداً من فضله .

كن مع الله تـــــــــر الله معـــــــــــــــــــــك  واترك الكل وحاذر طـــــــمعــــــــــــك
وإذا أعطـــــــــــــــــــاك مـن يــــــمنعـــــــــه  ثم مـن يعطي إذا ما منـــعـــــك ؟
***
فـلــو شاهدت عيناك من حسننــــــا  الذي رأوه لما وليت عنــــــــــا لغـيرنـــا
ولـــو سمعت أذناك حسن خطابنـــا  خلعت عنك ثياب العجب وجئتنـــــــــــا
ولو ذقت مـن طعم المحبـــــــــة ذرة  عذرت الذي أضحى قتيلاً بحبنــــــــــــا
ولو نسمت من قربنا لك نسمــــــة  لمــــت غريباً واشتيـــــــــاقاً لقربنـــــــــــا
ولــــــو لاح من أنوارنا لك لائــــــح  تركت جميع الكائنات لأجلنـــــــــــــــــــــا
فما حبنا سهل وكل من ادعــــــــى  سهولته قلنا له قــــــــــــد جهلتنـــــــــــــا
فأيسر ما في الحب للصب قتـلـه  وأصعب من قتل الفتى يوم هجرنـــا
***

أكبر عقاب للمؤمن أن يحجب عن الله :

 أنا باجتهادي المتواضع لا أجد عقاباً للمؤمن يشله كأن يحجب عن الله .

﴿ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ﴾

[ سورة المطففين:15]

 كان لي جار بالعمل يبيع بضائع بالجملة ، عشرون دزينة ، خمسون دزينة ، جاءت امرأة تريد سحاباً فقط ، قال له : أختي نحن لا نبيع بالمفرق ، قالت له : لا تؤاخذني ، أقسم بالله عشرون يوم ما دخل زبون لعنده ، هو يبيع كلفاً نسائية ، قال لها : أنا لا أبيع بالمفرق أختي ، قال : الآن صرت أبيع سحاباً واحداً أدباً مع الله .
 طبعاً يا أخوان ، الكلام من القلب للقلب ، إذا كان هناك شخصان عند طبيب ، الأول معه التهاب معدة حاد ، فأخضعه الطبيب لحمية قاسية جداً على الحليب ستة أشهر ، والثاني معه ورم خبيث منتشر ، الأول سأل ، قال له : حمية تامة ستة أشهر لا يوجد مجال إطلاقاً ، الثاني قال له : كُلْ ما شئت ، أيهما أفضل ؟ كُل ما شئت أم تخضع لحمية قاسية جداً، كُل ما شئت :

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾

[ سورة الأنعام: 44]

 فإذا كان الله يعالجنا هذه نعمة والله ، معنى هذا أن هناك أملاً بالشفاء .

بطولة الإنسان أن يشكر الله عندما يحاسبه :

 الآن :

﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾

[ سورة الرحمن: 46 ]

 أين الجنتان ؟ العلماء قالوا : الأولى جنة القرب في الدنيا ، قريب من الله ، تستطيع أن تناجيه بالليل ، أنت تمشي بشكل صحيح بدخلك ، بإنفاقك ، بعلاقاتك ، بسهراتك ، برحلاتك ، بأوقات فراغك ، بأجهزتك ، كله منضبط ، تناجيه بالليل ، أما الثاني فلا يوجد أمل إطلاقاً ، يقول له : كُل ما شئت ، لذلك البطولة أن الإنسان عندما يحاسبه الله يشكر الله .
 عندي صديق ، أو أخ بالجامع ، قال لي : أنا زكاتي حوالي اثني عشر ألفاً ومئتين وخمسين ، ألحت عليه زوجته أن يدهن البيت ، أي ضغطت عليه ضغطاً شديداً ، بصراحة استجاب لها ، ودهن البيت ، عمل حادثاً بسيارته أقسم بالله أن الدهان كلف اثني عشر ألفاً ومئتين وخمسين ، وكانت فاتورة التصليح اثني عشر ألفاً ومئتين وخمسين ، هذه رسالة من الله ، الله يبعث رسائل كثيرة ، الله قال :

﴿ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ ﴾

[ سورة محمد: 2 ]

 المؤمن بصراحة أقول لكم يمشي مع الله بشكل صحيح ، مستقيم ، طبعاً لا أقول لك استقامة مطلقة ، لكن لا يوجد عنده معصية ، غلطة بكلمة ، بابتسامة أحياناً ، إذا الشخص كان يمشي مع الله عز وجل فالله يطمئنه ، فلذلك :

﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ ﴾

[ سورة الأنعام: 81 ـ 82 ]

 ما معنى لهم الأمن ؟ لو أن الآية : أولئك الأمن لهم لا تمنع أن يكون لغيرهم ، أنت تصلي قل نعبد إياك ، الصلاة باطلة ، أنت ما ألغيت كلمة ، فقط بدلت .

﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾

[ سورة الفاتحة: 5 ]

 فيها قصر وحصر ، نعبد إياك لا يوجد بها قصر وحصر .
 لذلك إن الله يعطي الذكاء والمال والجمال للكثيرين من خلقه ، ولكنه يعطي السكينة بقدر لأصفيائه المؤمنين ، هذه السكينة تسعد بها ولو فقدت كل شيء ، وتشقى بفقدها ولو ملكت كل شيء .
 بربكم ؛ هذا الحوت الأزرق كم وزنه ؟ مئة وخمسون طناً ، خمسون طناً من الدهن، خمسون طناً من اللحم ، خمسون طناً من العظم ، تسعون برميل زيت ، تجد نفسك بوسط فمه ؟ ما هذه المصيبة ؟ سيدنا يونس :

﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾

[ سورة الأنبياء: 87 ]

 قال : ظلمة الليل ، وظلمة البحر ، وظلمة بطن الحوت .

﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ﴾

[ سورة الأنبياء: 87 ـ 88 ]

 دقق الآن الآيات هي قصة قلبت إلى قانون :

﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة الأنبياء: 88 ]

 والله في بيوتنا يوجد حمامات ، تمشي نملة ، أقسم بالله طولها ربع ميلي ، وعرضها صفر ، خط أسود ، وضعت يدي أمامها وقفت ، لماذا وقفت ؟ معنى هذا أنها ترى ، لها ستة أرجل ، والله ربع ميلي ، وعرضها صفر ، بعد أسبوع يوجد نملة طارت بخط على شكل قوس ، معنى هذا أن لها جناحين أيضاً ، وازن بين النملة وبين الفيل ، الله عز وجل أثبت للنملة أيضاً العلم .

﴿ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾

[ سورة النمل: 18 ]

 لذلك السكينة تسعد بها ولو فقدت كل شيء ، وتشقى بفقدها ولو ملكت كل شيء .

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً ﴾

[ سورة طه: 124 ]

 شخص سأل عالماً كبيراً : ما بال الأقوياء والأغنياء ؟ أين معيشة الضنك ؟ إذا كان ثمن الحذاء اثني عشر ألف دولار ، ومرصع بالألماس ، بيوت ، قصور ، سيارات ، مركبات ، طائرات خاصة ، أين معيشة الضنك ؟ فأجاب العلماء : ضيق القلب ، يوجد ضيق بالقلب ، يقابلها المؤمن عنده أمل بالله عز وجل ، لذلك :

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً ﴾

[ سورة طه: 124 ]

 ما بال الأقوياء والأغنياء ؟ ضيق القلب .

من يتبع هدى الله لا يضل عقله ولا تشقى نفسه :

 الآن يوجد عندنا شيء اسمه الخوف من المجهول ، يوجد آيتان دقيقتان يا أخوان :

﴿ فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ ﴾

[ سورة البقرة: 28]

﴿ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴾

[ سورة طه: 123]

 الثانية :

﴿ فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُون ﴾

[ سورة البقرة: 28]

 اجمع الآيتين ، فالذي يتبع هدى الله عز وجل لا يضل عقله ، ولا تشقى نفسه ، ولا يندم على ما فات ، ولا يخشى مما هو آت .

الفرق بين اللذة والسعادة :

 النقطة الثانية : عندنا لذة وسعادة ، ما اللذة ؟ تحتاج إلى ثلاثة شروط ، اللذة بحاجة إلى وقت ، وصحة ، ومال ، لحكمة بالغة بالغة ، دائماً تنقصك واحدة ، بالبدايات الصحة متينة ، ويوجد وقت لكن لا يوجد نقود .
 قال لي مرة صاحب معمل نسيج : والله يا أستاذ ست وثلاثون سنة لم أخرج نزهة ، بالوسط يوجد مال وصحة لكن لا يوجد وقت ، كبر بالسن ، أولاده أخذوا المعمل يوجد وقت ، ومال لكن لا يوجد صحة ، هذه اللذة تحتاج إلى ثلاثة شروط تنقصك واحدة دائماً ، السعادة غير اللذة ، بمجرد أن تنعقد لك مع الله صلة أنت أسعد الناس .

الإيمان بالله العظيم عن طريق الآيات الكونية :

 أخواننا الكرام ؛ يوجد نقطة دقيقة :

﴿ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ ﴾

[ سورة الحاقة: 30 ـ 32]

 لماذا ؟ قال :

﴿ إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ﴾

[ سورة الحاقة: 33]

 ضع تحت عظيم أربعة خطوط ، إبليس آمن بالله قال له :

﴿ فَبِعِزَّتِكَ ﴾

[ سورة ص: 81 ]

 أما هنا :

﴿ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ﴾

[ سورة الحاقة: 33]

 لذلك ما الذي يعيننا على أن نؤمن بالله العظيم ؟ الآيات الكونية ، أنت عندك آية بالقرآن فيها أمر :

﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ﴾

[ سورة النور: 30]

 هذا أمر ، يوجد نهي :

﴿ لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى ﴾

[ سورة النساء: 43]

 وهناك ألف وثلاثمئة آية في الكون والإنسان ، آية الأمر تأتمر ، آية النهي تنتهي ، آية القصة تتعظ ، وألف وثلاثمئة آية ما مهمتك فيها ؟ أن تعظم الله ، الله أعطاك عناوين موضوعات ، أعطاك ألفاً وثلاثمئة آية .
 لقطة واحدة : الأرض تدور حول الشمس بمسار إهليلجي ، هي هنا والشمس هنا، الإهليلجي له قطران أكبر وأصغر ، انتقلت من الأطول للأصغر ، ما الذي يحصل بقانون الجاذبية ؟ قانون الجاذبية معلق بالمسافة والكتلة ، المسافة قصرت هنا ، الشكل بيضوي ، الأرض هنا ، مشت إلى هنا ، الأرض صارت هكذا ، كانت هكذا صار هكذا ، يجب أن تنجذب إلى الشمس ، وإذا انجذبت إلى الشمس تبخرت في ثانية واحدة بالضبط ، ما الذي يحصل ؟ قال: ترفع الأرض سرعتها حتى ينشأ من رفع السرعة قوة نابذة تكافئ القوة الجاذبة فتبقى على مسارها .

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا ﴾

[ سورة فاطر:41]

 يد من ؟ علم من ؟ حكمة من ؟ رحمة من ؟
 الآن انتقلنا من القطر الأصغر للأطول ، المسافة زادت ، الجاذبية ضعفت ، ينبغي قطعاً أن تتفلت من الجاذبية ، ثلاثمئة وستون تحت الصفر ، ليل نهار ، تنتهي الحياة إذا انجذبت وتنتهي إذا تفلتت ، هنا ما الذي يحصل ؟ تبطئ سرعتها لينشأ من بطء السرعة قوة نابذة أقل تكافئ القوة الجاذبة الأقل فتبقى على مسارها ، هذه آية .
 كنا مرة بأمريكا دخلت لمتحف فضائي ، الحقيقة يوجد منظار رأينا درب التبابنة ، يوجد بهذا الدرب أبراج ، الله قال :

﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ ﴾

[ سورة البروج: 1 ]

 أحد الأبراج برج العقرب ، هناك بالفضائية بأمريكا وصلوا بين النجوم بخطوط كالعقرب تماماً ، يوجد ببرج العقرب نجمة صغيرة حمراء متألقة اسمها قلب العقرب ، الآن انتبهوا، وطنوا أنفسكم لهذا الرقم ، قلب العقرب نجم صغير في برج العقرب يتسع للشمس والأرض مع المسافة بينهما ، الشمس تكبر الأرض بمليون وثلاثمئة ألف مرة ، أي يدخل لجوف الشمس مليون وثلاثمئة ألف أرض ، وبينهما مئة وستة وخمسون مليون كيلو متر ، وبرج العقرب أحد نجومه قلب العقرب يتسع للشمس والأرض مع المسافة بينهما .
 الآن من حوالي أسبوع أو أسبوعين مركبة فضائية وصلت لستة ملايين كيلو متر رسمت الأرض ، أحضر قلماً وورقة ، اكبس كبسة واحدة الأرض كلها صورة فوتوغرافية لكن من مركبة فضائية بعيدة جداً ، وعن طريق الأقمار الصناعية الأرض نقطة واحدة .
 هذا الإله العظيم يعصى ؟ ألا يخطب وده ؟ ألا ترجى جنته ؟ ألا تخشى ناره ؟

أوامر الدين ليست حداً لحرية الإنسان وإنما هي ضمان لسلامته :

 آخر شيء :

(( ما تركت بعدي فتنة أضَرَّ على الرِّجالِ من النساء ))

[مسلم والنسائي عن أبي سعيد الخدري]

 كل واحد بسنه هناك شيء يعدّ مذلة قدم له ، التاجر بالربح والخسارة ، وكسب رأس المال .
 كان لي صديق يبيع قطع مرسيدس ، قال لي : عندي قطعة لها خمس سنوات لم يشتريها أحد ، ثمنها عشرون ألفاً ، عندما كان الدولار بثلاث ليرات - القصة قديمة جداً - جاء زبون يريدها ، قال لي : اختل توازني من الفرح ، قال لي وأنا على السلم : هل هي أصلية ؟ هي ليست أصلية ، مصنوعة في الصين ، لكن مكتوب عليها : made in Germany ، قال له : لا ، قال له : هاتها ، بيعها صار حلالاً ، كلمة واحدة .
 فلذلك أخواننا الكرام ؛ التاجر موضوع المال ، أما أنتم كشباب فغض البصر ، العبادة الأولى غض البصر ، وأنا أقول لك إذا شخص غض بصره ، شخص كان مرة يجمع أمواله في صفيحة ، كل مدة يضع ليرة ذهبية في هذه الصفيحة ، يوم عرسه وجد أن هذه الصفيحة قد امتلأت كلها ، أنا أعتقد إذا الواحد غض بصره ، وضبط لسانه ، له عند الله زواج ناجح .
 للتقريب : راكب سيارتك وجدت لوحة مكتوب عليها : الطريق مغلق بسبب تراكم الثلوج في النبك ، مرة صارت مع شخص ، معه سيارة مرسيدس ستمئة وله بحمص مليونا ليرة ، تاجر كبير ، موعود أن يأخذهم يوم السبت ، خرج فوجد هذه اللوحة ، خمس كلمات ، ماذا حكمك أنت ؟ حكمك النص ، لك مليونان ، ومعك مرسيدس ، ولوحة صغيرة : الطريق إلى حمص مغلقة بسبب تراكم الثلوج في النبك ، أنت كعاقل حكمك النص ، وإذا كان هناك دابة ذهبت إلى حمص أين تقف ؟ عند الثلج ، ماذا حكمها ؟ الواقع ، فأنت بطولتك أن يحكمك النص وليس الواقع ، فرعون حكمه الواقع ، قال :

﴿ آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ ﴾

[ سورة يونس: 90]

 فبطولتك عندك قرآن وسنة ، فاللوحة التي كتب عليها : ممنوع التجاوز حقل ألغام تراها حداً لحريتك أم ضماناً لسلامتك ؟ في اللحظة التي توقن بها أن كل أوامر الدين ليست حداً لحريتك لكنها ضمان لسلامتك نجوت ورب الكعبة .
 أرجو الله سبحانه وتعالى أن يجمعنا جميعاً على الحق ، وأن يعلي قدر أستاذنا الكبير ، وأن تكونوا طلاب علم أوفياء ، وأن تعرفوا الحقيقة قبل فوات الأوان .

خيار الإنسان مع الإيمان خيار وقت فقط :

 عفواً ؛ أنت معك ألف خيار رفض بحياتك ، هذا البيت لم يعجبك لا تأخذه ، هذه السيارة ماشية مئتي ألف لا تشتريها ، هذه التجارة أرباحها قليلة ، معك مليون خيار رفض إلا مع الإيمان معك خيار وقت فقط ، الدليل أكفر كفار الأرض فرعون ، ماذا قال عندما أدركه الغرق؟

﴿ آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ ﴾

[ سورة يونس: 90]

 فنحن خيار الإيمان خيار وقت فقط ، إما أن نؤمن بالوقت المناسب ، أو بعد فوات الأوان .
 آخر شيء :

﴿ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴾

[ سورة طه: 123]

﴿ فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُون ﴾

[ سورة البقرة: 28]

 الذي يتبع هدى الله لا يضل عقله ، ولا تشقى نفسه ، ولا يندم على ما فات ، ولا يخشى مما هو آت .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018