الدرس : 12 - سورة غافر - تفسير الآيات 38 - 42 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 12 - سورة غافر - تفسير الآيات 38 - 42


1993-08-27

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة المؤمنون، مع الدرس الثاني عشر من سورة غافر، ومع الآية الثامنة والثلاثين، وهي قوله تعالى:

﴿ وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ ﴾

وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ

 الذي آمن هو مؤمن آل فرعون، موضوع القصة في هذه السورة، هناك وقفةٌ متأنيَّة، عند كلمة:

﴿ وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ ﴾

1 ـ لابد للناس أن يتبعوا هدى الله:

 من الذي ينبغي أن يتبعه الناسُ ؟ هذا سؤال كبير، إذا كانت لديك آلةٌ بالغة التعقيد، عظيمة النفع، كثيرة الرِزق، إذا تعَطَّلت هذه الآلة تبحث عمن يحسن إصلاحها، ويحسن تشغيلها، إذا أصابها خلل عمن تبحث ؟ الحقيقة أن الإنسان بالفطرة إذا كانت عنده آلة بالغة التعقيد وأصابها خلل يسأل صانعها، يسأل الخبير، لذلك قال تعالى:

﴿ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ(14) ﴾

( سورة فاطر )

 لو كان لك صديق تحبه حباً لا حدود له، وعندك جهاز حاسب بالغ التعقيد تعطَّل، هل تسأله لإصلاحه ؟ لا، مع أنك تحبه حباً لا حدود له، بل تسأل الصانع، تسأل الشركة الصانعة، تسأل الخبير.
 فهناك سؤال: أنا كإنسان من الذي ينبغي أن أتبعه ؟ مَن ؟ أيعقل أن أتبع إنساناً ضالاً ؟ فأضل معه، أو أتبع إنسانًا منحرفًا فأنحرف معه، أو إنسانًا جاهلاً فأجهل معه، من الذي ينبغي أن أتبعه ؟ لا تستطيع أن تتبع إلا هَدْى خالقك، ولأن الله سبحانه وتعالى رحيمٌ بخلقه، خلق الخلق وأرشدهم.

﴿ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾

( سورة النور: من الآية 35 )

 خلق السماوات والأرض ونورها بهديه.

﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً ﴾

( سورة البقرة: من الآية 30 )

 جاعل اسم فاعل يقتضي الاستمرار، فلا يعقل أن تخلو الأرض من الحق، لا يعقل أن تخلو الأرض من الهدى، لا يعقل أن تخلو الأرض من خطاب السماء، بطولتك أيها الإنسان أن تصل إلى خطاب السماء، أن تصل إلى هدى الله عزَّ وجل، أن تصل إلى ما أنزله الله على الأنبياء والمرسلين، إذاً لا يُتَّبَع إلا الرسل الذين جاءهم الوحي من عند الله، هذا بادئ ذي بدء.

2 ـ اتباع العلماء العالمين بشرع الله:

 من هم العلماء ؟ هم الذين نابوا عن الرسل في تبليغ الحق، العالم ليس له وجود إلاّ أن يَشِفُّ عن شريعة الله، يشف عن رسالة الأنبياء، ثم ينقُل لك بأمانةٍ، وهذه قد سميت أمانة التبيين ـ أمانة التبليغ ـ ينقل لك بأمانةٍ ما قاله النبي عليه الصلاة والسلام، إذاً قال تعالى:

﴿ وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا(28) ﴾

( سورة الكهف )

 خالق الكون ينهاك عن أن تتبع إنساناً تائهاً، إنساناً شارداً، إنساناً ضالاً، إنسانا غافلاً.

﴿ وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا(28) ﴾

( سورة الكهف )

 بالمقابل:

 

﴿ وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ﴾

 

( سورة لقمان: من الآية 15 )

3 ـ أهمُّ رجلٍ في الحياة هو الذي يدلّك على الله:

 بالمناسبة أيها الإخوة، نحن كأشخاص في حياتنا رجال كثيرون، في حياة كل واحد منكم آلاف الرجال، رجل عِلمُهُ علمٌ عصري، رجل علمه رياضيَّات، رجل علمه فيزياء، رجل علمه لُغة، إنسان خاط لك الثياب، إنسان عالجك من المرض، ففي حياتك آلاف الرجال، لكن أخطر رجل في حياتك هو الذي يدلُّك على الله، لأن هؤلاء الرجال مهما كثروا تنتهي مهمَّتهم عند الموت، الذي خاط لك الثياب تنتهي مهمته عند انتهاء الخياطة، الذي عالج زيداً من مرضه تنتهي مهمته عند موت الإنسان، فعند الموت تنتهي مهمة كل الرجال الذين كانوا في حياتك، إلا رجلاً واحدًا هو الذي دلَّك على الله، فآثار هدايته تبدأ بعد الموت.
 أخطر إنسان في حياتك هو الإنسان الذي تهتدي به إلى الله، فإن كان على حق فقد نجحت وأفلحت، وإن كان على باطل، وقد توهمت أنه على حق، وهو ليس على حق فقد ضحّيت بسعادتك الأبدية.
 اعلمْ أنّه لا يُتَّبع إلا الخبير، والله وحده هو الخبير، لا يتبع إلا الخالق، لا يُتبع في الآلات إلا الصانع، والخالق جلَّ جلاله أنزل كتباً على رسله، ونحن أمة خاتم النبيين، وهذا الكتاب هو كتاب الله عزَّ وجل، إذاً الاتباع للنبي عليه الصلاة والسلام، ولمن يَشِفُّ عن دعوة النبي بأمانةٍ مطلقة.

﴿ وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ ﴾

 الحقيقة هذا الذي يقول لك: اتبعنِي، وهو على الحقيقة الجلية والمحجة البيضاء فإنه يدعوك إلى اتباع منهج الله عزَّ وجل، والدليل:

﴿ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ ﴾

4 ـ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ

 إلى الله، سبيل الرشاد قالوا: سبيل الهدى، وقالوا: سبيل الجنة، لأن الجنة هي مطمح الآمال، ومحط الرحال، ومبتغى كل كائنٍ حي.

﴿ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ ﴾

 أنت لماذا خُلقت ؟ للجنة، لماذا خلقنا الله عزَّ وجل ؟ ليسعدنا في جنةٍ عرضها السماوات والأرض إلى أبد الآبدين، فأي إنسانٍ يطبق منهج الله فهذا المنهج هو سبيلٌ إلى الجنة، سبيل على المجاز.

﴿ وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ ﴾

 من هنا يجب أن يفهم الإنسان أن أخطر شيءٍ في حياته الدين، هناك أشياء كثيرة لو أخطأت في اقتنائها فليست مشكلةً، فالرجل إنْ لم يوفق في شراء البيت فالقضية مؤقتة، لم يوفق في اختيار الزوجة فمن الممكن إصلاحها، والقضية كذلك مؤقتة، وما دام الأمر دنيوياً فهذه النتيجة الإيجابية أو السلبية يزول أثرها عند الموت، أفلح في شراء هذا البيت، أفلح في الزواج من هذه المرأة، أفلح في تأسيس شركةً كبيرة، فلاحه أو إخفاقه ينتهي عند الموت، ولكن الشيء الخطير ما بعد الموت، إذًا المهم الاتباع، فاتباع إنسان يدلك على الله أهمّ شيءٍ في حياتك، ربنا عزَّ وجل يقول:

﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي ﴾

( سورة يوسف: من الآية 108 )

 يجب أن تدعو على بصيرة، أو أن تتلقى العلم على بصيرة، والبصيرة الدليل والتعليل، هذا الشيء حرام، وهذه الآية تحلل وتحرِّم، وهذا الحديث ينهى أو يأمر، والله عزَّ وجل يقول:

﴿ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ ﴾

( سورة النساء: من الآية 59 )

إلى مَن تُردُّ أحكام النزاعات ؟

﴿ وَأُوْلِي الأَمْرِ ﴾

 هم العلماء والأمراء، قال سبحانه:

﴿ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ ﴾

( سورة النساء: من الآية 59 )

 تنازعتم معهم.. أحرام أم حلال ؟... إلخ

﴿ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ﴾

( سورة النساء: من الآية 59 )

 إلى الله: إلى كتابه، رسوله: سنته.

﴿ وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ ﴾

 الرشاد سبيل الجنة، سبيل السعادة الأبدية، السبيل المُفضية إلى الهدف الكبير الذي خلقتم من أجله.

 

﴿ يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ ﴾

 

يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ

1 ـ الدنيا متاعٌ عابر زائل:

 فالمتاع الشيء الطارئ، الشيء العابر، الشيء الذي ليس له أثر، لو أن إنسانًا فرضاً قام بنزهة، وسُرَّ بها، لكن هذه النزهة ليس لها مردود في المستقبل، أما لو حَصَّل شهادة عليا، بهذه الشهادة يستفيد، لو أسس عملاً، بهذا العمل يستفيد، بعض الأعمال لا مردود لها، ولا أثر لها، فالدنيا متاع، أيْ لذةٌ عابرةٌ تنقضي، كما وصفها النبي عليه الصلاة والسلام:

 

(( الدنيا تغر وتضر وتمر ))

 

[ فيض القدير شرح الجامع الصفير ]

 لذةٌ عابرة نهانا الله عزَّ وجل على أن نغتر بها، قال تعالى:

﴿ فَلا تَغُرَّنَّكُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ﴾

( سورة لقمان: من الآية 33 )

 معنى:

 

﴿ فَلا تَغُرَّنَّكُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ﴾

 أيْ لا ترونها بحجمٍ أكبر من حجمها، شأنها قليل، وشيكة الانقضاء، سريعة الزوال، الموت على الأبواب، و" ما من بيتٍ إلا ومَلَكُ الموت يقف على بابه في اليوم خمس مرات، فإذا رأى أن العبد قد انقضى أجله وانقطع رزقه ألقى عليه غَمَّ الموت، فغشيته سكراته، فمِن أهل البيت الضاربة وجهها، والممزقة ثيابها، والصارخة بويلها، يقول ملك الموت: فيمَ الفزع وممَ الجزع ؟ ما أذهبت لواحدٍ منكم رزقاً، ولا قَرَّبْتُ له أجلاً، وإنَّ لي فيكم لعودة، ثم عودة، حتى لا أبقي منكم أحداً، فو الذي نفس محمدٍ بيده لو يرون مكانه ويسمعون كلامه لذهلوا عن ميِّتهم، ولبكوا على أنفسهم ".

 

 

﴿ يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ ﴾

 فلو أنّ واحدًا أكل أكلة، لدقائق وانتهى الأمر، ولو أن ضرساً آلمه، فهل لذَّة الطعام السابقة تنسيه هذا الألم الذي ألمَّ به ؟  الطعام متعةٌ عابرة، وكل متع الأرض عابرةٌ كذلك، ولكن العاقبة لما بعد الموت، لذلك فُرِّقَ بين السعادة واللذَّة، السعادة متنامية ومستمرة، أما اللذة أولاً فهي عابرة، وثانياً تعقبها ندامةٌ، وتعقبها كآبة، هذه هي اللذة، لذلك مَن عرف الله عزَّ وجل زهد فيما سواه، من عرف حقيقة الدنيا مال إلى الله سبحانه، ولقد قال الله عزَّ وجل:

 

﴿ يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنْ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنْ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ(7) ﴾

( سورة الروم )

 الله عزَّ وجل أثبت لأهل الدنيا أنهم يعلمون ظاهرها، لأنّ الإنسان عندما يطَّلع على بعض مظاهر الترف، ومظاهر الدنيا عند أهل الدنيا، يأسِره ذوقهم، وأناقتهم ودقتهم، ومصنوعاتهم الراقية، وقد تستميله هذه المظاهر، وينشغل بها عن الله عزَّ وجل الذي أثبت لهم ظاهرها، ولم يثبت لهم حقيقتها، فهم ما عرفوا حقيقة الدنيا البتة.

2 ـ طبيعة الدنيا كبَد ومشقة:

 حقيقة الدنيا أنها دار عمل، حقيقة الدنيا أنها دار إعداد، حقيقة الدنيا أنها دارٌ تُكتسب بها أهلية لسعادة أبدية، حقيقة الدنيا كما جاءت في قول النبي عليه الصلاة والسلام " إن هذه الدنيا دار التواء "، فلا تجد إنسانًا أموره تامة، لحكمةٍ بالغةٍ أرادها الله، عنده زوجةٌ ممتازة، لكنّ أولاده ليسوا على ما يرام، أو بالعكس فأولاد أبرار وزوجته ليست على ما يرام، عنده زوجةٌ وأولاد قرة عين لكن دخله ليس على ما يرام، أو أنّ دخله جيد، وفي جسمه علةٌ تنغِّص حياته، لأن الله سبحانه وتعالى أوحى إلى الدنيا أن تكدري، وتمرري، وتضيقي، وتشددي على أوليائي حتى يحبوا لقائي، أما الكافر فقد رضي بالحياة الدنيا، واطمأن لها، وهو عن آيات ربه معرض.

 

﴿ إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ(7) ﴾

 

( سورة يونس )

 أخطر شيء في الدنيا أن تركن إليها، أن تستمرئها، أن تخلد إليها، أن تحبها، أن تؤثرها على طاعة الله عزَّ وجل، لذلك النبي قال:

 

(( إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء، ومنزل ترحٍ لا منزل فرح ))

 

[ ورد في الأثر ]

 مشحونة بالمتاعب، مشحونة بالمصائب، مشحونة بالامتحانات، مشحونة بالبلاء، أساس الدنيا قائم على السعي، أساس الدنيا قائم على الكدح.

﴿ يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ(6) ﴾

( سورة الانشقاق )

 فمن أجل أن يصل الشاب إلى بيتٍ صغير، وإلى زوجةٍ متوسطة الحال، وإلى دخلٍ يكفيه نصف الشهر، يعاني الأمرّين نكدًا وكدحًا، هذه الدنيا مبنية على الكدح.

﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ(4) ﴾

( سورة البلد )

 أيْ أنَّ طبيعةَ الحياة تَكَبُّد المشاق، ومُرُّ المذاق، وشدة العناء.
 فهذا مؤمن آل فرعون:

﴿ يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ ﴾

 فيها تكبُّد للمشاق، فيها كَدْح، أمدُها قصير، فهل من المعقول أن يقضي الإنسان لرحلة عشرين يومًا من الإعداد بينما الرحلة حقيقة لمدة خمسة أيام ؟ الإنسان هكذا في الدنيا، لكي يقدر أن يقف على قدميه يحتاج أربعين سنة، فيا ترى متى الأجل ؟ معترك المنايا بين الستين والسبعين، وقلَّ مَن يجوز ذلك، الآن ما أكثرَ مَن يَقِلُّ عن ذلك، ضغوط الدنيا والهموم، لأن من أخذ من الدنيا فوق ما يكفيه أخذ من حتفه، وهو لا يشعر، خذ من الدنيا ما شئت، وخذ بقدرها هماً.
 الضغوط على الإنسان تؤثر على قلبه، وأكثر أمراض القلب أساسها الضغط النفسي، لكن الحياة أمدها قصير، الإعداد لها أكبر بكثير من أمدها، إذاً الدنيا فيها كدح، الدنيا فيها تكبُّد، الدنيا مبنية على السعي المضني، أما الآخرة:

 

﴿ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ(31) ﴾

 

( سورة فُصِّلت )

 الآخرة مبنية على العطاء بالطلب فقط، اطلب تُعطَ، وإلى أبد الآبدين، لا فقر فيها، ولا مرض فيها، ولا قلق فيها، ولا موت فيها، ولا مشاحنة زوجية، ولا دخل قليل، ولا تجارة بائرة، ولا بضاعة كاسدة، ولا ظلامات، ولا منغصات، سعادةٌ ما بعدها سعادة:

 

(( أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ))

 

[ البخاري ]

 هذه الآخرة، لذلك الدنيا:

 

﴿ يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ ﴾

 أيْ متعٌ قليلة، ومتاعب كثيرة، هكذا وصفها النبي عليه الصلاة والسلام:

 

 

(( إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء، ومنزل ترحٍ لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء ))

 

[ ورد في الأثر ]

 لأنه مؤقَّت.
 كم من إنسان أشاد بيتاً لا يوصف بروعته، وما سكنه ؟ كم من إنسان حصَّل شهادةً، ولم ينتفع بها ؟ كم من إنسان سافر ولم يعد ؟ كم من إنسان دخل بيته ولم يخرج ؟ نام ولم يستيقظ، تزوَّج ولم يدخل، الدنيا تأخذ الإنسان على حين غِرَّة، لذلك كثير من الناس ضحكت عليهم الدنيا، وأما المؤمن فقد ضحك عليها، عرف قيمتها، وعرف شأنها، وعرف قصر أمدها، وعرف أنها زائلة، وأنها عابرة، وأنها مؤقَّتة، وعاش كمسافرٍ استظل بشجرة، وعما قليل يرحل، فإذا عرف الإنسان أن الدنيا قصيرة سعد بها، إذا عرفها أنها مديدة، وأنها هي كل شيء شقي بها، وهكذا قال النبي الكريم:

 

(( إن أسعد الناس بها أرغبهم عنها، وأشقاهم فيها أرغبهم فيها ))

 

[ ورد في الأثر ]

 وقال:

 

(( فمن عرفها لم يفرح لرخاء، ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى، وجعل الآخرة دار عقبى، جعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضَ، فيأخذ ليعطي ويبتلي ليجزي ))

 

[ ورد في الأثر ]

 إنَّ أروع ما في حياة المؤمن أنه عرف حقيقة الدنيا، الدنيا للعمل الصالح، إن عرفت الله بها، وعملت الصالحات، لا تندم على مغادرتها، لأن الله عزَّ وجل قال:

﴿ فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ(38) ﴾

( سورة البقرة )

 لا خوف عليه لما هو قادمٌ عليه، ولا يحزن على ما فاته منها. وقد وُصف الصديق رضي الله عنه بأنه لم يندم على شيءٍ فاته من الدنيا قط.
 أنت مؤمن يجب أن تعرف حقيقة الدنيا لئلا تغترَّ بها، لئلا تظنها بحجمٍ أكبر من حجمها، فأنا أروي حكاية تقليدية تعبِّر عن حقيقة الدنيا: إنسان كان يعمل في محل تجاري، وكان يحب إزعاج الآخرين، فكان يكنس هذا المحل، ويضع قمامته في عُلبة أنيقة ويلفها لفة رائعة بأوراق هدايا، وشريط أحمر ـ ويضعها على الرصيف، فيأتِي مارٌّ يظنها شيئاً ثميناً، يظنها تحوي قطعة ذهبية أو ساعة، أو قِطعة ثمينة، فيأخذها، ويمضي بها مسرعاً، وهو يتبعه، بعد مئة مترٍ تقريباً يَفُكُّ الشريط الحريري، بعد مائة مترٍ أخرى يفك الورق الأنيق، ثم يفتح ليرى الساعة الذهبية فإذا هي قُمامة المحل التجاري.
 والله هذه الحكاية تنطبق على الدنيا أشد الانطباق، في بدايات الحياة يظن الإنسان أن المال هو كل شيء، يسعى له بأي طريق، بأي أسلوب، من طريق مشروع أو غير مشروع، في وسط حياته، وفي كهولة عمره يرى المال شيئاً، ولكن ليس كل شيء، أما إذا اقترب من النهاية يراه ليس بشيء، ويرى طاعة الله هي كل شيء، فالبطولة هذه الرؤية الأخيرة أن تراها في مقتبل الحياة فتندفع لاقتناصها، وعند الموت ترى الحقيقة.

3 ـ لابد من الإيمان في الوقت المناسب:

 وأنا أردِّد دائماً أيها الإخوة: علاقتك بالإيمان، أو مقولة الإيمان، أو معادلة الإيمان ليست أن تؤمن أو ألاّ تؤمن، معادلة الإيمان متى تؤمن ؟ معادلة وقت، وليست معادلة قبول أو رفض، متى تؤمن ؟ لا بد من أن تؤمن، ففرعون قمة الكفر آمن، فرعون أسلم:

﴿ حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ ﴾

( سورة يونس )

 لكن بعد فوات الأوان، إذاً كلنا سوف نؤمن، ما أتعس الذي يؤمن على فراش الموت، ما أتعس الذي يؤمن بعد الموت، ما أتعس الذي:

﴿ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي( 24 ) ﴾

( سورة الفجر )

 ما أتعس الذي يعض على يديه.

 

﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا(27) ﴾

 

( سورة الفرقان )

 ما أتعس الذي:

 

﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ(99)لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ﴾

 

( سورة المؤمنون )

﴿ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيه(25)وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيه(26)يَا لَيْتَهَا كَانَتْ الْقَاضِيَةَ(27)مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيه(28)هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيه(29)خُذُوهُ فَغُلُّوهُ(30)ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ(31)ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ(32)إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ(33) ﴾

( سورة الحاقة )

4 ـ لابد من معرفة حقيقة الدنيا:

 فيا أيها الإخوة الكرام، مؤمن آل فرعون عرف حقيقة الدنيا، وأنتم أيها المؤمنون لا بد من أن تعرفوا حقيقة الدنيا لئلا تجذبكم إليها، لئلا تستهلككم، لئلا تحتويكم، لئلا يصبح الإنسان في الدنيا مستَهْلَكًا، معظم الناس يستيقظ، يأكل، ثم يذهب إلى عمله، ثم يعود لينام، وتعود الكرة، يستيقظ، يأكل، إلى أن تأتيه مشكلة في صحته، قاضية، عناية مشددة، عظَّم الله أجركم، قضى و مات، الله يرحمه، لكن لِمَ كان هذا غافلاً ؟ أين معرفته بالله، يقول لك: لا وقت لي، احضُرْ هذا المجلس، فيجيبك: والله ليس عندي وقت، أنا مثقل بالأعمال، إنسان ناجح بعمله جداً، هذا يسير بطريق مسدود، كل الذي يُجَمِّعُهُ في الدنيا يتركه عند الموت، وهناك أدلة كثيرة جداً.
 الأغنياء الكبار حينما يموتون ماذا يأخذون معهم ؟ انظر إلى بيتٍ رائع أنشأه غنيٌّ، ومات، وغادر الدنيا، أين هو الآن ؟ تحت الثرى، تحت التراب، هذا البيت يستمتع به أهله، لذلك " يا أهلي يا ولدي، لا تلعبنَّ بكم الدنيا كما لعبت بي، جمعت المال مما حل وحرم، فأنفقته في حله، وفي غير حله، فالهناء لكم، والتبعة علي ".
 أيها الإخوة الكرام، ينبغي أن تضحكوا على الدنيا، لا أن تضحك عليكم الدنيا، والإنسان حينما يأتي إلى الدنيا أهله يفرحون، ويزغردون ويحتفلون، وهو يبكي، أكثر وقت الطفل الصغير يبكي، تارةً يريد طعاماً، تارةً يكون مريضا، تارةً يريد أن ينظَّف، هو يبكي دائماً، وأهله فرحون، لكن حينما يأتيه ملك الموت أهله يبكون، فإذا كان بطلاً فعرف الله وعبده حقًا فليضحك في هذه الساعة، إذا كان قد عرف الله في حياته، وأعد لهذا اليوم عُدَّتَهُ، وعمل الأعمال الصالحة، عندئذٍ يضحك، ويبكي من حوله، أما أن يبكي ومن حوله يضحكون فهذا شيء طبيعي، إنّ البطولة أن تضحك ومن حولك يبكي.

﴿ قِيلَ ادْخُلْ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ(26) ﴾

( سورة يس )

 هذه السعادة الكبرى أن تغادر الدنيا، وقد رضي الله عنك، أن تغادر الدنيا، وقد عرفت الله في الدنيا، أن تغادر الدنيا، وقد أطعت الله في الدنيا، أن تغادر الدنيا، وقد سَخَّرْتَ حظوظ الدنيا لطاعة الله عزَّ وجل، أعطاك الله صحة أطعت الله بها، أعطاك مالاً أنفقته في سبيل الله، أعطاك علماً بذلته، أعطاك وجاهةً أنفقتها في نصرة الضعيف.
 إذاً: دققوا وتبصَّروا، فالمؤمن الحق ينبغي أن يعرف حقيقة الدنيا.
 مؤمن آل فرعون قال:

 

﴿ يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ ﴾

 

وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ

 المستقَرُّ، مَحَطُّ الآمال، منتهى الغايات، حيث لا قلق، ولا خوف، ولا حُزن.

(( أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ))

[ البخاري عن أبي هريرة ]

الدخول في وعد الله من أسباب السعادة:

 سألني مرة أخ: كيف تقول: إن المؤمن سعيد في الدنيا، وهو يعاني كما يعاني كل الناس فيها ؟ كل شيء يعانيه الناس فالمؤمن يعاني مثلهم، فمن أين له السعادة ؟ ضربت له مثلاً وقلت له: لو أن إنساناً فقيراً جداً، فقره مدقع، عنده أولادٌ كثيرون، دخله قليلٌ جداً، بيته بالأجرة، عليه دعوة إخلاء، له عمٌ يملك أكثر من سبعمائة مليون، وهو قابضٌ يده، وليس له أولاد، وتوفي هذا العم في حادث سير فجأةً، أليست كل هذه الثروة الطائلة لعمه ستنتقل إليه ؟ نعم، قبل أن يقبض أي مبلغ قد يمضي سنة أو سنتان في إجراء معاملات حصر الإرث وضريبة التركات، لماذا في هذين العامين يكون من أسعد الناس، مع أنه لم يقبض قرشاً واحداً، ولم يأكل أكلةً واحدةً زيادة عن وضعه السابق ؟ لأنه دخل في الوعد، إذْ شعر بأن هذا الوعد العظيم منَّاه أن يملك سبعمائة مليون، فهذا الوعد يمتص كل متاعب السنتين، كلما رأى بيتاً فخمًا يقول سأشتري مثل هذا لبيت، سأقتني مثل هذه المركبة، سأفعل كذلك.
 بصراحة فالمؤمن يعاني ما يعانيه الناس، وهو مواطن مع المواطنين، كائن مع هؤلاء الذين حوله، لكن المؤمن وعدَه الله بالجنة، هذا الوعد العظيم من خالق الكون يمتصُّ كل متاعب الحياة، يقول لك: لن تطول الحياة، وعْدَ الله عزَّ وجل لا يخلف الله وعده، قال تعالى:

﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ الْمُحْضَرِينَ(61) ﴾

( سورة القصص )

 إذاً: في الدنيا أحد أسباب السعادة مما يجعله يزهد فيها، و ينصرف عنها، ذلك أن المؤمن موعود من قبل الله عزَّ وجل بجنةٍ عرضها السماوات والأرض، أحد أسباب السعادة في الدنيا أنه يطبِّق منهج الله، يطبق تعليمات الصانع، فهو على موعد يحفزه على العمل الدؤوب.

﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا ﴾

( سورة التوبة: من الآية 51 )

 لأن الله عزَّ وجل حينما خلق الدنيا جعل لها نُظَمًا، وقنَّن قوانين، فغضُّ البصر يسعد الإنسانَ في البيت، صدقه وأمانته يرفعانه عند الناس، فكل طاعة لله عزَّ وجل فيها بذور نتائجها الإيجابية، وكل معصية فيها بذور نتائجها السلبية، إذاً: أحد أسباب السعادة في الدنيا تطبيق منهج الله، ترقُبُ إنجاز وعد الله عزَّ وجل، انصراف الإنسان عن الدنيا وزهده فيها، وهذا كله من دواعي سعادته.

 

﴿ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ ﴾

 المكان المستقرّ الذي لا يزول، قَرَّ الشيء أي سكن، فالدنيا حركة طائشة، أما الآخرة دار القرار.

 

 

﴿ مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا ﴾

 

مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا

 هنا تطالعنا نقطة دقيقة جداً، أيْ أنّك إذا اعتقدت أن كل سيئةٍ تعملها فلا بد من تعاقب عليها فإذا اعتقدت ذلك فلن تعمل سيئة.

﴿ مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾

 الإنسان متى يفعل السيئات ؟ إذا ظن أنه لن يحاسب عليها، أو أنه ينجو من عقاب الله، فإذا اعتقد عقيدةً زائغةً فاسدةً مفادها أن المذنب قد ينجو فقد شك بعدالة الله عزَّ وجل، لكن:

﴿ مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا ﴾

 ولحكمةٍِ بالغةٍ قد يجعل الله العقاب من جنس الذَنْب تعليماً للخلق، المتكَبِّر يهينه الله، المُسرف يفقره الله، المتطلع إلى غير ما يحل له يشقيه الله فيما يحل له، وهكذا.

﴿ مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾

فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ

 ما معنى بغير حساب ؟ أي مهما عملت من عمل صالح في الدنيا فليس هذا العمل ثمن جنة عرضها السماوات والأرض، العمل الصالح في الدنيا ليس ثمن الجنة، ولكنه مفتاح الجنة.
 من الممكن أنّ بيتًا ثمنه ثلاثون مليونا يكون ثمن مفتاحه ست عشرة ليرة، ثلاثون مـليونا ثمن البيت، وست عشرة ليرة ثمن مفتاحه، فكل أعمالك الصالحة ليست ثمناً للجنة، ولكنها سبب لدخول الجنة، فرقٌ بين أن تملك المفتاح، وهو السبب وبين أن تملك الثمن، لذلك عطاء الله لا يقدَّر بثمن، عطاء خالق الكون، خالق الكون إذا أعطى أدهش، فالإنسان يعطيك شيئًا ينتهي أثره عند الموت، لذلك فالله عزَّ وجل لم يسمِّ عطاء الدنيا عطاءً، قال:

﴿ فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ(15) ﴾

( سورة الفجر )

 هذه مقولته، ليس هذا هو الإكرام.

﴿ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ(16)كَلا ﴾

( سورة الفجر )

 ربنا عزَّ وجل نفى هذا المعنى، وردعنا عنه، كَلا، ليس عطائي إكراماً، إنه ابتلاء، وليس حرماني إهانةً، إنه دواء، فالإنسان إذا رأى أهل الدنيا وهم ينعمون في دنياهم، وظن أنه محروم فهو لا يعلم شيئاً، لأن الله يعطي الدنيا لمن يحب، ولمن لا يحب، أعطى الملك لعدوه فرعون، وأعطاه لسليمان نبيه الكريم، إذاً عطاء الدنيا ليس مقياساً، أعطى المال لصحابةٍ أجلاَّء، وأعطاه لقارون، إذاً عطاء الدنيا ليس مقياساً، يعطي الدنيا لمن يحب، ولمن لا يحب، ولكِنَّه يعطي العلم والحكمة لمن يحب.

 

﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ(22) ﴾

 

( سورة يوسف )

 فأنت ابحث عن شيء ثمين، إن نلته من الله كان هذا الشيء علامة حب الله لك.
 إذاً:

 

﴿ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾

 

انظر إلى صغر ما قدمت، ثم انظر إلى عظم الأجر والجزاء:

 فمن يعرض عليك هذا العرض: هات ليرة واحدة وخذ مليارًا ؟ ليس هذا العطاء معقولاً، إذًا انظر إلى صغر ما قدمت، ثم انظر إلى عظم الأجر والجزاء، ماذا قدمت أنت ؟ غضضت بصرك عن محارم الله، حضرت مجالس العلم، صليت، صمت وحججت، تزوجت، وأكلت وشربت، ولكن كنت وفق الشرع، فلهذا الانضباط، ولهذه الطاعة التي استمرت لسنواتٍ معدودة أورثتك جنةً عرضها السماوات والأرض إلى أبد الآبدين ؛ إنه ثواب المصدقين، وثقوا بالله فأوصلتهم ثقتهم به خالقًا و إلهًا وربًّا:

﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا(20) ﴾

( سورة الإنسان )

(( أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ))

[ البخاري عن أبي هريرة ]

﴿ فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(17) ﴾

( سورة السجدة )

﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمْ اقْرَءُوا كِتَابِيه(19)إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيه(20)فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ(21)فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ(22)قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ(23)كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ(24) ﴾

( سورة الحاقة )

 هذه البطولة.
 والله أيها الإخوة، من عرف حقيقة الدنيا عمل ليلاً ونهاراً أعمالاً صالحةً يرجو بها رحمة الله، من عرف حقيقة الدنيا ما غفل عن الله لحظة، من عرف حقيقة الدنيا فإنه يستوي عنده التِبْرُ والتراب، فإذا كان المؤمن آمنًا في سربه، معافىً في جسمه، عنده قوت يومه، فكأنما مَلَك الدنيا بحذافيرها. ماذا في الدنيا فوق ذلك ؟ أن تكون آمناً من قبل الله عزَّ وجل، لا ترتكب معصيةً تستوجب عقاب الله، وتكون معافىً في جسمك، وعندك قوت يومك، فكأنما ملكت الدنيا بحذافيرها.
 أحد الملوك ذات مرة سأل وزيره: مَن الملك ؟ الوزير أحرج واضطرب، ما هذا السؤال ؟ يسأل الملك مَن هو الملك ؟ فقال له: أنت الملك، قال له: " لا، الملك رجلٌ له بيتٌ يؤويه، وزوجةٌ ترضيه، وهو لا يعرفنا ولا نعرفه، إن عرفناه جهدنا في إذلاله، وإن عرفنا جهد في استرضائنا "، لا يعرفنا، ولا نعرفه، هذا هو الملِك.
 فكل مؤمن عرف الله، وعرف منهجه، وطبق أحكامَ منهجه في بيته، فهو والله من ملوك الآخرة، هذا الملك، هذا المُلك الحقيقي، لأنه لو يعلم الملوك ما نحن عليه لقاتلونا عليها بالسيوف.

 

فلو شاهدت عيناك من حـسننا  الذي رأوه لما وليت عنا لـغيرنا
ولو سمعت أذناك حسن خطابنا  خلعت عنك ثياب العجب و جئتنا
ولو ذقت من طعم المحبة ذرةً  عذرت الذي أضحى قتيلاً بـحبنا
ولو نسمَتْ من قربنا لك نسمةٌ  لَمِتَّ غريباً واشتيقانا لقربنـــا
ولو ذقت من طعم المحبة ذرةً  عذرت الذي أضحى قتيلاً بحبنـا
***

 

المؤمن التقي لا يشيخ:

 إن الدنيا والله مملة، والإنسان ينتهي بها إلى السأم والضَجَر، يقول لك: مللت، أحياناً تجلس مع واحد متقدم بالسن، تحس بالملل يلفّحه من كل جانب، يشعر أن حياته غدت هامشية، أما المؤمن فإنه لا يشيخ أبداً، هو شابٌ دائماً إلى أن يأتيه الأجل، لأن هدفه كبير، تجده في السبعين والثمانين شابا.
 أحد العلماء في مصر بلغ مائة وثلاثين سنة، وهو بأعلى درجة من ملكاته العقلية والذهنية، عالم جليل في الشام تخرج من تحت يده أربعة أجيال، كان يقول للطالب: أنت طالبي، وكان أبوك تلميذي وجدك تلميذي، مات في السابعة والتسعين، وهو بأعلى درجة من النشاط، منتصب القامة، حاد البصر، مرهف السمع، أسنانه في فمه، يا سيدي، ما هذه الصحة ؟ يقول: " يا بني، حفظناها في الصغر فحفظها الله علينا في الكبر ".
 والله إنّ المؤمن له شيخوخة تضلّ بها العقول، يزداد مكانة، يزداد وعيًا، يزداد إدراكًا ؛ والعياذ بالله إذا أمضى الإنسان شبابه في معصية الله فيُردّ إلى أرذل العمر، تجد أهله يضيقون به ذرعاً، ظله ثقيل، يعافه الناس، ينفَضُّون من حوله.

(( من تعلم القرآن متعه الله بعقله حتى يموت ))

[ ورد في الأثر ]

 يا أيها الإخوة الكرام، حينما تتعرفون إلى الله عزَّ وجل، وتلتزمون أمره ونهيه، ضمنتم سعادة الدنيا والآخرة.

﴿ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا(71) ﴾

( سورة الأحزاب )

 فاز.

 

﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ(185) ﴾

 

( سورة آل عمران )

 اركلوها بأقدامكم، إنسان من أجل المال يعصي الله عزَّ وجل ؟! لا خير في دنيا جاءت على معصية الله، المؤمن كما أقول لكم: يستوي عنده التبر والتراب، أيْ أنّ مائة مليون تقدَّم إليه مع شبهة يركلها بقدمه.
 والله أخ من إخواننا لا أعرفه، ولكنه أعطاني ورقة، قال لي: سمعت درس الأمانة بجامع العثمان قبلِ سنة، وبيدي عشرون مليون لجهة، وتوفي صاحبُ هذا المبلغ، ولم يعلم بأن مالَ أبيهم عندي، فذهبت ونقدته للورثة إرضاءً لله عزَّ وجل، هذا المؤمن يستوي عنده المائة مليون مع الليرة، المبلغان كبيره وصغيره سيان في جنب طاعة الله عزَّ وجل.
 إذًا: القضية قضية خطيرة جداً، مصير أبدي، فالإنسان إذا اصطلح مع الله شعر بسعادة كبرى، دخل في السلام ؛ علاقاته مع ربه دخل سبلَ السلام، علاقاته مع من حوله كلها سلام، وحياة المؤمن سلامٌ في سلام.
 هذا معنى قوله تعالى:

﴿ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ (40)﴾

 فأنت لم تقدم ثمن الجنة، بل قدمت سببًا لدخول الجنة، الاستقامة والعمل الصالح سبب، كمن يشتري مفتاحًا بست عشرة ليرة، ويسكن في بيت ثمنه ثلاثون مليونًا، الثمن شيء، والمفتاح شيء، هذا معنى:

﴿ بِغَيْرِ حِسَابٍ (40)﴾

 لو الله أراد أن يحاسبك، لما وجدت أنك قد فقدت شيئًا زائدا، كلها عشر سنوات، أو عشرون سنة تبت خلالها لله عزَّ وجل، ماذا فعلت ؟ كم فرضًا صليت، وكم شهرًا صمت ؟ كله معدود، بينما الآخرة أبدية من دون حساب، هذا المعنى.
 في الدرس القادم إن شاء الله تعالى نفسّر قوله:

﴿ وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (41) ﴾

دعوة إلى النجاة ودعوة إلى النار:

احذروا الدعوة إلى جهنم:

 هناك دعوتان، دعوةٌ إلى النجاة من قِبَلِ أهل الحق، ودعوةٌ إلى النار من قبل أهل الدنيا، فإذا قال لك واحد: ضعها برقبتي، غب من الدنيا بقدر ما تقدر ـ هذه دعوة لجهنم ـ أطلق بصرك، تمتع بالحياة ـ دعوة إلى جهنم ـ خذ المال ولا يهمك، حلال على الشاطر ـ هذه دعوة إلى النار ـ آلاف التوجيهات يلقيها الناس بعضُهم على بعضٍ كلها دعوةٌ إلى النار، يقول له: ما زلت صغيراً، التفت إلى شبابك، تمتع بالحياة ـ دعوة إلى النار ـ فانتبه هناك دعوةٌ إلى الجنة، وهناك دعوة إلى النار.
 إذا: دعيت إلى أكل المال الحرام فهي دعوةٌ إلى النار، إذا دعيت إلى اقتناص الشهوات من أي طريق فهي دعوةٌ إلى النار، إذا دعيت إلى معصيةٍ فهي دعوةٌ إلى النار، إذا دعيت إلى الدنيا والانغماس فيها فهي دعوةٌ إلى النار.
 إذا دعيت إلى معرفة الله، فهي دعوةٌ إلى النجاة أولاً، ثم إلى السعادة ثانياً، إذا دعيت إلى طاعة الله، إذا دعيت إلى أن تقف عند حدود الله، إذا نُهِيَت عن عملٍ سيِّئ، إذا نهيت عن كسبٍ حرامٍ، إذا نُهِيَت عن تجاوزٍ للحدود، فانتبه هناك دعوة إلى النار، وهناك دعوة إلى الجنة، دعوةٌ إلى النجاة، ودعوة إلى الهلاك، دعوة إلى السعادة دعوة إلى الشقاء، وأنت بين دعوتين، ولحكمةٍ بالغةٍ جعل الله الدعاة من الصنفين متوافرين في كلِّ مكان.
 لا تدقق هذه الكلمة البسيطة: ( لا تدقق ) دعوةٌ إلى جهنم، لمَ لا أدقق ؟

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(92)عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ(93) ﴾

( سورة الحجر )

 يقول لك: الله غفور رحيم.

 

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه (7 )وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه(8) ﴾

 

( سورة الزلزلة )

 اعلم علم اليقين أن الحساب بالذرات، وهذه آيات قرآنية، فأية دعوة إلى التفلُّت، إلى التساهل، إلى كسب المال غير المشروع، إلى اقتناص الشهوات هي دعوة إلى جهنم، يقول لك: يا أخي نحن هكذا ربينا، وهكذا نشأنا، وهكذا أبي علَّمنا، فهل أبوك نبي ؟ أبوك شخص من عامة الناس، قد يكون مخطئا، هناك شرع لله عزَّ وجل، هناك دعوةٌ إلى النار، وهناك دعوةٌ إلى الجنة، هناك دعوةٌ إلى الهلاك، وهناك دعوةٌ إلى النجاة.

﴿ وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ ﴾

 فإذا وفِّق الإنسان، وحجَّب ابنته يجد معارضة، ويجد من يقول: خسارة، إذا أطاعت ربها فهل بذلك خسرت ؟ إنها نجت وربحت.
 إنّ الإنسان إذا تعفف عن دخل حرام يَعتَبِرهُ الناس مجنوناً، ويقولون له: فرصة سنحت لك اغتنمها وخذها، المال غير مشروع، يُتهم الورعُ بعقله بآخر الزمان، لذلك:

 

(( إن الدين بدأ غريبا، و سيعود غريبا، فطوبى للغرباء الذين يصلحون ما أفسد الناس بعدي من سنتي ))

 

[ كنز العمال عن عمر بن عوف المزني ]

 قال تعالى:

 

﴿ وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ(41) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ ﴾

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018