القصة: 008 - التلطف والعطف والشفقة مع العصاة - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

القصة: 008 - التلطف والعطف والشفقة مع العصاة


2020-10-11

التلطف والعطف والشفقة مع العصاة.

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ الصادق الوعد الأمين .
أيها الأخوة الكرام ؛
في قصة لها مغزى ومؤثرة، قال الإمام مالك بن دينار: بينما هو ماشي في الطريق رأى رجلاً مخموراً، طرحته الخمرة أرضاً، والزبد على شفتيه، ويقول: الله، الله وهو في حالة الهذيان، فعظم على هذا الإمام أن يخرج هذا الاسم (اسم الجلالة) من فم نجس ، فتلطف معه، ومسح فمه، وأكرمه على الرغم من سكره، وبعد أن صحا قيل له لهذا السكران: أتدري من اعتنى بك واهتم بحالك ؟ إنه الإمام مالك، يبدو أن هذه العناية اللطيفة بهذا العاصي أثارت حساسيته.
إخوانا الكرام، أحياناً العصاة عندهم رقة، مغلوبون، يعصون الله ويبكون ويتألمون فالداعية الناجح يتلطف مع هؤلاء، يحتويهم، يأخذ بيدهم.
هذا المغني الذي أزعج أبا حنيفة سنوات طويلة بغنائه وعوده في الليل، وله أغنية مشهورة، أضاعوني وأي فتىً أضاعوا، فلما غاب عنه هذا الصوت علم أن به مكروهاً تفقد أحواله فإذا هو في السجن، ذهب إلى المسؤول عن السجن ليخلصه من السجن، أبو حنيفة بمكانته، بعلمه، بشأنه، فصاحب السجن إكراماً له أطلق سراحه، أركبه على دابته أردفه خلفه، قال: يا فتى، هل أضعناك ؟ ذاب بكاءً، وعاهد الله أن يدع الغناء.
يعني أنت إن رأيت عاصياً، بدل أن تعنفه، وأن تحتقره، وأن تشتمه، وأن تعين الشيطان عليه، تلطف به، أره عطفاً، وشفقة، وعندئذٍ تعينه على الشيطان، والفرق كبير جداً أن تعين الشيطان على العاصي، وبين أن تعين العاصي على الشيطان، بكى تأثراً وندماً، وتاب إلى الله عز وجل، وعاهد أبا حنيفة على أن يدع الغناء.
يعني أحياناً كما قال ابن عطاء الله السكندري: ربّ معصية أورثت ذلاً وانكساراً خير من طاعة أورثت عزاً واستكباراً، يعني في قصة أرويها كثيراً:
أن شاباً سمع من شيخه قولاً: يا بني إن لكل معصية عقاباً، هكذا سمع، يبدو أنه زلت قدمه في مخالفة، فحسب كلام شيخه توقع المصيبة، فانتظرها، زلت قدمه والآن ينتظر المصيبة، مضى أسبوع، أسبوعان، ثلاثة أسابيع، لم يحدث شيء لا في بيته، ولا في صحته، ولا في أولاده، فتعجب، ففي أثناء صلاته ناجى ربه، قال: يا رب لقد عصيتك فلم تعاقبني، قال: وقع في قلبه أن يا عبدي قد عاقبتك ولم تدرِ، ألم أحرمك لذة مناجاتي ؟.
أيام يكون أكبر عقاب للمؤمن أن يحجبه الله عنه، الناس لا يرون شيئاً، إنسان بكامل صحته، أموره كلها صحيحة، لكن محجوب عن الله عز وجل، هذا من تأديب الله لأوليائه، الذنب يحجب، والآية الكريمة:

﴿ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ﴾

بعضهم قال: من أطاع عصاك فقد عصاك.
الأب البطل، المعلم البطل الذي يجعل من إعراضه عن ابنه، أو عن تلميذه أكبر عقاب له، أما من استخدم الضرب والتعنيف ذهبت هيبته وكان حاجزاً كبيراً بينه وبين من يربيه.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018