الدرس : 10 - سورة غافر - تفسير الآيات 29 ـ 33 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 10 - سورة غافر - تفسير الآيات 29 ـ 33


1993-08-13

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة المؤمنون، مع الدرس العاشر من سورة غافر، ومع الآية التاسعة والعشرين، ولكن قبل أن نمضي في الحديث عن الآية التاسعة والعشرين، لا بد من وقفة قصيرةٍ مرةً ثانية عند قوله تعالى:

﴿ وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ ﴾

وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ

1 ـ كتمان للإيمان:

 الله سبحانه وتعالى وصف هذا المؤمن بأنه يكتُمُ إيمانه، والإنسان قد يكتم إيمانه من خلال ثيابه، فيرتدي ثياباً لا تدل على حقيقته، وقد يكتم إيمانه من خلال سكوته أحياناً، من خلال أثاث بيته، أو أثاث مكتبه، فكتمان الإيمان يكون تارةً بالسكوت، وتارةً بالثياب، وتارةً بوضع مقر العمل، أو مقر السكنى من دون أي مظهر، هذا كتمان للإيمان.
 على كلٍّ، هذا المؤمن هل كتم إيمانه إلى ما لا نهاية ؟ لا لم يكتم إيمانه أبدًا، بلْ صرَّح بإيمانه وأظهره.

 

2 ـ متى ينبغي أن نكتم الإيمان، ومتى ينبغي أن نجهر به ؟

 

 السؤال إذًا: متى ينبغي أن نكتم الإيمان، ومتى ينبغي أن نجهر بالإيمان ؟
 إن الإنسان إذا كتم إيمانه إلى ما لانهاية فأين إيمانه ؟ وما قيمة إيمانه ؟ هناك من يقول: أنا مسلم من ثلاثين عامًا، أو من خمسين عامًا، بعض النصارى أحياناً يقولون: نحن مسلمون، فلمَ لم تظهر إيمانك ؟ لا بد من إظهار الإيمان، هذا الذي يعمل من وراء ستارٍ كيف يستطيع أن يهدي الآخرين ؟ أن يدفع الآخرين إلى الإيمان ؟
 إذاً: هذا المؤمن مؤمن آل فرعون كتم إيمانه في مرحلة، ثم أعلن عن إيمانه في مرحلةٍ أخرى عندما صار لزاماً عليه أن يعلنه، فإذا كان كتمان الإيمان يجر الإنسان إلى معصيةٍ فينبغي أن يظهر إيمانه، وإذا كان كتمان الإيمان يجره إلى تضييع حقٍ فينبغي أن يظهر إيمانه، أما إذا كان إظهار الإيمان يسبِّب لك متاعب كثيرة من دون أن تحرز أية مكاسب فلا داعي لإظهاره.
 ففي مجال العمل أحياناً لو أظهرت إيمانك لأصابك عنتٌ ومشقة، وقد يجرّ ذلك إلى متاعب لا نهاية لها، فنحن نكتم إيماننا حينما لا تكون مَدعاة لإظهار الإيمان، أما إذا كان كتمان الإيمان يؤدِّي إلى معصيةٍ، أو إلى انحرافٍ، أو إلى هضم حقٍ، أو إلى مجاراة مبطلٍ، أو إلى مداراة مبتِدعٍ، أو إلى تطمين منحرفٍ، هذا ليس كتمان إيمان، بل هذا عدم إيمان.
 كل إنسان مؤمن لا بد من أن يظهر إيمانه بشكلٍ أو بآخر، من خلال حركاته، من سكناته، من بيته، من عمله، من علاقاته، من ورعه، من غض بصره، من صدق لسانه، من نعومته، ولكن أحياناً الإنسان يظهر إيمانه دون أن يحقق غاية مرجوة، فلو بقي طيَّ نفسه لكان خيرًا له وأجدى.
 إذاً: هذا المؤمن، مؤمن آل فرعون، كتم إيمانه في بادئ الأمر، فلما رأى أن فرعون سيتَّجه إلى قتل موسى هل بقي ساكتاً ؟ عندئذٍ كشف القناع، وأعلن عن إيمانه، إذاً أن تتكتم على إسلامك وإيمانك إلى ما لانهاية، وأن يكون كتمان إيمانك سببًا لاقتراف معصيةٍ، بترك صلاةٍ، بمماراة مبتدعٍ، لمصانعة قويٍ، لمداهنةٍ، لهضم حقٍ، لعدوانٍ على حقوقٍ أخرى، فلا بد من الوضوح وكشف القناع، وهذا حالُ مؤمن آل فرعون في بادئ الأمر كتم إيمانه، ثم لم يلبث أن أظهر إيمانه، لأن الهدف كبير في استمرار موسى ودعوته.
 سُقْتُ هذا الكلام لأنك تستمع أحياناً كثيرة إلى رجل من دينٍ آخر يقول لك: أنا من ثمانين عاماً مسلم، كنت أخاف أن أعلن إسلامي فيقوم علي بنو قومي، هذا كلام غير مقبول، لأن بعض العلماء قال: إن لم تبدِ إيمانك فلست مؤمناً، ومن علامة الإيمان أن تنطق بالشهادة، أن تقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، الحق وسط بين طرفين، أن تمضي إلى ما لانهاية في كتمان الإيمان على حساب ورعك، على حساب فرائضك، على حساب واجباتك الدينية، على حساب إحقاق الحق فليس صحيحًا.

السكوت عن المنكر سبيل الهلاك:

 لقد آمنت إذًا، وإذا أعلنت أنك لا تشرب الخمر لأن هذا محرَّم، لعلك تشدّ من عضد الآخرين في مجال الإيمان، إذا قمت إلى الصلاة لعل كثيرين يقومون معك إلى الصلاة، فالسكوت في مجالات كثيرة مدمرة، قال تعالى:

﴿ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ ﴾

( سورة المائدة: من الآية 79 )

 سبب إهلاك بعض الأقوام أنهم:

﴿ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ﴾

( سورة المائدة: من الآية 79 )

 والله سبحانه وتعالى حينما قال:

﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾

( سورة آل عمران: من الآية 110 )

 خيرية هذه الأمة بأنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المُنكر:

﴿ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ ﴾

( سورة آل عمران: من الآية 110 )

 فلو تركتْ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لفقدتْ خيريتها، ولأصبحت أمةً مثل بقية الأمم، لا ميزة لها إطلاقاً عند الله عزَّ وجل، فهذه الخيرية معللةٌ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هذا يدعونا إلى أن نُؤمن أنه لا إله إلا الله، وأن الله بيده الأمر كلُّه، وإليه يرجع الأمر كله، بيده ملكوت السماوات والأرض، وكلمة الحق لا تقطع رزقاً ولا تقرِّب أجلاً.

﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ(62) ﴾

( سورة الزمر )

﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ(55)إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ﴾

( سورة هود )

 تتعقل إلى حد، وتتوكل إلى النهاية، تتعقل وتكف عنك الأذى، ولا تسبب لنفسك متاعب لا حصر لها من دون أن تكسب شيئاً التعبير الدقيق فلا داعي لأن تسبب لنفسك متاعب لا حصر لها من دون أن تكسب شيئاً، ولا داعي أن تسكت عن إيمانك إلى درجة أنك تذوب في مجتمع الكفر، تذوب وينسى الناس أنك مسلم، كلما تجاوزوا حدودهم معك سكتَ لئلا يُعرف أنك مسلم، فإلى متى يستمر السكوت ؟
 أردت من هذا التعليق أن يقف المؤمن موقفاً متوازناً، متى ينبغي أن يظهر إيمانه، ومتى ينبغي أن يكتم إيمانه، إذا كان في إظهار إيمانه متاعب لا حصر لها دون أي مغنم إيماني، دون أن يُحِقَّ حقاً، دون أن يُبْطِلَ باطلاً، فلا داعي لإظهاره، ولا بأس بكتمانه، والنبي عليه الصلاة والسلام قال:

 

(( ليس بحكيم من لم يدارِ من لا بد من مداراته ))

 

[ ورد في الأثر ]

(( إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا، وَهَوًى مُتَّبَعًا، وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ فَعَلَيْكَ بِنَفْسِكَ، وَدَعْ عَنْكَ الْعَوَامَّ، فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامَ الصَّبْرِ، الصَّبْرُ فِيهِ مِثْلُ قَبْضٍ عَلَى الْجَمْرِ، لِلْعَامِلِ فِيهِمْ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلا يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِهِ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْهُمْ ؟ قَالَ: أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ ))

[ سنن أبي داود عن أَبي أُمَيَّةَ الشَّعْبَانِيُّ ]

 هذا مقياس دقيق.
 إذاً: كتمان الإيمان مقبول إذا كان في إظهار الإيمان متاعب دون تحقيق مكاسب، وكتمان الإيمان مرفوضٌ إذا جَرَّ إلى معصيةٍ، أو مداهنةٍ، أو معاونةٍ، أو تضييع حقٍ، أو ترويج بدعةٍ، أو توقير منحرفٍ، إذا أدَّى الكتمان إلى السلبيات فلا خير في كتمان الإيمان، وأكبر شاهد هذا الرجل المؤمن الذي ذكره الله عزَّ وجل في القرآن الكريم إذ كتم إيمانه في مرحلة، فلما رأى خطراً يتهدد هذا النبي الكريم انطلق، وأفصح عن إيمانه، ولم يبق إيمانه في حَيِّز الكتمان.
 إذاً: دائماً الحق وسط بين طرفين، التطرُّف الأول أن تكتم إيمانك إلى ما لانهاية، إلى درجة أن الناس ينسوا أنك مسلم، لكن كلما تجاوزوا حدودهم، وكلما ضغطوا عليه فخنعت، ورضيت حفاظاً على كتمان إيمانك، فليس هذا من أمر الشريعة في شيء، الله سبحانه وتعالى قال:

﴿ وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ(139) ﴾

( سورة آل عمران )

 وإذا كان الله معك فمن عليك ؟

﴿ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ(79) ﴾

( سورة النمل )

 لا تأخذك بالله لومة لائم.

﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلا اللَّهَ ﴾

( سورة الأحزاب: من الآية 39 )

 الأمر إذا وصل إلى تضييع حق، إلى ترويج باطل، إلى دعم مبتدع، إلى توقير مُنحرف، إلى تعظيم مُلحد، إلى تضييع حق، لا خير في كتمان الإيمان عندها، أما إذا أعلنت إيمانك، وسببت لنفسك متاعب لا حصر لها من دون أن تكسب شيئاً إطلاقاً، ليس بحكيم من لم يدار من لا بد من مداراته، فالحكمة ضالة المؤمن، والمؤمن الصادق يهتدي إلى ربه، قال عليه الصلاة والسلام:

 

(( إِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي ))

 

[ صحيح البخاري عن عَبْدِ اللَّه ]

 صدقك في طلب رضوان الله عزَّ وجل يهديك إلى الطريق الصحيح، وحينما تتحرَّك وفق منهج الله، ووفق تعليمات النبي عليه الصلاة والسلام، فإن الله سبحانه وتعالى يتولَّى أمرك، ولا يضيُّعك، ولا يتركك، ولا يسلمك لخصومك.
 مؤمن آل فرعون لكلماته معانٍ دقيقة، ولنطقه عظاتٌ بليغة، يقول:

﴿ يَا قَوْمِ لَكُمْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا ﴾

يَا قَوْمِ لَكُمْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا

1 ـ المؤمن لا خوفٌ عليه ولا هو يحزن:

 المعنى الضمني: أن الإنسان إذا كان قويًا، إذا كان غنيًّا، إذا كان الله عزَّ وجل أكرمه بمنصب رفيع، أو بدخل كبير، أو بمكانة اجتماعية عالية، فهذا الشيء الذي تفَضَّلَ الله به عليه لن يدوم إلى الأبد، فلا بد من يومٍ يزول عن صاحبه.
 ولكن المؤمن ـ هذه النقطة مهمة جداً ـ إذا آتاه الله شيئاً من الدنيا فحظه من الآخرة أوفر، والمؤمن خَطُّهُ البياني في صعودٍ مستمر، حتى لو جاء الموت، هو ما بعد الموت أسعد منه مما قبل الموت، لأن الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا ﴾

( سورة التوبة: من الآية 51 )

 فالمؤمن لا خوفٌ عليه ولا هو يحزن، لا خوفٌ عليه مما هو قادمٌ عليه ولا هو يحزن على ما فاته، يا قومي، طبعاً كلمة يا قومي تعني أن مؤمن آل فرعون من القبط، من آل فرعون، يؤكد هذا قوله:

 

﴿ لَكُمْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ ﴾

 أي هل هذا الملك إلى ما لانهاية ؟ لا، فالموت بالمرصاد لكل إنسان، سبحان من قهر عباده بالموت.
 هنا نقطة دقيقة، القوي يموت، والغني يموت، والمنحرف يموت، والمستقيم يموت، فالموت يلغي كل شيء، يلغي غنَي الغني، وفقر الفقير، وقوة القوي، وضعف الضعيف، وحكمة الحكيم، وصحة الصحيح، ومرض المريض.

 

 

﴿ لَكُمْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا ﴾

 هنا المعنى الثاني الدقيق بيَّنه النبي عليه الصلاة والسلام والحديث يحث على العمل الصالح، فقال:

 

 

(( بادروا بالأعمال سبعا ـ بادروا، اغتمنوا، سابقوا ـ هل تنتظرون ))

 

[ الترمذي ]

2 ـ كسبتَ كلَّ شيء، ثم ماذا ؟

 تقول مثلاً: مرة كانت بعض الدروس تدور على محور إيجابي رائع، ثم ماذا ؟ كذلك عملت عملاً عظيمًا، ونلت مبالغ طائلة، ثم ماذا ؟ الموت بعد ذلك، سوف تحاسب عن كل ما فعلته، هذا المال من أين اكتسبته وفيم أنفقته ؟ سوف تحاسب عليه، ولو بلغت أعلى منصب ثم ماذا ؟، لابد من الموت بعدها، إنك ميتٌ وإنهم ميتون، ولو تمتع الإنسان بكل مباهج الحياة، لم يدع شهوةً إلا ومارسها، لكن ثم ماذا ؟ بعد ذلك الموت، لو تمتع بمجد رائع جداً، ثم ماذا ؟ بعد ذلك الموت، لهذا قال عليه الصلاة والسلام:

(( بادروا بالأعمال الصالحة، فماذا ينتظر أحدكم من الدنيا ))

هل تنتظرون إلا...

 ماذا في الدنيا ؟ انظروا إلى الناس، الإنسان في أول حياته له اهتمامات، اهتماماته مدرسية، بعد ذلك اهتمامات عمل، بعد ذلك زواج، بعد ذلك سكن، بعد ذلك تزويج أولاده وبناته، بعد ذلك صحة، بعد ذلك عظَّم الله أجركم، وهي مرحلة لا بد منها، الحياة تمضي، والإنسان يتحرك نحو مصيره المحتوم، ماذا ينتظر أحدكم من الدنيا ؟ يقول عليه الصلاة والسلام:

(( هل تنتظرون إلا فقرا منسيا ))

[ الترمذي ]

 فهناك آلاف الأشخاص الذين هم على غنًى عريض، فجأةً فقدوا كل أموالهم، فصاروا يتكففون الناس.

 

(( هل تنتظرون إلا فقرا منسيا ))

 

[ الترمذي ]

 فقرًا ؛ ينيسك أيام الرخاء كلها، ينسيك المباهج كلها، ينسيك المسَرَّات كلها.

 

(( فقرا منسيا، أو غنى مطغيا ))

 

[ الترمذي ]

 والغنى المطغي مصيبة من أكبر المصائب، فالإنسان غالبا من دون غنى مستقيم، فإذا اغتنى أصبح عاصياً لله عزَّ وجل.

 

(( أو غنى مطغيا، أو مرضا مفسدا ))

 

[ الترمذي ]

 مرض يجعل حياة الإنسان جحيماً.

 

(( أو هرما مفندا ))

 

[ الترمذي ]

 تقدم في السن مع الخرف، مع أرذل العمر مال إلى النسيان، صار حشَرياً، أعاد القصة مئات المرَّات، تدخَّل فيما لا يعينه، انفضَّ الناس من حوله، تركوه في غرفته وحده، اختل توازنه، صاح بأهله، شكاهم لزوَّاره، أصبح وجوده عبئاً على أهله، هذا مرض مفنِّد:

 

(( أو موتا مجهزا ))

 

[ الترمذي ]

 كان إنساناً وفجأةً صار خبراً، كان ملء السمع والبصر فصار حديث الناس، كان فوق الأرض، فصار تحتها، كان متربعاً على مكانةٍ عليةٍ في بيته وفي عمله، فصار ملقىً تحت التراب، بات خبرًا.
 إذاً:

 

(( هل تنتظرون إلا فقرا منسيا، أو غنى مطغيا، أو مرضا مفسدا، أو هرما مفندا، أو موتا مجهزا، أو الدجال فشر غائب ينتظر، أو الساعة فالساعة أدهى ))

 

[ الترمذي ]

 مؤمن آل فرعون أدرك أن الأمور تتحول، كل حالٍ يزول.
 هناك ملِك قال لوزيره: قل لي كلمةً إن كنت فرحاً أحزن، وإن كنت حزناً أفرح ؟ قال له: كل حالٍ يزول، انظر إلى أي مكان، فإنك ترى خلائف، فالناس خلائف، هذه البيوت سكنها قبلنا أناس، وسيسكنها بعدنا أناس، هذا معنى خلائف، وهذه المحلاَّت التجارية استعملها قبلنا أناس، وسيديرها بعدنا أناس، الإنسان شيء طارئ حادث.

﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا(1) ﴾

( سورة الإنسان )

 فقال.

 

﴿ يَا قَوْمِ لَكُمْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ ﴾

 

يوم مفقود و يوم مشهود و يوم موعود و يوم مورود و يوم ممدود:

 هناك يوم مفقود، هذا الماضي، ولن يعود، والحديث عنه تضييع وقت، وهناك يومٌ مشهود نعيشه الآن، هذه الساعة التي نحن فيها، وهناك يومٌ موعود، الموت، وهناك يومٌ مورود، يوم القيامة، وهناك يومٌ ممدودٌ إلى أبد الآبدين، فأنت بين يومٍ مفقودٍ ومشهودٍ وموعودٍ ومورودٍ وممدود، أخطر هذه الأيام اليوم المشهود، الساعة التي أنت فيها، لأن الماضي انتهى، المستقبل متعلِّق بالحاضر، فإن كنت في يومك المشهود مطيعاً لله عزَّ وجل، يومك الموعود إن أتى فهو استمرار لطاعتك، وإن لم يأتِ لا تندم على عدم مجيئه، هذا أكمل موقف، لذلك هلك المسوِّفون.
 فهذه إشارة دقيقة، أي أنتم يا آل فرعون لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض، لكن هل هذا الملك إلى ما شاء الله ؟ لا، هناك موت، وهو بالمرصاد، الحياة تنقطع وتنتهي، فإذا انقطعت الحياة، ولم نكن نعرف الله عزَّ وجل، وفعلنا ما فعلنا، وأكلنا ما أكلنا، وانتهكنا ما انتهكنا، واعتدينا ما اعتدينا، وجاء أمر الله عزَّ وجل ليحاسبنا عن كل صغيرةٍ وكبيرة.

﴿ فَمَنْ يَنصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا ﴾

فَمَنْ يَنصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا

 هذه مناقشة منطقية، وكل واحد منا إذا ناقش نفسه نقاشًا منطقيًا، حاور نفسه حوارًا عقلانيًا، وتأمَّل حياته، وتأمل مصيره، وتأمَّل تاريخه، تأمل حركته في الأرض، تأمَّل رسالته، تأمل مهمته، يهتدي إلى الحق.

﴿ بَلْ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (15) ﴾

( سورة القيامة )

 كلمة بالغة:

 

﴿ يَا قَوْمِ لَكُمْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ ﴾

 لا عبرة لهذا اليوم، بل العبرة لما بعده، والغنى والفقر بعد العرض على الله، البطولة لا أن تكون في شبابك قوياً، أن تكون في شيخوختك محفوظاً من متاعب الدنيا، من الخرف، من أرذل العمر، بل العبرة في أن تكون في قبرك سعيداً، كأنه روضة من رياض الجنة، وأن تكون يوم القيامة حميداً، هذه البطولة.

 

 

﴿ قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى ﴾

 

قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى

1 ـ الفراعنة كانت لهم حضارة:

 لو ذهب الإنسان إلى مصر، ورأى متاحفها، لرأى العجب العجاب، أين كان هؤلاء الذين أشادوا الأهرامات، نحتوا الأصنام، جعلوا هذه المقابر تحت الأرض فيها كل شيء، فيها من الذهب بكمياتٍ مذهلة، طعامهم، خبزهم، لحمهم كان تحت الأرض، لعقيدةٍ فاسدة أنهم يَحْيَوْنَ بعد الموت، لذلك فإنك ترى آثارًا من الخبز المحنَّط حتى الآن من ستة آلاف عام، من اللحم المحنط حتى الآن، أدواتهم، مركباتهم، سلاحهم، حليُّهم، ذهبهم، شيء لا يصدق، إنها حضارةٌ تحت الأرض بأكلها، أين هم الآن ؟

﴿ يَا قَوْمِ لَكُمْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا ﴾

 معنى ذلك أن كل واحد منا يحذر أن يغتر بشبابه، بمكانته، بدخله الكبير، باسمه المتألِّق، لينظر يوم يأتي ملك الموت ويقول له: تفضل معي ؟ إلى أين ؟ إلى قبر مساحته متران مربعان فقط، كل شيء يتركه في ثانيةٍ واحدة، لا يستطيع أن يأخذ معه شيئاً أبدًا، والعوام يعبرون عن هذه الحقيقة فيقولون: " إنَّ الكفن ليس له جيوب "، أي لا تجد جيباً له لتَضع فيها دفتر الشيكات، لا يأخذ إلا عمله الصالح أو الطالح، فهذه إشارة، أي أنتم الآن يا آل فرعون ملوك، ولكن نريد أن نعرف ما مصيركم بعد الموت ؟

 

﴿ لَكُمْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾

 

 

2 ـ لا يكون الاتباع المطلق إلا للنبي عليه الصلاة والسلام:

 الإنسان العاقل لا يمكن أن يكون مطية خطأ لإنسان، ولا يمكن أن يكون ضحيةً لإنسان، ليس على وجه الأرض إلا إنسان واحد يمكن أن تكون مُتّبعاً له، هو النبي عليه الصلاة والسلام لأنه نبي، ولأنه معصوم، ولأنه رسول، ولأنه لا ينطق عن الهوى، ولأنه من عند خالق الكون، ولأن الله أمرك أن تتبعه، وأمرك أن تنتهي عما عنه نهاك، والذين يعلّمون الناس من بعده إذا اتبعوا سنته رشفوا عن حقيقته.
 أي أننا إذا قلنا لك: اسمع كلام هذا المرشد، أو هذا العالم، أو هذا الداعية، لا يمكن أن يأتي من عنده بشيء، هو يشفُّ عن سنة رسول الله، فمن بعد النبي الصحابة والتابعون، والعلماء العاملون، والفقهاء والمحدثون، والدعاة والمرشدون، والمربون والأساتذة، هؤلاء الذين جاءوا من بعد النبي عليه الصلاة والسلام، والذين ينوبون عن النبي صلى الله عليه وسلم في تبليغ الناس هؤلاء لا يستطيعون أن يأتوا من عندهم بشيء إطلاقاً، إنما أنا متبع، ولست بمبتدعٍ، والنبي عليه الصلاة والسلام هو المشرِّع، وهو الذي يوحَى إليه، وهو المعصوم، إذاً أنت بإمكانك أن تتبع إنساناً واحداً وأنت مغمض العين، ومع ذلك قال تعالى:

﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي ﴾

( سورة يوسف: من الآية 108 )

 عَلَى بَصِيرَةٍ، لكنه معصوم ويوحَى إليه، وقد أُمِرْنَا أن نتبعه بنص القرآن الكريم، أمّا أيُّ إنسان نقل لنا بأمانة سنة النبي علينا أن نتبعه، وهذا ليس اتباعاً له إنما هو اتباعٌ للنبي، فليس على وجه الأرض إنسان يمكن أن تتبعه لذاته، إن فعلت هذا كنت ضحيةً له، كنت أحد أخطائه.

﴿ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ ﴾

 إن كانت رؤيته غير صحيحة، إن كان في عمىً، إن كان في ضلال، إن كان في متاهة، إن كان في انحراف، هل يستطيع هذا الذي اتبعته أن يخلّصني ؟
 ألم تسمعوا قصة أصحاب النبي عليهم رضوان الله، حيث أمَّر عليهم أحدهم، وأمَّرهم بسريةٍ بمهمةٍ، فلما غادروا المدينة تغاضبوا ـ ولحكمةٍ بالغةٍ بالغة كانت هذه القصة ـ فقال أميرهم ":ألست أميركم ؟ قالوا: " بلى "، قال: " أليست طاعتي من طاعة رسول الله ؟ "، قالوا: " بلى "، قال: " فأضرموا ناراً عظيمة فأضرموها، قال: " اقتحموها "، وقفوا، تأملوا ملياً، حكَّموا عقولهم، قالوا: إنما آمنا بالله ورسوله فراراً من النار، كيف نقتحمها ؟ "، اختلفوا، بعضهم قال: " نقتحمها، لأن طاعَة الأمير طاعةٌ لرسول الله "، بعضهم قال: " والله لا نقتحمها "، لما رجعوا، رفعوا أمرهم إلى النبي عليه الصلاة والسلام، ماذا قال عليه الصلاة والسلام ؟ قال:

 

(( لَوْ دَخَلُوهَا مَا خَرَجُوا مِنْهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ ))

 

[ البخاري ومسلم عن علي ]

 ماذا قال سيدنا الصديق ؟ قال: << وُلِّيت عليكم ولست بخيركم، إن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوِّموني >>، أي راقبوني، أي أنه طلب من كل فردٍ من أفراد رعيته أن يراقبه، إن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، إذاً: هذه سنة النبي.

لا يزاد في الدين ولا يُنقص منه:

 عندنا في حياتنا إنسان واحد يمكن أن نطيعه من دون مراجعة، هو النبي عليه الصلاة والسلام، لأنه جاء بهذا القرآن، ولأن هذا القرآن فيه إعجاز، إذاً هو كلام الله، والله يأمرنا أن نتبعه، وهو المعصوم عن أن يخطئ في أقواله وأفعاله وأحواله، وأي إنسانٍ بعد النبي عليه الصلاة والسلام ينقل لك سنة النبي كما هي من دون زيادة أو نقصان، أو تحريف أو تأويل، أو تكلُّف، فعليك أن تطيعه، وحينما تطيعه أنت بالتأكيد لا تطيعه، ولكنك تطيع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعبارة بسيطة أقول: العلماء من بعد النبي يجب أن يكونوا كلوح الزجاج يشفون عن سنة النبي، دون أن يكون لهم أي تدخل، لا بزيادة ولا بنقصان.

﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِينًا ﴾

( سورة المائدة: من الآية 3 )

 هكذا، بهذه الطريقة يستمر الإسلامُ كما بدأ، أما لو رأيت نهراً في منبعه صافيَ الماء، عذب الماء، ثم جاءته الروافد، إلى أن يصل في نهايته إلى مستوى يصبح الماء فيه أسود اللون فهذا من فعل الروافد المنبوذة، ولذلك نحن الآن نحتاج إلى أن نعود إلى ينابيع الدين، إلى أصل الدين، إلى الكتاب والسُنَّة، ولا نرضى إلاّ بإنسان متبعٍ للني عليه الصلاة والسلام يشف عن حقيقة النبي، وعن حقيقة الشرع، لأن الله عزَّ وجل يقول:

 

﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِينًا ﴾

 

( سورة المائدة: من الآية 3 )

 أيَّةُ زيادةٍ مرفوضة، في العقائد ليس هناك زيادة ولا نقصان، العقائد موقوفة، والعبادات موقوفة، هناك مجال واحد فقط، بالاجتهادات، بالأحكام الفقهية، يجتهد الفقهاء أحكاماً فرعيةً تفصيليةً من أدلةٍ كليةٍ، هذا المسموح به فقط، لذلك: << وُلِّييت عليكم ولست بخيركم، إن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم >>، معناها راقبوني، ألم يقل أحدهم لسيدنا عمر: << والله لو رأينا فيك اعوجاجاً لقوَّمناك بسيوفنا >>، فحمد الله تعالى، وأثنى عليه، وقال: " الحمد لله الذي جعل في رعيَّتي من يقوِّم اعوجاجي "، بهذا الدين وصلنا لأطراف الدنيا، بهذه العقيدة الصحيحة، بهذا الإخلاص الشديد، بإنكار الذات، فالذات تحت قدم الإنسان، أنت في سبيل الحق، إذا عزَّ أخوك فَهُن أنت، أما حينما نضيف على الدين أشياء، ونحذف أشياء، ونُجَيّر النصوص إلى مصالحنا، عندئذٍ يصبح الدين أدياناً، والإسلام أنواعاً منوعةً وانحرافاتٍ كثيرة، قال:

 

﴿ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ ﴾

 أي إيَّاك أن تكون ضحيةً لأحد، إيَّاك أن تكون مطية خطأ لأحد.

 

 

(( يا ابن عمر، دينك، دينك، إنما هو لحمك ودمك، فانظر عمن تأخذ، خذ الدين عن الذين استقاموا، ولا تأخذ عن الذين مالوا ))

 

[ كنز العمال عن ابن عمر ]

(( إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم ))

[ كشف الخفاء ]

 لا تقبل شيئاً إلا بالدليل من كتاب الله وسنة رسوله، ولا ترفض شيئاً إلا بالدليل، اقبل بالدليل وارفض بالدليل، ولولا الدليل لقال من شاء ما شاء، إن كنت ناقلاً فالصحة، وإن كنت مبتدعاً فالدليل، شيء لم يفعله أحد، وتفعله أنت أوَّل مرة فأنت مبتدع، هل عندك دليل على أن هذا العمل يقاس على عمل مشروع، بالقياس، أو بالإجماع ؟ إن كنت ناقلاً فالصحة، إن كنت مبتدعاً فالدليل، عوِّد نفسك أن تقبل أشياء بأدلتها، هذا الفكر إذا قبل الأشياء من دون أدلَّة انطمست بصيرته، أما إذا ناقش الأدلة صار إنسانًا واعيًا، ولَعالِمٌ واحد أشد على الشيطان من ألف عابد.

3 ـ الرؤية الفرعونية:

 فهذا فرعون ماذا يقول ؟ يقول:

﴿ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى ﴾

 أي إذا قال لك واحد: أنا هكذا أرى، قل له: ومن أنت ؟
 يقولون هذا عندنا غير جائزٍ
فرد عليهم:
 ومن أنتم حتى يكون لكم عندُ!
 مَن أنتم ؟ نحن لا يوجد عندنا إلا الله ورسوله فقط، ولا يوجد عندنا أكثر من ذلك.

 

يقولون هذا عندنا غير جائزٍ  ومَن أنتم حتى يكون لكم عِن
***

 فهل أنت محور العالم ؟ هل أنت مشرع ؟ هذه لم تعجبني، ومن أنت ؟ هذه لم أقتنع فيها، ومن أنت ؟ هذه ليست معقولة، فيها شرع إلهي.
 سئل إنسان ذات مرة سؤالًا عن موضوع، فقال: هذا الموضوع لا ينبغي أن يطرح كسؤال، فسئل: لماذا ؟ إن الله عزَّ وجل أنزل فيه حكمه.

 

﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾

( سورة الأحزاب: من الآية 36 )

 انتهى الأمر.
 يستشف من هذه الآية أن الإنسان لا يكون ضحية لأحد، ولا يكون خطيئة أحد.

﴿ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى ﴾

﴿ وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى(79) ﴾

( سورة طه )

﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ(8) ﴾

( سورة القصص )

 هذه الحقيقة متى عُرِفَت ؟ بعد فوات الأوان، تمشي مع إنسان يدعوك إلى المعصية، لترك الدين، لمعاداة أهل الحق، ثم يأتي ملك الموت فإذا أنت الضحية، يا رب، فلان قال لي ذلك، يقال له: أين عقلك ؟

 

﴿ يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ(88) إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ(89) ﴾

 

( سورة الشعراء )

 فمن يقول لابنه: نحن يا بني هكذا نشأنا، هكذا ربينا، اسمع كلامي، لا تغلط، ضعها برقبتي، هذا كله كلام فارغ هراء، تكون ضحيةً لإنسان، ومطية خطأً لإنسان.

 

﴿ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى ﴾

 أنت إنسان، ولهذا الكون خالق، ولهذا الخالق كتاب ومنهج، ولهذا الكتاب تفسير ـ هذه القصة كلها ـ هذا الكون العظيم له خالق يدل عليه، وهذا الخالق له كتاب أنزله، الدليل إعجازه، وهذا الكتاب له نبيٌ فسَّره، فهذا الكتاب الذي بين أيدينا هو كلام خالقنا، وشرحه النبي عليه الصلاة والسلام، وانتهى الأمر، فكل شيء جاء بالكتاب والسنة على العين والرأس، أما إذا عارض الكتاب والسنة فلك أن تركله بقدمك، ولا تثريب عليك، أما إذا أراد الإنسان أن يسمع كلام الناس فإنهم كما قال تعالى:

 

 

﴿ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ ﴾

 

( سورة الأنعام: من الآية 116 )

﴿ وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا ﴾

( سورة يونس: من الآية 36 )

 لو أنّ واحدًا قال لك:

 

﴿ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ ﴾

 فالقرآن لا ينبغي أن يكون كتاب تاريخ لنا، فلو أن أحد الناس كان أقوى منك، وقال لك: لا تخَف، ضعها برقبتي، هكذا أنا أرى، أنا أعرف صالحك أكثر منك، قل له: لا فأنت لا تعرف مصالحي، لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، اجعل هذه الكلمة شعاراً لك: لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق.
 هناك قصة أذكرها كثيراً: الحسن البصري كان عند والي البصرة ـ الحسن البصري تابعي ـ كان عند والي البصرة، وبينما هو عنده جاء البريد، فيه توجيه من يزيد بن معاوية، وهذا التوجيه لو فعله الوالي لسخط الله عليه، ولو لم يفعله لسخط الخليفة عليه، وقع في حرج شديد، عنده الحسن البصري فسأله، ماذا أفعل ؟ "، أجابه إجابةً تكتب بماء الذهب، قال له: " إن الله يمنعك من يزيد، ولكن يزيد لا يمنعك من الله ".
 كل إنسان أقوى منك ضغط عليك، فاعلم علم اليقين أن الله يمنعك منه، ولكنك إذا اتَّبعت توجيهه، هذا الإنسان مهما بدا لك قوياً لا يمنعك من الله، فالله عنده أمراض وبيلة، عنده أمراض تجعل حياة الإنسان جحيماً، ماذا نفعل ؟ أَمْرُكَ بيد الله، صحتك بيد الله، قلبك بيد الله، الدسامات بيد الله، الشريان بيد الله، الأبهر، التاجي، كل أمور الناس بيد الله عزَّ وجل، الكليتان بيد الله، الفشل الكلوي مخيف جداً، وليس له حل، ثمن إجراء عملية زرع الكلية مليون تقريبا، ونسبة نجاحها بالمائة ثلاثون أو أربعون، الأمور كلها بيد الله، دخلك بيد الله عز وجل، عملك بيد الله، أهلك بيد الله.

 

﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾

( سورة هود: من الآية 123 )

 لذلك لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، على قدر ما يأتيك من ضغط فاسمع قول الله تعالى حكاية عن السحرة:

 

﴿ قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمْ الَّذِي عَلَّمَكُمْ السِّحْرَ فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى(71)قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا(72) ﴾

 

( سورة طه )

 انتهى الأمر، هذا هو المؤمن، لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
 " يا بني إما أن تكفر بمحمد، وإما أن أدع الطعام حتى أموت "، قال: " يا أمي، لو أن لك مائة نفسٍ فخرجت واحدةً واحدة ما كفرت بمحمد، فكلي إن شئتِ أو لا تأكلي "، ثم أكلت بعد ذلك، فالأساس هو: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، لك رب يجب أن تطيعه وحده، لكن عندما يطيع الإنسان الله وحده لا ينبغي أن يكون فظاً غليظ القلب مع الناس، لا، فبالتلطُّف وبالحسنى نأتيهم، ونتعامل معهم:

﴿ وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ﴾

( سورة لقمان: من الآية 15 )

﴿ وَقَالَ الَّذِي آمَنَ ﴾

وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ

 مؤمن فرعون.

﴿ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ ﴾

 هؤلاء الذين تحزَّبوا على الأنبياء، وقاموا لهم، وحاربوهم، وأخرجوهم، وكذبوهم، وسخروا منهم، وائتمروا على قتلهم، هؤلاء الأحزاب الذين تحزَّبوا على الأنبياء صلوات الله عليهم، هؤلاء مُنوا بهزيمةٍ منكرة وأهلكهم الله عزَّ وجل، فالنبي عليه الصلاة والسلام في أعقاب معركة بدر خاطب كفار قريش القتلى: " يا شيبة بن ربيعة ـ باسمه ـ يا أمية بن خلف يا فلان، يا فلان، يا فلان ". الصحابة دُهشوا !! قال: " هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً ؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقاً، لقد كذبتموني وصدقني الناس، وأخرجتموني وآواني الناس، وخذلتموني ونصرني الناس "، قالوا: "أتخاطب قوماً جَيَّفوا "، قال:"ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يجيبونني"، هذه ساعة عصيبة.

 

﴿ وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ(30)مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ ﴾

 

مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ

 دقة الآية: الله عزَّ وجل نفى عن نفسه إرادة الظلم، عندك إرادة وحَدَث، الإنسان أحيانًا كثيرة لا يظلم، ولكنه يريد أن يظلم، ولكن لم يتح له، أما ربنا عزَّ وجل:

﴿ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ ﴾

1 ـ لا تقف في وجه الحق:

 حذرهم إذاً من مغبَّة أن يحاربوا هذا النبي الكريم، فإن كل من حاربه، وكل من تحزَّب ضده عاقبته وخيمة، لأنه رسول الله، فذنب كبير جداً أن يكون الإنسان ضد الحق، أن يكون أحمق إلى درجة غير معقولة، وأن يتورط ورطة كبيرة، وأن يقف لإطفاء نور الله ـ فهذه نقطة مهمة جداً ـ إياك أن تكون في خندقٍ معادٍ لأهل الحق، انجُ بجلدك، تحارب مَنْ ؟ أأنت تحارب الله ورسوله، فهذا الدين العظيم لولا أنه دين الله لتبددت معالمه من مئات السنين، ولانتهى، لكن لأنه دين الله بقي صامداً، شامخاً كالطود، هناك مؤامرات على هذا الدين لا يعلمها إلا الله، ومع ذلك كلها باءت بالإخفاق، دين الله، إن الله ناصر نبيه، إن للبيت رباً يحميه، فأغبى إنسان هو إنسان وضع نفسه في خندق معادٍ لأهل الحق، معادٍ لهذا الدين، إنه عندئذٍ يحارب الله ورسوله.
 وهل بإمكان مخلوقٍ أن يطفئ نور الله عزَّ وجل ؟ وهل بإمكان مخلوقٍ أن ينهي دين الله عزَّ وجل ؟ ينتهي هو ولا ينتهي دين الله، هل بإمكان مخلوقٍ أن يلغي هذا الدين ؟ الذين أرادوا إلغاءه تهاوَوْا كبيت العنكبوت تحت سمعنا وبصرنا، من سبعين سنة قلعةٌ من قلاع الأرض ترفع شعار (لا إله)، فلمَّا أراد الله أن يخزيهم أصبحوا في أسفل سافلين اقتصادياً واجتماعياً وفكرياً وعسكرياً، الإنسان العاقل لا يمكن أن يكون في خندق معادٍ للحق، إن فعل هذا فإنما هو يحارب الله ورسوله، لا بريق للنصر، وتحارب الله.

2 ـ لا تطعن في الدعاة إلى الله:

 يقاس على ذلك أن على الإنسان ألا يطعن بالدعاة إلى الله، ألا ينتقصهم، فالأفضل له أن يسلم بنفسه، لأن لحم العلماء مسموم، إنسان مسخَّر لخدمة الناس، ويستفيدون منه، إيَّاك أن تحاول تحطيمه، إياك أن تحاول الطعن به، لأن هذا عمل غير أخلاقي، عمل غير ناجح، ولا يُجدي، هذا عملُ الذين استفادوا من شخص دعهم يستفيدون منه، لا تكن حجر عثرة، لا تكن عدواً للحق، لا تكن سبباً لإضلال الناس وإطفاء نور الإيمان.

﴿ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ ﴾

3 ـ مصير المعاندين إلى الهزيمة والعار:

 هؤلاء الذين تحزَّبوا على الأنبياء، وانتقصوا منهم، وكذَّبوهم، وسخروا منهم، واتهموهم بأنهم مجانين، أو أنهم كُهَّان أو شعراء، وأخرجوهم من ديارهم، وألَّبوا عليهم الناس وحاربوهم، ماذا فعل أبو سفيان ؟ عشرين سنة يحارب النبي، لما دخل النبي مكة المكرمة، نظر أبو سفيان إليه وقال: " ما أعقلك، وما أحكمك، وما أرحمك، وما أوصلك !! " كبار زعماء قريش عرفوا الحقيقة بعد فوات الأوان. فأنا أريد من هذا الكلام، إياك ثم إياك ثم إياك أن تحاول إطفاء نور الله، أن تقف في خندق معادٍ الدين، إياك أن تحاول أن تفسد بين متعلمٍ ومعلِّم، إياك أن تحاول ظلمًا أو قتلاً أو فسادًا، هذا فوق طاقتك.

﴿ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ(31)وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ ﴾

وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ

لا ينفع نسبٌ ولا قرابة يوم القيامة:

 هو يوم القيامة، حذَّرهم من مغبَّة الخزي والهزيمة في الحياة الدنيا إذا هم ناهضوا وعادوا الأنبياء، وحذرهم من يوم القيامة الذي سمَّاه الله عز وجل يوم التنادي، سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام سألته السيدة عائشة قالت: " يا رسول الله أيعرف بعضنا بعضاً يوم القيامة ؟ " سؤال وجيه: لو أن إنسانًا وقعت عينه على عين أمه هل يعرفها ؟ وقعت عينها على عين زوجها هل تعرفه ؟ وقعت عينه على عين أخيه، وقعت عينه على عين ابنه هل يعرفه ؟ قالت: يا رسول الله، أيعرف بعضنا بعضاً يوم القيامة ؟ "، فقال عليه الصلاة والسلام:

(( نعم يا أم المؤمنين، إلا في ثلاثة مواطن ؛ عند الصراط، وإذا الصحف نشرت، وعند الميزان، وفيما سوى ذلك لو وقعت عين الأم على ابنها تقول: يا ولدي، كان لك بطني وعاءً، وصدري سقاءًُ، وحجري وطاءً ـ فأنا أمك، صدري لك سقاء، وحجري لك وطاء، وبطني لك وعاء ـ فهل من حسنةٍ أنتفع بها اليوم ؟ يقول ابنها: ليتني أستطيع ذلك يا أماه، إنني أشكو مما أنت منه تشكين ))

 هذا يوم التناد، تنادي الأم ابنها فلا يستجيب لها، ينادي الابن أمه فلا تستجيب له، ينادي الأخ أخاه فلا يستجيب له، ينادي التابع المتبوع فلا يستجيب له، ينادي الضعفاء الأقوياء فلا يستجيب لهم، يوم التناد، كل إنسان ينادي الطرف الآخر فلا يستجيب له.

يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنْ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ

﴿ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنْ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴾

الإضلال الجزائي المبني على ضلالٍ اختياري:

 الإنسان إذا أضل نفسه عن الله عزَّ وجل، أي إذا ضل ضلالاً اختيارياً فاستحق الإضلال الجزائي، إذا ضل، كقوله تعالى:

﴿ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ﴾

( سورة الصف: من الآية 5 )

 هذه الآية بعضهم يراها مشكلة، والآية واضحة تماما، أوضح مثل عليها: إنه طالب جامعي ما داوم، ولا قدَّم امتحانًا، ولا اشترى كتبًا، أرسل له إنذار تلو الإنذار، فلما يئست إدارة الجامعة من استجابته أصدرت قراراً بترقين قيده، متى أصدرت هذا القرار ؟ بعد أن اتخذ هذا الموقف، فقرارها ظالمٌ ؟ لا والله، هذا معنى قوله تعالى:

﴿ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ﴾

 أيّ إضلالٍ عُزِيَ إلى الله عزَّ وجل فالعلماء قالوا: فهو الإضلال الجزائي المبني على ضلالٍ اختياري، الإضلال الجزائي، حينما أصدرت إدارة الجامعة قراراً بفصل هذا الطالب وترقين قيده، ليس هذا ظلماً إطلاقاً إنما هو نتيجةٌ طبيعيةٌ وتجسيدٌ لرغبة الطالب في الخروج من الجامعة.

﴿ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ﴾

 فلما ضلَّوا أضلهم الله، فلما أرادوا المعصية مكَّنهم الله منها، هكذا لأن الإنسان مخيَّر.

 

﴿ مَا لَكُمْ مِنْ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴾

 

وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ

 وإذا ضل الإنسان باختياره، والله سبحانه وتعالى بأفعاله جسَّد هذا الاختيار، فأضله الله عزَّ وجل، عندئذٍ لا يستطيع أحدٌ هدايته:

﴿ إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾

( سورة القصص: من الآية 56 )

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018