حياة المسلم 1- إذاعة حياة إف إم- الحلقة : 086 - المصائب . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

حياة المسلم 1- إذاعة حياة إف إم- الحلقة : 086 - المصائب .


2017-01-01

مقدمة :

المذيع :
  بسم الله الرحمن الرحيم ، والحمد لله رب العالمين ، اللهم صلِ وسلم ، وزد وبارك على سيدنا محمد الصادق الأمين ، وعلى آله وصحيه الطيبين الطاهرين ، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته ، مرحباً بكم مستمعينا الكرام في مجلس علم وإيمان جديد مع فضيلة العلامة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي ، شيخنا وأستاذنا الكريم مرحباً بكم .
الدكتور راتب :
 بارك الله بكم ، ونفع بكم ، وأعلى قدركم .
المذيع :
 اللهم آمين ، طيب أنفاسكم ، وزادكم علماً وأجراً ونوراً إن شاء الله رب العالمين . أما حديثنا لهذا اليوم مستمعينا الكرام فهو تحت عنوان "المصائب" فهي مصائب كثيرة تحيط بالإنسان ميمنة وميسرة ، أحياناً تنكد عليه ، وتجعل الغم والهم يسيطر على حياته ، وفي لحظة من اللحظات قد يفقد البوصلة وينحرف على الطريق .
 هل المصائب علامة غضب من الله سبحانه وتعالى علينا ؟ أم أنها باب من أبواب الامتحان ، فعلينا أن نصبر ونشكر بين يدي الخالق سبحانه وتعالى ، فهو سبحانه من قال :

﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾

[ سورة السجدة : 21]

 ويقول النبي صلى الله عليه وسلم :

((عَجَبا لأمر المؤمن! إنَّ أمْرَه كُلَّه له خير ، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن ، إن أصابتْهُ سَرَّاءُ شكر ، فكان خيراً له ، وإن أصابتْهُ ضرَّاءُ صَبَر ، فكان خيراً له))

[مسلم عن صهيب رضي الله عنه ]

 دكتورنا الكريم أهلاً وسهلاً بكم .

كل المصائب رسالة من الله والبطولة أن تفهم على الله رسالته :

الدكتور راتب :
 بارك الله بكم ، ونفع بكم .
المذيع :
 هل لنا أن نعرف في البداية المصيبة ؟ ما هي المصيبة ؟
الدكتور راتب :
 بسم الله الرحمن الرحيم ، والحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، علمنا ما ينقصنا ، واغفر لنا ذنوبنا يا رب العالمين .
 الحقيقة الدقيقة الأولى : أن هذا الإنسان هو المخلوق الأول عندالله ، والمكلف والمكرم، لأنه مكلف بعبادة الله ، إنها علة وجود الإنسان في الأرض ، فإذا غفل عن علة وجوده، عن حكمة وجوده في هذه الدنيا لابد من تذكيره .
 لو أن الابن طلب من والده ألا يدرس ، والأب وافق ، فلما كبر هذا الابن لا بيت ، ولا زواج ، ولا مركبة ، ولا شيء ، أصدقاؤه مثلاً مدراء كبار ، لهم بيوت ، لهم زوجات ، لهم مركبات ، يتألم ألماً شديداً ، فإذا أراد أن يعاتب أباه يقول : يا أبتِ حينما أردت ألا أدرس لِمَ لم تضربنِ ؟ الآية :

﴿ وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً ﴾

[ سورة القصص : 47]

 فُهم من هذه الآية أن كل المصائب هي رسالة من الله ، فالبطولة أن تفهم على الله رسالته ، الله عز وجل قال :

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ ﴾

[ سورة النساء : 147 ]

 العذاب ليس له معنى إطلاقاً ، الضيق المادي ، المرض ، التشرد ، هذه كلها أشياء مؤلمة جداً ، أن تكون بلا سبب هذا مستحيل ، وألف ألف مستحيل أن تأتي مصيبة بلا سبب ؟

﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ ﴾

[ سورة الشورى : 30 ]

 كلمة من ماذا تعني ؟ لو أنّ مدرساً يقف أمام طلابه قال لهم : لكل منكم هدية مني ، يوجد ثلاثة غائبين ليس لهم هدية ، لو قال : ما من واحد منكم إلا وله هدية مني ، إذاً الغائبون أيضاً لهم هدية .

﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ ﴾

[ سورة الشورى : 30 ]

علة وجودنا في الأرض العبادة :

 أية مصيبة ، مادية ، معنوية ، نفسية ، اجتماعية ، صحية ، زوجية ، بالعمل ، بالبيت ، ببلد معين ، أية مصيبة على الإطلاق لابد لها من حكمة بالغة ، عرفها من عرفها ، وجهلها من جهلها ، والبطولة أن تفهم على الله حكمته .

﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾

[ سورة الشورى : 30 ]

 واضحة .

﴿ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ﴾

[ سورة التغابن : 11 ]

 إلى حكمتها ، لو فرضنا أن أباً ضرب ابنه ، هل يعقل لأب في الأرض أن يضرب ابنه من دون سبب ؟ مستحيل! ومن دون تعليل ؟ مستحيل! ضربك لعلاماتك الدنيا في الرياضيات. لابد من ربط المصيبة لسببها ، وهذه نقطة مهمة جداً ، الله قال :

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ﴾

[ سورة التوبة : 103 ]

 ذكر الحكمة الله عز وجل ، وبالمقابل :

﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴾

[ سورة الشورى : 31 ]

 ينبغي أن نفهم على الله حكمته من المصائب ، وفهم الحكمة من المصائب أربعة أخماس الحل ، لِمَ أصابني ما أصابني ؟ لِمَ المرض ؟ لِمَ الفقر ؟ لِمَ القهر ؟ بلا سبب ؟ الله كماله مطلق ، والآية واضحة .

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ ﴾

[ سورة النساء : 147 ]

 معنى ذلك علة وجودنا في الأرض العبادة ، لأن الله سخر هذا الكون تسخيرين : تسخير تعريف ، وتسخير تكريم ، موقف المؤمن من تسخير التعريف أن يؤمن ، ومن تسخير التكريم أن يشكر ، فإذا آمن وشكر حقق الهدف من وجوده ، هذا على مستوى الفرد ، على مستوى الأمة :

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾

[ سورة الأنفال : 33]

 يا محمد ما دام منهجك ، ما دامت سنتك قائمة في حياتهم هم في مأمن من عذاب الله .
المذيع :
 هذا يتحقق :

﴿ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾

[ سورة الأنفال : 33]

 بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم .

 

المصائب أنواع لا تعد ولا تحصى :

الدكتور راتب :
 أبداً ، أنت أي سنتك ، منهجك ، توجيهاتك ، فنحن إذا في مصيبة فردية الآية الأولى، جماعية الثانية ، أقسم لك بالله زوال الكون أهون على الله من أن يسوق مصيبة بلا سبب .
المذيع :
 إذاً المصيبة هي ما يصيب الإنسان ، وهي دائماً في ظاهرها على غير خير .
الدكتور راتب :
 أنت طبيب ، قد يأتيك إنسان معه إسهال شديد جداً ، أكمل توجيه له الحمية ، شخص معه مرض آخر ، يكون الطبيب في المستشفى ، قاس ضغط مريض فوجده عالياً يقول: أوقفوا الملح ، في ضوء القياس ، قياس الضغط إيقاف الملح ، وجد شخصاً آخر ضغطه منخفض : أكثروا من الملح ، فهناك مقياس . الله عز وجل هو الخبير ، هو يعلم أين الانحراف؟ أين التقصير ؟ أين الضعف ؟ فيسوق مصيبة يعالج بها هذه الحالة المرضية .
المذيع :
 لا بد من أن نتوسع أكثر دكتور . لكن أبدأ مع فضيلتكم دكتور هل المصيبة واحدة ، أم لها أنواع ؟
الدكتور راتب :
 والله أنواع لا تعد ولا تحصى ، يوجد مصيبة نفسية ، غم ، قلق ، خوف ، ومصيبة مادية ، فقر ، دخل قليل ، مصيبة اجتماعية ، عند مدير عام في شركة ، قاسي جداً لا يرحم ، أنواع منوعة المصائب ، لكن كلها تجتمع بكلمة : الإصابة .
 إنسان مسرف ، المسرف يعاقب بالتقتير أحياناً ، لِمَ الإسراف ؟ كل شيء عندنا بالاعتدال ، الاعتدال فضيلة وسط بين طرفين ، عندك مثلاً عدة بدلات ، لكن ليس خمسون بدلة، هذا إسراف ، الله فرّق بين الإسراف والتبذير ، التبذير بالمعاصي ، أما الإسراف فبالأشياء الإيجابية .
المذيع :
 الله يفتح عليكم يا دكتور .
 دكتور ، المصائب التي تأتينا من الله سبحانه وتعالى ، وقد يكون هذا أكثر ما يقلق خاصة من يتمنون أن يكونوا من عباد الله الصالحين أو المؤمنين ، أن تكون علامة غضب من الله سبحانه وتعالى ، وكأنهم يدعون ما دعاه النبي عليه الصلاة والسلام .

الله عز وجل يتفضل على المؤمن بنعمة الأمن :

الدكتور راتب :
 يا سيدي ، إذا جاء ابنك آخر العام الدراسي وقد حصل على أعلى الدرجات ، لا تقل له ولا كلمة ؟ تكرمه ، قد لا تقبله ؟ قد تشتري له دراجة مثلاً ، شي طبيعي ، إله عظيم رب العالمين ، يرى عبده ملتزم ، مطبق ، يخافه ، لا بد من أن يلقي في روعه أنه يحبه ، وهناك دليل قوي جداً :
من وقف في عرفات ولم يغلب على ظنه أن الله غفر له فلا حج له .
 من رحمة الله ، من محبته لنا ، يلقي في روعنا أنه يحبنا ، هذا شيء دقيق جداً ، أنت تخطب وده ، تصلي ، تغض بصرك ، تنفق مالك ، تتقرب منه ، هل يمكن ألا يكون هناك رد فعل من الله ؟ يلقي في روعك أنه يحبك ، المؤمن يتمتع بسعادة والله لا توصف ، والله يتمتع بنعمة الأمن لو وزعت على أهل بلد لكفتهم ، الدليل :

﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾

[ سورة الأنعام : 81- 82 ]

 هذه نعمة الأمن لا تعدلها نعمة ، الأمن غير السلامة ، قد تسافر إلى مدينة العقبة بسيارتك ، وليس معك عجلة احتياطية ، فالقلق سيلازمك طول الطريق خوفاً من أن تنفجر إحدى العجلات ، لكن أنت لم يحدث معك شيء ، فقدت الأمن ، أما العجلة الاحتياطية فتريحك من القلق ، إن حدث معك أي مشكلة معك عجلة احتياط .
 فنعمة الأمن غير السلامة ، الله عز وجل يتفضل على المؤمن بنعمة الأمن ، ولا يتمتع به إلا وحده .

﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ ﴾

[ سورة الأنعام : 81- 82 ]

 الآن هناك لفتة لغوية دقيقة .

﴿ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ ﴾

[ سورة الأنعام : 82 ]

 لو أن الله قال أولئك الأمن لهم ، ذات الكلمة لكن عكستهم ، نعبد إياك ، لا تنفي أن نعبد غيرك ، أما :

﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾

[ سورة الفاتحة :5]

 وحدك .

﴿ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ ﴾

[ سورة الأنعام : 82 ]

 لهم وحدهم ، أقول لك كلاماً : لا يتمتع بنعمة الأمن إلا المؤمن في الخمس قارات . الآن الشرك :

﴿ سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا ﴾

[ سورة آل عمران : 151 ]

 لا تصدق أن هناك مشرك في الأرض ولو كانت أكبر دولة في العالم إلا وعنده قلق .
المذيع :
 لكن لديهم دكتور من نعيم الدنيا ما يباهون به كثيراً .

 

ضيق القلب لا يعرفه المؤمن :

الدكتور راتب :
 طبعاً ، لكنهم قلقون ، سُئل أحد العلماء :

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً ﴾

[ سورة طه :124]

 أية معيشة ضنك للأقوياء والأغنياء ، للذي معه المليارات - يملك مثلاً ثمانين ملياراً - قال : ضيق القلب ، ضيق القلب هذه لا يملكها المؤمن .

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً ﴾

[ سورة طه :124]

 ولو كان أقوى إنسان ، وأغنى إنسان ، والله في كلمة ذكرتها في لقاء سابق : الذي يملك سبعمئة مليار دولار ، كتب رسالة وهو على فراش الموت ، شيء لا يصدق ، ما انتفع من كل هذه الثروة ، لكن ينتفع من علاقة طيبة مع إنسان ، من عمل صالح ، هذا الذي يملك سبعمئة مليار ليس أحد أكبر الأغنياء بل هو أغنى أغنياء هذا العصر والعصور السابقة ، هكذا قال ، أما المؤمن في وقت مبكر في شبابه عرف الحقيقة .
المذيع :
 دكتورنا الكريم ، قول الله سبحانه وتعالى :

﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾

[ سورة السجدة : 21]

الدكتور راتب :
 الأكبر هو جهنم .
المذيع :
 والأدنى ؟
الدكتور راتب :
 الدنيا .
المذيع :
 مصائب الدنيا ، لمن هذه الآية دكتور ؟

﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾

[ سورة السجدة : 21]

حكمة المصائب أن يرجع الإنسان إلى طريق الله :

الدكتور راتب :
 للمؤمنين ولغير المؤمنين .
المذيع :
 معنى ذلك المؤمن دكتور ، هل هو موعود بعذاب الآخرة ؟
الدكتور راتب :
 لا يصل إلى هناك .

﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ ﴾

[ سورة السجدة : 21]

 يعني تلافينا بهذا العذاب العذاب الأكبر ، إذا قام الأب بتأديب ولده على تقصيره ، فنجح هذا الابن ، وأصبح طبيباً ، ألا يشكر أباه على تأديبه له ؟
المذيع :

﴿ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾

[ سورة السجدة : 21]

 إذاً حكمة هذه المصائب أن يرجع الإنسان إلى طريق الله .
الدكتور راتب :
 الحقيقة إذا الإنسان لم يرجع إلى الله ، كأنه ألغى المصيبة ، ألغى على الله حكمته ، أنا أقول : كل بطولة المؤمن أن يفهم على الله حكمته .
المذيع :
 دكتورنا كنا نتحدث عن المصائب ، ولماذا تصيبنا ؟
الدكتور راتب :
 ورد في الأثر القدسي :

(( إني والإنس والجن في نبأ عظيم ، أخلق ويعبد غيري ، وأرزق ويشكر سواي خيري إلى العباد نازل ، وشرهم إلي صاعد ، أتحبب إليهم بنعمي وأنا الغني عنهم ، ويتبغضون إلى بالمعاصي وهم أفقر شيء إلي ، من أقبل علي منهم تلقيته من بعيد ، ومن أعرض عني منهم ناديته من قريب ، أهل ذكري أهل مودتي ، أهل شكري أهل زيادتي ، أهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي ، إن تابوا فأنا حبيبهم ، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم ، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب ، الحسنة عندي بعشرة أمثالها وأزيد ، والسيئة بمثلها وأعفو وأنا أرأف بعبدي من الأم بولدها ))

 هذا الأثر القدسي أصل في الموضوع .

(( فمن وَجَدَ خيراً فليَحْمَدِ الله ، ومن وجد غير ذلك فلا يَلُومَنَّ إلا نَفْسَهُ ))

[مسلم والترمذي عن أبي ذر الغفاري]

 لا تقل الدهر قلب لي ظهر المجن ، كلام غلط ، لا تقل الدهر سخر مني ، لا تقل ليس لي حظ في هذه الدنيا ، هذا كلام ليس له معنى إطلاقاً .
المذيع :
 الله يفتح عليكم يا دكتور . دكتورنا الكريم ، أيضاً أنتقل مع فضيلتكم لحديث النبي عليه الصلاة والسلام :

((عَجَبا لأمر المؤمن! إنَّ أمْرَه كُلَّه له خير ، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن ، إن أصابتْهُ سَرَّاءُ شكر ، فكان خيراً له ، وإن أصابتْهُ ضرَّاءُ صَبَر ، فكان خيراً له ))

[مسلم صهيب رضي الله عنه ]

 لماذا كان الخطاب من النبي عليه الصلاة والسلام للمؤمنين ، وليس للمسلمين ؟ هل هذه القضية بحاجة إلى مؤمن ليستوعبها ، وليس إلى مسلم فقط ؟

الإيمان تصديق وإقبال والكفر تكذيب وإعراض :

الدكتور راتب :
 أخي الكريم ، المسلم خضع لمنهج الله فقط ، عن محبة ، عن غير محبة ، عن قناعة ، عن غير قناعة ، ما دامت الحركة اليومية وفق منهج الله فأنت مسلم ، أما المؤمن مع الخضوع لمنهج الله إقبال على الله ، فالإيمان تصديق وإقبال ، والكفر تكذيب وإعراض ، يوجد شي اسمه إقبال ، أنت متصل بالله ، عندك حالة مستقرة لكن بالحد الأدنى ، أحياناً تقرأ القرآن فتبكي هذه حالة أعلى ، أما في حالات مستمرة ، فلذلك المؤمن له اتصال دائم بالله في الحد الأدنى أما غير المؤمن فتأتيه أحياناً حالات متناوبة .
المذيع :
 الله يفتح عليكم ، ولذلك كان الخطاب للمؤمنين ، يحتاجه مؤمناً حتى يفهم هذه الكلمة ، وليس مسلماً في بداية مشواره .
الدكتور راتب :
 عفواً ، عندنا إسلام فوق الإيمان .

﴿ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ ﴾

[ سورة البقرة : 131]

 سيدنا إبراهيم .

﴿ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾

[ سورة البقرة : 131]

 هذا الإسلام نفسي ، الأول إسلام سلوكي ، خضع لمنهج الله بجوارحه ، بسمعه ، ببصره ، بيده ، بدخوله ، بخروجه ، بأكله ، بكسب ماله ، بإنفاق ماله ، هذا الإسلام الأول ، أما جاءت مصيبة كبيرة للأمة فعنده يقين أن ما حدث كان لحكمة بالغة .
المذيع :

((عَجَبا لأمر المؤمن! إنَّ أمْرَه كُلَّه له خير ، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن ))

[مسلم صهيب رضي الله عنه ]

 هل معنى أن كل ما يصيبنا من ابتلاء أو مصائب في هذه الدنيا هو خير لنا ؟

 

المصائب خمسة أنواع وأرقى هذه الأنواع مصائب الأنبياء :

الدكتور راتب :
 الآية هي الأصل :

﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾

[ سورة آل عمران : 26]

 ما قال والشر ، معنى ذلك أن إيتاء الملك خير ، وأحياناً نزعه خير ، إنسان عنده مشكلة في الأمعاء خطيرة جداً ، فشرب دواء شديد المرارة ، طبعاً مر لكن نتيجته الشفاء من مرضه .

﴿ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ ﴾

[ سورة آل عمران : 26]

 ما قال بيدك الخير والشر .

﴿ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ﴾

[ سورة آل عمران : 26]

 معنى ذلك أن إيتاء الملك خير ، وأن نزعه أحياناً خير ، والإعزاز خير ، والإذلال خير ، موقف فيه ذل يكون معه توبة .
المذيع :
 هل للمصائب والابتلاءات أنواع ، منها ما هو مثلاً تأديب من الله ، منها ما هو غضب من الله ، ما هي أنواع المصائب ؟
الدكتور راتب :
 المصائب خمسة أنواع ، أرقى الأنواع مصائب الأنبياء ، مصائب كشف ، تنطوي على كمال كبير جداً .
المذيع :
 ما المقصود عفواً بالكشف دكتور ؟

 

النوع الثاني من المصائب هو مصائب الدفع للمؤمنين :

الدكتور راتب :
 كشف حقيقة ، مثلاً أنت معك سيارة مئة وخمسون حصاناً ، أغلب السيارات سبعة أحصنة ، ثمانية ، عشرة ، عشرون ، من واحد إلى عشرين كل السيارات ، معك سيارة روز رايز استثنائية ، مئة وخمسون حصاناً ، هذه السيارة الراقية جداً لا تبدو لك ميزتها في الطريق السهل، ولا في النازل ، تبدو ميزتها في الطريق الصاعد صعوداً حاداً ، وهي ممتلئة بالركاب ، والصندوق ممتلئ بالحقائب ، وتمشي بسرعة كبيرة . فالأنبياء عندهم كمالات لا تبدو في الأحوال العادية .
 يذهب إلى الطائف مشياً على قدميه ، يصل إلى هناك ، يُكذَّب ، يُسخَر منه ، ويُضرب من قبل أولادهم ، الدم يسيل من قدميه ، يأتيه ملك الجبال يقول : يا محمد أمرني ربي أن أكون طوع إرادتك ، لو شئت لأطبقت عليهم الأخشبين ، قال : لا يا أخي ، اللهم اهدِ قومي إنهم لا يعلمون .
هذه النبوة ، مكنه الله أن ينتقم منهم ، لأطبقت عليهم الأخشبين ، انتهوا .
المذيع :
 أي كشفت حسن أخلاقه للناس ليكون علامة على صدق نبوته .
الدكتور راتب :
 أحياناً عندنا كمالات عميقة جداً .
 لو فرضنا إنسان لديه زوجة سيئة لدرجة غير معقولة ، انتقم منها وطلقها ، لو صبر عليها ووجهها لكانت بطولة منه .
المذيع :
 إذاً النوع الأول من المصائب دكتور هو مصائب الكشف ، تكشف عن طيب معادنهم لتكون علامة على كمالاتهم .
الدكتور راتب :
 عن كمالاتهم الراقية جداً .
المذيع :
 فهي علامة على رزانتهم ونبوتهم .
الدكتور راتب :
 سيدنا إبراهيم في النار ، امتُحن بالنار ، أُلقي بالنار ، سيدنا يونس ببطن الحوت ، هناك مصائب كبيرة جداً .
 الآن ، النوع الثاني : مصائب الدفع للمؤمنين ، مثلاً صلاته وسط ، الخشوع فيها وسط ، استقامته لا بأس بها ، لكن عنده تقصير في الاستقامة ، فيأتيه شبح مصيبة ، فيصلي قيام الليل ، يغض بصره غض حازم عن النساء .
المذيع :
 ما المقصود بالدفع هنا دكتور ؟

النوع الثالث من المصائب هي مصائب ردع وقصم لغير المؤمنين :

الدكتور راتب :
 دفعه على باب الله ، مصائب دفع ، مثلاً له صديق بالدائرة ، حكا له عن الدين ، عن القرآن ، هذا الصديق ارتاح ، اكتفى بشخص واحد ، لماذا اكتفيت بواحد ؟ مصائب رفع الآن، يسوق له شبح مصيبة ، لماذا قبلت بواحد ، وسّع الخير ، مصيبة دفع فيرفع سرعته إلى الله ، من خلال المصيبة ، مصيبة رفع ، دفع ورفع ، هذه للمؤمنين ، بين دفع ورفع ، للأنبياء كشف ، لغير المؤمنين ردع وقصم ، ردع قبل أن يقصمه ، يبعث له مصيبة تحذره .
 أذكر مرة إنسان كان في بلد مجاور لنا سرق سيارة ، بعدما أخذها وجد طفلاً رضيعاً في المقعد الخلفي ، فألقاه في الطريق ، طبعاً مات فوراً ، فهذه مصيبة كبيرة جداً ، فهناك عقاب شديد جداً ، أنا أقول : ما رأيت في حياتي أغبى ممن لا يدخل الله في حساباته ، الله كبير ، ونحن في قبضته .
 خثرة من الدم لا ترى بالعين ، بأحد أوعية الدماغ تسبب الشلل ، بمكان آخر فقد ذاكرة ، بمكان ثالث شيء لا يصدق ، نحن جهازنا الجسمي معقد لدرجة نقطة دم لا ترى بالعين لو تجمدت بأحد أوعية الدماغ بمكان معين فقد ذاكرة .
 أعرف طبيباً كبيراً ، جاء ابنه من أمريكا ، قال له : من أنت ؟ قال له : أنا ابنك ، قال له : لا أعرفك . فقد الذاكرة قليل ؟! شخص وصل لمنصب رفيع جداً ، يخرج من البيت ولا يعود، فقد ذاكرته ، يمشي في الطرقات على غير هدى .
المذيع :
 إذاً دكتور ، المصائب للأنبياء كشف ، وللمؤمنين دفع ورفع ، ولغير المؤمنين .
الدكتور راتب :
 ردع وقصم .
المذيع :
 ردع في البداية ، فإن لم يتعظ كان قصم وعقاب من الله سبحانه وتعالى .

الله إذا ساق للمؤمن مصيبة يلقي في روعه الحكمة منها فيرضى :

الدكتور راتب :

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾

[ سورة الأنعام : 44]

 دنيا ، أموال ، مكانة .
المذيع :
 هل تأتي دكتور قبل القصم ؟
الدكتور راتب :

﴿ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴾

[ سورة الأنعام : 44]

المذيع :
 لذلك أحياناً نجد من يسير عكس منهج الله قد تفتح عليه الدنيا ، هذه الآية تتحدث عن هذا الأمر ، إذاً دكتور وأيضاً ما تفضلت به من أنواع المصائب هو يجيب عن سؤالنا إذا كان الله سبحانه وتعالى راضٍ أم غاضب فيما أصابني من ابتلاء ؟ إذا كنت تسير في طريق الله، وتعاجل بالتوبة فهذه مصائب دفع ورفع .
الدكتور راتب :
 من باب إيماني بالله عز وجل ، أن الله إذا ساق للمؤمن مصيبة يلقي في روعه الحكمة منها فيرضى .

﴿ وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً ﴾

[ سورة القصص : 47]

 المصيبة رسالة من الله .
المذيع :
 إذاً دكتور أنا الآن لا يفترض بي أن أخاف من المصيبة بقدر ما أخاف إذا كنت عاصياً فتكون علامة غضب ؟

 

على المؤمن أن يطلب من الله السلامة :

الدكتور راتب :
 فلذلك الكلمة الجامعة ، المانعة ، القاطعة :

(( لا يخافن العبد إلا ذنبه))

[سعيد بن منصور في سننه عن علي]

 هناك وحوش كاسرة في الصحراء ، هناك أفاعي ، وثعابين ، وحكام ظالمين .

(( لا يخافن العبد إلا ذنبه ولا يرجون إلا ربه ))

[سعيد بن منصور في سننه عن علي]

المذيع :
 دكتور ، من أدعية النبي عليه الصلاة والسلام حينما دعا ربه فقال :

(( اللهم إنك لم يكن بك غضب علي فلا أبالي))

[الطبراني عن عبد الله بن جعفر رضي الله عنه]

 أي أن النبي قد قبل بالمصيبة لكنه يرجو الله ألا تكون غضباً .
الدكتور راتب :
 يالله! هذا الموقف أروع موقف للنبي ، يعني يا ربي :

(( إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي ولك العتبى حتى ترضى))

[الطبراني عن عبد الله بن جعفر رضي الله عنه]

 لكن الشيء الواقعي :

((غير أن عافيتك أوسع لي ))

[الطبراني عن عبد الله بن جعفر رضي الله عنه]

 أنا لا أتمنى على أخ مستمع : يا رب امتحني ، قد لا تصبر ، اطلب من الله السلامة.

((غير أن عافيتك أوسع لي ))

[الطبراني عن عبد الله بن جعفر رضي الله عنه]

المذيع :
 لكن إن أصابني الأمر فأسأل الله ألا يكون غضباً ، فهنا يرتاح الإنسان .
الدكتور راتب :
 لكن أنا أعتقد بنقطة دقيقة : يلقي في روعي أنني أحبك ، وهذا المصاب لصالحك .
المذيع :
 لذلك يشعر أحياناً الإنسان بطمأنينة رغم المصيبة التي تصيبه ، الناس قد تستغرب أنه يوجد طمأنينة في داخله ، فهذه تكون علامة تكريم من الله عز وجل ، وأحياناً يضج ويغضب كثيراً وقد يكون هذا عكس العلامة الأولى ، الله يكرمكم يا دكتور .

الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين :

الدكتور راتب :
 دقق في هذه الكلمة : الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين ، عندنا مشفى في الشام كبيرة جداً ، دخل مريض معه سرطان بالبنكرياس ، وهذا أسوأ أنواع السرطانات ، لا شفاء منه ، كلما دخل طبيب ، ممرض ، زائر ، قريب ، يقول له : اشهد أنني راضٍ عن الله ، يا ربي لك الحمد ، أحد تلاميذي طبيب في المستشفى مقيم قال لي : هذه الغرفة جذبت الأطباء جميعاً، الممرضين ، فيها وضع غير طبيعي ، إنسان معه سرطان مميت ، وكلما دخل أحد : يا رب اشهد أنني راضٍ عن الله ، يا رب لك الحمد ، عمل ومضة في المستشفى ليست معقولة إطلاقاً، فالطبيب يأتي ليجلس عنده لدقيقتين أو ثلاثة ، يرتاح الممرض ، الأقرباء ، ثم توفاه الله ، حل محله مريض بنفس المرض ، لم يترك نبياً لم يسبه ، فالله جعل منهما عبرة للمستشفى ، نفس الآلام .
 أنا بهذا الموضوع والله دون أن أشعر معي كان مجلة ريدرز دايجست مجلة أمريكية المختار ، طبعاً كان لها طبعة بالعربية تطبعها دار الهلال في القاهرة ، في مقالة عن نوبات الألم ، الإنسان عندما يمشي في الطريق ومعه سيجارة تمسه ، احترقت يده ، ما الذي حدث ؟ نار دخان هذه السيجارة حرقت الجلد ، أعصاب الحس نقلت هذا الإحساس إلى الأعصاب ، إلى النخاع الشوكي إلى الدماغ ، الدماغ أعطى أمراً بسحب اليد فوراً ، قال : هذا الطريق له بوابات، إذا أغلقت انخفض الألم إلى العشر ، وإذا فتحت هذه البوابات تضاعف الألم عشرة أضعاف ، أما المقالة بمجلة أمريكية مترجمة بالعربية فليس لها أي علاقة بالدين إطلاقاً ، آخر كلمتين شيء لا يصدق ، وتتحكم بهذه البوابات الحالة النفسية للمريض .
 أنت مؤمن ، لك ثقة بالله ، الآلام المادية عشرة ، والثاني ليس له إيمان بالله أبداً ، الآلام عشرة أضعاف ، وتتحكم بهذه البوابات الحالة النفسية للمريض .
المذيع :
 ما هو تفسير فضيلتكم الشخصي للسكينة التي كان يجدها الأطباء في ذاك الذي يشهد الخلق أنه راضٍ عن مصيبته ، وابتلاء الله له ؟

ليس من الأدب إطلاقاً طلب المصيبة :

الدكتور راتب :
 أولاً إيمانك برحمة الله ، وبعلمه ، وحكمته ، وإيمانك بالجنة ، أقول لك كلمة دقيقة : المؤمن مهما تكاثرت عليه المصائب له يقين أن له عند الله شيء ، لو مات هناك جنة، وعده الله بالجنة ، فلذلك المؤمن إذا اقترب من الموت يقول : لم أرَ شراً قط ، كل ما أصابه من مصائب ينساها كلياً ، لأنه ذاق طعم القرب من الله . يأتي أهل الدنيا ، يكون له بيت ، وسيارات، وأماكن ، وحجم مالي كبير ، يقول : لم أرَ خيراً قط ، لذلك قال تعالى :

﴿ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾

[ سورة الزمر : 15]

المذيع :
 ونعم بالله رب العالمين ، الله يكرمكم ويرفع مراتبكم يا دكتور ، حديثنا عن المصائب ، هل يجدر بالمسلم أن يسأل الله سبحانه وتعالى أن يعفيه من المصائب ، ومن وقوعها ؟
الدكتور راتب :
 لا أعتقد أن مؤمناً يعترض على قضاء الله وقدره ، فهو يعلم أنه ليس نبياً معصوماً ، هو من المؤمنين ، والمؤمن ساعة وساعة .
 نحن معاشر الأنبياء قال النبي الكريم ، تنام أعيننا ، ولا تنام قلوبنا ، أما أنتم يا أخي فساعة وساعة ، لو بقيتم على الحال التي أنتم عليها عندي لصافحتكم الملائكة ، ولزارتكم في بيوتكم .
 إذاً نحن كمؤمنين فساعة وساعة ، فهناك تفاضل كبير ، بين ثلاث وعشرين ساعة إقبال وساعة فتور ، فتور دون معصية ، إقبال وفتور ، أو أن ساعة إقبال وثلاث وعشرين ساعة فتور ، هنا التفاوت ، أما نحن كمؤمنين جميعاً فساعة وساعة ، الأنبياء لهم اتصال دائم بالله .
المذيع :
 لكن هل يطلب الإنسان المصيبة دكتور أم يسأل الله عدم وقوعها ؟
الدكتور راتب :
 ليس من الأدب إطلاقاً طلب المصيبة ، من أدراك أنك قد تصبر عليها ، قد تكفر ، اسألوا الله العافية ، ارزقنا العفو والعافية والمعافاة في الدين والدنيا والآخرة .
المذيع :
 لكن إن وقعت المصيبة يصبر الإنسان ، لكنه لا يطلبها .

 

طلب المصيبة تجرؤ على الله :

الدكتور راتب :
 لا تطلب أبداً ، طلب المصيبة تجرؤ على الله .
المذيع :
 ومنهم من يتمنى الموت في بعض اللحظات ، هذا مرفوض دكتور ، وكان هذا الأمر مخالف لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم . دكتور يقول النبي عليه الصلاة والسلام :

((إنَّ عِظَم الجزاءِ مع عِظَم البلاء ، وإنَّ الله تعالى إذا أحبَّ قوما ابْتلاهُم ، فَمَن رَضيَ فله الرِّضى ، ومن سَخِطَ فله السَّخَطُ))

[الترمذي عن أنس رضي الله عنه ]

 كيف يرضى الإنسان عن المصيبة التي تصيبه ؟
الدكتور راتب :
 طبيب عنده شخصان ، أحدهما معه سرطان منتشر بكل جسمه ، والثاني معه قرحة معدية حادة ، التهاب معدة حاد ، الأول الذي معه سرطان منتشر سأل الطبيب : ماذا آكل ؟ يقول له : كل ما شئت ، انتهى ، أما هذا الذي معه التهاب معدة حاد فيخضع لحمية قاسية جداً لسنة تقريباً حتى يشفى . فالبطولة لا أن تسأل السلامة ، أن تسأل الرضا من الله عز وجل ، المؤمن واثق بحكمة الله .
 بالمناسبة هناك مقولة أقولها آلاف المرات : كل شيء وقع أراده الله ، في القارات الخمس من آدم إلى يوم القيامة ، أراده الله ، معنى أراده لا تعني أنه قبل به ، ولا تعني أنه أمر به ، ولا تعني أنه رضيه ، لكن سمح له ، كيف ؟ طبيب كبير تزوج ، ما أنجب لعشر سنوات ، ثم أنجب طفلاً آية في الجمال ، تعلق به تعلقاً يفوق حد الوصف ، ثم اكتشف الطبيب الأب أن ابنه مصاب بالتهاب الزائدة ، ولا بد من استئصالها ، إذاً يسمح هذا الأب الرحيم الولهان بابنه أن يخدر تخديراً كاملاً ، أن يفتح بطنه ، أن تستأصل الزائدة .
 فكل شيء وقع أراده الله ، أي سمح به ، لا تعني أنه رضيه ، ولا أنه أمر به ، وكل شيء أراده الله معكوسة ، الآن إرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة ، فالذي وقع لو لم يقع لكان نقصاً في حكمة الله ، والحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق ، إذاً ليس هناك شر مطلق في الأرض لأن الشر المطلق يتناقض مع وجود الله ، يوجد شر لكنه شر موظف للخير ، الدليل :

﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ ﴾

[ سورة القصص : 4-6]

 هذه الآية أصل سيدي ، جميع المصائب التي تصيب المؤمنين من خلال هذه الآية .
المذيع :
 الله يفتح عليكم يا دكتور ، دكتورنا من رضي فله الرضا ، كيف يرضى المسلم ، وكيف يرضى المؤمن بالمصيبة ؟

 

كل إنسان مفطور على التألم من الشر الذي يصيبه :

الدكتور راتب :
 شخص يطوف حول الكعبة ، يقول : هل أنت راضٍ عني يا رب ؟ كان وراءه الإمام الشافعي قال له : وهل أنت راضٍ عن الله حتى يرضى الله عنك ؟ قال له : يا سبحان الله! كيف أرضى عنه وأنا أتمنى رضاه ؟ قال له : إذا كان سرورك بالنقمة كسرورك بالنعمة فقد رضيت عن الله .
الرضا مع مرض ، مع ورم أحياناً ، مع فقر ، مع مشكلة ، هنا الرضا ، الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين .
المذيع :
 لكن بسبب فطرتنا البشرية يتألم الإنسان للشر الذي يصيبه .
الدكتور راتب :
 في إدراك .
المذيع :
 كيف ندمج بين الرضا وبين الفطرة البشرية ؟
الدكتور راتب :
 الطبيب عندما يقول للمريض : يجب أن تخضع لحمية لمدة ستة أشهر ، فلم يعد قادراً على أكل شيء ، شي مؤلم ، لكن هذا الإجراء السلبي لصالحه .
 فالمؤمن يقينه أن الله حكيم ، وهذا الأمر الإلهي وراءه عطاء كبير ، يصبر انتظاراً لوعد الله .
المذيع :
 ونعم بالله رب العالمين ، ما هي أصعب أنواع المصائب التي يمكن أن يبتلى بها الإنسان دكتور ؟ هل هي الوفاة أم المرض أم قلة الرزق ؟

إذا أحب الله عبده ابتلاه فإن صبر اجتباه وإن شكر اقتناه :

الدكتور راتب :
 سيدنا عمر كان إذا أصابته مصيبة قال : الحمد لله ثلاثاً ، على المصيبة ، واحد : الحمد لله إذ لم تكن في ديني ، ما عصى الله ، ما ارتكب فاحشة ، ما أكل مالاً حراماً ، ما أكل ربا ، الحمد لله إذ لم تكن في ديني ، والحمد لله إذ لم تكن أكبر منها ، مثلاً في حادث أصيب اصبعه ، أحياناً ينكسر العمود الفقري ، فيصبح مشلولاً طوال حياته ، والحمد لله إذ لم تكن أكبر منها ، والحمد لله إذ أُلهمت الصبر عليها ، والحمد لله إذ لم تكن أكبر منها ، الثالثة : أُلهمت الصبر عليها .
المذيع :
 الحمد لله إذ لم تكن بديني ، ما أجمل هذا الفهم لسيدنا الفاروق عمر بن الخطاب! الحمد لله رب العالمين . دكتورنا الكريم من تتوالى عليه المصائب ، المصيبة تلو الأخرى ، ما المؤشر الذي يفترض أن يفهمه هنا ؟
الدكتور راتب :
 غال على الله ، أنت عندما تحس أن ابنك قد يكون الأول على القطر ، تتابعه متابعة غير معقولة ، عندك ثقة أن ابنك متفوق جداً ، ممكن إذا أخذ علامات عالية جداً أن يصبح أكبر طبيب في المستقبل ، فأنت بثقتك بتفوقه تتابعه متابعة دقيقة .
المذيع :
 إذاً كثرة البلاء والمصيبة علامة حب من الله ؟
الدكتور راتب :
 إذا أحب الله عبده ابتلاه ، فإن صبر اجتباه ، وإن شكر اقتناه .
المذيع :
 لكن الله يقذف في روعي دكتور أنها علامة محبة وليست غضباً .
الدكتور راتب :
 أبداً ، إذا أب عادي أحب أن يعاقب ابنه يبين له السبب ، يلقي في روعه أنه يحبه .
المذيع :
 دكتور عفواً ، إذا كان إنسان مستقيم ، وكلما أخطأ ، وكل بني آدم خطاء ، يستغفر ويتوب ، وابتلاءاته كثيرة لا يقلق ، لكن يسير في درب الله ويصلح خوفاً من التقصير .
الدكتور راتب :
 لا، أبداً ، أب كبير ومحب لأولاده لدرجة غير معقولة ، وأمن لهم كل حاجاتهم ، ذات مرة الطعام على الطاولة ، والطعام لذيذ ، قال له : بابا لا تأكل ، ألا يشفع لهذا الأب الذي إكرامه لا محدود سابقاً أن يقول له : حاضر ؟
 إله منحك نعمة الإيجاد ، ونعمة الإمداد ، ونعمة الهدى والرشاد ، أرسل لك مصيبة ما فهمتها ، ألن تقبلها من الله ؟
المذيع :
 سمعنا وأطعنا ، الله يكرمكم يا دكتور ، نختم لقاءنا بالدعاء ، نسأل الله الإجابة .

الدعاء :

الدكتور راتب :
 اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير ، واجعل الموت راحة لنا من كل شر مولانا رب العالمين ، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك ، اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك ، أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، اللهم اجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين ، واحقن دماء المسلمين في كل مكان ، واحقن دماءهم في الشام .

 

خاتمة و توديع :

المذيع :
 الحمد لله رب العالمين ، بارك الله بكم فضيلة العلامة الداعي الإسلامي الكبير الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي جزاكم الله خيراً .
 وكان حديثنا عن المصائب ، وكان قول الحبيب صلى الله عليه وسلم :

(( اللهم إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي))

 ويلقي الله في روع كل واحد منا إن كانت تصيبه المصائب علامة رضا فيشعر بالسكينة والطمأنينة ، والعياذ بالله إن كان شارداً عن درب الله فيرده الله بابتلاء أو يغضب عليه إن لم يستجب لرسائل الهداية والصلاح .
 سبحانك اللهم وبحمدك ، نشهد أن لا إله إلا أنت ، نستغفرك ونتوب إليك
 السلام عليكم و رحمة الله وبركاته

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018