مختلفة - الأردن - المحاضرة : 56 - أهمية طلب العلم وأثره في حياتنا - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠23ندوات مختلفة - الأردن
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

مختلفة - الأردن - المحاضرة : 56 - أهمية طلب العلم وأثره في حياتنا


2020-08-09

مقدمة :

الدكتور محمد راتب :
  الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين ، وعلى صحابته الغر الميامين ، أمناء دعوته ، وقادة ألويته ، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين .
المذيع :
 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله الذي خلق الإنسان ، وأكرمه بالعلم والبيان ، وأقام الحجة عليه بالسنة والقرآن ، والصلاة والسلام على سيدي ولد عدنان ، وعلى آله وأصحابه الكرام ، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين .
 أما بعد أيها الأخوة والأخوات فحياكم الله ، وطبتم وطاب اجتماعنا حول مجلسٍ من مجالس العلم ، وإن شاء الله عز وجل في اتحاد خريجي العلوم الشرعية نستأنف دوراتنا العلمية ، والمحاضرات ، واللقاءات التربوية ، بعون الله عز وجل .
 تعلمون أيها الأخوة والأخوات أن الإسلام أولى العلم عنايةً كبيرة ، وجعل له مكانةً مميزةً ، ويظهر هذا في الكثير من النصوص القرآنية ، والأحاديث النوبية ، بل لم يقتصر الإسلام في ذلك على الدعوة إلى العلم ، بل رغّب في العمل به ، والإخلاص في ذلك ، والدعوة إليه .
 حول أهمية طلب العلم ، وأثره في حياتنا يسرنا في اتحاد خريجي العلوم الشرعية أن نستضيف فضيلة شيخنا الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي حفظه الله ، ونتشرف في استضافته ، وبالاستماع إليه ، ليحدثنا عن هذا الموضوع المهم ، فإلى شيخنا ، فلتتفضل شيخنا مأجوراً مشكوراً .

الإنسان كائن متحرك تحركه حاجات ثلاثة :

الدكتور محمد راتب :
 بسم الله الرحمن الرحيم ، لابد من مقدمة ؛ شاب في باريس سأل آخر : إلى أين أذهب ؟ يقول له : عجباً من هذا السؤال ، لماذا جئت إلى هنا ؟ إن جئت طالب علمٍ فاذهب إلى المعاهد والجامعات ، وإن جئت سائحاً فاذهب إلى المتنزهات ، وإن جئت تاجراً فاذهب إلى الأسواق .
 فالإنسان كائن متحرك ، ما الذي يحركه ؟ حاجته إلى الطعام والشراب ، وما الذي يحركه أيضاً ؟ حاجته إلى الزواج ، الحاجة الأولى إلى بقاء الفرد ، والحاجة الثانية إلى بقاء النوع ، فهذا أكل وشرب ، وتزوج وأنجب ، عنده حاجة ثالثة ، الحاجة الثالثة سماها العلماء : بقاء الذكر ، أي التفوق ، أن يشار إليه البنان ، الطبيب الأول ، المهندس الأول ، الداعية الأول، المعلم الأول .
 إذاً هناك حاجة إلى الطعام والشراب حفاظاً على بقاء الفرد ، وحاجة إلى الزواج حفاظاً على بقاء النوع ، وحاجة إلى التألق والتفوق حفاظاً على بقاء الذكر ، أما السؤال الدقيق الدقيق : لماذا جئنا إلى الدنيا ؟ ما علة وجودنا ؟ ما سبب وجودنا ؟ ما حكمة وجودنا ؟ قال تعالى :

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الذاريات: 56]

 صريح القرآن الكريم ، آيةٌ قطعية الدلالة ، واضحة البيان ، من أجل أن نعبد الله .

العبادة علة وجود الإنسان على سطح الأرض :

 ما العبادة ؟ العبادة خضوع هذا الإنسان الأول رتبةً ، المكلف بالعبادة ، المفضل ، بحاجة إلى تطبيق تعليمات الصانع ، الإنسان أعقد آلة بالكون ، تعقيد إعجاز لا تعقيد عجز ، ولهذه الآلة صانعٌ عظيم ، ولهذا الصانع العظيم تعليمات التشغيل والصيانة ، وانطلاقاً من حرص أي إنسان على وجه الأرض - من ثمانية مليارات إنسان- على سلامته ، سلامته باتباع تعليمات الصانع ، وهو الله ، وسعادته بالإقبال عليه ، من خلال الاتصال به ، واستمرار وجوده من خلال تربية أولاده ، إذاً يوجد حاجات أساسية ثلاثة ، الحاجة إلى السلامة بالاستقامة ، والحاجة إلى السعادة بالإقبال على الله ، والحاجة إلى الاستمرار بتربية أولادك .
 لذلك علة وجودنا العبادة ، ومن أدق تعريفات العبادة : إنها طاعة طوعية ليست قسرية ، طاعة طوعية ، ممزوجة بمحبة قلبية ، أساسها معرفة يقينية ، تفضي إلى سعادة أبدية ، هذه علة وجود الإنسان العبادة ، والحقيقة الدقيقة والآية واضحة وضوح الشمس :

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الذاريات: 56]

 أي أنت أعقد آلة بالكون ، تعقيد إعجاز لا تعقيد عجز ، ولهذه الآلة بالغة التعقيد تعقيد إعجاز صانع عظيم ، وصانع حكيم ، وصانع رحيم ، منطلق الدين أن تتبع تعليمات الصانع .
 أنت اقتنيت سيارة حديثة جداً ، موديل 2020 ، تألق ضوء أحمر على لوحة البيانات لِمَ تألق ؟ تألق تألق ، لا يوجد إشكال برؤية التألق ، أما الإشكال فهو في علة التألق ، يا ترى الضوء تزييني أم ضوء تحذيري ؟ إن فهمت أن هذا التألق تألقاً تزيينياً احترق المحرك ، وقد تحتاج إلى مئة ألف ، أما إذا فهمته تألقاً تحذيرياً ، أوقفت المركبة ، وأضفت الزيت ، وانتهى الأمر .
 فالإنسان انطلاقاً من حرصه اللامحدود ، واللامتناهي على سلامته ، وعلى سعادته ، وعلى استمراره ، ينبغي أن يتبع تعليمات الصانع ، الآية تقول :

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الذاريات: 56]

 والشيء الدقيق :

﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾

[ سورة فاطر: 14]

من عرف الله لا يضل عقله ولا تشقى نفسه :

 الإنسان كائن معقد جداً ، تعقيد إعجاز لا تعقيد عجز .

﴿ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴾

[ سورة طه: 123]

 لا يضل عقله ، ولا تشقى نفسه .

﴿ فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُون ﴾

[ سورة البقرة: 28]

 أي الذي يتبع هدى الله لا يضل عقله ، ولا تشقى نفسه ، ولا يندم على ما فات ، ولا يخشى مما هو آت ، ماذا بقي ؟ من اهتدى بهدى الله عز وجل لا يضل عقله .

﴿ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴾

[ سورة طه: 123]

 لا يضل عقله ولا تشقى نفسه ، ولا يندم على ما فات ، ولا يخشى مما هو آت .
 فذلك الذكاء ، والنجاح ، والتفوق أن نعرف الله .

(( ابن آدم اطلبنِي تجدني ، فإذا وجدتني وجدت كل شيء ، وإن فتك فاتك كل شيء ، وأنا أحب إليك من كل شيء ))

 فالبطولة ، والنجاح ، والفلاح أن تعرف الله ، إن عرفته عرفت كل شيء ، وإن فاتتك معرفته فاتك كل شيء ، ومعرفته بين يديك .

التفكر في خلق السماوات و الأرض أداة معرفة الله :

 هناك آيات كونية كل ما في الكون يدل عليه ، شمس ، وقمر ، ونجوم ، وطعام ، وشراب ، وفواكه ، وخضار ، وأولاد ، وأحفاد ، وأجهزة ، مليار ، مليار ، مليار آية تدل على عظمة الله ، لذلك الإيمان بالله العظيم هو الأصل ، إبليس آمن بالله ، قال :

﴿ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾

[ سورة ص: 81 ]

 إن كان هذا الذي شرد عن الله لا يؤمن بالله العظيم ، آمن بالله لكن ما آمن به الإيمان العظيم .

﴿ إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ﴾

[ سورة الحاقة: 32]

﴿ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ﴾

[ سورة الحاقة: 30 ]

 هذا الذي انحرف ، تاه ، وانحرف ، وشرد .

﴿ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ * إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ﴾

[ سورة الحاقة: 30 ـ 32]

 لا بد من أن تؤمن بالله العظيم ، لذلك لا بد من التفكر في خلق السماوات والأرض .

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾

[ سورة البقرة: 190 ـ 191]

 الحقيقة الدقيقة أن الشمس تكبر الأرض بمليون وثلاثمئة ألف مرة ، أي يدخل في جوف الشمس مليون وثلاثمئة ألف أرض ، وبينهما مئة وستة وخمسون مليون كيلو متر ، وحينما قال الله عز وجل :

﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ ﴾

[ سورة البروج: 1]

 الأرض في دورتها حول الشمس تمر باثني عشر برجاً ، أحد هذه الأبراج برج العقرب ، كنت مرة في أمريكا وزرت متحفاً فضائياً طبعاً له ثقب ، نصف دائري دقيق جداً ، هذا البرج أقاموا خطوطاً بين نجومه كالعقرب تماماً ، هناك نجم صغير أحمر متألق اسمه قلب العقرب ، هذا النجم الصغير الأحمر المتألق الذي اسمه قلب العقرب يتسع للشمس والأرض مع المسافة بينهما ، هذا الإله العظيم يعصى ؟ ألا يخطب وده ؟ ألا ترجى جنته ؟ ألا تخشى ناره ؟

تعصي الإله وأنت تظهر حبه  ذاك لعمري في الــــــــــمقال شنيع
لـــــو كان حبك صادقاً لأطعته  إن المحب لــــــــــــمن يحب يطيع
***

﴿ سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ ﴾

[ سورة فصلت:53 ]

 هذه في الآفاق ، قال :

﴿ وَفِي أَنْفُسِهِمْ ﴾

[ سورة فصلت:53 ]

 الطفل الآن ولد ، يضع فمه على حلمة ثدي أمه ، يحكم الإغلاق ، ويسحب الهواء، يأتيه الحليب ، من علمه ذلك ؟ هذه عملية معقدة جداً اسمها منعكس المص ، لولا أن هذا المنعكس ولد مع الطفل لما كان هذا اللقاء ، ولا كانت عمان ، ولا الأردن ، ولا أوروبا ، لما كان هناك حياة من دون هذا المنعكس ، صنع من ؟ قدرة من ؟ حكمة من ؟ فلذلك :

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾

[ سورة البقرة: 190 ـ 191]

من ذكر الله أدى واجب العبودية :

 الآن يوجد على رأس الهرم البشري - البشر الآن ثمانية مليارات إنسان - زمرتان ، الأنبياء والأقوياء ، الأنبياء أعطوا ولم يأخذوا ، والأقوياء أخذوا ولم يعطوا ، الأنبياء ملكوا القلوب، والأقوياء ملكوا الرقاب ، الأنبياء عاشوا للناس ، والأقوياء عاش الناس لهم ، الأنبياء يمدحون في غيبتهم ، والأقوياء في حضرتهم ، والناس جميعاً تبع لنبي أو قوي .
 لذلك بطولة الأقوياء إن كانوا أبطالاً أن يتخلقوا بأخلاق الأنبياء ، لذلك قال تعالى :

﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ﴾

[ سورة الأنعام: 82 ]

 الصلاة ذكر ، الدعاء ذكر ، الاستغفار ذكر ، الذكر يدور مع الإنسان حيثما دار في كل نشاطاته ، وأوقاته ، وأفراحه ، وأتراحه ، وهمومه ، وقوته ، وضعفه .

﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ﴾

[ سورة البقرة: 152 ]

﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ ﴾

[ سورة البقرة: 152 ]

 إنك إن صليت ذكرت الله ، إن دعوته ذكرت الله ، إن استجرت به ذكرت الله ، إن سبحته ذكرت الله ، إن قرأت القرآن ذكرته ، إن ألقيت درساً علمياً ذكرته ، إن نصحت زوجتك ذكرته .

﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ﴾

[ سورة البقرة : 152 ]

 إنكم إن أديتم العبادات ذكرتموني ، ويقابل هذا الذكر من قبلكم أنني أذكركم ، أما إذا ذكرتكم فأمنحكم السكينة ، الإنسان يسعد بها ولو فقد كل شيء ، ويشقى بفقدها ولو ملك كل شيء ، الله عز منح سيدنا يونس السكينة وهو في فم الحوت ، أي احتمال النجاح والإنسان وجد نفسه بحوت أزرق ، وزنه مئة وخمسون طناً ، خمسون طناً من الدهن ، خمسون طناً من اللحم ، خمسون طناً من العظم ، تسعون برميل زيت ، يقف في فم الحوت عشرة أشخاص ، وقوفاً ، وجد نفسه في بطن الحوت احتمال النجاة كم ؟ صفر ، سيدنا يونس :

﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ ﴾

[ سورة الأنبياء: 87 ]

 في ظلمة الليل ، وظلمة البحر ، وظلمة بطن الحوت ، نادى :

﴿ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة الأنبياء: 87 ـ 88 ]

 هذه القصة الرائعة الدقيقة قلبت إلى قانون ، فمن أنت أيها الإنسان ؟ مهما كنت تعاني من مشكلة كبيرة ، لا ترقى إلى أن ترى نفسك في فم الحوت ، فلذلك هذا القرآن بيان ، تطمين ، بشارة .
 إذاً تسعد بالسكينة ولو فقدت كل شيء ، وتشقى بفقدها ولو ملكت كل شيء .

التوفيق من ثمار الإيمان :

 من ثمار الإيمان التوفيق ، لم يرد في القرآن إلا هذه الآية :

﴿ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ﴾

[ سورة هود: 88 ]

 أنت توفق بزواجك ، توفقك بحرفتك ، توفق بتربية أولادك ، توفق بمكانة اجتماعية ، توفق بحكمة .

﴿ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ ﴾

[ سورة البقرة: 269]

 والله ثمار الإيمان لا تعد ولا تحصى ، إن لم تقل : ليس على وجه الأرض من هو أسعد مني إلا أن يكون أتقى مني هناك مشكلة .

﴿ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ﴾

[ سورة هود: 88 ]

كل إنسان مسؤول عن ثلاث دوائر :

 لذلك الحقيقة أنت لا تحاسب عن شرود الناس عن الله ، ولا تحاسب عن هذا الفساد الكبير في الأرض ، تحاسب عن دوائر ثلاثة ، تحاسب عن نفسك ، أول دائرة ، وعن بيتك ثاني دائرة ، وعن عملك ثالث دائرة ، تحاسب عن عملك ، البضاعة حلال أو حرام ، هناك بضاعة محرمة ، بضاعة محرمة لذاتها ، وهناك علاقة بيع محرمة لغيرها ، فيها غش ، فيها كذب ، فيها تدليس .
 الحقيقة أن العبادات خمس ؛ صلاة ، وصوم ، وحج ، وزكاة ، وذكر ، أما المعاملات فتبدأ من فراش الزوجية ، وتنتهي بالعلاقات الدولية ، لا أبالغ يوجد حوالي ألف حكم شرعي ، كسب مالك ، إنفاق مالك ، اختيار زوجتك ، تربية أولادك ، علاقتك بأمك وأبيك ، بجيرانك ، بمن حولك ، بالأقوياء ، بالأغنياء ، بالأتقياء ، بالعلماء ، أي منهج تفصيلي دقيق جداً ، بعبارة دقيقة جامعة مانعة : يبدأ من فراش الزوجية ، وينتهي بالعلاقات الدولية ، لذلك نفسك دائرة ، صلاتك ، صومك ، حجك ، زكاتك ، غض بصرك ، ضبط الشاشة بالبيت ، ألا يكون هناك محطات متفلتة ، ضبط علاقاتك ، ضبط سهراتك ، ضبط نزهاتك ، لا يوجد اختلاط ، لا يوجد تفلت ، ضبط بيعك وشرائك ، لا يوجد غش ، لا يوجد تدليس ، المنهج الإلهي يبدأ أعيدها مرة ثانية من فراش الزوجية ، وينتهي بالعلاقات الدولية ، هذا المنهج إن طبقته نشأ لك خط ساخن مع الله .

فـلو شاهدت عيناك من حسننــــا  الذي رأوه لما وليت عنــــــــــا لغـيرنـــا
ولو سمعت أذناك حسن خطابنا  خلعت عنك ثياب العجب وجئتنـــــــــــا
ولو ذقت مـن طعم المحبـــة ذرة  عذرت الذي أضحى قتيلاً بحبنـــــــــــا
ولو نسمت من قربنا لك نسمـة  لمــــت غريباً واشتيـــــــــاقاً لقربنـــــــــــا
ولـــــــــو لاح من أنوارنا لك لائح  تركت جميع الكائنات لأجلنـــــــــــــــــــــا
فما حبنا سهل وكل من ادعـــى  سهولته قلنا له قــــــــــــد جهلتنـــــــــــــا
فأيسر مافي الحب للصب قتـلـه  وأصعب من قتل الفتى يوم هجرنـــا
***

الله تعالى ناصر دينه و لو اجتمع أهل الأرض على مناهضته :

 لذلك الآن أشير إلى ناحية دقيقة : لو رأيت مؤامرات العالم كله عن هذا الدين العظيم، الشرق ، والغرب ، والشمال ، والجنوب ، والعالم الاشتراكي ، والرأسمالي ، والعالم الذي حولنا يناهض هذا الدين ، يعادي هذا الدين ، لا تقلق .
 قالوا : ما ضرّ السحاب نبح الكلاب ، وما ضرّ أن ألقى غلام فيه حجر ، ولو تحول الناس إلى كناسين ليثيروا الغبار على هذا الدين ما أثاروه إلا على أنفسهم ، لا تقلق على هذا الدين إنه دين الله .
 فلذلك كلما اشتد الكرب اقترب الفرج ، الله عز وجل يمتحننا ، وكأن هذه النار الذي يقمع الدين كمن يطفئ النار بالزيت ، يزيدها اشتعالاً ، وأنا أرى وباجتهاد مني وقد أكون مخطئاً الذي له فضل على هذه الصحوة الإسلامية ، وعلى النهضة الإسلامية ، وعلى النظر إلى وحي السماء ، وإلى احتقار وحل الأرض ، هم أعداء الدين ، بشدتهم ، بقمعهم ، بظلمهم ، بنفاقهم ، بكذبهم ، فلذلك هذا الدين يزداد قوة .

وجوب اقتران الطاعة بالمحبة :

 شيء آخر : الطاعة يجب أن يكون معها محبة ، فما عبد الله من أحبه ولم يطعه ، كما أنه ما عبد الله من أطاعه ولم يحبه ، الطاعة والمحبة ، والدليل :

﴿ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾

[ سورة المائدة: 54]

 والحب في الله عين التوحيد ، تحب الله ، تحب رسوله ، تحب أنبياء الله جميعاً ، تحب الرسل جميعاً ، تحب العلماء الربانيين ، تحب العمل الصالح ، تحب الطاعة ، تحب الصلاة ، تحب غض البصر ، تحب العمل الصالح ، فلذلك الحب في الله عين التوحيد ، تحب الدعاة الربانيين ، تحب الدعاة المخلصين ، تحب المساجد ، تحب العمل الصالح ، تحب العطاء .
 يا من جئت الحياة فأعطيت ولم تأخذ ، يا من قدست الوجود كله ، ورعيت قضية الإنسان ، يا من زكيت سيادة العقل ، ونهنهت غريزة القطيع ، يا من هيأك تفوقك لتكون واحداً فوق الجميع فعشت واحداً بين الجميع ، يا من كانت الرحمة مهجتك ، والعدل شريعتك ، والحب فطرتك ، والسمو حرفتك ، ومشكلات الناس عبادتك .
 لذلك النقطة الدقيقة الدقيقة الآن : إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم ، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم ، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم ، والعلم لا يعطيه بعضه إلا إذا أعطيته كلك ، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً ، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم ، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل ، طالب العلم يؤثر الآخرة على الدنيا فيربحهما معاً ، بينما الجاهل يؤثر الدنيا على الآخرة فيخسرهما معاً .
 لذلك ملخص الملخص : لا يخافن العبد إلا ذنبه ، ولا يرجون إلا ربه .

الابتلاء قدرنا وعلة وجودنا :

 أرجو الله سبحانه وتعالى أن يحفظ إيمان الذي سمعوني ، أو رأوا صورتي في هذا المشهد ، أن يحفظ لهم إيمانهم ، وأهلهم ، وأولادهم ، وصحتهم ، ومالهم ، واستقرار البلاد التي هم فيها ، والتشاؤم ، والسوداوية ، واليأس ، والقنوط هذه الحالات التي هي شائعة الآن تقترب من الكفر ، المؤمن متفائل ، هذا الإله العظيم لن يتخلى عن المؤمنين الصادقين ، لكن أحياناً يؤدبهم ، أحياناً يمتحنهم ، أحياناً يبتليهم ، النبي الكريم قال :

((أوذيت في الله وما يؤذى أحد ، ولقد أخفت في الله وما يخاف أحد ، ولقد أتت علي ثلاث من بين يوم وليلة ومالي طعام إلا ما واراه إبط بلال ))

[الترمذي عن أنس بن مالك ]

 الملخص :

﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ ﴾

[ سورة الملك:2]

 الابتلاء قدرنا ، الابتلاء علة وجودنا ، الابتلاء غاية وجودنا ، والبطولة ليس ألا نبتلى بل أن ننجح في الابتلاء .

﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة آل عمران:139]

 والحمد لله رب العالمين

أسئلة و أجوبة :

المذيع :
 جزاكم الله خيراً شيخنا ، وأحسن إليكم على هذه المحاضرة القيمة ، ونسأل الله عز وجل أن يجعل ذلك في صحيفة أعمالكم .
 وإن أذنتم لنا شيخنا يوجد عدد من الأسئلة ، فلو تتكرمون بالإجابة عليها حياكم الله .
 السؤال الأول : أخ يقول : كيف يكون طلب العلوم الطبيعية كالفيزياء وغيرها عبادة يؤجر عليها المسلم ؟

طلب العلوم الطبيعية عبادة يؤجر عليها المسلم :

الدكتور محمد راتب :
 لأنه :

﴿ سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ ﴾

[ سورة فصلت:53 ]

 الفيزياء ، والكيمياء ، والرياضيات ، والفلك ، والطب ، والهندسة ، هذا خلقه ، الآيات الكونية خلقه ، والتكوينية أفعاله ، والقرآنية كلامه .

﴿ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآَيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ ﴾

[ سورة الجاثية: 6 ]

 الكون قناة أولى ، الشمس ، والقمر ، والنجوم ، وطعامنا ، وشرابنا ، وأولادنا ، مليار ، مليار ، مليار آية كل يوم ، كأس الماء سيدي ، هذا الكأس ، كل عنصر بالأرض تسخنه يتمدد، تبرده ينكمش ، إلا استثناء واحد هو الماء ، لولا هذا الاستثناء لما كان هذا اللقاء ، الماء نبرده من عشرين لخمس عشرة لعشر لخمس لزائد أربع درجات يزداد حجمه ، فلما ازداد حجمه قلت كثافته ، فقطعة الثلج في البحار تطفو على سطح الماء ، وأعماق البحار مياهها دافئة ، لولا هذا الاستثناء في قانون الفيزياء - التمدد - لما كان هذا اللقاء إطلاقاً .
 منعكس المص ، الطفل الآن ولد يضع شفتيه على حلمة ثدي أمه ، يحكم الإغلاق يسحب الهواء ، من علمه هذا ؟ لو لم يكن هناك هذا المنعكس لما كان هناك حياة الآن ، مليار، مليار ، مليار آية صارخة بحياتنا ، بطعامنا ، بشرابنا ، بزواجنا ، بإنجابنا ، بأولادنا ، بالأشجار، بالأطيار بالأسماك ، دالة على عظمة الله .

﴿ سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ ﴾

[ سورة فصلت:53 ]

 فالإنسان إذا عظم الله سعد في الدنيا والآخرة ، أما إذا فهمنا الدين أساطير ، وقواعد قديمة ، ومضى عليها الزمن انتهت سعادتنا كلياً .
المذيع :
 بارك الله بكم شيخنا .
 السؤال الثاني شيخنا : متى يؤجر الإنسان على طلب العلم الشرعي ؟ رغم هذا السؤال يتقاطع مع سؤال ثالث ، يقول فيه السائل : كيف نفعّل النية في طلب العلم الشرعي ؟

النية عمل قلبي :

الدكتور محمد راتب :
 إذا الشخص ربط المنبه على الساعة الثانية ليصلي قيام الليل ، يجب أن يقول : نويت صلاة قيام الليل ؟ لا ، لأن النية عمل قلبي ، عمل قلبي ، عندما تستيقظ في رمضان للسحور لمَ استيقظت ؟

(( إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ))

[ متفق عليه عن عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ]

 فالنية عمل قلبي ، لا تحتاج إلى نطق ، لكن أنت عندما أردت الصيام استيقظت وقت السحور ، عندما رأيت فتاةً متفلتة ، والله أمرك أن تغض البصر ، غضضت البصر عنها، كنت باراً بوالديك ، محسناً لزوجتك ، تربي أولادك ، سيدي هذا الدين عظيم يبدأ من فراش الزوجية وينتهي بالعلاقات الدولية ، منهج تفصيلي بكل شؤون الحياة ، فلابد من طلب العلم .
 فإذا أردت الدنيا فعليك بالعلم ، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم ، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم ، والعلم لا يعطيه بعضه إلا إذا أعطيته كلك ، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم ، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل ، طالب العلم يؤثر الآخرة على الدنيا فيربحهما معاً ، بينما الجاهل يؤثر الدنيا على الآخرة فيخسرهما معاً .
المذيع :
 شيخنا ؛ أخ يقول : كثير من الشباب الآن ينتحرون عمداً من همّ المعيشة فما حكم هؤلاء ؟

حكم المنتحر :

الدكتور محمد راتب :
 والله إذا شخص أمسك الخنجر وطعن قلبه هذا انتحر ، أنهى حياته ، وإذا عصى الله نحر نفسه ، أنهى سعادته ، وإذا ألحد نحر عقله ، هناك نحر الجسم بخنجر يصيب القلب يموت فوراً ، مات جسمه ، ونحر النفس بالمعصية ، والإلحاد نحر العقل ، والنتائج واضحة ، أنت حر أن تفعل ما تشاء ، لكن لست حراً أن ترد نتائج عملك ، أنا عندما أحتقر قانون السقوط ألقي بنفسي من الطائرة من دون مظلة أنا ما تحديت القانون ، هو تحداني ، أنزلني ميتاً ، يوجد للسقوط قوانين ، فأنت إما أن تتأدب مع قوانين الله فتسلم وتسعد ، وإما أن تهملها ، إن أهملتها أو إن كذبتها لا تلغي مفعولها .
أوضح مثل : راكب بطائرة ، قال : ما هذه المظلة ؟ مثال قديم تقليدي ، جهل ، ثقافة قديمة ، عفا عنها الزمن ، وألقى بنفسه من دون مظلة ، نزل ميتاً ، فلما سخر من المظلة ومن قانون السقوط لم يلغِ فعل هذا القانون في نفسه ، فهذا الإنسان عندما يعزف عن الدين يبتعد عن الدين لا يلغي الفعل به .
المذيع :
 شيخنا كثير من المتابعين الآن يطلبون منكم الدعاء ، من المغرب ، ومن الصحراء الغربية ، وأكثر من مكان ، فلو نختم بالدعاء بارك الله بكم .

الدعاء :

الدكتور محمد راتب :
 اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير ، واجعل الموت راحة لنا من كل شر مولانا رب العالمين ، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك ، اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك ، أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارضَ عنا ، واجعل بلاد المسلمين آمنة مطمئنة يا رب العالمين ، واحقن دماء المسلمين في كل مكان يا أرحم الراحمين .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018