الدرس : 07 - سورة غافر - تفسيرالآيات 19 - 21 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 07 - سورة غافر - تفسيرالآيات 19 - 21


1993-07-23

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة المؤمنون... مع الدرس السابع من سورة غافر، ومع الآية الثامنة عشرة وهي قوله تعالى:

﴿ وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذْ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ ﴾

وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذْ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ

1 ـ يوم الآزفة:

 يوم الآزفة أحد أسماء يوم القيامة، سُمِّيَت كذلك لقرب مجيئها، لأن كل متوقعٍ آت، وكل آتٍ قريب، الشيء الذي سيأتي ربما يُعَدُّ بقصر الزمن قد أتى، والدليل آيةٌ تقول:

﴿ أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ ﴾

( سورة النحل: من الآية 1)

 أتى، ما دام هذا الأمر سيأتي، هو في حكم أنه قد أتى، هذا معنى الآزفة.

﴿ وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذْ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ ﴾

2 ـ إِذْ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ

 من شدة الخوف والقلق.

﴿ كَاظِمِينَ ﴾

3 ـ كَاظِمِينَ

 أي لا يستطيعون أن يتحرَّكوا، ولا أن يتكلَّموا، لأن الله سبحانه وتعالى وضعهم في موضع المسؤولية.

﴿ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ ﴾

4 ـ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ

 الإنسان في الدنيا له جماعة، له أقارب، له أصدقاء ربما يعينوه على محنته، ولكن يوم القيامة الناس يأتون فرادى، ما من حميمٍ ينقذهم، ولا شفيعٍ يشفع لهم، هذه الآية شُرحت في الدرس الماضي، ثم يقول الله عزَّ وجل:

﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ ﴾

 لماذا اختار الله سبحانه وتعالى هذه الجُزْئِيَّة.

﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ ﴾

يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ

1 ـ لا يعلم خائنة الأعين إلا الله:

 أي يعلم الأعين الخائنة، العين أحياناً تسرق النظر، فإذا سرقت النظر إلى ما لا يحلُّ لها فقد خانت الأمانة، وما من مخلوقٍ على وجه الأرض يستطيع أن يعلم خيانة العين أبداً، وهذا يقودنا إلى أن بين التشريعات الوضعية والأوامر الإلهية نقاط مشتركة، وهناك نقاط مختلفة، فهناك مجموعة أوامر يحرِّمها الشرع وتحرمها القوانين، لكن الشرع أحياناً ينفرد بأوامر، ما من قانونٍ على وجه الأرض يحرمها على الإطلاق، إلا أن الدين ينفرد بتحريمها.
 إذا استرق الإنسان النظر إلى امرأةٍ لا تحل له، فما من تشريعٍ أرضي يحرم عليه ذلك، بل ما من جهةٍ أرضيةٍ بإمكانها أن تكشف هذه المخالفة، لأن خيانة العين يصعب ضبطها من قَِبَل البشر، فقد يكون الإنسان في مكانٍ، وليس معه أحد، وبإمكانه أن ينظر، ولا يعلم هذه النظرة إلا الله، قد يكون مع جمعٍ غفير وبإمكانه أن يُسارق النظر دون أن يشعر به أحد، فالله سبحانه وتعالى ذكر جزئيةً من جُزئيات النظر لكنها بليغةٌ في مدلولها، فإذا كان الله عزَّ وجل يعلم خائنة الأعين فما قولك بالذي فوق خيانة العَين ؟ وهذا يقودنا إلى أن الله سبحانه وتعالى في بعض آيات القرآن الكريم يقول:

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنْ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا ﴾

( سورة الطلاق: من الآية 12 )

 هذه الآية دقيقة جداً، عِلَّةُ خلق السماوات والأرض أن تعلم أن الله يعلم، لأنك إذا علمت أن الله يعلم قطعت أربعة أخماس الطريق إلى الله.

 

ما الذي يجعل الإنسان يُقدِم على المعصية ؟

 

 ما الذي يجعل الإنسان يُقدِم على المعصية ؟ شعوره غير الصحيح أن الله في السماء لا يراه، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

(( أفضل الإيمان أن تعلم أن الله معك حيثما كنت ))

[ الجامع الصغير عن عبادة بن الصامت، وفي إسناده ضعف ]

 إذا شعرت أن الله معك، إذا أيقنت أن الله يعلم انتهى الأمر، لا يستطيع الإنسان العاقل أن يعصيَ من يعلم المعصية، هل تستطيع أن تخالف أمراً من إنسانٍ قويٍ مُطَّلعٍ عليك ؟ لا تستطيع.
 إذا كنت لا تستطيع أن تخالف أمراً لبشرٍ مطّلعٍ عليك إذا عصيته، وهو قادر على أن يعاقبك إذا فعلت ذلك، أنت مع إنسان تقف موقف الالتزام، فكيف بك مع الله سبحانه ؟
 فعلة هذه الآية، أي سبب مجيء هذه الجزئية هي أن الإنسان إذا علم أن الله يعلم قطع نصف الطريق إلى الله، أو قطع أربعة أخماس الطريق إلى الله، لأن من لوازم العِلم الخَشْيَة، إذا كنت مُرَاقَبًا فأنت ملتزم، إذا كانت اتصالاتك مراقبة إذاً أنت منضبط، إذا كانت حركاتك مراقبة فأنت مستقيم، هذا من لوازم العلم الذي يحصل للإنسان.
 إذاً: ربنا سبحانه وتعالى جاء بجزئيةٍ صغيرةٍ صغيرة إذا وقفت عندها، وعرفت مدلولها وأبعادها عندئذٍ تلتزم، فالعينُ يمكن أن تسترق النظر، ولا يستطيع أحدٌ على الإطلاق أن يعلم استراق نظرها إلى ما حرّم الله، ولكن الله وحده يعلم، إذا علمت أن الله يعلم، انتهى الأمر.
 من لوازم هذا العلم الاستقامة على أمر الله، إذاً: أن يكون علمك بأن الله يعلم ما في السماوات والأرض، هذا شيء كبير جداً، لذلك يفترق الناس هنا، فالمؤمنون يعلمون أن الله يعلم، فيلتزمون أمر الله، وينتهون عما نهى الله ؛ وضعاف الإيمان يغيب عنهم أن الله يعلم، فيقترفون المعاصي والآثام، ثم تأتي المصائب والمُلِمَّات جزاءَ اقترافِهم هذه المعاصي.

﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ ﴾

 إذاً: هذا الأمر لا يعلمه إلا الله.

 

معنى: يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ

 

المعنى الأول:

 بعضهم قال: الآية موجهة إلى نظر الإنسان إلى المرأة التي لا تحلُّ له، فيستطيع أن ينظر إليها دون أن يشعر به أحد، وهو في جمعٍ غفير، أو يستطيع أن ينظر إليها، وهو منفردٌ لا يراقبه إلا الله عزَّ وجل.

المعنى الثاني:

 وقال بعضهم: هذه الآية متعلقة بغمز العَيْن، أحياناً يكون الاتفاق بين شخصين، حركة يسيرةٌ بجفن العين أو بحركة العين، أحياناً يحرِّك الإنسان بؤبؤه نحو اليمين، أي افعل كذا، أو نحو الشمال، أو نحو الأعلى، لا تفعل، تحريك بؤبؤ العين هذه الحركة اليسير اللطيفة هي ما تعنيه الآية الكريمة:

 

﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ ﴾

 أي الغمز.

 

المعنى الثالث:

 وبعضهم قال: إذا رأيت، وقلت: لم أر، أو إن لم تر، وقلتَ: رأيت، هذه خائنة الأعين، أي أنّ الله عزَّ وجل أتى بحالةٍ دقيقة، جزئيةٍ يسيرةٍ من فعل العين، والله يعلمها، فإذا كان يعلم خائنة العين فما قولك بما فوق ذلك ؟
 إذاً يجب أن تعلم أن الله يعلم، لأنك إذا علمت أن الله يعلم تلتزم أمر الله، وتلتزم شرعه، فإن التزمت أمره وشرعه سعدت في الدنيا والآخرة، كأنها تعني أنك بدايةً يجب أن تعلم أن الله يعلم، إن لم تعلم أن الله يعلم ربما وقعت في المعاصي والآثام.

﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ ﴾

المعنى الرابع:

 وقال بعض المفسرين: خائنة الأعين هي النظرة الثانية، النظرة الأولى نظرة الفجاءة، لك والثانية عليك، فهذه الخائنة، العين تخون متى ؟ في النظرة الثانية، في الأولى لا تعلم، فوجئت بهذا المنظر، أما النظرة الآثمة فهي النظرةُ الثانية، فعَنْ أَبِي رَبِيعَةَ عَنْ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ رَفَعَهُ قَالَ:

(( يَا عَلِيُّ، لَا تُتْبِعْ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ، فَإِنَّ لَكَ الْأُولَى وَلَيْسَتْ لَكَ الْآخِرَةُ ))

[الترمذي]

 خائنة الأعين هي النظرة الثانية.
 المعنى الأول: حينما تسترق العين النظرة إلى امرأةٍ لا تحل له، لو كنت وحيداً يعلم هذه الخيانة، ولو كنت في جمعٍ غفير، فإذا ما غفلوا عنك استرقت النظر، فإذا ما نظروا إليك غضضت البصر، هذه المخالفة لا يعلمها إلا الله، هذا هو المعنى الأول.
 المعنى الثاني: أن خائنة العين هي غمز العين، أي إنْ أعطيت إشارةً بعينك يميناً أو شمالاً، نحو الأعلى، أو نحو الأسفل، وأنت تريد شيئاً، وقد لا يشعر بك أحد.
 أحياناً يكون الضيف جالسًا أمامك، يلتفت نحو النافذة تعطي إشارة لابنك بعينك أن هيِّئ الضيافة، بعينك فقط ـ وقد اخترنا الشيء الخير الطيِّب، أما الشيء الشرير فالإنسان محاسب عليه ـ فغمز العين هي خائنة الأعين، واستراق النظر إلى المرأة الأجنبية دون أن يعلم أحدٌ من بني البشر هي خيانة العين.

 

تلخيص معاني خائنة الأعين:

 

 كنت أذكر وأكرر كثيراً: أن الطبيب المؤمن له أن ينظر إلى موطن الداء في المريض، ولو كان امرأةً، إلا أن الله وحده يعلم، ولا أحد سواه إذا استرق النظر إلى مكانٍ آخر لا يعالجه، ولا يستطيع أحدٌ على وجه الأرض أن يكشف هذه المَعْصِية، بإمكانه أن ينظر إلى موطن الداء، وهذا حقٌ له لإنقاذ هذه المريضة، أما إذا نظر إلى مكانٍ آخر لا يحل له، فمن يعلم هذه المخالفة ؟ لا يستطيع لا الزوج ولا الأقارب ولا المرافق لهذه المريضة أن يكشف هذه الخيانة.
 قل عن الطبيب، وقل عن القاضي حينما يريد أن يتأكد من شخصية امرأةٍ له أن ينظر إليها، من يعلم أن هذه النظرة تهدف إلى معرفة شخصية هذه المرأة، أو نظرتُهُ فيها هدفٌ آخر، من يعلم ذلك ؟ الله سبحانه وتعالى.
 الإنسان أحياناً يتعامل بحكم العمل مع امرأةٍ، لكن مَن يعلم أن نظرته إليها بالحَدِّ الأدنى مع غَضِّ البصر، أم أن نظرته إليها متعلقة بهدفٍ آخر؟ هذه خيانة العين، هذه بعض المعاني.
 فالمعنى الأول استراق النظر.
 والمعنى الثاني الغمز.
 والمعنى الثالث أن تقول: ما رأيت وقد رأيت، خنت بهذه النظرة، أو أن تقول: رأيت، وما رأيت.
 والمعنى الرابع: النظرة الثانية، الأولى لك والثانية عليك.

إذا كان الله يعلم خائنة الأعين فما فوقها أولى بالعلم:

 ما أراد الله بهذه الجزئية الصغيرة من عمل العين إلا ليؤكد لك ما فوقها، أي أنك مكشوفٌ أمام الله عزَّ وجل، مكشوفةٌ حركاتك وسكناتك، وخواطرك ونواياك، وما تطمح إليه، وما يدور في خلدك، وما يخفى عنك، إذا علمت أن الله يعلم قطعت نصف الطريق، أو أربعة أخماس الطريق إلى الله عزَّ وجل.
 وأفضل إيمان الرجل أن يعلم أن الله معه حيث كان، اعبدْ الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، يا رب اجعلنا نخشاك حتى كأنَّا نراك، وهذا ما يعبّر عنه بعض العلماء بحال المراقبة، المؤمن الصادق يشعر أنه مراقبٌ من قبل الله عزَّ وجل، لذلك يستحيي أن يأتي بمعصية، فهو مراقَب، تحت المراقبة الشديدة، وهذا معنى قول الله عزَّ وجل:

﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ(14) ﴾

( سورة الفجر )

 وهذا معنى قول الله عزَّ وجل:

﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا(1) ﴾

( سورة النساء )

 وهذا معنى قول الله عزَّ وجل:

﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾

( سورة الحديد: من الآية 4 )

 وهذا معنى قول الله عزَّ وجل:

﴿ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى(7) ﴾

( سورة طه )

 يعلم السر الذي أسررته، والذي يخفى عليك يعلمه، عَلِمَ ما كان، وعلم ما يكون، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون.
يمكن أن نقول: إن مشكلتك مع الله هي بين أن تعلم أنه يعلم، أو تتوهم أنه لا يعلم، قال تعالى:

﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ(16) ﴾

( سورة ق )

 أيْ أقرب إليه من روحه.

﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾

( سورة الحديد: من الآية 4)

 هو معكم بعلمه.
 هذه المعاني ملخَّصها أن تعلم أن الله يعلم، فإذا علمت أن الله يعلم فبحكم فطرتك، وبحكم خوفك، وحبك لسلامتك، وحبك لوجودك، ولسلامة وجودك، ولاستمرار وجودك، ولكمال وجودك، بدافع فطرتك تستقيم على أمر الله.
 الفرق بين رجلين: إنسان مستقيم وآخر غير مستقيم، المستقيم يعلم أن الله يعلم، ويعلم أن الله يعلم وسيحاسب، ولأنه لا مفرَّ من محاسبة الله عزَّ وجل فلا بد من أن يستقيم، كيفما شاء لا بد من أن يستقيم ؛ أما غير المستقيم فيتوهَّم أن الله في السماء، وأنه خلق الخلق، وترك بعضهم لبعض، هذا قد يكون وهمًا، وقد يكون هذا الوهم عن وعيٍ أو عن غير وعيٍ.

﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾

وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ

1 ـ الإنسان بين لطف الظاهر وخبثِ الباطن:

 أقرب الناس إليك قد يُبدي لك من البشاشة، والمودة، واللطف، والتقرب، وهو يخفي في صدره الخبث واللؤم، والحقد والحسد، وما إلى ذلك، مَن الذي يعلم هذا القلب، وما ينطوي عليه ؟ قيل في بعض الآثار: عبدي طهَّرتَ منظر الخلق سنين، أفلا طهَّرت منظري ساعة ".
 منظر الخلق بيتك، غرفة الاستقبال، ثيابك، مركبتك، هذا منظر الخلق، لكن منظر الرب هو قلبك الذي في صدرك، لأن الله لا ينظر إلى صوركم، ولا إلى أجسامكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم، فهنيئاً لمن كان طَيِّب السريرة، هنيئاً لمن كان بريئاً عند الله عزَّ وجل، فهو يحاسب على ما في قلبك، لذلك فالإنسان صاحب النيات الطيبة، البريء، المستقيم الذي لا ينوي الغش لأحد، هذا القلب الثمين هذا أثمن شيء تملكه، والدليل:

﴿ يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ(88)إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ(89) ﴾

( سورة الشعراء )

 فهل هذا قليل ؟ أن تملك قلباً سليماً ليس فيه حقدٌ، ليس فيه حسدٌ، ليس فيه ضغينةٌ، ليس فيه تآمرٌ على أحد، ليس فيه غِلٌ على أحد المؤمنين، ليس فيه توجيهٌ لإيقاع الأذى بفلان ؟ هذا القلب السليم هو أثمن ثروةٍ تملكها، بل هذا القلب الثمين هو أثمن مكسبٍ تكسبه من الإيمان.
 الإيمان قيد الفتك، المؤمن يعلم أن الله يعلم، لذلك لا يستطيع أن ينوي الشر لأحد أو يوقع الشر به، الإيمان يُلْجِمُهُ، يعلم أن لهذا الإنسان إلهاً سيحاسبه، الله وكيله، كلمة الله وكيلك، كلمة يألفها الناس كثيراً، يرددونها كثيراً، ولكن هذه الكلمة لو عرف الناس معناها لصعقوا، لو عرف الناس معناها لعدُّو للمليون قبل أن ينووا السوء لأحد، الله وكيل الخلائق.
 الشيء الثاني:

 

﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾

 

2 ـ لا يعلم النياتِ إلا الله:

 هذا الذي يتزوج امرأةً وفي نيَّته أن يطلقها بعد حين، ولم يقل لها ذلك حينما خطبها، فمن يكشف هذه المعصية الكبيرة ؟ الله جل جلاله، قد تخطب ويحصل الإيجاب والقبول، وتأتي بشاهدين، وتسمي المهر، وهذه أركان الزواج الشرعي، لكن في نيَّة الزوج أن يمضي مع هذه المرأة ما دام مسافراً في بلاد الغرب، فإذا أزمع العودة طلَّقها، وانتهى الأمر، مَن يعلم هذه النية المخالفة لحقيقة الزواج، وهي نية التأبيد ؟ الله جل جلاله.
 هذا الشريك المفتقر إلى خبرة الشريك الآخر، شارك إنساناً ذا خبرة، وفي نيته أن يكسب منه هذه الخبرة، فإذا تمَّ له هذا الكسب فَكَّ الشراكة، وألقاه خارج المحل، مَن يعلم ذلك ؟ الله جل جلاله.
 الزوج الذي ينوي تطليق امرأته بعد حين دون أن تكون مذنبةً، إلا لمصلحةٍ عند الزوج.
 وهذا الذي يتزوَّج امرأةٍ ليأخذ جنسيةً معينة، تصدقه هي، وهو بمجرد أن يأخذ البطاقة الخضراء يطلقها، من يعلم ذلك ؟ الله جل جلاله، فإذا أراد الإنسان أن يخفي عن الناس شيئاً، فالذي يخفيه لا يخفى على الله، لا تخفى على الله خافية، هذا أكبر معين على الاستقامة، حينما تعلم أن قلبك مكشوف، صفحةٌ مبسوطةٌ أمام الله عزَّ وجل، لذلك لا يفرح المؤمن إلا إذا كانت نياته طيِّبة، ولا يسعد إلا إذا رأى نيَّته سلمية.
 أحياناً تجد أشخاصًا ينطوون على خبثٍ كبير، من دلائل خبثهم أنهم يسيئون الظن بمعظم الناس، فهنيئاً لمن كانت نيته سليمة، وبعض الخبثاء يتهمونه بالشر، وهو ليس كذلك، لذلك قالوا: الحمد لله على وجود الله ـ وجوده نعمة ـ الله موجود، ويعلم، وسيكافئ، وسيعاقب، فأنت علاقتك مع الله عزَّ وجل.

القلب السليم:

 لذلك أثمن شيءٍ أيها الأخ الكريم تملكه القلب السليم الذي لا ينطوي على حقدٍ، ولا على حسدٍ، ولا على ضغينةٍ، ولا على تآمرٍ، ولا على نيةٍ سيئةٍ، ولا على فعلٍ قبيحٍ، هذا هو القلب السليم محصلة الإيمان، هو الذي تسعد به في الآخرة، كل شيءٍ في الدنيا يزول، ويبقى القلب السليم، والآية واضحة جداً:

﴿ يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ(88)إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ(89) ﴾

( سورة الشعراء )

 أيْ أنّ الملايين المُمَلْيَنَة ـ إن صح التعبير ـ والألوف المؤلَّفة من العُمْلات الأجنبية، إذا مات الإنسان يتركها، ولا يبقى من ذخيرته للآخرة إلا القلب السليم، والقلب السليم محصلةٌ طبيعيةٌ للإيمان، فإنك إن آمنت بالله ؛ آمنت بوجوده، وآمنت بوحدانيته، وآمنت بكلامه، وآمنت بأنه يعلم، وهو مُطَّلع لا تخفى عليه خافية، وآمنت أنه سيحاسب فقد استقام أمرك، و فزت ورب الكعبة.
 أنا لا أبالغ: إذا أيقن أحدكم أن الله موجود، وواحد، وكامل، ويعلم وسيحاسب، فلا يمكن أن يعصيه، وكل إنسان يعصي الله فهو لا يعصيه إلا لخللٍ في هذه الفِقَرات، آمنت بوجوده موجود، وآمنت بأنه كامل، أي عادل، وآمنت بأنه واحدٌ في ذاته، واحدٌ في أفعاله، واحدٌ في صفاته، وآمنت بأنه يعلمُ، وآمنت بأنه سيحاسب، لا يمكن لإنسان ينطوي على ذرة عقلٍ واحدة أن يعصي الله، ولا يعصي اللهَ إنسانٌ إلا لخللٍ في هذه المُسَلَّمات ؛ في وجود الله، ووحدانيته، وكماله، وعلمه، ومحاسبته.

 

الظالم في قبضة الرحمن:

 

 ما من إنسان يرتكب معصيةً إلا ويتوهَّم أنه سينجو من العقاب، من عقاب البشر، لو علم أنه لا ينجو من عقاب رب البشر إطلاقا لاستقام.
 دخل رجل إلى بيت، وكان جندياً في حملة قمع فتنةً، فأبيحت لهم المدينة قائد الحملة أباح المدينة للجنود فدخل جنديٌ إلى بيت ـ والقصة قديمة حدثت في العصور العباسيَّة ـ فرأى زوجاً وامرأته وطفلين، فقتل الرجل وأمر المرأة أن تعطيه كل ما عندها، أعطته سبعة دنانير ذهبية، فقتل الولد الأول، فلما رأته جاداً في قتل الثاني أعطته درعاً مذهبةً، أعجبته الدرع درع مطليةٌ بالذهب غاليةٌ جداً فلما رآها، وقلَّبها قرأ عليها بيتين من الشعر، فلما قرأهما وقع مغشياً عليه، قرأ على هذه الدرع:

إذا جار الأمير وحاجباه وقاضي  الأرض أسرف في القضاء
فويلٌ ثم ويلٌ ثم ويلٌ لقاضــي  الأرض مـن قاضي السماء
***

 إذا نجا إنسان ظالم من قبضة الرحمن فهذا الدين لا معنى له أبداً.

﴿ وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ(42) ﴾

( سورة إبراهيم )

 إذا أيقنتم أيها الإخوة أن الله سبحانه وتعالى لا بد من أن يحاسب، إنْ في الدنيا، وإنْ في الآخرة، ليس الشرط أن يحاسب في الدنيا ؛ لكن بعض الذنوب كما قال عليه الصلاة والسلام، يعجِّل الله لفاعلها العقاب في الدنيا، من هذه الذنوب عقوق الوالدين، ومن هذه الذنوب البغي ـ أي الظلم ـ فالظالم وعاقُّ الوالدين وقاطع الرحم، قطيعة الرحم، وعقوق الوالدين، والبغي، هذه الذنوب الثلاثة يعجِّل الله لأصحابها العقوبة في الدنيا، فإذا أيقنّا جميعاً أن كل خطيئةٌ مسجلةٌ، ولها حساب خاص، ولن تمحى إلا بتوبةٍ نصوح، فما من إنسان ينطوي على ذرة عقل يقدم على معصية أبداً.
 فإنْ أكلَ هذا المالَ الحرام أتلف الله ماله، وأتلفه مع ماله.
 حدثني أخ كريم بواقعة قصيرة: شخص يقتني مركبة جديدة، تَعَطَّلَت، فذهب إلى مرآب لإصلاحها، فصاحب المرآة شعر أن صاحبها جاهل، فطلب منه مبلغا كبيرا غير معقول ـ عشرة أضعاف ما يستحق ـ فلما عاتبه جاره، وهو من إخوتنا الأكارم قال له: أنت لا تعرف كيف العمل، هكذا العمل ـ أي افتَخَر بهذه الطريقة في ابتزاز أموال الناس ـ ثم أخذ عشرة آلاف ليرة، بينما العمل الذي قام به لا يزيد أجره على ألف ليرة، لكن استغل جهل هذا الإنسان، وقال عليه الصلاة والسلام:

 

(( غبن المسترسل ربا ))

 

[ الجامع الصغير عن أنس وعن جابر وعن علي ]

 المسترسل الجاهل، أي غشيم، بالتعبير الدارج.

 

(( غبن المسترسل حرام ))

 

[ الجامع الصغير عن أبي أمامة ]

 لصاحب المرآب هذا ابنٌ يعمل في مخرطة، بعد أيامٍ أربعة دخلت نثرة فولاذٍ في عين هذا الابن، فاضطر أبوه أن يأخذه إلى بلدٍ مجاور، وأن يدفع ستة عشر ألف ليرة، أجرة عملية سحب هذه الشظية الصغيرة.
 لو يعلم الإنسان أن كل مالٍ يكسبه حراماً لا بد من أن يدفع الثمن باهظاً، جزاءً وفاقاً، وأن كل علاقةٍ مشبوهة، وأن كل بغيٍ، وأن كل عدوانٍ لا بد من جزاءٍ له، إن عاجلاً أو آجلاً، لذلك يجب أن تعلم أن الله يعلم، ويجب أن تعلم أن الله سيحاسب، وأن لكل حسنة ثواباً، ولكل سيئةٍ عقاباً، وعلاقتك مع الله وحده، وكل إنسان يحاول أن يتبرك بأشخاص طيبين على أساس أن هذا الطيب ينقذه من عذاب الله فهذا جاهل، لا يستطيع النبي عليه الصلاة والسلام وهو سيِّد الخلق وحبيب الحق أن ينقذك من عقاب الله عزَّ وجل.
 عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

 

(( إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، وَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلَا يَأْخُذْ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ ))

 

[ متفق عليه ]

 لو حكم لك النبي، وهو سيِّد الخلق، ولست محقاً فلن تنجو من عذاب الله، فما قولك بما دون النبي ؟ النبي عليه الصلاة والسلام على علو شأنه وعظم مقامه وهو سيد البشر، لا يستطيع أن ينجيك من عقاب الله إذا كنت منحرفاً، فهل في الكون كله إنسانٌ بإمكانه أن ينقذك ؟ هذا وهمٌ، لذلك أخطر شيء في الحياة أن يكون في ذهن الإنسان تصوّراتٌ غير صحيحة، وأوهامٌ لا تقف على قدميها.

 

بين العلم والشك والوهم والظن:

 

 قالوا: العلم علاقةٌ ثابتة بين شيئين، مقطوعٌ بصحتها، عليها دليل، مطابقةٌ للواقع، هذا تعريف دقيق، لو أن هذه العلاقة ليست مقطوعاً بصحتها، دخلنا في الوهم والشك والظن، وإذا كان يقينك بهذه الحقيقة أو بهذه المقولة ثلاثين بالمائة فهذا وهم، وإن كان اعتقادك بأن هذه الفكرة صحيحة خمسين بالمائة فهذا شك، وإذا كانت ثمانين بالمائة فهذا ظن، وإنّ الظن لا يغني من الحق شيئاً، لا بد من أن تعتقد اعتقاداً قطعياً، وأعلى درجة باليقين هو القطع.
 إذا هناك: وهمٌ، وشك، وظن، و غلبة ظن، ويقين، وقطع، إذا استطعت ألاّ تعتقد إلا بالحقائق المقطوع بصحتها فافعل، كل عقيدة زائغة فهي أوهام، وتصورات ما أنزل الله بها من سلطان، استقيت من زيد من عُبيد، وهو شخص غير ثقة، غير متحقق، من دون دليل، واعتقدت بها وتحرَّكت من خلالها، فهذه مصيبةٌ كبيرة ؛ أن تعتقد اعتقاداً زائغاً تنطلق منه، القطعُ مرتبةٌ فوق الوهم والشك والظن وغلبة الظن واليقين.
 مطابقةٌ للواقع، إن لم تطابق الواقع فهي الجهل، من هو الجاهل ؟ كل الناس يظن أن الجاهل هو الإنسان الذي لا يعلم، لا والله، ذاك الأمي، الجاهل هو الإنسان المُمْتَلِئ بالمعلومات غير الصحيحة، يعلم، ولكن كل معلوماته غلط، هذا هو الجاهل، فالجهل عدم مطابقة الوصف للواقع.
 ومن دون دليل صار تقليدًا، فإذا استطعت أن تبتعد عن التقليد، وعن الجهل، وعن الوهم، وعن الشك، وعن الظن، واعتقدت اعتقاداً مقطوعاً به مطابقاً للواقع عليه دليل، فقد انطلقت انطلاقاً علمياً.
 راجع كل معلوماتك، راجع كل معتقداتك، راجع كل تصوراتك، راجع كل المفهومات التي تملكها، اعرضها على القرآن والسنة، فهناك أوهام، وكذلك أفكار كلها خاطئة، تصورات غير صحيحة، هذه المعاني حول:

﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾

 أيْ أنّ الله يعلم، فإذا علم فسوف يحاسب، وإذا أيقنت بأنه يعلم، وسيحاسب فلا بد من أن تستقيم، وكل إنسان عنده مخالفة أو معصية يكون لذاته كالمُحَلِّل النفسي، عليه أن يُرجِعها إلى ضعفٍ في يقينه بوجود الله، أو بعلمه، أو بعدالته، أو بأنه سيحاسب.
لذلك:

﴿ وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ ﴾

وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ

1 ـ بين المفتي والقاضي:

 لماذا يقضي بالحق ؟ قال: لأنه يعلم، ولأنه قادر، هناك شخص يعلم مَن هو صاحب الحق ؛ ولكنه ضعيف مستضعف لا يقدر على أن ينفِّذ قناعاته، وهناك إنسان قادر على أن ينفِّذ، ولكن لا يعلم من هو المحق، ولكن الله جل جلاله يعلم ويقدر، فالقضاء يحتاج إلى علم وإلى قدرة، والفرق بين المفتي والقاضي هو أن المفتي يعطيك الفتوى من دون إلزام، أما القاضي فيحكم، ويقضي، ولديه قدرة على التنفيذ، يأمر بالسجن فيسجنه، فالفرق بين المفتي والقاضي أن كلاهما عالم، ولكن المفتي عالم ليس لديه سلطة، أما القاضي فهو عالم لديه سلطة، فالقاضي يقضي وينفِّذ، أما المفتي فيقضي ولا ينفِّذ، فيقول لك: حكم الشرع في هذا كذا، لكن لا يقدر أن يلزمك فعلَ ما يأمر به، لأنه لا سلطان لديه، قال الله عزَّ وجل:

﴿ وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ ﴾

2 ـ وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ

 لأنه يعلم ولأنه يقدر، وبالحق، والحق هو الشيء الثابت الهادف، قال الله عزَّ وجل:

﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ(16) ﴾

( سورة الأنبياء )

بين الحق واللعب:

 ما هو اللعب ؟ هو العَبَث، وكل مع عبث لعب، ولكن العمل الحق هو العمل الذي ينتهي إلى هدفٍ نبيل، والحق هو الشيء الثابت، الحق عكس الباطل، الباطل الشيء الزائل.

﴿ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا(81) ﴾

( سورة الإسراء )

 فمثلاً: المُعتقدات الباطلة تهاوت كبيت العنكبوت، فأقوى القوى دعمتها، ومع ذلك سقطت.

﴿ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا(81) ﴾

 فالباطل من شأنه أنه زاهق، وليس زاهقاً، بل زهوق، و زهوق صيغة مبالغة.

﴿ وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ ﴾

3 ـ وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ

 لا يعلمون ولا يقدرون.

﴿ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾

 ربنا عزَّ وجل يحَذِّرنا في هذه الآيات من العقاب في اليوم الآخر، ولكن هناك إشارة أخرى إلى أن العقاب قد يكون في الدنيا.

 

﴿ أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمْ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ ﴾

 

أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ

1 ـ لابد من التفكر في الأقوام الذين كانوا قبلنا:

 أكبر دليل على ذلك أهرامات مصر، من ذهب إلى مصر، ودخل الأهرامات، يعرف كم كان الفراعنة أقوياء، وكم كانوا متفوقين في العلوم، فالشمس لا تدخل الهرم إلا في يومٍ واحد، فمن يقدر أن يصنع الآن نافذة لها زاوية لا تتوافق مع ميل الشمس إلا في يومٍ واحد من أيام السنة ـ هو يوم وفاة فرعون ـ فمن يعلم اليوم أسرار التحنيط ؟ لقد زرت مصر، ورأيت في متاحفها الشيء الذي لا يصدق، أَطْعِمَتُهم قبل ستة آلاف عام، لحومُهم، خبزُهم، أدواتُهم، حليُّهم، مركباتُهم كلها كما هي، فأن تبقى المعادن سليمةً أمرٌ معقول، أما الطعوم، اللحوم، حتى الخبز، خبز الفراعنة منه نماذج قبل ستة آلاف عام، وتبقى على حالها، إذًا: لقد تفوقوا تفوقاً كبيراً، ربنا عزَّ وجل يقول:

﴿ أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾

 الأنباط في الأردن، مدينةٌ بأكملها محفورةٌ في الجبل ؛ بيوت، وقصور، ودور محاكم، وحمَّامات، وأماكن لهو، كلُّها منحوتة في الجبال، قاعة الملك عشرات الأمتار طولاً وعرضاً وارتفاعاً، منحوتةٌ في جسم الجبل، وهي صالةٌ تشبه مكعباً نظامياً كله منحوت في الصخر نحتًا، مع الأعمدة والتيجان، شيء لا يصدق، نحن كل حضاراتنا اسمنت، وكلها سوائل، تصب اليوم فتجف غدًا، أما هذا الحفر فهو الأمر الذي لا يصدق.
 ربنا عزَّ وجل يقول:

﴿ أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ ﴾

2 ـ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ

 ففي قلعة صلاح الدين مسلةٌ صخرية، أيْ جبل من الصخر، حُفِر الجبل، وبقيت مسلة قاعدة لجسرٍ متحرِّك يصل إلى القلعة، تنظر إلى هذه المسلة ارتفاعها ثلاثون مترًا، فالجبل حُفِر، وبقيت هذه المسلة الصخرية، ولا تزال حتى الآن، فتشعر أن الأمم السابقة قدَّموا أشياء عظيمة، وكان لهم حضارات كبيرة، وكانوا متفوقين، في علومهم، وفي أموالهم، وفي سلطانهم، وفي ممالكهم، ومع ذلك عصوا فدمَّرهم الله عزَّ وجل:

﴿ أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ ﴾

 الشيء الذي يدعو للعجب أن الأهرامات بُنِيَت في مكان صحراوي، لا يوجد فيه صخور إطلاقاً، المنطقة كلها رمال، فمن أين جيء بهذه الحجارة ؟ من جنوب مصر من أسوان، فكيف حُملت ؟ زِنَةُ كل حجر ثمانون طنًا، تسعون طنًا، فأي مركبٍ حمل هذا الحجر ؟ وكيف انتقل هذا الحجر من شَطِّ النيل إلى موقع الأهرامات ـ فهناك مسافة تبلغ حوالي عشرين كيلو مترًا، أو خمسة عشر كيلو مترًا بين شط النيل وموقع الأهرامات ـ وبعد أن وصل إلى هذا الموقع، كيف ارتفع إلى هذا العلو الشاهق ؟ بأي طريقة ارتفع ؟ شيء عجيب، فالأهرامات لا تزال أحد عجائب الدنيا السبع، هذه إشارة لنا، فاعتبروا يا أولي الألباب.

﴿ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ ﴾

 ومع ذلك.

﴿ فَأَخَذَهُمْ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ﴾

3 ـ فَأَخَذَهُمْ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ

 هناك جهة قوية تدَّعي أنها سيدة العالم، فمن السهل على الله سبحانه أن يأخذها الله بذنوبها، ولو ادعت أنها القوة الوحيدة في العالم، ربنا عزَّ وجل قال:

﴿ حَتَّى إِذَا أَخَذَتْ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ(24) وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ ﴾

( سورة يونس )

 القُوَى الأولى كيف تداعت كبيت العنكبوت، فكذلك يمكن أن تتداعى القوة الثانية.
 إذاً:

 

 ربنا عزَّ وجل قال:

﴿ سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ(145) ﴾

( سورة الأعراف )

احذروا غضبَ الله وسخطه بسبب الذنوب والمعاصي:

 إذا عم الفسق في بلدنا فنحن مهددون من قِبل الله عزَّ وجل، فإذا انتشر الفساد، واتسعت دائرةُ الفسق والإباحية، والزنا، والخمور، والمخدارت، فقد عم الفساد، وإذا أصبح الطريق يَعُجُّ بالكاسيات العاريات المائلات المميلات فهذا هو البلاء، فإذا ظهر الفساد فليتوقع الإنسانُ العقاب الإلهي.

﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ(112)﴾

( سورة النحل )

﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ ﴾

( سورة الأنعام: من الآية 65 )

 صواعق، وكذلك الصواريخ.

﴿ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ ﴾

( سورة الأنعام: من الآية 65 )

 الزلازل والألغام.

 

﴿ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾

 

( سورة الأنعام: من الآية 65 )

 أو الحروب الأهلية، وهذه ثالثة الأثافي، وهي الأشد.

﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾

( سورة الأنعام: من الآية 65 )

 الحروب الأهلية بإسبانيا دامت أربعين عامًا، شيء مخيف، ولم تَدَع شيئاً، فإذا كان فساد، وزنا، وخمور، ومخدِّرات، وأكل مال بالباطل، وعدوان، وتفلُّت، وإباحية، وانحلال، هذا كله داهية فاقرة، ولا ينجو من عذاب الله إلا من استقام على أمر الله، ونصح.

﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا ﴾

كن صالحًا مصلِحا في زمن الفساد:

 لم يقل: صالحون، بل قال:

﴿ مُصْلِحُونَ(117) ﴾

( سورة هود )

 وفرقٌ كبير بين الصالح والمُصْلِح، الصالح في ذاته، أنا لا أؤذي أحداً، هذا لا يكفي، فيجب أن تنطلق في الدعوة إلى الله، في الأمر بالمعروف، في النهي عن المُنكر، يجب أن تسهم في إصلاح المجتمع، وأقل شيء على مستوى أسرتك، تجد رجلًا يرتاد المساجد، الصلاة في أول صف ـ والله شيء جميل ـ ونساؤه كاسياتٌ عاريات، يقول لك: لا يوجد فيهم دين، زوجتي ليس فيها دين، وبناتي مثلها أيضاً، وأنت أليس لك علاقة بهذا الموضوع ؟ فهو ليس له علاقة.

﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ(117) ﴾

( سورة هود )

 فهذا الذي لا يتصدَّى للدعوة إلى الله، ولا يتصدى للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر آثم، وهناك أساساً حديث شريف لا أذكر نصه الدقيق:

 

(( أن الله عزَّ وجل أرسل ملائكة ليهلكوا قرية، قالوا: يا رب إن فيها رجلا صالحاً، قال: به فابدؤوا، لمَ ؟ قال: لأنه كان لا يتمعر وجهه للمنكر ))

 

[ مشكاة المصابيح عن جابر قريبا من هذا اللفظ ]

 أما المؤمن فيصلح أهلَه، يصلح إخوانه، يصلح زملاءه، يصلح جيرانه بلسانه، وإحسانه، ونصحه، وصلته، ومودته، يسلك كل الطرائق، فإذا كان الإنسان مستقيمًا ومصلحًا فهذا الذي ينجو من عذاب الله، لذلك قال الله عزَّ وجل:

﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ(88) ﴾

( سورة الأنبياء )

 

﴿ أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمْ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ ﴾

4 ـ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ

 الكافر أحياناً يهيِّئ احتياطات لبقائه، كل هذه الاحتياطات تتلاشى، أين هي ؟ تلاشت أمام غضب الله ونقمته.
وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ اللهِ مِن وَاقٍ

 لا حصون، ولا أموال، ولا شيء من هذا القَبيل، يقول بعض الشعراء:

أَفـنى شَبابَكَ كَـرُّ الطَرفِ وَالنَفسِ  فَالمَوتُ مُقتَرِبٌ وَ الدَهرُ ذو خُـلَسِ
لا تَأمَنِ المَوتَ في طَرفٍ وَلا نَفَسٍ  وَإِن تَمَنَّعتَ بِالحُجّابِ وَ الحَــرَسِ
فَما تَزالُ سِهامُ المَوتِ نــــافِذَةً  في جَنبِ مُدَّرِعٍ مِنها وَ مُتَّـــرِسِ
أَراكَ لَستَ بِوَقّافٍ وَلا حَــــذِرٍ  كَالحاطِبِ الخابِطِ الأَعوادَ في الغَلَسِ
***

 هؤلاء الذين أهلكهم الله عزَّ وجل، وكانوا أشد قوةً وآثاراً في الأرض، والذين أخذهم الله بذنوبهم.

 

ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا

 

 ذلك الإهلاك:

﴿ بِأَنَّهُمْ ﴾

 بسبب أنهم:

﴿ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا ﴾

 فكفروا ؛ كذبوا، أعرضوا.

التكذيب مراتب:

 التكذيب مراتب كما تعرفون أيها الإخوة، هناك تكذيب أقل خطراً من تكذيب، التكذيب هو خطراً هو اللفظي، كأن تقول لهذا الداعية: هذا الكلام غير صحيح، لم أقتنع به، فيأتيك بالدليل لأنك تحاوره، أما التكذيب الخطير فهو التكذيب السلوكي، أيْ تستمع بأدب، وتشكره، وأنت لا تقتنع بحديثه، تسير مع الشهوات، هذا التكذيب العملي لا يُكشف، لذلك التكذيب الأخطر هو التكذيب العملي السلوكي، فتلاحظ أن سلوك هذا الإنسان لا يتفق مع ما يقول، فهو يدَّعي أنه مؤمن، ويفعل فعل الكُفار، يدعي أنه مستقيم ويأكل أموال الناس بالباطل، يدعي أنه ورع، وهو مع النساء الكاسيات العاريات، يدعي أنه صاحب حق، ويأكل ما ليس له، هذا هو التكذيب الخطير، فلا تعتقد أن لهذا الشرع قوةً تنفذه.

 

﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ(12) ﴾

 

( سورة البروج )

 أحيانًا تسمع بزلازلَ، براكين، فيضانات، حروب، قتل، تعذيب، شيء لا يحتمل، هذا:

﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ(12) ﴾

( سورة البروج )

﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018