إذاعة القرآن الكريم من الدوحة - برنامج ربيع القلوب 1 - الحلقة : 29 - من صفات المؤمنين . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

إذاعة القرآن الكريم من الدوحة - برنامج ربيع القلوب 1 - الحلقة : 29 - من صفات المؤمنين .


2019-06-03

مقدمة :

المذيع :
  بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله على إحسانه ، والشكر لهب على توفيقه وامتنانه ، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه ، ونشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه ، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأخوانه ، ومن سار على نهجه ، واقتفى أثره، واستن بسنته ، وسلم تسليماً كثيراً مزيداً إلى يوم الدين .
 وبعد ؛ فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وأسعد الله أوقاتكم أينما كنتم بكل خير ، مرحباً بكم في برنامجكم اليومي : "ربيع القلوب" برنامج قرآني إيماني ، نقف من خلاله على بعض آيات الله البينات تدبراً ، وتأملاً ، وعملاً .
 "ربيع القلوب" يتهادى إلى مسامعكم عبر أثير إذاعة القرآن الكريم من الدوحة ، باسمكم جميعاً يسعدني أن أرحب بضيفنا الدائم فضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي ، أهلاً وسهلاً ومرحباً بكم شيخنا ..
الدكتور راتب :
 بارك الله بكم ، ونفع بكم ، وأعلى قدركم ، وحفظ بلدكم .
المذيع :
 آمين ، جزاكم الله الخير .
 مسمع صوتي عن آيات اليوم ثم نعود مع شيخنا لنقف معه حولها تأملات وخواطر، يقول ربنا جلّ وعز :

﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾

[ سورة الأنفال : 2]

 في مناسبة هذه الآية لما قبلها ، تحدثت الآيات التي قبلها عن الغنائم وأنه :

﴿ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ﴾

[ سورة الأنفال : 1]

 وأن المؤمنين ملزمون بطاعة الله ورسوله ، وتقوى الله ، وإصلاح ذات البين ، فجاءت هذه الآية لتبين صفات المؤمنين حقاً .
 شيخنا ، بارك الله بكم لو أردنا أن نقف بداية عند كلمة إنما ، ونتعرف على هذه الأداة ، ثم الحكمة من أن يرد الله سبحانه وتعالى صفات المؤمنين ؟

 

إنما أداة قصر و حصر ذكرت مع صفات المؤمنين لنعلم أن هذه صفاتهم حصراً :

الدكتور راتب :
 إذا قلت : إنما شوقي شاعر ، غير إذا قلت : شوقي شاعر ، إذا قلت : شوقي شاعر لا يمنع أن يكون عالماً ، أو تاجراً ، إنما أداة قصر وحصر ، المؤمنون هذه صفاتهم حصراً ، ولا صفات أخرى ، ولا يمكن أن تقبل هذه الصفات صفات مناقضة لها ، إنما أداة قصر وحصر ، إنما شوقي شاعر فقط ، أما شوقي شاعر فلا يمنع أن يكون تاجراً ، أن أو يكون عالماً ، أو أن يكون مربياً ، هذا معنى قوله تعالى في آيات كثيرة :

﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾

[ سورة الفاتحة : 5]

 لو قلت : نعبد إياك لا تمنع أن نعبد غيرك ، إياك نعبد عندما قدمنا إياك على نعبد انقلب المعنى إلى معنى القصر والحصر .

﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ ﴾

[ سورة الأنفال : 2]

 هذه صفاتهم ، فإن لم تكن فليسوا مؤمنين ، وهذه الصفات لا تقبل نقائض لها .

﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾

[ سورة الأنفال : 2]

 اضطربت اضطراباً إيجابياً ، مثل إنسان اتصلت به زوجته ، وهو بعيد عنها من شهرين أو ثلاثة ، إذا كان هناك حب زوجي بينهما ، أو أب اتصل بابنه ، فهذا الاتصال يعمل مودة ، يعمل اضطراباً نفسياً إيجابياً .

﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ﴾

[ سورة الأنفال : 2]

 ما صفاتهم ؟ أنا أقول كلمة دقيقة جداً للأخوة المستمعين : أنت حينما تقرأ آية عن المؤمنين ينبغي أن تتوقف عندها ، هل أنا كذلك ؟ أو أين أنا من هذه الآية ؟ إن كانت متوافرة اشكر الله عز وجل ، وإلا فابحث عن طريقة كي تتمثل هذه الصفة ، لا يوجد موقف سلبي بالقرآن ، قرأنا القرآن ، هذه اسمها قراءة تعبدية لا تقدم ولا تؤخر ، أما القراءة الثانية فتدبرية ، أين أنا من هذه الآية ؟ هل أنا فعلاً إذا ذكر الله وجل قلبي أم لم يوجل ؟ إذا وجل فأشكر الله ، وإلا ينبغي أن أبحث عن طريقة أرتقي لمستوى هذه الآية :

﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾

[ سورة الأنفال : 2]

 لذلك ذكر الله أوسع عبادة على الإطلاق ، إن استمعت إلى القرآن فأنت ذاكر ، إن تلوته فأنت ذاكر ، إن علمته فأنت ذاكر ، إن اطلعت على حديث شريف فأنت ذاكر ، إن نصحت أخاً فأنت ذاكر ، إن قبلت نصيحة فأنت ذاكر ، أي نشاط متعلق بالدين ، لفظي ، معنوي، بصري ، سمعي ، حركي ، أي نشاط متعلق بالدين ينضوي تحت الذكر .

 

الحكمة أكبر عطاء إلهي على الإطلاق :

 الشيء الدقيق جداً ، الله قال :

﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ﴾

[ سورة الأنعام : 82 ]

 أي أنتم إذا ذكرتموني في الصلاة ، أو في الدعاء ، أو في الابتهال ، أو في قيام الليل ، إن ذكرتموني أذكركم ، إن ذكرتموني أديتم واجب العبودية ، لكنني إذا ذكرتكم منحتكم الحكمة ، أعظم عطاء إلهي ، الحكمة تسعد بها ولو فقدت كل شيء ، بالحكمة تجعل العدو صديقاً ، وأنت تعيش بمال قليل ، وبالحكمة تسعد بأي زوجة ، وبلا حكمة تجعل الصديق عدواً، ولا تسعد بأي زوجة ، ومن دون حكمة المال الكثير يبدد ، أكاد أقول : أكبر عطاء إلهي الحكمة، هذه الحكمة معلقة إذا ذكرت الله ، الحكمة ما قال عنها : ومن يك حكيماً ، لا ، ما قال: ومن يأخذ الحكمة ، لا ، قال :

﴿ وَمَنْ يُؤْتَ ﴾

[ سورة البقرة : 269]

 هي تؤتى ولا تؤخذ ، وأكاد أقول : أكبر عطاء إلهي على الإطلاق الحكمة ، إذا أنت ذكرت الله تأتيك السكينة ، تتنزل على قلبك السكينة ، تسعد بها ولو فقدت كل شيء ، وتشقى بفقدها ولو ملكت كل شيء .
 بيت متواضع مساحته حوالي ستين متراً ، أهله من أسعد الناس ، وهناك قصر فيه شقاء لا يوصف ، إن الله يعطي الصحة ، والذكاء ، والمال ، والجمال للكثيرين من خلقه ، ولكنه يعطي السكينة بقدر لأصفيائه المؤمنين ، فالمؤمن تأتيه السكينة ، يأتيه الود من الله عز وجل ، الله عز وجل غفور ودود ، الود سلوك وليس شعوراً ، الشعور هو الحب ، الحب من الداخل يترجم سلوكاً ، أي المصافحة ود ، والابتسامة ود ، والضيافة ود ، الله ودود ، والمؤمن ودود ، هو يتودد إلى الله بطاعته ، بخدمة خلقه ، بنصح خلقه ، الله عز وجل يتودد إليه ببيت سعيد ، بزواج سعيد ، بأولاد نجباء ، ببنات حافظات لكتاب الله ، بمكانة اجتماعية ، كما أنك تتودد إلى الله بخدمة خلقه هو ذاته العلية قي عليائه يتودد إليك .

﴿ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ﴾

[ سورة البروج : 14]

المذيع :
 ما الذي يريده سبحانه وتعالى من إيراد صفات المؤمنين ؟

 

الحكمة من ذكر صفات المؤمنين في القرآن الكريم :

الدكتور راتب :
 الحقيقة هناك ملمح خطير جداً : أنت مؤمن تقرأ القرآن ، ألا ينبغي أن تعلم من حين لآخر في أي مستوى إيمانك ؟ هل أنت مؤمن حقاً بادئ ذي بدء ؟ وفي أي مستوى إيمانك ؟ فالآيات التي تصف المؤمنين وظيفتها الحقيقية أنها تعريف بصفات المؤمنين ، ليكون هذا التعريف هدفاً وامتحاناً للمؤمنين ، ليكون مقياساً ، التعريف بصفات المؤمن ليكون هذا التعريف هدفاً للمؤمن ، يسعى إليه ، ومقياساً لإيمان المؤمن ، فالمؤمن يراجع نفسه دائماً ، يوجد حالة اسمها : التأمل ، حالة اسمها : إدارة الذات ، عندنا إدارة الأعمال ، هذا فرع بعلم النفس دقيق جداً اسمه إدارة الذات ، كيف تدير نفسك ؟ كيف تحملها على طاعة الله ؟ كيف تكون على منهج الله ؟ كيف تكون محسناً لمن حولك ؟ كيف تكون أباً ناجحاً ؟ زوجاً ناجحاً ؟ ابناً ناجحاً ؟ أخاً ناجحاً ؟ صديقاً ناجحاً ؟ جاراً ناجحاً ؟ مديراً عاماً ؟ مدير مؤسسة ناجحاً ؟ موظفاً ناجحاً ؟ الحقيقة يوجد نجاح ، والنجاح مسعد جداً ، لكن بالمناسبة : النجاح أحادي .
المذيع :
 أحادي ؟ لماذا ؟
الدكتور راتب :
 تنجح أنت في جمع المال ، صاحب أبل ترك سبعمئة مليار ، جوبز ، شخص ثان ترك ثلاثة و تسعين ملياراً ، هذا نجاح بالمال ، أو قد تنجح باعتلاء منصب .
 قبل أشهر استقال رئيس وزراء اليابان ، حكم اليابان سبعين سنة ، أطول منصب بتاريخ البشرية ، حكم اليابان سبعين سنة .
 فقد تنجح بامتلاك ثروة طائلة ، وقد تنجح باعتلاء منصب رفيع ، وقد تنجح بصحة جيدة ، وقد تنجح بزوجة صالحة ، لكن مجموع النجاحات تنقلب إلى فلاح .

﴿ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 5]

 إذا نجحت مع الله .
المذيع :
 تقصد شيخ النجاحات بمجموعها ؟
الدكتور راتب :
 النجاح مع الله معرفة ، وطاعة ، وترقباً ، والنجاح في البيت إدارة ، وحكمة ، وضبطاً ، والنجاح في العمل إتقاناً ، وربحاً ، والنجاح مع صحتك عناية ، ونشاطاً ، مجموع النجاحات تنقلب إلى فلاح ، آيات كثيرة جداً :

﴿ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 5]

المذيع :
 شيخنا ، الآية ذكرت خمس صفات للمؤمنين ، لو بدأنا وتحدثنا عن كل الصفات بداية من الخوف من الله تعالى .

 

صفات المؤمنين :

1 ـ الخوف من الله تعالى :

الدكتور راتب :

﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾

[ سورة الأنفال : 2]

 والإيمان درجات ، الإيمان تصديق وإقبال ، والكفر تكذيب وإعراض ، فالإيمان مراتب لكن العقيدة محدودة ، حدية ، مثلاً فلان مات ، لا يوجد عندنا اسم تفضيل للموت ، أموت ، الموت حالة واحدة ، هناك أفعال حدية ، وأفعال تراتبية .
 إذا قلت : برميل الماء ممتلئ ، ممتلئ بحالة واحدة ، إذا لم يكن ممتلئاً نسبياً ، برميل الماء محكم بحالة واحدة ، تضع فيه مئة لتر تغيب خمس سنوات لا يتغيرون ، ما دام مغلقاً من الأعلى ، لا يوجد تبخر ، يوجد حالات حدية لا تزيد ولا تنقص ، وحالات نسبية ، أنت قد تعبئ في البرميل عشر لترات زيت ، أو عشرين ، أو ثلاثين ، أو أربعين ، فتتفاوت نسب الامتلاء ، أما تمام الامتلاء فحدي ، في حالة واحدة لا تزيد ولا تنقص .
 فالإيمان كفكر أن الله موجود ، وواحد ، وكامل ، والنبي محمد ، وشرعه حكيم ، والنبي معصوم ، هذه كلها حديات ، أما الإقبال على الله فنسبي ، فالإيمان تصديق وإقبال ، والكفر تكذيب وإعراض ، لذلك :

﴿ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾

[ سورة الأنفال : 2]

 الله قال :

﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ﴾

[ سورة الأنعام : 82 ]

 إن ذكرته ذكرك ، وإن ذكرك منحك الحكمة ، منحك اليقين ، منحك الاستقرار ، منحك السعادة .

 

الفرق بين اللذة و السعادة :

 بالمناسبة : يوجد لذة و سعادة ، واللذة لها إشكال كبير ، اللذة لا تتحقق إلا بشروط ثلاث ، ولحكمة بالغةٍ بالغةٍ الإنسان دائماً ينقصه أحد هذه الشروط ، تحتاج اللذة إلى وقت ، وإلى صحة ، وإلى مال ، في البدايات المال غير موجود ، فنقص اللذة المال ، في منتصف العمر المال موجود ، والصحة موجودة لكن لا يوجد وقت ، عمل مستمر ، بالنهاية صار هناك مال ، ووقت لكن لا يوجد صحة ، لحكمة بالغةٍ بالغة الدنيا لا تتم لإنسان ، أما السعادة فلمجرد أن تعقد مع الله صلتك فأنت أسعد الناس ، وإن لم تقل : ليس على وجه الأرض من هو أسعد مني إلا أن يكون أتقى مني هناك مشكلة ، فالمؤمنون :

﴿ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً ﴾

[ سورة الأنفال : 2]

 معنى ذلك الإيمان كفكر حدي ، أما كاتصال بالله فنسبي .

﴿ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾

[ سورة الأنفال : 2]

 بين أن ننوه لشيء مهم جداً ، التواكل مذمة ، والتواكل نقيصة ، والتوكل عبادة ، والفرق بينهما كبير ، أنت إذا أخذت بالأسباب ولم تعتمد عليها ، أخذت بالأسباب تعبداً ، اعتمدت على الله ، أخذت بالأسباب ثم اعتمدت على الله ، لذلك قالوا : أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء ، وأن تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء ، هذه البطولة بالإنسان ، كأن العالم الغربي أخذ بالأسباب رائعاً ، لكنه اعتمد عليها وألهها ، ونسي الله فوقع في الشرك ، أما المسلمون فلم يأخذوا بها أصلاً ، وقعوا في المعصية ، أما البطولة فأن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء ، ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء .
المذيع :
 شيخنا نتحدث عن الصفة الثانية وهي ازدياد إيمان المؤمن بالتفكر بآيات الله الكونية والتكوينية والقرآنية .

 

2 ـ ازدياد إيمان المؤمن بالتفكر بآيات الله الكونية والتكوينية والقرآنية :

الدكتور راتب :
 سيدي حجمك عند الله بحجم عملك الصالح ، والعمل الصالح علة وجودنا في الدنيا، والدليل :

﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً ﴾

[ سورة المؤمنون : 99 ـ 100]

﴿ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾

[ سورة فاطر : 10]

 هذا الإيمان يزداد بالعمل الصالح ، وليس كل عمل صالح يصلح للعرض على الله، العمل الصالح الذي يصلح للعرض على الله إذا كان خالصاً وصواباً ، خالصاً ما ابتغي به وجه الله ، وصواباً ما وافق السنة ، والأدق من ذلك علة وجودنا الوحيدة في الحياة العمل الصالح .

﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً ﴾

[ سورة المؤمنون : 99 ـ 100]

 وحجم الإنسان عند الله بحجم عمله الصالح .

﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ﴾

[ سورة الأنعام : 132]

 والطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق ، الطرق لا تعد ولا تحصى ، أن تكون أباً هذا طريق إلى الله ، أباً صالحاً ، ابناً باراً ، زوجة صالحة ، بنتاً محجبة ، تاجراً نصوحاً ، تاجراً رحيماً يرحم ، الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق ، والعمل الصالح علة وجودنا في الدنيا.
المذيع :
 جميل شيخنا ، الصفة الثالثة من صفات المؤمنين التي ذكرها الله .

 

3 ـ التوكل على الله :

الدكتور راتب :

﴿ وَعَلَى رَبِّهِمْ ﴾

[ سورة الأنفال : 2]

المذيع :
 في هذه الآية التوكل على الله .
الدكتور راتب :
 أن تأخذ بالأسباب ، مثلاً : أنا أريد أن أسافر إلى مدينة بعيدة في العيد ، كمثل من حياتنا ، تراجع المحرك ، تراجع المكابح ، تراجع الزيت ، تمتحن أجهزة المركبة ، أن تراجع كل شيء ، أي أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء ، ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء .
المذيع :
 ممكن تعيدها شيخنا .
الدكتور راتب :
 أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء ، ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء .
المذيع :
 طبعاً الصفة الرابعة ، والخامسة هي في الآية التالية ، ولذلك ممكن أن نعرج عليها سريعاً شيخنا ، الصفة الرابعة إقامة الصلاة .

 

4 ـ إقامة الصلاة :

الدكتور راتب :
 الحقيقة : مكارم الأخلاق مخزونة عند الله تعالى ، فإذا أحبّ الله عبداً منحه خلقاً حسناً ، الأخلاق نوعان ، الأخلاق سلوك ذكي جداً ، والأخلاق سلوك عبادي ، الأخلاق الذكية الغرب أتقنوها إتقاناً كبيراً جداً ، كل إيجابيات الغرب إسلامية لكن بنية كسب الدنيا فقط ، كل إيجابيات الغرب إسلامية ، هناك صدق بالبيع ، دقة بالعمل ، إتقان بالصنعة ، تنفيذ الوعد بوقته، كل إيجابيات الغرب إسلامية ، أدرك الغرب إذا أراد أن يربح فليتقن عمله ، إن أراد أن يربح فليحقق وعده ، لكن هو يأتي بهذه الصفات طمعاً بالربح ، لذلك النبي يقول :

(( ليس كل مصلّ يصلي ، إنما أتقبل الصلاة ممَّن تواضع لعظمتي ، وكفَّ شهواته عن محارمي ، ولم يصرَّ على معصيتي ، وأطعم الجائعَ ، وكسا العُريان ، ورحم المصاب ، وآوى الغريب ، كل ذلك لي ، وعزتي وجلالي إن نور وجهه لأضوأ عندي من نور الشمس على أن أجعل الجهالة له حلماً ، والظلمة نوراً ، يدعوني فألبيه ، يسألني فأعطيه ، يقسم عليَّ فأبرُّه ، أكلؤه بقربي ، أستحفظه ملائكتي ، مثله عندي كمثل الفردوس لا يمس ثمرها ولا يتغير حالها))

[ حديث قدسي]

المذيع :
 الإنفاق شيخنا ، وهي الصفة الأخيرة من صفات المؤمنين كما وردت في هذه الآية.

 

5 ـ الإنفاق :

الدكتور راتب :
 حجمك عند الله بحجم عملك الإنفاق .

﴿ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 3]

 الإنفاق عمل صالح ، والإنفاق إذا أطلق توسع معناه كثيراً ، قد تنفق من وقتك ، قد تنفق من عملك ، قد تنفق من جاهك ، قد تنفق من خبرتك ، قد تنفق من اختصاصك ، الإنفاق واسع ، والطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق .
 إذا وضع أب عندك ابنه ليتعلم مصلحة ، أنت استخدمته بتنظيف المحل ، وتأمين الحاجات ، أما عند فك المحرك فتخرجه من المحل ، أنت خنت الأمانة ، وضعه ليتعلم ، أنت استخدمته لأشياء لا دخل لها بالميكانيك .
نحن عندنا شيء دقيق ، أحب أن أقوله بدقة :

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ ﴾

[ سورة النور : 55]

 نحن لسنا مستخلفين ، هذه حقيقة مرة ، وأنا عندي أفضل ألف مرة من الوهم المريح.

﴿ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ ﴾

[ سورة النور : 55]

 ديننا غير ممكن ، يواجه حرباً عالميةً ثالثة ، الحرب كانت تحت الطاولة قديماً اليوم فوق الطاولة ، واضح .

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً ﴾

[ سورة النور : 55]

 ثلاثة وعود ، وزوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين .

﴿ً يَعْبُدُونَنِي ﴾

[ سورة النور : 55]

 آخر كلمة ، فإذا أخلّ العباد بما كلفوا به من عبادة ، فالله جلّ جلاله في حلّ من وعوده الثلاث .
المذيع :
 شيخنا هذه الآية التي بين أيدينا :

﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾

[ سورة الأنفال : 2]

 وكذلك الآية التالية لها :

﴿ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً ﴾

[ سورة الأنفال : 3 ـ 4]

 أقصد الآية التي بعدها ، هذه التعريفات للمؤمن لها وظيفتان ، الوظيفة الأولى تعرف نفسك من خلالها ، والوظيفة الثانية أنها تحدد الهدف أمامك .

 

للمؤمن وظيفتان :

1 ـ أن يعرف نفسه من خلال آيات القرآن الكريم :

الدكتور راتب :

﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾

[ سورة الأنفال : 2]

 قال : من صلى فلم يشعر بشيء ، ومن قرأ القرآن فلم يشعر بشيء ، ومن ذكر الله فلم يشعر بشيء ، فليعلم أن لا قلب له ، لا يوجد له قلب .
المذيع :
 وبالتالي لم يتعرف إلى نفسه .
الدكتور راتب :
 أبداً ، ليس من المعقول الإله العظيم يقبل منك أن تتوضأ وتقف وكل خواطرك بالمحل ، وبالتجارة ، وبالبيت ، وبالدخل ، وتقرأ قراءة من دون وعي ، هذه الصلاة لا تقدم ولا تؤخر ، قال :

(( فارجع فصلِّ فإنك لم تصلِّ))

[أبو داود والترمذي والنسائي عن رفاعة بن رافع]

 الصلاة إقبال ، الصلاة تدبر الآيات ، والأدق من ذلك أنت تقول بالصلاة :

﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾

[ سورة الفاتحة : 6 ـ 7]

 المغضوب عليهم عرفوا وانحرفوا ، والضالون ما عرفوا وانحرفوا ، تماماً كإنسان يكاد يموت من العطش ، عرف النبع لكن لم يذهب ، والثاني مات لأنه لم يعرف النبع ، فالضال ما عرف .

﴿ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ﴾

[ سورة الفاتحة : 6 ـ 7]

 المغضوب عليه عرف وانحرف ، والضال ما عرف وانحرف .

﴿ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾

[ سورة الفاتحة : 6 ـ 7]

 الآن بعد الفاتحة تقرأ آية :

﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ﴾

[ سورة النور : 30]

 ألم تقل أنت بالفاتحة :

﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾

[ سورة الفاتحة : 6 ]

 فجاءت الآيات هي الصراط المستقيم ، الآن أنت عندما قرأت :

﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ﴾

[ سورة النور : 30]

 الله أكبر راكعاً ، الآن أنت خاضع لهذا الأمر ، حالة الركوع النفسية خضوع للأمر ، سمع الله لمن حمده ، الله أكبر للسجود ، الركوع خضوع ، والسجود استعانة بالله ، الوظيفة الأولى التعريف .
المذيع :
 أنت تعرف نفسك من خلاله ، الوظيفة الثانية ؟

 

2 ـ أن يحدد هدفه :

الدكتور راتب :
 إذا أنت دون هذا المستوى صار هذا هدفاً لك ، مقياساً تعرف نفسك ، مثل مقياس الضغط ، أما تسأل الطبيب : ما هو الضغط المثالي ؟ يقول لك : 8 ـ 12 ، هذا الهدف ، من 10 ـ 14 هناك خطأ بالضغط ، فبمقياس الضغط تقيس ضغطك ، يقول لك الطبيب : المقياس النموذجي 8 ـ 12ـ تعرف ضغطك ، وتتمنى أن يكون ضغطك مثالياً .
المذيع :
 طبعاً شيخنا تصحيحاً للآية :

﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ﴾

[ سورة النور : 30]

 والآية الأخرى :

﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ﴾

[ سورة الأنفال : 2]

الدكتور راتب :
 من للتبعيض .

﴿ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ﴾

[ سورة النور : 30]

 من للتبعيض ، لك أن تنظر إلى أمك ، ومحارمك ، غير المحارم هناك غض بصر.

 

خاتمة و توديع :

المذيع :
 فتح الله عليكم شيخنا ، وبارك بكم ، وشكر الله لكم .
 والشكر موصول لكم أنتم أخواني وأخواتي على طيب المتابعة ، وجميل الاستماع .
 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018