حياة المسلم 1- إذاعة حياة إف إم- الحلقة : 097 - توثيق العقود والمعاهدات . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

حياة المسلم 1- إذاعة حياة إف إم- الحلقة : 097 - توثيق العقود والمعاهدات .


2017-04-25

مقدمة :

المذيع :
  بسم الله الرحمن الرحيم ، والحمد لله رب العالمين ، اللهم صلّ وسلم وزد وبارك على سيدنا محمد الصادق الأمين ، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين ، بتحية الإسلام الجميلة نحييكم ، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته ، ومرحباً بكم مستمعينا الأكارم على الهواء مباشرةً ، أهلاً بكم شيخنا وأستاذنا .
الدكتور راتب :
 بارك الله بكم ، ونفع بكم ، وأعلى قدركم .
المذيع :
 حياكم الله يا دكتور محمد ، دكتورنا الكريم انطلاقاً من قول الله سبحانه وتعالى :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ﴾

[ سورة البقرة : 282]

 فجاءت كتابة العقود وتوثيقها والمعاملات أمراً من الله سبحانه وتعالى ، هل يا ترى هذا الأمر يقتصر فقط على الديون ، أم أنه يمتد إلى جميع المعاملات بين البشر ؟ وما الحكمة منه ؟ توثيق العقود والمعاملات حلقتنا لهذا اليوم ، والبداية مع فضيلتكم .

 

الجهالة تفضي إلى المنازعة :

الدكتور راتب :
 بارك الله بكم على هذا السؤال ، لعل هذا السؤال يحتاجه جميع الناس ، والمستمعين، الحقيقة أن أساس العقد شفهي ، لكن إنكار العقد الشفهي سهل جداً ، أما إذا وثق كتابياً صار إنكاره صعب ، فمع تطور الزمان ، وكثرة التوسع في فهم الدين ، والفرص ، والإفتاءات الغير الصحيحة ، وحرص الإنسان على مصلحته الشخصية والمادية ، وضعف وازعه الديني ، وضعف خوفه من الله ، مع وضع استثنائي موسع جداً ، أصبح التوثيق يقترب عندي من الواجب ، طبعاً الفرض أعلى درجة ، الواجب بعده ، فالتوثيق يلغي المنازعات ، لأن عندنا قاعدة أصولية دقيقة : الجهالة تفضي إلى المنازعة .
المذيع :
 ما المقصود بها دكتور ؟
الدكتور راتب :
 الموضوع غير واضح ، السعر غير واضح ، يقول لك : لا نختلف ، البضاعة استلمها ولا نختلف ، هذه جهالة ، أنت بذهنك رقم فوجئت بثلاثة أضعافه ، نشأت منازعة سببها الجهالة ، فالبطولة أن توضح كل شيء ، الوضوح جزء من الدين ، كم السعر ؟ متى الدفع ؟ ما طريقة الدفع ؟ تقبل نقدي ؟ تقبل شيك ؟ تقبل حساب ؟ تقبل إحالة ؟ فكلما كان الوضوح قوياً ضعفت نسبة المنازعات بين الخلق ، لأنه الجهالة تفضي إلى المنازعة .
المذيع :
 لذلك كان طلب الله بالتوثيق ، هل هذا الأمر الإلهي يقتصر على الدين أم هو يمتد إلى غيره من المعاملات ؟
الدكتور راتب :
 دائماً نحن عندنا نص ، وعندنا حالة توسع في النص ، عندما قال الله عن رعاية الابن للأب :

﴿ فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا ﴾

[ سورة الإسراء : 23]

 فقط أف ؟ أي شيء بمستوى أف أو أدنى أو أكبر يشمله الأمر ، أي شيء أقل من أف "ما بر أباه من شد نظره إليه" أي نظر له بقسوة .
 في النص يأتي المدلول أوسع بكثير ، فأي تصرف ، أية كلمة ، أي موقف ، أي علامة وجه غير سارة ، أي شيء يتصل بأف ، أو يزيد عليها ، أو يقل عنها محرم بدليل :

﴿ فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا ﴾

[ سورة الإسراء : 23]

المذيع :
 ويقاس عليها ، وهنا يقاس ذات الأمر بتوثيق العقود ، الدين لا يكون إلا بين طرفين أصلاً هنالك مودة ومعرفة وثقة بينهما ، أنا لن أطلب ديناً من أحد لو أنني لا أثق به ولا أشعر بالخجل ، وهو لن يقبل أن يعطي الدين لو أنه لا يثق أنني سأرده ، معنى ذلك لماذا كان التوثيق رغم هذه الثقة المتبادلة المسبقة ؟

 

من لوازم العمل التجاري أن كل دفعة أو كل قبض موثق بإيصال :

الدكتور راتب :
 أحياناً الأبناء ، مات الأب ، فكان الاتفاق شفهياً ، الأولاد ينكرون هذا الاتفاق ، لو أن كل الأبناء استمعوا للاتفاق الذي أجراه الأب لا يبقَى لهم شيء ، هناك من يدّعي كذباً ، فنحن مشكلتنا ليست مع الأحياء الآن بهذا الموضوع بل مع الأموات ، ترك مبلغاً كبيراً ، وصى أن يعطى نصفه للفقراء ، إذا الوصية شفهية الأولاد يرفضون هذه الوصية ، لو الوصية موثقة عند كاتب العدل لا مشكلة .
المذيع :
 رفضهم حرام في هذه الحالة ، لكن في الواقع جزء كبير منهم يرفضونه ، فيأتي هنا التوثيق لحفظ هذه الحقوق .
الدكتور راتب :
 أذكر مرة حدثني أخ تاجر ، في حساب له مع شخص ، وهذا الشخص أضاف إلى الحساب مبلغ ، والإضافة من قبل الابن لا الأب ، فلما جاء وقت الحساب ، قال له : أنتم قبضتم خمسة آلاف ، قال له : أبداً ما أخذنا منك شيء ، أبداً ما أخذنا منك قرش ، فأبرز ورقة بعرض اصبعين ، توقيع الابن ، فسكت .
 لابد من إظهار الوثيقة ، أنا أرى ، وهذا شيء من لوازم العمل التجاري أن كل دفعة أو كل قبضٍ موثق بإيصال ، معك للإيصال رقم ، فهذا الإيصال ينهي أي منازعة ، أبرز هذا الإيصال ، وانتهى الأمر ، الإيصال يُسكِت ، من دون إيصال يوجد تأويل ، يا ترى ليرة سورية أم ليرة من نوع آخر ، يا ترى دولار أم ليرة ؟ يوجد رقم ، أما بالإيصال مكتوب خمسة آلاف دولار .
المذيع :
 يبدو أن جمعاً من الناس يخجلون من التوثيق ، يقول لك : هل من الممكن أن أشك بك ؟ لا يطالبه بالتوثيق من باب الثقة .
الدكتور راتب :
 الثقة فيما بينه وبين الطرف الآخر ، أما الثقة مع المتوفى انتهى ، مات الإنسان ، قد يموت بعد دقيقة ، قد يموت بحادث ، كيف تقنع الشخص أنه يوجد مبلغ على فلان إلا بوثيقة.
المذيع :
 الوثيقة ليست بهذا الجانب دكتور ، ولا تعني أن إنساناً ديّن إنساناً آخر .
الدكتور راتب :
 العلاقة بالموت والحياة ، توفي هذا الأب الذي وعد بأداء الدين ، وعد شفهي ، والدين قبضه من دون إيصال ، مبلغ أخذه من دون إيصال ، وسيدفعه شفهياً فتوفي ، ما الذي يضمن للطرف الآخر حقه بعد وفاة المدين ، إلا الإيصال ؟ أنا هذا الذي أراه الآن شيء أساسي جداً ، يخفض المنازعات إلى العشر .
المذيع :
 إذاً رغم أن جمعاً من الناس يخجلون من هذه القضية إلا أنها المنهج الشرعي ؟

ترك العمل الذي أُمرنا به وهو كتابة الدَّين خوف الرياء هو الرياء الأكبر :

الدكتور راتب :
 لا تخجل من الحق ، الخجل من الحق خطأ إسلامي ، ترك العمل الذي أُمرنا به خوف الرياء هو الرياء الأكبر ، ترك العمل الذي أُمرنا به وهو كتابة الدَّين خوف الرياء هو الرياء الأكبر .
المذيع :
 في الآية الكريمة دكتور :

﴿ فَاكْتُبُوهُ ﴾

[ سورة البقرة : 282]

 حينما نقرأ هذا القول الرباني في هذه الآية الكريمة من سورة البقرة ، هل المقصود فاكتبوه فريضة ، أي هناك إثم لمن لا يسجل الدَّين ، أو هي حث من الله لمن رغب ؟
الدكتور راتب :
 والله هي تقترب إلى الواجب .
المذيع :
 لكنها ليست فريضة هي واجبة .
الدكتور راتب :
 هناك حالات ، أنت طلبت من إنسان مساعدة ، والإنسان قريبك وهو فقير ، وأنت برغبتك الكاملة أن تقدم له هذا المبلغ هدية ، لكنه أخذه على شكل قرض ، لم ترغب بإحراجه فتوفي ، لم يعد هناك مشكلة ، أما لو أنت تنتظر أن يرد لك الدين يجب أن تكتبه .
المذيع :
 هل هذا التوثيق فقط للديون ، لو كان هنالك مثلاً علاقة شراكة تجارية بين طرفين ؟
الدكتور راتب :
 الشراكة أقوى ، أقوى بكثير ، يوجد شيء محدد .
المذيع :
 لا يوجد فيها دين ، لكنها شراكة تجارية ، الأصل أن تُوَثَّق في الشريعة دكتور ؟

 

أكثر أخطائنا المالية بسبب إهمالنا التوثيق الذي أُمرنا به :

الدكتور راتب :
 أقوى من الدين ، هذه الشراكة مستمرة ، لك نصف المحل ، لكن المحل مسجل باسم أحد الشريكين ، أولاد الشريك الذي المحل باسمه مات أبوهم ، ينكرون ، هذا العقد الشفهي أصلاً، ما بلغنا والدنا أن لك معه أي شيء ، ذهب الحق .
 أنا الآن ، وهذه نصيحة للأخوة المستمعين والمشاهدين ، أنا الآن من أنصار توثيق أي إتفاق ، أو أي دَين ، من أو إلى ، أو أي تفاهم ، أو أي وصول إلى نقاط الحل ، يجب أن تكون كلها مكتوبة .
الدكتور بلال :
 ألّا تبقى شفهية رغم الثقة ، مع ذلك تكتب .
الدكتور راتب :
 احفظ أجمل ما سمعت ، واكتب أجمل ما قرأت ، ووثق أقوى ما أنت بحاجة إليه ، عندي قصص كثيرة جداً .
المذيع :
 وهذا الحق دكتور من باب الثقة ، شخص يشتري قطعة أرض من شخص آخر ، أو مسكن ، أو كما تفضلت شراكة في محل تجاري ، ولا يوثق باعتبار الكل يعرفها ، يأتي الزمان إما تختلف النفوس ، أو عند الورثة كما تفضلتم .
الدكتور راتب :
 لا تختلف النفوس أحياناً ينشأ ظرف معين ، يأتي هاجس شيطاني لأحد الشركاء أن المحل باسمك ، اصرفه ، كيف يصرفه ؟ يضايقه ، يعنفه أحياناً ، هو شريك في النصف ، لكن المحل باسم الطرف الآخر ، فلما عنّفه ما تحمل ، انسحب من الشركة ، بقيت له ، هذا شيء يقع دائماً ، أنا أنصح الأخوة المستمعين إذا شاركوا طرفاً آخر كائناً من كان ، يجب أن يوثقوا إتفاقهم بعقد ، والعقد أصولي ، أي موثق بكاتب العدل ، العقد الموثق بكاتب العدل لا يمكن إنكاره ، أما لو كان من دون كاتب عدل ينكر ، وعندي قصص لا تعد ولا تحصى ، يعني أكثر أخطائنا المالية بسبب تقصيرنا بالتوثيق ، أكثر أخطائنا المالية بسبب إهمالنا التوثيق الذي أُمرنا به .
المذيع :
 إذاً هنا التوثيق دكتور أيضاً يقاس حتى على العلاقات الاجتماعية كالزواج ، والإرتباط ، والطلاق ، والوفاة ، والولادة ، يجب أن توثق توثيقاً كاملاً ؟

كل الاتفاقات بين الناس لابد من توثيقها عند كاتب العدل :

الدكتور راتب :
 ولا سيما عقود الزواج ، مثلاً هذا الذي رأى فتاةً أجمل من التي خطبها ، وبقي مع المخطوبة سنة ثم اختفى ، ماذا تفعل ؟ ثم اكتشف أنها حامل ، جد لي حلاً ، والله لا حل لها ، أوصلت إنسانةً للزنا وهي بريئة ، لأنهم تأخروا بكتب العقد ، لا يسمح له بالخلوة بها إلا بعد العقد .
المذيع :
 سيأتيك من يقول لك دكتور موضوع توثيق العقد هذه قضية مستحدثة في تاريخنا ، قبل زمن كان الزواج يتم بالقبول والرضى دون توثيق .
الدكتور راتب :
 كل زمان له صفات ، يوجد أزمنة الكلمة الواحدة عقد ، في أزمنة قديمة ، الآن يكون موثقاً بعقد مكتوب ، وموثق من كاتب العدل ، حتى لا يستطيع التهرب ، أنا أقدم نصيحة لأخواننا المستمعين ، وأراها ثمينة جداً ، أي إتفاق شفهي إنكاره سهل جداً ، إذا ما أنكره الأب ينكره الابن الوريث ، أعرف شخصاً ترك أربعة أبنية لأولاده ، وكل بناء أربعة طوابق ، كل طابق أربع شقق ، ورصد للأيتام خمساً وعشرين ألف ليرة سورية ، لا تساوي شيئاً ، هذا المبلغ الذي وصى به ، هو عنده أربعة أبنية ، وكل بناء أربعة طوابق ، وكل طابق أربع شقق ، تركها لأولاده كلهم ، وكتب وصية عند عالم أن خمسة وعشرين ألفاً لطلاب العلم الأفارقة مثلاً ، الورثة لم يدفعوا الوصية أبداً ، أنا أذكر أنه يوجد مئات الوصايا لم تنفذ من قبل الأحفاد ، أقول لأخوتي المستمعين والمشاهدين لا تكُ تحت رحمة الابن ، تريد عملاً صالحاً ؟ أدّه في حياتك ، ولا تكُ تحت رحمة ابنٍ قد يأتيه من يهمس في أذنه : لا تنفذ هذه الوصية ، نفذ الوصية بحياتك .
المذيع :
 قضية بالغة الأهمية ، كنا مع وصية حضرتكم ، وهي وصية ثمينة الحقيقة ، بأنه لا بد لكل الاتفاقات بين الناس أن توثق ، وأن تدون ورقياً ، والأقوى أن توثق عند كاتب العدل وهي الجهة الرسمية المختصة في هذا الزمان .
الدكتور راتب :
 التي لا يمكن أن تنكر التوقيع عندها .
المذيع :
 من عقود الزواج والطلاق والميلاد والوفاة إلى المعاملات المالية والشرع والبيع إلى الديون إلى جميع المعاملات .
 دكتور هناك قضية وهي وضوح تفاصيل هذا العقد ، هنالك إتفاقات بين الناس لا تكون واضحة ، كمن يأخذ دَيناً من شخص آخر ، هو يقصد في قلبه أن يسده عند الحاجة ولكن يُفهَم عند مطلع الشهر الجديد ، لم يتحدث الطرف الأول بالوضوح ، ولا الطرف الثاني .

على العقد أن يكون واضحاً وإلا فإنه سيؤدي إلى كثير من المشكلات :

الدكتور راتب :
 يأخذه بالعملة المحلية ، فيحدث تطور خطير جداً بسعر العملة ، كان الدولار فرضاً بخمسين ليرة سورية ، الآن بسبعمئة ليرة سورية ، إذا كان قد أخذ القرض حسب اعتقاده بخمسين ، الآن بسبعمئة ليرة ، كم ضعف ؟
المذيع :
 ما الحل ؟
الدكتور راتب :
 والله أنا وجدت لها حلاً بالشكل التالي اجتهاد مني ، وأرجو أن أكون على صواب : نقسم الفرق بالنصف ، أي الذي أقرض والذي استقرض يدفع كل واحد منهما الفرق النصف ، والثاني الفرق الثاني النصف ، مناصفة .
المذيع :
 هذا في حال عدم وجود إتفاق .
الدكتور راتب :
 لا يوجد كتابة .
المذيع :
 لو كان هناك إتفاق ، مثلاً هذا المبلغ يؤدى بقيمته بالعملة الأجنبية عليه أن يلتزم .
الدكتور راتب :
 أبداً ، انتهى ، عندك قلق من العملة المحلية ، اكتب عقداً بعملة أجنبية ، أو ببضاعة ، أنت بعته ثمانية أطنان ألمنيوم دَيناً ، تكتب عقد الدَّين أن يرد لي ثمن ثمانية أطنان ألمنيوم .
المذيع :
 سواء إن ارتفعت أو انخفضت القيمة هو يدفع ما يوازي ثمانية أطنان .
الدكتور راتب :
 إما بالقيمة الموازية ، أو بعملة صعبة ، أكبر مشكلة هي الآن هذه ، لأن القفزة المذهلة بانخفاض العملة خلق مليون مشكلة كل يوم .
المذيع :
 هذا عدم الاتفاق ، وعدم وضوح الاتفاقات تؤدي إلى كثير من المشاكل .

البيان يطرد الشيطان والجهالة تفضي إلى المنازعة :

الدكتور راتب :
 لأن الجهالة تفضي إلى المنازعة .
المذيع :
 والجهالة عدم وضوح الأمور ، والمطلوب إذاً دكتور هنا أن يتحدث بكامل القصص.
الدكتور راتب :
 مثلاً ، إنسان له جار نجار ، وجد غرفة نوم جميلة جداً ، قال له : ما سعرها ؟ قال له : لن نختلف ، قال له : أرسلها ، أرسلها النجارا ، بذهن الشاري رقم ، وبذهن البائع رقم آخر، والفرق كبير بينهما ، فلما عرف السعر غضب ، ورفض أن يبقيها عنده ، استعملها ، ما حلها ؟ لا حل لها ، الجهالة تفضي إلى المنازعة ، البيان يطرد الشيطان .
المذيع :
 هنا من المسؤول عن هذا النزاع دكتور ؟
الدكتور راتب :
 البائع ، لماذا يقول له لن نختلف ؟ ربما اختلفنا ؟
المذيع :
 ولو طرح البائع رقماً ربما المشتري هنا يطرح رقماً آخر .
الدكتور راتب :
 أنا لا أشتري شيئاً أجهل ثمنه .
المذيع :
 إما نتفق أو شكراً ، وهنا تكون المسؤولية على الطرفين .
الدكتور راتب :
 أقسم لك بالله يلغى خمسة وتسعون بالمئة من مشكلات الناس المالية بالعقود والتوثيق ، البيان يطرد الشيطان ، والجهالة تفضي إلى المنازعة .
المذيع :
 لو في مثل حالة شراء غرفة الخشب هذه دكتور ، لو أنا طرحت مبلغاً ، أقول أشتريها لنفرض بمبلغ مئة ، فقال : لا نختلف ، هنا هو ملزم بجوابه ؟

توثيق كل اتفاقاتنا توثيقاً كتابياً :

الدكتور راتب :
 طبعاً ، قال : لن نختلف ، معنى ذلك هو قبل بمئة .
المذيع :
 لا يستطيع بعد ذلك أن يزيد أو أن يقلل بهذه القضية ، هل موضوع التوثيق دكتور يشمل ايضاً الموظفين والمؤسسات التي يعولون فيها لابد من عقود ، لا بد من تفاصيل واضحة، للعمل ، للإضافي ، خصومات وما شابه ؟
الدكتور راتب :
 لا يوجد مشكلة تنشأ إلا بسبب الجهالة ، وهذه قاعدة نرويها ألف مرة ، الجهالة تفضي إلى المنازعة ، والبيان يطرد الشيطان .
المذيع :
 البعض يقول لك : هذه قضايا صغيرة لا تستحق التوثيق ، إذا كان المبلغ ليرتين أو ثلاث لا تحتاج لتوثيق ، ليرة أو ليرتين ، ليس معك باقٍ ، أخذت شيئاً من محل ، يلزمك ثلاث ليرات ، معك ثلاث ليرات ؟ لو أنت نسيت لا مشكلة ، الآخر لا يطالبك فيها ، دكتور قول ربنا:

﴿ وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً ﴾

[ سورة البقرة : 282]

الدكتور راتب :
 لو إنسان عنده حرص شديد جداً لا يقبل ، يريد الليرات الثلاث قبل الألف ، هذا شرع سيدي .
المذيع :
 هذه قضية مهمة ، جانب التوثيق في مثل هذا .
الدكتور راتب :
 والله أتمنى من أعماق أعماقي للأخوة المستمعين ، والمشاهدين إن صح التعبير أن يوثقوا كل إتفاقاتهم توثيقاً كتابياً مع التوقيع ، والأشياء الكبيرة كبيع بيت ، أو شراء متجر ، عند كاتب العدل .
المذيع :
 وأن يتحدثوا في كامل التفاصيل ، وألا يكون هناك خجل أو مجاملات .

 

كلما كثرت التفاصيل قلت المنازعة :

الدكتور راتب :
 كلما كثرت التفاصيل قلت المنازعة .
المذيع :
 فإذاً هذا التوثيق يحصد المودة والحقوق ، كثير من الناس يتفقون إتفاقاً يختمونه دون توثيق وبرقي يقولون : والله خير الشاهدين ، هل يكفي هذا ؟
الدكتور راتب :
 هذه كلمة بهذا المكان لا معنى لها إطلاقاً .
المذيع :
 لكن الله يشهد .
الدكتور راتب :
 يشهد ، من ؟ يحتاج حلف يمين ، هل تضمن دين الآخر ؟ تضمن دين ابنه ؟ يحلف يمين ، عندنا طرفة في الشام ، احلف ، قال : جاءني الفرج .
المذيع :
 إذاً لمن لا يتقِي الله جاء اليمين هنا حلاً له .
الدكتور راتب :
 أذكر حالتين لليمين الكاذبة ، لا أنساهما أبداً : إنسان اشترى بيتاً بأرقى أحياء دمشق وسكنه ، بعدما اشتراه جاءه شخص يبرز عقد شراء للبيت قبله بعشر سنوات ، والعقد ليس فيه أية غلطة ، موثق ، فلما طالبه بالبيت ، قال له : أنا اشتريته ، ومعي عقد ثانٍ ، ليس أمام القاضي غير حلف اليمين ، القاضي أمامه وثيقتين نظاميتين ، أي أن البيت قد بيع مرتين ، فلما دعي الذي اشترى البيت أولاً ، أو ادّعى أنه اشتراه ، وقدم وثيقة متقنة جداً ، وضع يده على المصحف ، وأقسم اليمين المعروفة ، ولما انتهى من قسمه ، رفع يده عن المصحف ، وكان يمسك طرف الطاولة بيده اليسرى ولم ينزلها ، فغضب القاضي ، ثم فوجئ القاضي أنه قد مات ، مات وهو واقف ، ويمسك الطاولة بيده اليسار ، رفع يده عن المصحف .
 (ثم) تأتي للترتيب على التعقيب ، واحدة للترتيب على التراخي ، (الفاء) للتعقيب ثم للتراخي .

كتابة العقد بين الطرفين تمنع الشيطان من الدخول بينهما

 شخص آخر حكم بالإعدام ، صعد إلى الخشبة التي يقف عليها قبل شنقه ، والحبل وضع في رقبته ، قال : أنا الآن أشنق ، لأنني متهم بقتل فلان أنا لم أقتله ، ولكنني قتلت واحداً قبل ثلاثين عاماً ، الآية تقول :

﴿ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾

[ سورة آل عمران : 137]

 هنا الفاء جاءت للترتيب على التعقيب ، هذا الأول الذي بعد أن رفع يده عن حلف اليمين فقد حياته ، الثاني :

﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا ﴾

[ سورة الأنعام : 11]

 (ثم) للترتيب على التراخي ، هذا الذي وضع الحبل برقبته ، قال : أنا قتلت شخصاً من ثلاثين سنة ، لكنني لم أحاسَب عليه ، الآن أُحاسَب على الثاني .

﴿ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾

[ سورة آل عمران : 137]

﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾

[ سورة الأنعام : 11]

المذيع :
 دكتور كان يوصف الإسلام بأنه دين وقاية ، وليس مجرد دين لعلاج المشاكل ، هو يحرم الغيبة ، رغم أن ذلك الطرف الذي أسيء له بالكلام .
الدكتور راتب :
 هو وصل رسمي ، هذا إجراء وقائي ، قد يكون بالأعم الأغلب الشخص صادق وأمين ويؤدي المبلغ ، لكن أنت منعت الشيطان أن يدخل بينكما ، منعته أن يخضع للشيطان .
المذيع :
 هذه الميزة حقيقة تمنع من وقوع المشاكل من البداية فتقي الإنسان هذه القضية ، دكتور أيضاً نقرأ في قول النبي عليه الصلاة والسلام :

((والمسلمونَ على شُروطِهِمْ ، إلا شرطاً حرَّمَ حلالاً ، أو حلَّل حراماً ))

[الترمذي وأبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه ]

 فالشروط تصبح جزء من العقود التي يتفقون عليها ، إذا كانت القضية بهذه الوضوح وأن ربنا سبحانه وتعالى يأمرنا بأداء العقود ، أن نوفي بالعهود ، لماذا هذه الخيانة ؟

 

الله يعلم ما تنطوي عليه نفسك وما خفي عنك :

الدكتور راتب :
 من ضعف الإيمان بالله ، ومن عدم اليقين القطعي بالدار الآخرة ، دار الآخرة مفهوم نسمعه من خطيب المسجد ، لكن لا نتعامل معه تعاملاً حقيقياً .

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة الحجر :92-93]

 تأكل المال الحرام أيها الإنسان ، وتظلم الآخرين ، وانتهى الأمر ؟!!
 أعرف شخصاً استطاع صنع مادة غذائية من دون حليب ، أرباحه خمسمئة بالمئة ، وبعد فترة ما مات إلا مجنوناً ، كان يمشي في الطريق عارياً ، استطاع بيعه ، هو كيميائي ، صنع مادة غذائية هي اللبن المصفى ، كان يبيعها من مواد غير حليبية ، ونفس الطعمة ، موضوع الأنزيمات ، ما مات إلا بهذا الشكل ، الله كبير ، أقولها ولا أرتوي من تردادها ، كبير ، إياك أن تخفق مع الله .

﴿ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ﴾

[ سورة طه : 7]

 يعلم ما تنطوي عليه نفسك وما خفي عنك .
المذيع :
 من يرفض دكتور التوثيق ، مثلاً لو كنت أنا أعمل في مؤسسة ، وإدارة المؤسسة فرضاً رفضت أن تعطيني عقداً ، إما أن أعمل دون عقد أو لا أعمل ، هل هنالك مخالفة شرعية لمن يرفض التوثيق ؟
الدكتور راتب :
 طبعاً هو رفض حقوقه ، لو فرضنا كلفوه بشيء فوق طاقته ، لو فرضنا أعطوه نصف المبلغ ، هذا ما لدينا إن لم يعجبك اترك ، بعدما داوم ثلاث سنوات عندهم ، إلا إذا كان عنده ضرورة بالغة جداً لدرجة أنه إذا رفضه ليس عنده دخل إطلاقاً ، عندها هذا مضطر .

﴿ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾

[ سورة البقرة : 173]

المذيع :
 ليس مضطراً دكتور لكن يرفض التوثيق هذه مخالفة شرعية ، الأصل أن توثق كل هذه الأمور بحدها الكامل .

 

أسئلة المستمعين :

الدكتور راتب :
 يوجد شخصيات بالإدارة معينة لا تحب التوثيق إطلاقاً ، لأنه تحت رحمة كلمة يقولها المدير ، مع السلامة ، لا تأتي غداً ، عمل سنتين ولم يعوضه .
المذيع :
 يعده بمكافأة ولا يعطيه ، فمثل هذا الإنسان الذي لا يريد أداء الأمانات يلزمه التوثيق.
 نبدأ مع مستمعينا الكرام ، أشرف حياك الله باتصال هاتفي معنا تفضل .
المستمع :
 السلام عليكم ، هل يمكن أن أسأل الدكتور سؤالين ؟
الدكتور راتب :
 وعليكم السلام .
المستمع :
 دكتور ، أريد أن أسأل سؤالين لا دخل لهم في موضوع البرنامج ، أول شيء : أنا نويت الصدقة ، نويت أن أتصدق عن أبي وأمي عن كل شيء أكسبه في حياتي من الآن حتى أموت ، كل شيء أعمله هل يجب عليّ في كل مرة أتصدق أن أنوي بهذه النية ، أم يكفي أن أقول مرة واحدة وتكفي ؟
الدكتور راتب :
 أنت نويت أن تتصدق .
المستمع :
 أو أكفل ايتام ، أو أي شي ، أي عمل صالح نويت فيه الصدقة عن أبي وأمي ، السؤال الثاني : ممكن الواحد يتصدق عن الرسول عليه الصلاة والسلام ؟
المذيع :
 أبدأ من السؤال الثاني للأخ أشرف : هل يجوز للمسلم في هذا الزمان أن يتصدق عن الرسول عليه الصلاة والسلام ؟
الدكتور راتب :
 هو ليس بحاجتنا ، هو بحاجة إلى صلواتك ، اللهم صلِ على سيدنا محمد ، وهو بحاجة إلى أن تتبع سنته ، هو بحاجة من أجلك يحتاج هدايتك ، وهدايتك تعني إتباع سنته ، أما الصدقة عن النبي لا معنى لها إطلاقاً .
المذيع :
 ننصح المستمعين بالابتعاد عنها دكتور ؟

النية من عمل القلب لا من عمل اللسان :

الدكتور راتب :
 طبعاً لا داعٍ ، النبي يُتبع فقط ، عليكم بالإتباع لا بالابتداع .
المذيع :
 السؤال الثاني للأخ أشرف دكتور : يريد أن يتصدق مالياً عن والديه ، هل عليه في كل مرة أن يقول : اللهم هذه الصدقة عن أمي وأبي أم يعتبرها نية واحدة ؟
الدكتور راتب :
 النية عمل القلب ، وليس عمل اللسان ، نحن أحياناً لا نقول تطرف ، تشدد غير معقول ، نويت أن أصلي أربع ركعات أداء لصلاة الظهر حاضراً ، الله أكبر ، أنت لماذا توضأت ؟ لمَ توضأت ؟ فالنية من عمل القلب لا من عمل اللسان ، فنحن عندما نعتبرها من عمل اللسان كلفنا الناس فوق طاقتهم .
المذيع :
 إذاً نية واحدة صادقة تجزئه عن إعادتها بلفظ اللسان .
الدكتور راتب :
 والله رب النوايا .
المذيع :
 ونعم بالله ، الله يفتح عليكم يا دكتور ، أحمد ، حياك الله بهذه المشاركة الهاتفية .
المستمع :
 السلام عليكم ، أولاً أحب أن أسلم على الدكتور محمد راتب النابلسي ، وأشكره على مواضعه الرائعة جداً ، أريد أن أسأل الدكتور محمد سؤالاً : أنت تتحدث عن موضوع العمل ، لو الإنسان عمل بشكل جيد ، وجاء المدير واتهمه أنه لا يعمل بشكل جيد ، فخصم عليه من الراتب، هل يجوز أن يخصم عليه الراتب ؟
الدكتور راتب :
 هو يعمل بشكل جيد من وجهة نظره ، والمدير رأى أنه لا يعمل بشكل جيد ، معنى ذلك يوجد مقياس مزدوج بينك وبين المدير ، المقياس ، الدوام فقط ؟ أم الإنجاز ؟ أم الدوام والإنجاز معاً ؟ عندما يكون المقياس واحداً تتفق أنت مع المدير ، أما إن أراد هو الإنجاز فقط ، وأنت تريد الدوام فقط ، فلا بد أن تختلفوا .
المذيع :
 قد يكون هناك اتفاق واضح أخي أحمد ، أنني أُحاسَب وفق ماذا ؟ عدد ساعات الحضور ؟ أم على الإنجازات ؟ أم هناك أشياء أخرى ؟ فكلما كان الاتفاق واضح كلما قلت المشاكل .

أكبر حق بعد الله حق الأم ثم الأب ثم الأرحام :

الدكتور راتب :
 البيان يطرد الشيطان .
المذيع :
 لكن رغم ذلك هذا لا يجعل من حق المدير أن يتعسف في هذه الحقوق بالخصم على الموظفين ؟
الدكتور راتب :
 طبعاً .
المذيع :
 بلال ، مرحباً بك باتصال جديد تفضل .
المستمع :
 نمسي عليكم أنتم والدكتور محمد راتب النابلسي ، أنا من معجبيه ، والمستمعين إليه ، سؤالي للدكتور محمد راتب النابلسي : هل الذي يعيش مع والدته في البيت ، هو وأخوانه في بيت واحد ، أحد أخوانه قصر مع والدته فرضاً ، لا يتعامل معها بشكل جيد ، ويستمع لكلام زوجته كثيراً ، ما حكم هذا نسأل الدكتور ؟
المذيع :
 السؤال واضح بلال ، دكتور من يقصر في حق والدته ، إذا كان يعيش معها ، لا يعاملها بالشكل المطلوب إما على صعيد التعامل ، أو على صعيد المال ، وقد يكون يهتم بأهله، ويقصر بحق والدته ؟
الدكتور راتب :
 والله أنا أقول كلمة دقيقة جداً ، وخطيرة ، ومخيفة : ليعمل العاق ما شاء أن يعمل فلن يغفر له ، أكبر حق بعد الله حق الأم ، ثم الأب ، ثم الأرحام .
المذيع :
 فمن أراد أن يصلح يقبله دكتور ؟
الدكتور راتب :
 فوراً يقبله ، التوبة تجب ما قبلها ، أما العقوق إذا استمر حتى الوفاة فهناك مشكلة كبيرة جداً .
المذيع :
 كيف يعرف الإنسان هل هو عاق أم لا دكتور ؟

 

من بنود العقد تحديد مدة العقد :

الدكتور راتب :

﴿ بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ﴾

[ سورة القيامة : 14- 15]

 أنا أضرب مثلاً دقيقاً جداً : دخل شخص إلى البيت الساعة الواحدة ليلاً ، أمه مريضة ، رجته أن يأتي لها بدواء ، فقال لها : الآن الصيدليات كلها مغلقة ، فسكتت ، لكنه يعلم أن هناك صيدلية مناوبة ، ولم يذكر لها هذه الصيدلية ، في هذه الحالة ينام غير مرتاح ، لأنه أخفى عن أمه حالة يمكن أن يأتيها بالدواء ، لكن لو ذهب إلى هذه الصيدلية ، والدواء غير موجود يرجع ، بالحالتين الأم ما استخدمت الدواء ، لكن في الحالة الثانية نام مرتاحاً ، أدى الذي عليه ، ولم يستطع أن يأتي لها بالدواء .
المذيع :
 الله يفتح عليكم يا دكتور .
الدكتور راتب :

﴿ بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ﴾

[ سورة القيامة : 14- 15]

المذيع :
 أعود مع فضيلتكم دكتور إلى موضوع توثيق العقود والمعاملات وأهميته كما وضحها الله ، وأشرت في شرح هذه الآية الكريمة دكتور أن هنالك أحياناً تمر منازعات وخلافات ورغبة من كلا الطرفين ، أو رغبة من طرف واحد بأن لا يستمر في هذه العقود ، هل إذا أنا وقعت عقداً مع أحد هل أنا ملزم فيه إلى أبد الآبدين ولا أستطيع الانسحاب وتركه ؟
الدكتور راتب :
 هو الحقيقة بنود العقد تشير إلى ذلك ، مدة العقد سنتان ، أو خمس سنوات ، أو باعتراض أحد الطرفين وقبول الآخر ، إما مدة محددة ، أو مدة مفتوحة ، لكن أحد الطرفين له الحق بالاعتراض على متابعته ، والطرف الثاني قبل .
المذيع :
 ألا يلتزم بهذه العقود دكتور إذا أنا وثقت عقداً بيني وبين أحد ؟

 

خالق السماوات والأرض يأمرك أن تلتزم بالعقد :

الدكتور راتب :
 لقد خالف كلام الله .

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ﴾

[ سورة المائدة : 1]

 إله خالق السماوات والأرض يأمرك أن تلتزم بالعقد .

﴿ أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ﴾

[ سورة المائدة : 1]

المذيع :
 ماذا يفعل دكتور من لم يرد أن ينكث بهذا العهد أو العقد ، لكن ظرفه حال دون ذلك ، أنا علي دين لإنسان أسدده بعد عام ، وأتمنى أن أكون مقتدراً لكن الحال عكس ذلك ؟
الدكتور راتب :
 الله عز وجل ذكر هذه الحالة .

﴿ وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ ﴾

[ سورة البقرة : 280]

 هذا الكلام موجه للدائن ، إن كان المدين ذو عسرة ، أو ذا عسرة :

﴿ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ ﴾

[ سورة البقرة : 280]

المذيع :
 حتى يعينه على ما هو عليه ، ولا يؤثم عند الله دكتور ، إذا كان صادقاً بنية السداد لكن الظرف المالي منعه ؟
الدكتور راتب :

﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا َ﴾

[ سورة البقرة : 286]

المذيع :
 أما إذا كان مقتدراً وامتنع عن السداد ؟
الدكتور راتب :
 الله يعلم ذلك ، يتلفه .

((من أخذ أَموال الناس يُريدُ أَداءها أدَّى الله عنه ، ومن أخذ أَموال الناس يُرِيدُ إِتْلافها أتلفه الله))

[البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه ]

شي مخيف .
المذيع :
 دكتور بعض أنواع العقود والعهود أنت تكون مجبراً على أدائها رغم أنك غير مقتنع فيها ، مثلاً تريد أن توقع عقد مع شركة اتصالات يعطوك عقداً يحتوي مئات البنود لن تستطيع أن تقرأها جميعاً سواء وافقت أو لم توافق فأنت ملزم فيها لأنك مجبر على أن يكون لديك هاتف تتكلم من خلاله ، ما تعليق فضيلتك ؟

 

حينما تبني مجدك على أنقاض الآخرين ينتقم الله منك في الدنيا قبل الآخرة :

الدكتور راتب :
 أنت مغطى بهذه الآية :

﴿ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾

[ سورة البقرة : 173]

المذيع :
 لكنهم دكتور يتعسفون بهذه الحقوق التي يأخذونها والناس يحتاجونهم .
الدكتور راتب :
 الله كبير ، أنا أقول كلمة والله لا أشبع منها ، الله كبير ، حينما تبني مجدك على أنقاض الآخرين ، حينما تبني غناك على فقرهم ، تبني قوتك على ضعفهم ، تبني أمنك على خوفهم ، الله كبير ، وقد ينتقم من الإنسان في الدنيا قبل الآخرة .
المذيع :
 دكتور ، إذا كان لي الحق في عقد معين لكني وجدت الطرف الآخر محتاجاً ، وأضرب على فضيلتك مثال : وقع إنسان عقد معي لاستئجار بيت لمدة عام كامل ، وهو ملزم سواء سكن أم لم يسكن أن يدفع ، وهذه بنود واضحة في العقد ، بعد شهر من الزمن اضطر للسفر ، قانوناً هو ملزم أن يدفع العام كاملاً مسبقاً ، لكن التعاطف أن أعفيه من باقي المدة ؟
الدكتور راتب :
 هو أخذ شيئاً يفوق الملايين ، أخذ حب الله ، لقوله تعالى :

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾

[ سورة البقرة : 195]

 أخذ شيئاً من الله يفوق الملايين ، أنه اكتسب محبة الله .
المذيع :
 لو طلب حقه المادي لا يكون ظالماً دكتور ، لكن هذا الحد الأدنى .

 

الإحسان أفضل من العدل :

الدكتور راتب :
 أبداً ، لكن هو ارتفع عن مستوى الحقوق .
المذيع :
 كلما عفا عن الناس وأحسن كلما أحسن الله له .
الدكتور راتب :
 أذكر مرة أن أحد خطباء دمشق ، أنا ليس من عادتي أن أروي منامات أبداً يسامحوني أخوتي المستمعين بهذا المنام ، رأى رسول الله في الرؤيا إمام مسجد ، قال له : قل لجارك فلان أنه رفيقي في الجنة ، فهذا الإمام البشارة ليست له ، لجاره ، جاره إنسان عادي جداً ، أقل من عادي ، طرق بابه بعد يومين ، وقال له : لك بشارة مني من رسول الله ، والله لن أقولها لك إلا إذا أخبرتني ماذا فعلت مع ربك ؟ ما أخبره ، بعد إلحاح شديد جداً ، بعد أن أغراه ببشارة من رسول الله ذكر له القصة ، قال له : تزوجت امرأة وفي الشهر الخامس من زواجي بها ، كان حملها في الشهر التاسع ، قال له : بإمكاني أن أطلقها ، أو أن أفضهحا ، أو أن أسحقها ، والشرع معي ، والقانون معي ، والمحكمة معي ، وأهلها معي ، لكن أردت أن أحملها على التوبة ، فجاء لها بولادة ، فولدت ، وحمل المولود لساعة أو ساعتين ، تحت عباءته ، ووقف أمام باب الجامع الذي إلى جوار بيته ، وانتظر واقفاً مع المولود تحت عباءته ، إلى أن نوى الإمام صلاة الفجر ، لم يعد هناك ولا إنسان دخل إلى المسجد ، ووضع المولود على طرف باب المسجد والتحق مع المصلين ، لم يره أحد ، كلهم في الصلاة ، فلما انتهت الصلاة بكى هذا المولود ، فتحلق المصلون حوله جميعاً ، هو انتظر بعيداً إلى أن تأكد أن كل من حضر تحلق حول المولود ، فاقترب منهم وقال : خيراً ؟ قالوا له : لقيط لقيط ؟! قال : تعال انظر ، نظر له ، قال : أنا أكفله ، أخذ أمام أهل الحي بأكملهم ، على أنه لقيط ورده إلى أمه وسترها ، فقال : بلغ جارك فلاناً أنه رفيقي في الجنة ، الآن ثبت أن الإحسان أفضل مليار مرة من العدل
المذيع :
 الله يفتح عليكم دكتور .
الدكتور راتب :
 إن الله يأمر بالعدل قسراً ، وبالإحسان طوعاً .
المذيع :
 الله يفتح عليكم يا دكتور ، نور الله قلبكم بالإيمان ، وجزاكم الله خيراً ، ونفعنا بعلمكم يا دكتور ، شكراً لكم دكتور محمد ، وبدعاء قصير نختم حلقتنا .

الدعاء :

الدكتور راتب :
 اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير ، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر مولانا رب العالمين ، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك ، اللهم اجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين ، واحقن دماء المسلمين في كل مكان ، واحقن دماءهم في الشام .

خاتمة و توديع :

المذيع :
 الحمد لله رب العالمين ، بارك الله بكم الدكتور محمد راتب النابلسي لهذه الكلمات .
 سبحانك اللهم وبحمدك ، نشهد أن لا إله إلا أنت ، نستغفرك ونتوب إليك
 والسلام عليكم و رحمة الله و بركاته

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018