الدرس : 05 - سورة غافر - تفسير الآيات 14 - 16 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 05 - سورة غافر - تفسير الآيات 14 - 16


1993-07-09

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الأكارم، مع الدرس الخامس من سورة غافر، ومع الآية الرابعة عشرَ، وهي قوله تعالى:

﴿ فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ﴾

فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ

1 ـ الإخلاص أساس العمل:

 الآية الكريمة تشير إلى الإخلاص، والإخلاص أساس العمل، وقد قال عليه الصلاة والسلام:

(( إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ))

[ صحيح البخاري عن عمر بن الخطاب ]

 أي أن قيمة العمل من خلال نيَّته فقط، وليس من خلال شيءٍ آخر، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال لمعاذ:

 

(( أخلص دينك يكفك القليل من العمل ))

 

[ الجامع الصغير عن معاذ ]

(( درهمٌ أُنْفِقَ في إخلاص خيرٌ من مئة ألف درهمٍ أنفِقَت في رياء ))

[ ورد في الأثر ]

 الإخلاص ينفع معه قليل العمل وكثيره ؛ والرياء لا ينفع معه لا قليل العمل ولا كثيره.

﴿ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا(23) ﴾

( سورة الفرقان )

 وقالوا: الله عزَّ وجل لا يتقبَّل من العمل إلا ما كان خالصاً وصواباً، خالصاً ما ابتغي به وجه الله، وصواباً ما وافق السُنَّة.
والإنسان أيها الإخوة، بفطرته يشعر ما إذا كان مخلصاً أو غير مخلص، إن كان مخلصاً شعر أن الله قد قَبِلَه، وأن الله عاد عليه بالسكينة، وعاد عليه بالتجلي، وكأن ثمن إخلاصه يقبضه عاجلاً لا آجلاً، أما إذا صلَّى الإنسان، وعمل الصالحات، وقرأ القرآن، ودعا إلى الله، وما شعر بشيء، ففي عمله خللٌ خطير، وفي إخلاصه نقصٌ كبير، إذا صليت، وصمت، وقرأت القرآن، وعملت الصالحات، وما شعرت بشيء، ما شعرت بالقُرب، ما شعرت بالطمأنينة، فهذه علامةٌ خطيرة ؛ إمَّا على خلل العمل، أو على ضعف الإخلاص.
 قد يكون العمل صحيحاً، وفق الكتاب والسُنَّة، ولكن لا تشعر بسعادةٍ معه، إذاَ: هناك خللٌ أو نقصٌ في الإخلاص، قد يكون الإخلاص جيداً، ولكن العمل ليس كاملاً، فلن تقطف ثمار العمل إلا بشرطين، أن يكون العمل موافقاً للكتاب والسُنَّة، ومعنى هذا أنه لا تعفيك نيَّتك الحسنة من محاسبة الله عزَّ وجل، فالله عزَّ وجل أنزل هذا الكتاب، وشرَّع لنا الشرائع من أجل أن نطبِّقها، لا من أجل أن نلقيها وراء ظهورنا، ونقول: نوايانا طيِّبة، هذا كلام غير مقبول، فلذلك ربنا عزَّ وجل يقول:

﴿ فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ ﴾

2 ـ قد يكون دعاء الإنسان ربَّه بغير إخلاص:

 مخلصين: حال، معنى ذلك أننا قد ندعو الله عزَّ وجل، ولسنا مخلصين، قد ندعو الله ونتَّكئ على أموالنا، قد ندعو الله ونتكئ على مكانتنا، قد ندعو الله ونعتمد على زيد أو على عُبَيد، هذه دعوةٌ ليست مخلصةً لله عزَّ وجل، ما دام هناك جهات أرضيَّة تعتمد عليها فأنت في دعوتك لست مخلصاً، لذلك أن تقول: يا رب، مهما قلت يا رب الله عزَّ وجل ناظرٌ إلى قلبك، القلب كما قالوا: منظر الرب، فإذا نظر الله إلى قلبك فرآه فارغاً إلا منه، فارغاً إلا من الاعتماد عليه، والتوجُّه له قَبِلَ عملك.
 فيا أيها الإخوة الأكارم لا تنسوا هذه الآية:

﴿ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا(23) ﴾

( سورة الفرقان )

 لا تفرحوا بكثرة العمل، افرحوا بالإخلاص الشديد، كلَّما زاد إخلاصك ارتقت مرتبتك عند الله، فهذه الآية أمرٌ إلهي:

 

﴿ فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ ﴾

 والإنسان.

 

﴿ بَلْ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ(14)وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ(15) ﴾

( سورة القيامة )

 هو يعلم ما إذا كان مخلصاً أو غير مخلص، هو يعلم ما إذا كان يدعو الله وحده، أم يدعو الله بلسانه، وقلبُه معتمدٌ على زيدٍ أو عُبَيد.
 أحياناً الإنسان يعتمد على عمله، إذا اعتمد على عمله، ورآه منجياً له من عذاب الدنيا والآخرة، هذا الاعتماد على العمل يُضعف الإخلاص لله عزَّ وجل، لذلك قد يرى عمله قليلاً لا يغنيه، ولا يسمنه من جوع.
 ما طريق الإخلاص ؟ ـ التركيز اليوم عن الإخلاص، فقد تحدَّثنا في الدرس الماضي عن موضوع الكفر، الكفر الاعتقادي، والكفر القولي، والكفر العملي، والكفر بمعناه الواسع، ومعناه الضيِّق، أمّا الإخلاص، كيف أُخْلِصْ ؟

3 ـ كيف أُخْلِصْ ؟

 أيها الإخوة الأكارم، لا تستطيع أن تخلص ما لم توحِّد، إذا رأيت أن الله وحده بيده كل شيء، وأنه لا رازق إلا الله، لا معطي إلا الله، لا مانع إلا الله، لا معزَّ إلا الله، لا مذلَّ إلا الله، لا باسط إلا الله، لا قابض إلا الله، أمره كلُّه بيده، كأن مؤشِّر الإخلاص يتحرَّك مع مؤشِّر التوحيد، فكلَّما ارتفع مستوى توحيدك ارتفع مستوى إخلاصك.
 فكلمة إخلاص من أين تأتي بها ؟ السوق فيه كل شيء، فهل بإمكانك أن تشتري الإخلاص من السوق ؟ الإخلاص محصِّلة التوحيد، أي أن حجم إخلاصك بحجم توحيدك، كلما ازددت توحيداً ازددت إخلاصاً، إذاً: العمل لا يُقْبَل إلا إذا كان خالصاً.

الرياء مدخلٌ من مداخل الشيطان:

 الحقيقة كما قلت لكم في درسٍ سابق: الإنسان قد يؤتَى من عن يمينه، الشيطان حينما ييأس أن يأتيك من أمامك بدعوى التجديد، والتحلل من القيم الدينيَّة، وحينما يخفق من أن يأتيك من ورائك ؛ التمسُّك بالتقاليد البالية غير الإسلاميَّة، وحينما يخفق من أن يأتيك من شمالك في دعوته إلى المعاصي والآثام، ليس له إلا جانبٌ واحد، وهو أن يأتيك من يمينك.
 إذاً: في حلقات المؤمنين، في تجمُّعات المسلمين، وأنت في المسجد، وأنت بين إخوانك، وأنت تصلي، وتقرأ القرآن، وتحجُّ بيت الله الحرام، تصوم رمضان، وأنت في عباداتك، وأنت في طاعاتك، قد يؤتَى الإنسان من الشيطان.
 من أين يأتي ؟ من الرياء، الرياء أحد مداخل الشيطان على الإنسان، قال عن شخص، وخلال أربعين سنة ما ترك الصفَّ الأول خلف الإمام، في يوم من الأيَّام لم يُدرِك الصف الأول، فقال: ماذا يقول الناس عني، وقد صليت في الصف الثاني ؟  ففُهِم أن هذه الأعوام الأربعين التي صلَّى فيها في الصف الأول لا مخلصاً لله عزَّ وجل، ولكن لينتزع إعجاب الناس.
 نحن إذا تحدَّثنا لأخوتنا المؤمنين عن الإخلاص، أن نقول لهم: إياكم أن تسرقوا، إياكم أن تزنوا، هذا كلام لا معنى له إطلاقاً في بيوت الله، لأن الذي يرتاد المساجد مسلماً يجتنب الكبائر، ولكن من أن يؤتى ؟ من الصغائر، يؤتى من ضعف الإخلاص، ألا تذكرون أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( إن الشيطان يئس أن يُعْبَد في أرضكم، ولكن رضي بما دون ذلك مما تحقرون من أعمالكم ))

[ البيهقي عن معاذ ]

 وفي رواية أخرى:

 

(( رضي بالتحريش بين المؤمنين ))

 

[ مسلم عن جابر ]

 الشيطان لا يستطيع أن يصل إلى المؤمن إلا عن يمينه، من عن يمينه من جانب دينه، إما بوساوس، وإما بمبالغات، وإما بالغلو في الدين، وإما بالرياء، وإما بضعف الإخلاص، وإما بالخوف من الناس، وإما برغبته الجامحة في انتزاع إعجاب الناس.

4 ـ الإخلاص أن لا ترى مع الله أحداً:

 هناك مزلقٌ خطير أيها الإخوة.
 عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِيُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ، أَوْ لِيُبَاهِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ، أَوْ لِيَصْرِفَ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْهِ فَهُوَ فِي النَّارِ ))

[ ابن ماجه عن أبي هريرة ]

 فكل ما أرجوه في هذا الدرس التركيز على الإخلاص، فأنت لماذا تأتي إلى بيت الله ؟ لئلا يقال عنك أنك تخلَّفت عن درس الجمعة ؟ هذا ضعفٌ في إخلاصك، ليرضى عنك زيد ؟ ليراك عُبَيد ؟ ليقال عنك من روَّاد هذا المسجد ؟ يجب أن تحرِّر النيَّة.

﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا(9) ﴾

( سورة الإنسان )

 كلَّما ارتفع مستوى الإخلاص يئس المؤمن من رضى الناس، لا يعنيه رضاهم، ولا غضبهم، ولا سخطهم، ولا قربهم، ولا بعدهم، والإنسان حينما يستجدي الثناء والمديح فهذا ضعفٌ في إخلاصه، أما حينما يرى أن الله الذي خلقه راضٍ عنه.

 

فليتك تحلو و الحياة مريـرةٌ  وليتك ترضى والأنامُ غِضابُ
وليت الذي بيني وبينك عامرٌ  وبيني وبين العالمين خـراب
***

 الإخلاص أن لا ترى مع الله أحداً، أن لا ترجو غير الله، الإخلاص بتعاريفه الدقيقة: أن لا ترجو غير الله، أن لا تخاف غير الله، أن لا تطمع في غير فضل الله، أن لا ترجو قرب غير الله، أن لا تخشى غير الله، أن يكون الله ورسوله أحبَّ إليك مما سواهما، فلذلك من ضعف الإخلاص أن تؤثر خلقه عليه، لهذا قال الله عزَّ وجل:

 

﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ(24) ﴾

( سورة التوبة )

 يا أيها الإخوة، الإنسان حينما تستهلكه الدنيا يأتي إلى المسجد، ينطلق إلى عمله، يبيع ويشتري، يداوم في مكتبه، يمارس نشاطاته، يجلس مع أهله، ينطلق إلى نزهة، ينطلق إلى سهرة، إلى لقاء، ولا يجلس ليتأمَّل نفسه، ليراجع حساباته، ليفحص عمله، ليعتني بقلبه، هذا الإنسان الذي يستهلكه الوقت، وتستهلكه المشاغل، هذا في الأعمِّ الأغلب يضعف إخلاصه، لأنه دخل في دوَّامة، دخل في متاهة الانشغال، واللقاءات، والعمل، فلابدَّ للإنسان من ساعةٍ يخلو بها مع ربِّه، يفحص عمله، يتأمَّل نواياه، يفحص إخلاصه، تَبَيَّنَ مقاصده، هل هي مقاصد نبيلة ؟ لأنه:

 

(( درهمٌ أُنْفِقَ في إخلاص خيرٌ من ألف مئة درهمٍ أُنفق في رياء ))

 

[ ورد في الأثر ]

 فربنا سبحانه وتعالى يقول في الآية الرابعة عشرة:

﴿ فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾

5 ـ لَهُ الدِّينَ

لا تخضع إلا لله:

 كلمة له الدين، إذا قلنا: الدين له معنى، وإذا قلنا: له الدين لها معنى آخر، إذا قُدِّم الخبر على المبتدأ فهذا يفيد القصر، أي أن الدين وحده له، أو الدين له وحده، أي أنك لا ينبغي أن تخضع لغير الله، لأنك إنسان مكرَّم ؛ الماء للتراب، والتراب للنبات، والنبات للحيوان، والحيوان للإنسان، والإنسان لمن ؟ لله عزَّ وجل، أنت المخلوق المكرَّم، أنت المخلوق المكلَّف، أنت المخلوق الذي سخَّر الله لك السماوات والأرض، أنت المخلوق الذي حملت الأمانة، لا يليق بك، ولا يحسن بك، ولا ينبغي لك أن تكون خاضعاً لغير الله، أن تدين بالولاء لغير الله، أن تدين بالخضوع لغير الله، أن تدين بالحبِّ لغير الله.
 الخضوع لله، الحب لله، الطاعة لله، الإخلاص لله، لذلك الإنسان أحياناً يصبر، ولكن لا يصبر لله، يكون فوقه شخص ظالم قوي جبَّار، يسحقه سحقاً، يقول لك: ماذا نفعل ؟ فهذا ليس صبراً تؤجَر عليه، لكن الصبر الذي تؤجر عليه كما قال الله عزَّ وجل:

﴿ وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ(7) ﴾

( سورة المدثر )

 أن تكون في أعلى درجات القوَّة، وبإمكانك أن تسحق خصمك، ومع ذلك تصبر لله عزَّ وجل.
 إذاً:

 

﴿ فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾

 الدين الخضوع، الإنسان هل يخضع لغير المنطق ؟ إذا قلت لكم: اثنان واثنان يساويان خمسة هل تسكتون ؟ اثنان واثنان أربعة، كلكم يسكت، هذا أبسط مثل، إذا تكلَّم متكلِّمٌ بمنطق، بواقع، إذا خاطب العقل، إذا خاطب القلب، إذا جاء بالأدلَّة، جاء بالبراهين تجد أن النفس تخضع، فالنفس من طبيعتها أنها لا تخضع إلا للحق، لا تعجب إلا بالكمال، أحياناً قد يكون الإنسان متلبِّسا بالنقص، ولكنه يحب الكمال، فالذين يسرقون يقسمون السرقة بالعدل بينهم ـ يقول له: اقسم بالعدل، فحينما أخذت هذا المال هل أخذته بالعدل ؟ هذا يؤكِّد لنا الفرق بين الفطرة والصبغة، الإنسان مفطور على فطرة عالية، على فطرة طاهرة، على فطرة نقيَّة، لكنَّه دنَّسها بأفعاله.
 لذلك كل الناس تقريباً لو أنه لم يعدل يحبُّ العدل، لو أنه لم يرحم يحبُّ الرحمة، لو أنه لم يحسن يحبُّ الإحسان، بل إن أفسق الرجال إذا أرادوا الزواج يبحثون عن امرأةٍ عفيفةٍ طاهرة ليتزوَّجوها، لأن هذه فطرة، فالإنسان في الأصل لا يدين إلا للحق، لا يخضع إلا للعلم، لا يخضع إلا للكمال، لا يقبل إلا الدليل، لا يقبل إلا التعليل، فهذا الدين دين الله.

 

 

لا تخضع لمخلوق مثلك:

 

 والله عزَّ وجل هو الذي خلق العقل، فهل دينه غير معقول ؟ هو الذي خلق المنطق، فهل دينه غير منطقي ؟ هو الذي خلق الكون فهل دينه غير واقعي ؟ هو الذي فطر النفس البشريَّة، فهل دينه يتناقض مع الفطرة ؟ هذا مستحيل، ما دام هذا الدين دين الله، وما دام الذي خلق الإنسان هو الله، ما دام الذي ركَّب الفطرة في الإنسان هو الله، ما دام الذي أودع العقل في الإنسان هو الله، إذاً من باب أولى، ومن اليقين القطعي أن يتطابق دين الله مع بنية البشر ؛ مع فطرة النفس، ومع عقل الإنسان، ومع الواقع، ومع المنطق، إذاً الدين هو دين الله، والإنسان ينبغي أن يخضع لله، وأيّ خضوع لغير الله فهذا ضعفٌ في الدين.
 لذلك أيها الإخوة، بالكلام الواضح، أنت أيها الإنسان لا يليق بك، ولا ينبغي لك، ولا يحسن لك أن تجيَّرَ لغير الله، أن تخضع لغير الله، أن تُحْسَب على غير الله، أن تكون تبعاً لغير الله، أن تكون ذنباً لإنسان، أن تكون أداةً بيد إنسان، أنت حر "متى استعبدتم الناس، وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا ؟ " أنت حر، فإياك أن تخضع لمخلوقٍ في معصية الله، إياك أن تكون امتداداً لإنسان، ظلاً لإنسان، أداةً بيد إنسان، أداة رخيصة، فهناك أشخاص كما أقول كالمنديل، تُمْسَحُ به أقذر عمليَّة، ثمَّ يُلقى في سلة المُهْمَلات، إياك أن تكون ذلك، كن حراً، اربط نفسك بالحق، لا تخضع إلا لله، لا تطع مخلوقاً في معصية الله، لا تلن إلا لله، لا تمرِّغ جبهتك إلا في أعتاب الله، لا تذلَّ لإنسان.

(( من جلس إلى غنيٍ فتضعضع له ذهب ثًلُثا دينه ))

[ ورد في الأثر ]

﴿ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ ﴾

( سورة التوبة: من الآية 13 )

 إذاً:

 

﴿ فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ ﴾

 فأنت بمن تتعلَق ؟ تطمح لمن ؟ تُعلِّق الآمال على من ؟ كلُّهم مخلوقات، كلهم لا يملكون لك نفعاً ولا ضراً، ولا تنسوا هذه القصَّة التي أقولها كثيراً:
 كان الحسن البصري عند أحد ولاة البصرة، وقد جاءه توجيهٌ لتوِّه من يزيد ـ من خليفة المسلمين ـ فهذا التوجيه يبدو أنه يتعارض مع حكم شرعي، لو نفَّذ هذا التوجيه لوقع في الظلم، فسأل الإمام الحسن البصري: ماذا أفعل، هذا كتاب يزيد، وتنفيذه لا يرضي الله، ماذا أفعل ؟ أجابه إجابةً جامعةً، قاطعةً، مانعة، قال له: " إن الله يمنعك من يزيد، ولكن يزيد لا يمنعك من الله".
 أي ضغط يأتيك، هذا الذي يضغط عليك عبدٌ لله، في قبضة الله، بيدِ الله، الله جلَّ جلاله يمنعه منك، لكنَّك إذا أطعته، ولم تكن مخلصاً لله لا يمنعك من الله، إذا أراد الله أن يعالج، إذا أراد أن يؤدِّب، إذا أراد أن يردَّك إليه لا يستطيع أحدٌ أن يمنعك منه، هذه القصَّة على قصرها وعلى إيجازها احفظوها، " إنَّ الله يمنعك من يزيد، ولكن يزيد لا يمنعك من الله ".
 فأي إنسان ضغط عليك، أي إنسان لوَّح لك بالعقاب إذا لم تفعل، أو أي إنسان أغراك بالمال على شرط أن تعصي الله، المؤمن الصادق لا ترهبه سياط الجلاَّدين اللاذعة، ولا تغريه سبائك الذهب اللامعة، لا سبائك الذهب اللامعة سيضعف أمامها، ولا سياط الجلادين اللاذعة يذلُّ أمامها، لا يخضع إلا لله كما فعل بلال رضي الله عنه:

 

 " أحدٌ أحد، فردٌ صمد".

 هذه الآية دقيقة جداً:

﴿ فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ ﴾

 أخلص دينك يكفك القليل من العمل.
 أحد العارفين بالله توفَّاه الله عزَّ وجل، رآه أحد تلامذته فقال: يا سيدي، ما فعل الله بك ؟ " قال: " يا بني طاحت تلك العبارات هذه المحاضرات البليغة، هذه الخطب الرنانة، هذه الكتب المؤلًفة، هذه الدراسات، هذه البحوث طاحت تلك العبارات، وذهبت تلك الإشارات، ولم يبق إلا ركيعاتٍ ركعناها في جوف الليل ".
 الإخلاص الإخْلاص، مع الإخلاص ينفع قليل العمل، ومن دون الإخلاص لا ينفعك لا قليل العمل ولا كثيره.

 

(( درهمٌ أُنْفِقَ في إخلاص خيرٌ من ألف مئة درهمٍ أُنفق في رياء ))

 

[ ورد في الأثر ]

 إذاً:

﴿ فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾

لا تعدُّدَ في الحقِّ:

 مخلصين، لأن الدين له وحده، لأنه ينبغي أن يكون الدين وحده لله، لأنه خالق، وأنت مخلوق، هل يليق بك أن تخضع لمخلوقٍ آخر مثلك ؟ هل يليق بك أن تكون تبعاً لمخلوقِ ضعيفٍ جاهل، لئيمٍ، شهوانيٍ، أنانيٍ ؟ لا، فأشقى الناس الذين ربطوا مصيرهم بمصير بشَرٍ، لكن أسعد الناس هم الذين ربطوا مصيرهم بالله عزَّ وجل وبالحق، فأي مبدأ غير مبدأ الدين مبدأ غير صحيح، لأن الحق ليس فيه تعدُّد، نقطتان ووصلت بينهما بخطٍ مستقيم، هذا الحق، نريد خطاً مستقيماً آخر بين هاتين النقطتين ينطبق على الأول، خط ثالث ينطبق على الثاني، خط رابع ينطبق على الثالث، فالحق لا يتعدَّد، والدليل:

﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ﴾

 مفرد.

 

﴿ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ﴾

 

( سورة الأنعام: من الآية 153 )

 إذاً: لا تعدُّد في الحق، الحق واحد.

﴿ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلا الضَّلالُ ﴾

( سورة يونس: من الآية 32 )

 لا حل وسط، إما أن تكون مع الحق ؛ وإما أن تكون مع الباطل، أما الباطل فيتعدَّد، بين نقطتين يمر مليون خط منحنٍ، ومليون خط متعرِّج، ومليون خط منكسِر، ولا حدود لعدد الخطوط المُنكسرة والمنحنية التي تمرُّ بين نقطتين، إذاً الباطل يتعدَّد، الحق واحد، لذلك قالوا: لا يمكن أن تنشِب معركةٌ بين حقين، لأنهما متطابقان، أما إذا نشبت معركةٌ بين حقٍ وباطل فسرعان ما تنتهي، لأن الله مع الحق، وإذا كان الله مع أحد الأطراف قلب كل الموازين.
 أما إذا كانت المعركة بين باطلين فما أطولها، عندئذٍ تتحدَّث عن الأقوى، وعن الأذكى، وعن الأكثر خداعاً، وعن الأكثر حكمةً، وعن الأكثر ممارسةً وتدريباً، وقيادةً، واستعداداً، وقوَّةً، وصموداً.
 المعركة بين الحق والحق لا تكون لأنهما متطابقان، وبين الحق والباطل لا تطول، لأن الله مع الحق، أما إذا نشبت معركةٌ بين باطلين فما أطولها، عندئذٍ تتحدَّث عن كل شيء، إلا أن الله سبحانه وتعالى ليس مع أحد الطرفين، لأنهما ليسا على حق.
 إذاً: ما دام الدين له وحده ؛ لأنه خالق، لأنه رب، لأنه مسيِّر، إذاً أي دينٍ آخر قطعاً باطل.

﴿ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ ﴾

( سورة آل عمران: من الآية 19 )

 ولو تتبَّعتم كلمة الإسلام في القرآن الكريم، لوجدتم أن الأنبياء جميعاً مسلمون ـ دقِّقوا ـ افتحوا المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، الأنبياء جميعاً مسلمون، بل إن فرعون مات مسلماً، بمعنى أنه آمن بالذي آمنت به نبو إسرائيل، معنى هذا أن الدين عند الله الإسلام، لا دين إلا دين واحد، هو الحق، أيّ دينٍ آخر، أيّ ولاءٍ آخر، أيّ اتجاهٍ آخر، أيّ عقيدةٍ أخرى، أيّ سلوكٍ آخر هو باطل، وليس حقًّا.
 إذاً:

﴿ فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ﴾

6 ـ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ

 لا تحسبوا حساباً للكافر، الكافر لا يستطيع أن يفعل معكم شيئاً، لأن الله عزَّ وجل مع المؤمنين، كلكم يذكر أن سيدنا سُراقة حينما تَبِعَ النبي عليه الصلاة والسلام في أثناء الهجرة، حينما رأى النبي وكان من أوائل الذين يقتفون الآثار، فلمَّا أدرك النبي وصاحبه، أمسك بيده على رمحه ليرمي النبي ويأخذ الجائزة، ساخت قدما فرسه في الرمل، فعرف أنه ممنوع.

﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ﴾

( سورة المائدة: من الآية 67 )

 قال: " يا هذان ادعوا لي ربكما أن يخلصني "، دعا له النبي فانطلقت فرسه، لمعت أمامه الجائزة مرَّة ثانية، فانطلق نحوهما فساخت قدما فرسه مرَّةً ثانية ـ القصَّة معروفة عندكم، وذكرتها في خطبة سابقة ـ لكن موطن الشاهد أن النبي عليه الصلاة والسلام قال له:

((يا سراقة، كيف بك إذا لبست سواري كسرى ))

 ما هذا الكلام ؟ النبي مطارد، النبي شريد، طريد، مهدورٌ ردمه، خائفٌ على نفسه من القتل ويقول لسراقة:

((يا سراقة، كيف بك إذا لبست سواري كسرى ))

 ما هذا الكلام ؟ وبالفعل دارت الأيام دورتين، وسيدنا عمر في آخر عهده بالخلافة جاءته رسل سيدنا سعد بن أبي وقَّاص ومعهم الغنائم، فإذا من بين هذه الغنائم تاج كسرى، وسوارا كسرى، وثياب كسرى، قال: أين سراقة ؟ جاءوا بسراقة، وضعوا على رأسه تاج كسرى، وألبسه سواراه، وتحقَّقت نبوءة النبي عليه الصلاة والسلام، وقال سيدنا عمر: " بخٍٍ بخ أُعيرابيٌ من بني مدلج على رأسه تاج كسرى ".
 ماذا قال الله عزَّ وجل ؟ قال الله عزَّ وجل:

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ﴾

 ماذا قال ؟

 

﴿ يَعْبُدُونَنِي ﴾

 

( سورة النور: من الآية 55 )

 أما نحن فلسنا كذلك، فقال الله عزَّ وجل:

﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا(59) ﴾

( سورة مريم )

 إذاً:

 

﴿ لَهُ الدِّينَ ﴾

 لا تدِن إلا لله عزَّ وجل:

 

 

﴿ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ﴾

 هم في قبضة الله عزَّ وجل، حيثما قرأت في القرآن الكريم أن الله عزَّ وجل يؤكِّد أن الكفار لن يسبقوه، معنى لن يسبقوه أي لا يستطيعون أن يفعلوا شيئاً لا يرضاه ولا يريده، لا يستطيعون أن يفعلوا شيئاً لا يريده، وليس بإمكانهم أن يتفلَّتوا من قبضته، فالكافر الذي تخافه هو بيد الله.

 

﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ(55)إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(56) ﴾

( سورة هود )

﴿ فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (14) رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ﴾

رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ

 أي أن أسماؤه حسنى، صفاته فضلى.

ثلاث حقائق في الإيمان:

 أقول لكم دائماً: الإيمان يرتكز على ثلاث حقائق:
 الحقيقة الأولى: أن الله موجود ولا أول لوجوده، أي أنه قديم، ولا نهاية لوجوده باقٍ على الدوام، لأن وجوده لا يقوم على غير ذاته، إنه صمد.

﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ(1)اللَّهُ الصَّمَدُ(2) ﴾

( سورة الإخلاص )

 هذه أول حقيقة، حقيقة الوجود، الله موجود، وجوده قديم، ووجوده لا نهاية له، مستمر، وجوده ليس متعلِّقاً بغيره، وجوده ذاتي، هذه أول حقيقة.
 الحقيقة الثانية: الله واحد، واحدٌ في ذاته، ليس معه إلهٌ آخر، واحدٌ في صفاته، ليس من صفةٍ في المخلوقين ترقى إلى صفة الله عزَّ وجل، واحدٌ في أفعاله لا أحد يفعل معه شيئاً، لا فعَّال معه إطلاقاً، هذه الحقيقة الثانية.
 الحقيقة الثالثة: موطن الشاهد، الله عزَّ وجل كامل كمالا مطلقا، أي أن القاضي لو حكم تسعين حكما عادلا، وأخطأ في عشرة أحكام، يغلب علينا أن نقول: قاضٍ عادل، لأن الإنسان نسبي، لكن الله عزَّ وجل مطلق، إذا قلنا: إنه عدل، أي ما من تصرُّف في الأرض، وفي الكون منذ أن خلق الله الوجود وإلى يوم القيامة فيه ظلمٌ لمخلوق، هذا معنى أن الله عزَّ وجل عدل عدالة مطلقة، فربنا عزَّ وجل ليس في أسمائه حل وسط، ولا في أسمائه نسبيَّة، أسماؤه مطلقة.
 إذاً:

 

﴿ رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ﴾

 مهما تحدَّثت عن رحمته فهو أرحم، مهما تحدَّثت عن لُطفه فهو ألطف، مهما تحدَّثت عن قدرته فهو أقدر، مهما تحدَّثت عن علمه فهو أعلم، مهما تحدَّثت عن عدله فهو أعدل.

 

﴿ رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ ﴾

ذُو الْعَرْشِ

 العرش ما سوى الله عزَّ وجل في بعض التفاسير ـ وهذه الآية من الآيات التي أوكل بعض العلماء تفسيرها إلى الله عزَّ وجل، فيها تأويلاتٌ كثيرة، ولكن هذا العرش ليس في متناول أيدينا، وليس له آثارٌ نتعرَّف إليه من خلالها، إذاً هو محض إخبارٍ من الله عزَّ وجل، والأكمل أن نفوِّض أمر حقيقة العرش إلى الله عزَّ وجل، وإذا أردنا أن نؤِّول العرش فهو مُلْكُ الله عزَّ وجل.

﴿ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ ﴾

 فالأنبياء ما كانوا عباقرةً ولا أذكياء، وليسوا مصلحين، إنهم صفوة الله من خلقه، أوحى الله إليهم، وكلَّفهم أن يبلِّغوا رسالته، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحيٌ يوحى، في حالات سروره، وفي حالات غضبه لا ينطق إلا بالحق، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: كُنْتُ أَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ أَسْمَعُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُرِيدُ حِفْظَهُ، فَنَهَتْنِي قُرَيْشٌ، وَقَالُوا: أَتَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ تَسْمَعُهُ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَشَرٌ يَتَكَلَّمُ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا ؟ فَأَمْسَكْتُ عَنْ الْكِتَابِ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَوْمَأَ بِأُصْبُعِهِ إِلَى فِيهِ فَقَالَ:

(( اكْتُبْ، فَوَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ إِلَّا حَقٌّ ))

[ أبو داود ]

 لأنه مكلَّف بتبليغ الرسالة، ولأن الله كلَّفه بإبلاغ الرسالة عصمه من أن يخطئ، فكلامه تشريع، عمله تشريع، صمته تشريع، بعضهم قال: النبي عليه الصلاة والسلام مشرِّعٌ وهو ساكت، لأنه مرَّة كان عند أحد صحابته الذين ماتوا، وهو مسجَّى على السرير سمع النبي عليه الصلاة والسلام امرأةً تقول: " هنيئاً لك أبا السائب، لقد أكرمك الله "، هذا كلام غير صحيح، لو أنها قالت: أرجو الله أن يكرمه، فهذا كلام طيِّب والدعاء مقبول، أما أن تقول: لقد أكرمك الله، على وجه الجزم، فهذا اسمه تألٍ على الله، فالنبي لو أنه سكت لكان كلامها صحيحاً، عن خَارِجَة بْن زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ أُمَّ الْعَلَاءِ امْرَأَةً مِنْ الْأَنْصَارِ بَايَعَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهُ اقْتُسِمَ الْمُهَاجِرُونَ قُرْعَةً فَطَارَ لَنَا عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ، فَأَنْزَلْنَاهُ فِي أَبْيَاتِنَا، فَوَجِعَ وَجَعَهُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ، وَغُسِّلَ، وَكُفِّنَ فِي أَثْوَابِهِ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ أَبَا السَّائِبِ، فَشَهَادَتِي عَلَيْكَ لَقَدْ أَكْرَمَكَ اللَّهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

(( وَمَا يُدْرِيكِ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَكْرَمَهُ ؟ فَقُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَمَنْ يُكْرِمُهُ اللَّهُ ؟ فَقَالَ: أَمَّا هُوَ فَقَدْ جَاءَهُ الْيَقِينُ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو لَهُ الْخَيْرَ، وَاللَّهِ مَا أَدْرِي وَأَنَا رَسُولُ اللَّهِ مَا يُفْعَلُ بِي، قَالَتْ: فَوَ اللَّهِ لَا أُزَكِّي أَحَدًا بَعْدَهُ أَبَدًا ))

 

[ البخاري ]

 إذاً: الجزم ليس من صفات الموحِّدين، كيف فلان ؟ والله يبدو أنه صالح، والله أعلم، هذا ليس طعناً فيه، كل إنسان يتألَّم، وينزعج من هذا الوصف يكون جاهلا، يبدو لي أنه صالحٌ، والله أعلم.
 ألم تسمعوا يوم الاثنين الماضي أن رملة بنت أبي سفيان، أم حبيبة زوج عبيد الله بن جحش، الصحابي الجليل، الذي هاجر إلى الحبشة، ماذا فعل هناك ؟ ارتدَّ عن دينه، وعاقر الخمرة حتَّى مات، وخيَّرها بين أن يطلِّقها وبين أن تتنصَّر.
 إذاً: القلب بين إصبعين من أصابع الرحمن، أما على وجه الجزم لا ينبغي أن تقول: فلان من أهل الجنَّة. هذا تألي على الله.
 إذاً:

 

﴿ رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ﴾

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ(33) ﴾

( سورة آل عمران)

يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ

الأنبياء صفوة البشر:

 الأنبياء صفوة الله من خلقه، تعريف النبوَّة سهل: النبي إنسانٌ لا ينقطع عن الله طرفة عين، المؤمن ساعة وساعة، والقصَّة المعروفة عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ عَنْ حَنْظَلَةَ الْأُسَيِّدِيِّ قَالَ:

(( لَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: كَيْفَ أَنْتَ يَا حَنْظَلَةُ ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ، قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ ! مَا تَقُولُ ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَكُونُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ فَنَسِينَا كَثِيرًا، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَوَاللَّهِ إِنَّا لَنَلْقَى مِثْلَ هَذَا، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَمَا ذَاكَ ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَكُونُ عِنْدَكَ تُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ نَسِينَا كَثِيرًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنْ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي وَفِي الذِّكْرِ لَصَافَحَتْكُمْ الْمَلَائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ، وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ، سَاعَةً وَسَاعَةً، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ))

[ مسلم ]

 عَنِ أَبِي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

(( تَنَامُ عَيْنِي وَلَا يَنَامُ قَلْبِي ))

 

[ مسلم ]

﴿ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ﴾

 لكن من يشاء، على من اصطفاهم، هم صفوة الخلق، هم قِمَم البشر، هم المعصومون المنزَّهون، المخلصون.

﴿ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ ﴾

لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ

 إذاً: نحن مخلوقون لهذا اليوم يوم الجزاء نحن في دار بلاء، نحن في دار عمل، نحن الآن في المدرسة، لكن النتائج سوف تصدر يوم القيامة، لهذا يقول سيدنا علي: <<الغنى والفقر بعد العرض على الله>>.

﴿ يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ ﴾

يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ

كلُّ إنسان يبدو يوم القيامة على حقيقته:

 الإنسان في الدنيا يتجمَّل، له حقيقة وله مظهر، له مخبر وله مظهر، بإمكانه أن يتظاهر بالغنى وهو فقير، يتظاهر بالعلم وهو جاهل، يتظاهر بالصلاح وهو مُجْرِم، في الدنيا في مجال، لكن يوم القامة تبدو على حقيقتك من دون زيفٍ أو تزوير.

﴿ وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾

( سورة الكهف: من الآية 48 )

 فالإنسان مهما طلى نفسه بطلاءٍ مزيَّف، مهما تظاهر في الدنيا، مهما تظاهر بالصلاح، مهما تظاهر بالورع، مهما حَسَّنَ سمعته، مهما كان منضبطاً أمام الناس، إذا كان له خلوة لا ترضي الله هو ساقطٌ من عين الله، لا تنسوا هذين القولين: " من لم يكن له ورعٌ يصدُّه عن معصية الله إذا خلا، لم يعبأ الله بشيءٍ من عمله ".

 

(( ركعتان من ورع خيرٌ من ألف ركعةٍ من مخلِّط))

 

﴿ يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ ﴾

لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ

 مكشوف، أحد العارفين قال:

والله لو علموا قبيح سريرتي  لأبى السلام عليَّ من يلقاني
***

1 ـ الحقيقة المهمة أن تكون عند الله كبيرا ولو كنت في الدنيا صغيرا:

 من رحمة الله بنا في الدنيا أن ولحكمةٍ بليغةٍ ورحمةٍ عميمةٍ يظهر من الإنسان الجميل، ويستر القبيح، الله من أسمائه الستّير، الإنسان يبدو للناس بأجمل مظهر، يبدو للناس بأنعم طريق، سلوك متوازن، هادئ، فيه اتِّزان، فيه قبول، لكن الإنسان قد يكون له حقيقة ثانية لا ترضي الله عزَّ وجل، هذا ساقطٌ من عين الله.
 بالمناسبة أيها الإخوة، لأن يسقط الإنسان من السماء إلى الأرض فتتحطّم أضلاعه خيرٌ له من أن يسقط من عين الله.
 قد تكون فقيرا، هذه ليست مشكلة، لكنك عند الله كبير، قد تكون ضعيفا، عاملا على آلة كاتبة، موظَّفا صغيرا في الدرجة العاشرة، وراء الباب، وضِعْتَ تحت الدرج، لكن قد تكون عند الله كبيراً.
 عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( كَمْ مِنْ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ لَا يُؤْبَهُ لَهُ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ ))

[ الترمذي ]

 قد يكون لك منزل في أطراف المدينة، غرفة واحدة، لكنك عند الله كبير، لكن المشكلة أن يسقط الإنسان من عين الله، الإنسان يتقرَّب إلى الله بالطاعة، بالاستقامة، بخدمة الخلق، بالنيات الطيبة، بحب الخير، بسلامة الطويَّة، ببراءة السَجِيَّة، بهذا يتقرَّب، أما إذا كان له مظهر فخم وهو خبيث الطويَّة، سيئ النيَّة، يغدر، يتآمر، يتحايل، له وجهان ؛ وجهٌ يرضي، ووجهٌ لا يرضي، فهذا ساقطٌ من عين الله، لا تبحث عن قيمتك عند الناس لا قيمة لها إطلاقاً.
 أنا أقول هذا المثل دائماً: لو أن معك كيلو معدن، وكنت أذكى الأذكياء، وأوهمت الناس أنه ذهب، وهو من أرخص المعادن ـ حديد ـ لو أوهمت الناس بطلاقة لسان، وبذكاءٍ بارع، وباحتيالٍ، وبحنكةٍ أنه ذهب، فصدَّق الناس أنه ذهب، وهو ليس ذهباً، من هو الخاسر ؟ أنت، ماذا ينفعك أن يظنَّ الناس أن هذا المعدن ذهب، وهو ليس ذهباً ؟
 لو أن هذا المعدن كان ذهباً خالصاً، واتهمك الناس جميعاً بأنك لا تملك إلا هذا المعدن الخَسيس، هل يهمُّك ذلك ؟ قيمته فيه، أي أن خيرك منك وشرُّك منك، سعادتك منك وشقاؤك منك، لا تلتفت لأقوال الناس فيك، والذي يهتم كثيراً بالمظاهر هذا إنسان شقي، فالعظماء يحتاطون، رحم الله عبداً جَبَّ المغيبة عن نفسه، ولكن أن تؤلِّه الناس، وتخشى ذمَّهم، وتخشى انتقادهم، ولا تنام الليل إذا هُزَّت سُمْعَتُكَ، هذه المبالغة الشديدة هذه ضعفٌ في إخلاصك، فإذا كان الله راضٌ عنك فهو القصد الأخير والأول، ثم ليقُل الناس ما شاءوا أن يقولوا، وقد قيل: "من عرف نفسه ما ضرَّته مقالة الناس فيه ".
 إذاً:

 

﴿ يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ ﴾

 

2 ـ لا ينفعك شيء بغير استقامة وعمل صالح:

 أقول لكم هذه الكلمة والله من قلبٍ مخلص لكم: مهما تكلَّمت أنا أحاسب حسابا خاصا، أحاسب هل أنت مصِّدقٌ لما تقول ؟  فمهما بدوت لكم متكلِّماً بارعاً، لا قيمة لها عند الله ما لم أطبِّق ما أقول، وأنتم مهما أصغيتم، وداومتم، لا قيمة لسماعكم ما لا تلتزموا، أنا سوف أُحاسب، المتكلِّم سوف يُحاسَب، والمستمع سوف يُحاسَب، المتكلِّم لا ينفعه أن يكون كلامه فصيحاً، بل ينفعه أن يكون عمله مستقيماً، والمستمع لا ينفعه إصغاؤه، بل ينفعه تطبيقه، فلا يكفي أن تنضمَّ إلى المسجد، ولا يكفي أن تحضر مجالس العلم، لابدَّ من التطبيق، وأنا أيضاً معكم لا يكفيني أن أنطلق في الحديث عن الله عزَّ وجل، لابدَّ من أن أكون عند مستوى القول، وإلا سيندم الإنسان يوم القيامة ندماً شديداً.
 إذاً:

﴿ يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ ﴾

 فالإنسان مع أخيه الإنسان يغيِّر، يسحب ورقة من الإضبارة، يسحب ضبط الشرطة، يزوّر، يضيف، يغيِّر التواريخ، يغيِّر التواقيع، يأتي بشهود كاذبين، الإنسان يغيِّر ويبدِّل، لكن الإنسان مع الله عزَّ وجل بارزٌ على حقيقته، مكشوف، ليس في إمكانه أن يفعل شيئاً، ولا أن يبدِّل شيئاً، ولا أن يغيِّر شيئاً، ولا أن يمحو شيئاً، ولا أن يضيف شيئاً أبداً.

﴿ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ ﴾

 وأبلغ من ذلك أن الله عزَّ وجل يعلم السرَّ وأخفى، يعلم ما أسررت، وما يخفى عنك أنت، طبعاً، علم ما كان، وعلم ما يكون، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون، يعلم ما خفي عنك أيضاً.
 في بعض التفاسير: ينادي منادٍ يوم القيامة:

 

﴿ لِمَنْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ﴾

 يأتي جواب الخلق جميعاً:

 

﴿ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ﴾

3 ـ الإيمان خيارُ وقتٍ:

 أيها الإخوة، واليوم الحالي قبل يوم القيامة، ونحن في هذا العالَم، ونحن في هذا الواقع، لمن الملك اليوم ؟ لله الواحد القهَّار، لكن هذه الحقيقة يراها المؤمنون، ولا يراها الكفَّار، الكفَّار يرون فلانا صاحب البيت الأبيض هو أقوى الأقوياء، يرون فلانا صاحب الأسلحة الفتَّاكة، هذه الحقيقة، ولكن يراها المؤمنون في الدنيا ولا يراها الكفَّار، أما هذه الحقيقة نفسها يوم القيامة يراها جميع الخلق، هذا هو الفرق.
 نعود إلى القول: إن قضية الإيمان قضية وقتٍ ليس غير، فإن لم تؤمن الآن فلابدَّ من أن تؤمن بعد فوات الأوان، ليس لك خيار، مهما عتا الإنسان وطغى وبغى أيكون كفرعون الذي قال:

﴿ أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى(24) ﴾

( سورة النازعات )

 ومع ذلك حينما أدركه الغرق قال:

﴿ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ(90) ﴾

( سورة يونس )

 أسلم، معنى هذا أن الإيمان قضية وقت، هذا هو الذكاء، هذا هو العقل، إن لم تؤمن الآن لابدَّ من أن تؤمن، ولكن الحسرة إن آمنت بعد فوات الأوان لا ينفعك هذا الإيمان شيئاً.
 فالسؤال إما أن تعرف جوابه وأنت على طاولة الامتحان، أو أن تعرف الجواب بعد الامتحان، تخرج، وتأخذ الكتاب، وتقرأ، وإذا عرفت هذا بعد الامتحان فلا قيمة لهذه المعرفة، أما البطولة أن تعرف هذا وأنت على طاولة الامتحان، إذا القضيَّة قضيَّة وقت.
 إذا كان الشيء متعلِّقًا بالوقت فالعقل، والمنطق، والذكاء، والحِنْكة، والتفوُّق، والفوز، والنجاح يأمرك أن تفعله الآن، لا تقل: سوف، سوف سلاح إبليس، وقيل: هلك المسوِّفون، والشيطان إذا أراد أن يأتيك عن يمينك يقول لك: سوف تتوب، وكل إنسان يعلِّق توبته على حدث قادم إنسان جاهل، قد لا يبلغ هذا الحدث.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018